النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب بَدْء الوَحْي لَهُ بال عظيم، وقد صحَّ من حديث أبي هريرة ﴾ - عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر أمير المدينة النبوية عَلَى ساكنها أفضل الصلاة والسلام- أن رسول الله وَل﴿ قَالَ: ((كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجزم)) رواه أبو داود والنسائي في ((سننهما))(١)، كذلك وابن ماجه في ((سننه)) بلفظ: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع)) (٢). ورواه الحافظ عبد القادر الرهاوي(٣) في ((أربعينه)) بلفظ: ((بذكر الله وببسم الله الرحمن الرحيم))(٤). (١) أبو داود (٤٨٤٠)، والنسائي في ((الكبرى)) ١٢٧/٦ - ١٢٨ (١٠٣٢٨)، من طريق الوليد عن الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا به، لكن في النسائي بلفظ: أقطع. (٢) ابن ماجه (١٨٩٤) من طريق عبيد الله بن موسى، عن الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا به. ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن الأعرابي في ((معجمه)) (٣٦٢)، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) (١) بزيادة: (فهو). أي: فهو أقطع. (٣) هو الإمام أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي الحنبلي، ولد سنة ٥٣٦ هـ بالرها، ونشأ بالموصل، وتوفي سنة ٦١٢هـ. قال الذهبي: عمل ((الأربعين المتباينة الإسناد والبلدان)) فدل على حفظه ونبله، وله فيها أوهام. انظر في ترجمته: ((معجم البلدان)) ٣/ ١٠٦، ((البداية والنهاية)) ١٣/ ٨٢، ((سير أعلام النبلاء)) ٧١/٢٢- ٧٥، ((تاريخ الإسلام)) ١٠٨/٤٤ - ١١٠. (٤) رواه من طريقه السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) ١٢/١ ولفظه: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) وفيه أحمد بن محمد بن عمران، قال الخطيب: كان يضعف في روايته، ويطعن عليه في مذهبه، وسئل الأزهري عنه فقال: ليس بشيء. اهـ وقال العتيقي: كان يرمى بالتشيع، وكانت له أصول حسان. اهـ وقال الذهبي: شيعي. أنظر: ((تاريخ بغداد)) ٧٧/٥، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٥٦/١٦، ((ميزان الاعتدال)) ١٤٧/١. والحديث ضعفه الألباني في ((إرواء الغليل)) ٢٩/١ (١). ١٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ورواه أبو عوانة وأبو حاتم ابن حبان في صحيحيهما (١). قَالَ ابن الصلاح: ورجاله رجال الصحيحين سوى قرة بن عبد الرحمن، فإنه ممن أنفرد مسلم عن البخاري بالتخريج له (٢). قَالَ: وهو حدیث حسن (٣). قُلْتُ: بل صحيح كما أسلفناه عن ذينك الإمامين (٤)، وقد تابع سعيد (١) أبو عوانة كما في ((الإتحاف)) ٧٢/١٦ (٢٠٤٠٤)، وابن حبان (١) من طريق عبد الحميد بن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن قرة به، بلفظ: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع)». قلت: ورواه أيضًا الخليلي في ((الإرشاد)) ٤٤٨/١ (١١٨) بسنده ومتنه، وأحمد ٢٥٩/٢ من طريق ابن المبارك عن الأوزاعي عن قرة به، بلفظ: ((كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله، فهو أبتر)) أو قال: ((أقطع)). والدارقطني ٢٢٩/١ من طريق موسى بن أعين عن الأوزاعي، عن قرة به، بلفظ: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله أقطع))، والبيهقي ٢٠٨/٣ - ٢٠٩ من طريق أبي المغيرة، عن الأوزاعي عن قرة به، بلفظ: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع)). والحديث مداره على قرة بن عبد الرحمن، وهو متكلم فيه، قال أحمد: منكر الحديث جدًّا، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بقوي. انظر: ((الجرح والتعديل)) ٧/ ١٣١ - ١٣٢ (٧٥١)، ((تهذيب الكمال)) ٥٨١/٢٣ - ٥٨٣. وفيه علة أخرى وهى اضطرابه في متن الحديث، قال الألباني: فهو تارة يقول: ((أقطع))، وتارة: ((أبتر))، وتارة: ((أجذم))، وتارة: يذكر الحمد، وأخرى يقول: ((بذكر الله)). اهـ ومن ثمَّ فقد حكم عليه بالضعف. ((إرواء الغليل)) ٣١/١ - ٣٢. (٢) قال تاج الدين السبكي في ((طبقاته)) ٩/١: وأنا أقول: لم يخرج له مسلم إلا في الشواهد مقرونًا بغيره، وليس لها حكم الأصول. اهـ (٣) وممن حكم عليه أيضًا بالحسن النووي في ((شرح مسلم)) ٤٣/١، والمصنف في ((البدر المنير)) ٥٢٨/٧، والعجلوني في ((كشف الخفاء)) ١١٩/٢ (١٩٦٤). (٤) وممن حكم بصحة هذا الحديث مع الكلام على طرقه وألفاظه ومحاولة التوفيق بينها مستفيضًا تاج الدين السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٥/١- ٢٤. ١٢٣ كتاب بَدْء الوَحْي ابنُ عبد العزيز قرةَ، كما أخرجه النسائي(١) فلم ينفرد به إذًا، فلا يلتفت إلى تضعيف ابن الصباغ (٢) -من أصحابنا- في ((شامله)) ولا إلى القاضي الحسين(٣)؛ حيث نقل ذَلِكَ عن الأصحاب، ولا إلى كونه روي مرة (١) ((السنن الكبرى» ١٢٧/٦ (١٠٣٢٩) مرفوعًا، وقال النووي في ((شرح مسلم)» ١/ ٤٣ : إسنادها جيد.اهـ قلت: وتابعه أيضًا يونس بن يزيد كما رواه الخليلي في ((الإرشاد)) ٤٤٩/١ من طريق إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((كل أمر لم يُبْدأ فيه بحمد الله، والصلاة عليّ فهو أقطع، أبتر، ممحوق من كل بركة)). قال الخليلي: إسماعيل بن أبي زياد شيخ ضعيف. اهـ، وقال أيضًا: ولا يعتمد على رواية إسماعيل عن يونس.اهـ وقال الرهاوي كما في ((فيض القدير)) ١٩/٥: غريب، تفرد بذكر الصلاة فيه إسماعيل بن أبي زياد وهو ضعيف جدًّا لا يعتبر بروايته ولا بزيادته.اهـ وقال السبكي في ((طبقاته)) ٤/١: حديث غير ثابت.اهـ (٢) الإمام، العلامة، شيخ الشافعية، أبو نصر، عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر البغدادي الفقيه المعروف بابن الصباغ، مصنف كتاب ((الشامل)) وكتاب ((الكامل)) وكتاب ((تذكرة العالم والطريق السالم))، ولد سنة ٤٠٠ هـ، قال ابن خلكان كان تقيًّا صالحًا. توفي ٤٧٧هـ. انظر ترجمته في: ((المنتظم)) ١٢/٩- ١٣، ((الكامل)) ١٤١/٣، ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢٩٩/٢ (٥٧٠)، ((وفيات الأعيان)) ٢١٧/٣، ٢١٨ (٣٩٩)، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٦٤/١٨، ٤٦٥ (٢٣٨)، ((شذرات الذهب)) ٣٥٥/٣. (٣) القاضي حسين بن محمد بن أحمد، العلامة شيخ الشافعية بخراسان، أبو علي المروزي ويقال أيضًا: المروروذي الشافعي حدث عن أبي نعيم سبط الحافظ أبي عوانة، وحدث عنه عبد الرزاق المنيعي، ومحيي السنة البغوي، وجماعة، له ((التعليقة الكبرى))، و((الفتاوى)) وغير ذلك وكان من أوعية العلم مات ٤٦٢هـ انظر ترجمته في: ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٦٤/١، ((وفيات الأعيان)) ٢/ ١٣٤، ١٣٥ (١٨٣)، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٦٠/١٨، ٢٦١، (١٣١)، ((كشف الظنون)) ٤٢٤/١، ((شذارت الذهب)) ٣١٠/٣. ١٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == مرسلًا(١)؛ لأن الحكم للاتصال عند الجمهور؛ لأنها زيادة من ثقة فقبلت(٢). قُلْتُ: عنه سبعة أجوبة: أحدها: أن هذا الحديث ليس عَلَى شرطه في قرة السالف. ثانيها: عَلَى تقدير تسليم صحته عَلَى شرطه أن المراد بالحمد الذكر لأ مرين : أحدهما: أنه قَدْ روي ((بذِكْر الله)) بدل ((حمد الله)) كما سلف. ثانيهما: تعذر استعماله؛ لأن التحميد إنْ قُدّم عَلَى التسمية خولف فيه العادة، وإن ذكر بعدها لم يقع به البداءة، فثبت بهذين الأمرين أن المراد به الذكر، وقد بدأ به لإتيانه بالبسملة أولًا، فالحمد: الثناء عَلَى الله تعالى، وقد أثنى البخارى عليه بإتيانه بالتسمية أولًا، وهي من أبلغ الثناء، ولأنها أفضل آي القرآن - كما قَالَه الروياني(٣) في (١) رواه مرسلًا النسائي في ((السنن الكبرى)) ١٢٧/٦ (١٠٣٣٠)، وقال أبو داود في ((سننه)) بعد حديث (٤٨٤٠): رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن النبي ◌ُّ مرسلًا. ورجح الدارقطني إرساله كما في ((سننه)) ١/ ٢٢٩، ((العلل)) ٢٩/٨ - ٣٠. قال الألباني في ((الإرواء)) ٣١/١: وهو الصواب؛ لأن هؤلاء الذين أرسلوه أكثر وأوثق من قرة. اهـ (٢) قلت: بل ليس بثقة، أنظر ما سبق من كلام الأئمة الحفاظ فيه، وزِدْ عليه: قال الآجري عن أبي داود: في حديثه نكارة. وقال أيضًا: سألت أبا داود عن عقيل وقرة فقال: عقيل أحلى منه. وقال يحيى بن معين: كان يتساهل في السماع وفي الحديث، وليس بكذاب. انظر: ((تهذيب التهذيب)) ٤٣٨/٣. (٣) القاضي العلامة، فخر الإسلام، شيخ الشافعية، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد الروياني، الطبري، الشافعي مولده في آخر سنة ٤١٠ هـ، وتفقه ببخارى مدة، ارتحل في طلب الحديث والفقه جميعًا، وبرع في الفقه، ومهر وناظر، وصنف التصانيف الباهرة منها ((البحر)) و((مناصيص الشافعي)) = ١٢٥ كتاب بَدْء الوَحْي = ((البحر))- وقد أسلفنا في رواية بالبسملة بدل الحمد؛ وأيضًا فكتابه العزيز مفتتح بها، وكُتُب رسوله عليه أفضل الصلوات والسلام مبتدأة بها؛ فلذلك تأسی البخاري بها. ثالثها: وهو قريب مما قبله، أن بعض الذكر يقوم مقام البعض كما قاله اَلله حكاية عن الله تعالى: ((مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)) (١) فكذلك التسمية هنا تقوم مقامه، وكذا قوله وَجر: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قُلْتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له))(٢) الحديث، قيل لسفيان: هذا ثناء وليس بدعاء فأنشد: إِذَا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء = و((حلية المؤمن)) و((الكافي)) قتل سنة إحدى وخمسمائة بيد الإسماعيلية بجامع آمل. أنظر ترجمته في: ((الأنساب)) ١٨٩/٦، ١٩٠، ((المنتظم)) ١٦٠/٩، ((معجم البلدان)) ١٠٤/٣، (الكامل في التاريخ)) ٤٧٣/١٠، ((اللباب)) ٤٤/٢، ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢٧٧/٢ (٤٦٤)، ((سير أعلام النبلاء)) ٢٦٠/١٩ (١٦٢). (١) رواه الترمذي (٢٩٢٦) من حديث أبي سعيد، وقال: هذا حديث حسن. ورواه البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (٤٢٧)، والبيهقي في ((الشعب)) ٤١٣/١ (٥٧٢) كلاهما عن ابن عمر. قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٤٦/٦ ليس يجيء هذا الحديث فيما علمت مرفوعًا إلا بهذا الإسناد، وصفوان بن أبي الصهباء وبكير بن عتيق رجلان صالحان وله طرق أخرى كثيرة كلها ضعيفة، والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٣٣٥)، (٤٩٨٩). (٢) رواه مالك ص ١٥٠ رواية يحيى، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٧٨/٤ (٨١٢٥)، والفاكهي في ((أخبار مكة)) ٢٥/٥ (٢٧٦٠)، والمحاملي في ((الدعاء)) (٦٥)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٢٨٤/٤، وفي ((فضائل الأوقات)) (١٩١)، والبغوي في (شرح السنة)) ١٥٧/٧ (١٩٢٩) من حديث عبيد الله بن كريز مرسلًا، قال البيهقي: هذا مرسل حسن. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٥٠٣). ١٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == رابعها: أن الذي اقتضاه لفظ الحمد أن يحمد لا أن يكتبه، والظاهر أنه حمد بلسانه. خامسها: أن الأمر به محمول عَلَى ابتداءات الخطب دون غيرها، زجرًا عما كانت الجاهلية عليه من تقديم الشعر المنظوم والكلام المنثور، وإنما كان ذَلِكَ لثلاثة أمور: أحدها: ما روي أن أعرابيّا خطب فترك التحميد فقال وَّيقول: ((كل أمر ذي بال)) إلى آخره(١). ثانيها: أن أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ﴾(٢) [العلق: ١] وقيل: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾(٣) [المدثر: ١]. وليس في ابتدائهما حمد الله، فلم يجز أن يأمر الشارعُ بما كتابُ الله عَلَى خلافه(٤). ثالثها: أن خبر الشارع لا يجوز أن يكون خلاف مخبره وقد قَالَ: (فهو أجذم)) وروي (أبتر)). و((صحيح البخاري)) أصح المصنفات وأنفع المؤلفات، فعلم بهُذِه الأمور أنه محمول عَلَى الخطب دون غيرها من المصنفات والكتب. سادسها: أن هذا الحديث منسوخ بأنه 4* لما صالح قريشًا عام (١) قال العيني في ((عمدة القاري)) ١/ ١٣: وفيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. اهـ (٢) سيأتي برقم (٤٩٢٢) كتاب: التفسير، ورواه مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله وَل﴾. (٣) سيأتي برقم (٤٩٥٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾﴾ [العلق: ٣]، ورواه مسلم (١٦٠) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله أَل ؤ. (٤) قال العيني في ((عمدة القاري)) ١٣/١: وهذا ساقط جدًّا؛ لأن الاعتبار بحالة الترتيب العثماني لا بحالة النزول؛ إذ لو كان الأمر بالعكس، لكان ينبغي أن يترك التسمية أيضًا.اهـ ١٢٧ كتاب بَدْء الوَحْي -- الحديبية كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو)) (١) فلولا نَسْخُه لما تركه، وهذا بعيد، وأي دليل دلنا عَلَى النسخ فقد يكون الترك لبيان الجواز. سابعها: إنما تركه لأنه راعى قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾ [الحجرات: ١]. فلم يقدم بين يدي الله ولا رسوله شيئًا، وابتدأ بكلام رسوله عوضًا عن كلام نفسه (٢)، وانضم إلى ذَلِكَ ما سلف أنه ي خطب به عند قدومه المدينة، وخطب به عمر أيضًا، فجعله البخاري خطبة لكتابه(٣). فإن قُلْتَ: فقد قدم الترجمة فالجواب: أنها وإن تقدمت لفظًا فهي كالمتأخرة تقديرًا؛ لتقدم الدليل عَلَى مدلوله وضعًا وفي حكم التبع، وبهذا يندفع سؤال آخر وهو: لم قدم السند عَلَى المتن؟ الأمر الثالث: إن قُلْتَ: لِمَ لَمْ يبتدئ البخاري -رحمه الله- بخطبة في أول ((صحيحه)) كما فعله مسلم رحمه الله؟ قُلْتُ: لأنه خطب بالحديث للتأسي كما سلف، ونعم السلف. الرابع: سألني بعض الفضلاء في الدرس عن السر في ابتداء البخاري بهذا الحديث مختصرًا كما سلف عند إيراده، (ولِمَ لَمْ يذكره) (٤) (١) رواه مسلم (١٧٨٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: صلح الحديبية في الحديبية، من حديث أنس. (٢) قال العيني في ((عمدة القاري)) ١/ ١٣: الآتي بالتحميد ليس بمقدم شيئا أجنبيًّا بين يدي الله ورسوله، وإنما هو ذكره بثنائه الجميل لأجل التعظيم على أنه مقدم بالترجمة وبسوق السند، وهو من كلام نفسه، فالعجب أن يكون بالتحميد الذي هو تعظيم الله تعالى مقدما ولا يكون بالكلام الأجنبي.اهـ. (٣) ورد في هامش (ف): بلغ مقابلة بحمد الله وعونه. (٤) في (ف): ولم لا ذكره، ولعل الصواب ما أثبتناه لمناسبة السياق. ١٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == مطولًا كما ذكره في غيره من الأبواب؟ فأجبته في الحال بأن عمر قاله عَلَى المنبر وخطب به، فأراد التأسي به، لكن البخاري ذكره أيضًا مطولًا في ترك الحيل(١)، وفيه: أنه خطب به أيضًا كما ستعلمه، وقد قَالَ بعضهم: إن في الحديث ما يقوم مقام الترجمة من إعلام الناظر في كتابه أنه إنما قصد تأليفه وجمعه وجه الله تعالى، وتوصيته لَهُ أن يحذو حذوه ويفرغ جهده في طلب الإخلاص فيه، يحصل الفوز والخلاص. وقد قَالَ ابن مهدي الحافظ: من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بهذا الحديث(٢). وقال: لو صنفت كتابًا لبدأت في كل باب منه بهذا الحديث (٣)، وقال الخطابي(٤) نقلًا عن الأئمة: ينبغي لمن صنف كتابًا أن يبتدئ بهذا الحديث؛ تنبيهًا للطالب عَلَى تصحيح النية، ولعموم الحاجة إليه. (١) سيأتي برقم (٦٩٥٣). (٢) رواه البيهقي في ((السنن الصغرى)) ٢٠/١ (٣). (٣) ذكره ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) ١/ ٦١. ونقل الترمذي ١٨٠/٤ عقب الرواية (١٦٤٧) عن ابن مهدي قوله: ينبغي أن نضع هذا الحديث في كل باب. (٤) هو أبو سليمان حمد -وقيل: أحمد- بن محمد بن إبراهيم الخطّابي، نسبة إلى زيد بن الخطاب البُستي، ولد في مدينة (بُست) في شهر رجب سنة تسع عشرة وثلاثمائة من الهجرة نشأ بها للعلم مجتهدًا في تحصيله من كل سبيل، وطوّف من أجله في البلاد الإسلامية شرقًا وغربًا، تفقه على يد أبي بكر القفال الشاشي، وسمع الحدیث بمكة المكرمة من أبي سعيد بن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد شيخ الحرم، وصنف فأبدع، ومن مصنفاته ((أعلام الحديث))، ((معالم السنن))، ((غريب الحديث)). توفي يوم السبت السادس عشر من ربيع الثاني سنة ست وثمانين (بُست). انظر: وقيل: ثمان وثمانين وثلاثمائة من الهجرة المباركة بمدينة ((الأنساب)) ٢/ ٢١٠، ((المنتظم)) ٣٩٧/٦، ((معجم البلدان)) ٤١٥/١، ((اللباب)) ١٥١/١، (وفيات الأعيان)) ٢١٤/٢ - ٢١٦ (٢٠٧)، ((سير أعلام النبلاء)) ١٧/ ٢٣ - ٢٨ (١٢)، ((شذرات الذهب)) ١٢٧/٣، ١٢٨. ١٢٩ كتاب بَدْء الوَحْي = الخامس: بدأ البخاري -رحمه الله- بإخلاص القصد وختمه بالتسبيح حيث أورد في آخره حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن)) إلى آخره (١)؛ لأن به تتعطر المجالس وهو كفارة لما قد يقع من الجالس، والله تعالى يهدينا إلى صراطه القويم، ويعيذنا من الشيطان الرجيم. إِذَا تقررت هذِه الأمور فلنرجع إلى الكلام عَلَى الحديث، وهو من ثلاثة وأربعين وجهًا : أولها: في تعداد المواضع التي خرجه البخاري فيها: ونحن نسلك - إن شاء الله تعالى - هذا الأسلوب، نذكر في أول موضع ذُكِرَ فيه الحديث جميع طرقه إِذَا كان مكررًا؛ ليحال ما يقع بعد ذَلِكَ عليه. فنقول: ذكره البخاري هنا مختصرًا وهو مشهور بالطول، وساقه عنه الداودي بالسند المذكور مطولًا في أول ((شرحه)) ولم أرَ ذَلِكَ في نسخه، فتنبه لَهُ. قَالَ الخطابي: ولست أشك في أن ذَلِكَ لم يقع من جهة الحميدي، فقد رواه لنا الأثبات من طريقه مطولً(٢)، قُلْتُ: وقد ذكره في ستة مواضع أخرى من ((صحيحه)) عن ستة شيوخ أخرى أيضًا : أولها: في الإيمان، في باب: ما جاء أن الأعمال بالنية، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثنا مالك عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر أن رسول الله وَل﴿ قَالَ: (١) سيأتي برقم (٧٥٦٣) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. (٢) (أعلام الحديث)) ١٠٩/١. ١٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح س= ((الأَعْمَالُ بِالنَِّّةِ، وَلِكُلِّ آمْرِئٍ مَا نَوىُ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ آمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))(١). وهُذِهِ الزيادة وهي: ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ)) أنسب بهذا الموضع، وإن كان يقال: إنه استغنى عنها هنا بقوله: ((فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) كأنه يفهم أن كل من هاجر إلى شيء فهجرته إليه، من شأنه العدول إلى الاستدلال الخفي مع الإمكان بالظاهر الجلي. ثانيها: في العتق، في باب: الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، عن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، ثنا يحيى بن سعيد، عن محمد، عن علقمة قَالَ: سمعت عمر يقول: عن النبي ◌َّهُ قَالَ: ((الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلإِمْرِئٍ مَا نَوِىُ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ .. )) الحديث بمثل اللفظ الذي قبله(٢). ثالثها: في باب: هجرة النبي ◌َّ عن مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن يحيى، عن محمد، عن علقمة: سمعت عمر قَالَ: سمعت النبي ◌َّ، يقول: ((الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ آمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ))(٣) . رابعها: في النكاح، في باب: من هاجر أو عمل خيرًا لتزويج أمرأة فله ما نوى، عن يحيى بن قزعة، حَدَّثَنَا مالك، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن علقمة، عن عمر قَالَ: قَالَ رسول الله وَلّ : (١) سيأتي برقم (٥٤). (٢) سيأتي برقم (٢٥٢٩). (٣) سيأتي برقم (٣٨٩٨). ١٣١ كتاب بَدْء الوَحْي = ((العمل بالنية، وإنما لامرئ ما نوى .. )) الحديث بلفظه في الإيمان، إلا أنه قَالَ: ((ينكحها)) بدل ((يتزوجها))(١). خامسها: في الأيمان والنذور، في باب: النية في الأيمان، عن قتيبة بن سعيد، ثنا عبد الوهاب: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر يقول: سمعت رسول الله وَّمن: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِإِمْرِئٍ مَا نَوىُ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ آمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا (فَهِجْرَتُهُ) (٢) إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))(٣). سادسها: في ترك الحيل، في باب: في ترك الحيل وأن لكل أمرئ ما نوى في الأيمان وغيره، عن أبي النعمان محمد بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، عن يحيى، عن محمد، عن علقمة قَالَ: سمعت عمر يخطب قَالَ: سمعت النبي ◌َّهِ يقول: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لإِمْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ آَمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»(٤). وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) في آخر كتاب الجهاد، عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك بلفظ: ((إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى)) (٥) (١) سيأتي برقم (٥٠٧٠). (٢) في (ف): هجرته، والصواب ما أثبتناه كما في البخاري (٦٦٨٩). (٣) سيأتي برقم (٦٦٨٩)، وورد بهامش (ف): ثم بلغ ثانيًا له مؤلفه. (٤) سيأتي برقم (٦٩٥٣). (٥) رواه برقم (١٩٠٧) كتاب: الإمارة. ١٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الحديث مطولًا. وأخرجه أيضًا عن محمد بن رمح بن المهاجر، عن الليث، وعن أبي الربيع العتكي، عن حماد بن زيد، وعن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي خالد الأحمر، وعن ابن نمير، عن حفص بن عتاب، ويزيد بن هارون، وعن محمد بن العلاء، عن ابن المبارك، وعن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، كلهم عن يحيى بن سعيد، عن محمد، عن علقمة، عن عمر، وفي حديث سفيان: سمعت عمر عَلَى المنبر يخبر عن رسول الله ﴿قَلِ﴾(١). وأخرجه أبو داود في الطلاق عن محمد بن كثير، عن سفيان(٢). والترمذي في الحدود عن ابن المثنى، عن الثقفي(٣). والنسائي عن يحيى بن حبيب، عن حماد بن زيد، وعن سليمان بن منصور عن ابن المبارك، وعن إسحاق بن إبراهيم عن أبي خالد الأحمر، وعن عمرو بن منصور، عن القعنبي، وعن الحارث عن ابن القاسم جميعًا عن مالك ذكره في أربعة أبواب من ((سننه))(٤): الأيمان(٥)، والطهارة (٦)، والرقاق، والطلاق (٧)، ورواه ابن ماجه في الزهد من (١) (١٩٠٧) كتاب: الإمارة. (٢) ((سنن أبي داود)) (٢٢٠١). (٣) ((سنن الترمذي)) (١٦٧٤). (٤) الحديث في الطهارة، والأيمان، والطلاق من ((المجتبى))، وفي الرقائق من ((السنن الكبرى)) كما في «تحفة الأشراف)» ٨/ ٩٢-٩٣ عن سويد بن نصر عن ابن المبارك. (٥) ((سنن النسائي)) ١٣/٧. عن إسحاق بن إبراهيم. (٦) ((سنن النسائي))٥٨/١- ٦٠. عن يحيى بن حبيب، وعن سليمان بن منصور. (٧) ((سنن النسائي)) ١٥٨/٦ - ١٥٩، عن عمرو بن منصور، وعن الحارث بن مسكين. ١٣٣ كتاب بَدْء الوَحْي = ((سننه)) عن أبي بكر عن يزيد بن هارون، وعن ابن رمح، عن الليث، كل هؤلاء عن يحيى، عن محمد، عن علقمة، عن عمر به (١). ورواه مع هؤلاء الستة -أعني: البخاري، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه- الإمام الشافعي في ((مختصر البويطي)) والإمام أحمد في ((مسنده)(٢)، والدارقطني(٣)، والبيهقي(٤) وأبو حاتم ابن حبان في (صحيحه)) المسمى بـ ((التقاسيم والأنواع))(6)، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى الإمام مالك فإنه لم يخرجه في ((موظّئِه))(٦). نعم رواه (خارجه)(٧)، كما علمته من طرق هؤلاء الأئمة، وقد أخرجه من حديثه الشيخان -كما سلف- ووهم ابن دحية الحافظ في ((إملائه)) فقال عَلَى هذا الحديث: أخرجه مالك في ((الموطأ)) ورواه الشافعي عنه، وهذا عجيب منه (٨). (١) ((سنن ابن ماجه)) (٤٢٢٧). (٢) ((مسند أحمد)) ٢٥/١ (١٦٨). (٣) (سنن الدار قطني)) ٥٠/١. (٤) (سنن البيهقي)) ٤١/١. (٥) ((صحيح ابن حبان)) (٣٨٨). (٦) بل خرجه فيه (٩٨٢) برواية محمد بن الحسن الشيباني. (٧) في (ف): خارجها، وما أثبتناه المناسب للسياق. (٨) قلت: وكذا قال الحافظ أيضًا في ((الفتح)) ١١/١، وهو عجيب منهما - أعني: المصنّف والحافظ- فإن الحديث في ((الموطأ)) برواية محمد بن الحسن، وكأنهما لم يقفا عليه مع سعة أطلاعهما، والله أعلم. قال السيوطي في ((تنوير الحوالك)) ص ١٠ في معرض حديثه عن رواة ((الموطأ)): ورواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة فيها أحاديث يسيرة زيادة على سائر الموطآت، منها حديث: ((إِنَّمَا الأَعْمَّالُ بِالنَِّّاتِ)) وبذلك تبين صحة قول من عزا روايته إلى ((الموطأ)» ووهم من خطأه في ذلك.اهـ. قلت: إلا أنه في كتابه ((الأشباه والنظائر)» ص٨ قد تابعهما على ما قالا، بل وتعجب من عدم إخراج مالك له !! ١٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الوجه الثاني(١) : تحصل لنا من هذه الطرق أربعة ألفاظ واقعة في الحديث: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ))، ((الأعمال بالنية))، ((العمل بالنية)) وادعى النووي في ((تلخيصه)) قلتها، رابعها: ((إنما الأعمال بالنية))، وأورده القضاعي في (الشهاب)) بلفظ خامس وهو: ((الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ))(٢) بحذف (إنما) وجمع الأعمال والنيات، فقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: لا يصح إسنادها. وأقره النووي عَلَى ذَلِكَ في ((تلخيصه)) وغيره، وهو غريب منهما، فهي رواية صحيحة أخرجها إمامان حافظان، وحكما بصحتها : أحدهما: أبو حاتم ابن حبان، فإنه أورده في ((صحيحه)) عن عَلَيٍّ بن محمد القباني، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسي، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد، عن علقمة عن عمر قَالَ: قَالَ رسول الله وَّه: ((الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .. )) الحديث بطوله(٣). ثانيهما: شيخه الحاكم أبو عبد الله، فإنه أورده في كتابه ((الأربعين في شعار أهل الحديث)) عن أبي بكر ابن خزيمة، ثنا القعنبي، ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد به سواء ثمَّ حكم بصحته، وأورده ابن الجارود في ((المنتقى) بلفظ سادس عن ابن المقرئ، ثنا سفيان، عن يحيى: ((إن الأعمال بالنية، وإن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته إلى دنيا .. ))(٤) (١) ورد بهامش (ف): بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة عليَّ في الثاني و ... الحاضري ... وأبو الحسن ... وابن بهرام ... بهاء الدين محمد بن الصفدي وآخرون کالسلاوي. (٢) ((مسند الشهاب)) ١/ ٣٥-٣٦ (١). (٤) ((المنتقى)) (٦٤). (٣) سبق تخريجه. ١٣٥ كتاب بَدْء الوَحْي الحديث، وأورده الرافعي في ((شرحه الكبير)) بلفظ آخر غريب وهو: ((ليس للمرء من عمله إلا ما نواه))(١). ولم أقف عَلَى من خرَّجه بهذا اللفظ بعد شدة البحث عنه(٢). وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعًا: ((إنه لا عمل لمن لا نية له))(٣) وهو بمعناه، لكن في إسناده جهالة. الوجه الثالث: في التعريف برواته: أما راويه عن النبي ◌َّ فهو أمير المؤمنين أبو حفص - والحفص في اللغة: الأسد(٤) - وأول من كناه بذلك رسول الله وَلاير، كما رواه ابن الجوزي عنه، عمر -وهو اسم معدول عن عامر ولا ينصرف للعدل والتعريف- بن الخَطَّاب - وهو فَعَّال من الخطبة بالضم والكسر - بن نفيل -بضم أوله- بن عبد العزى بن رِياح - براء مكسورة ثمَّ مثناة تحت، وأبعد من أبدلها بموحدة- بن عبد الله بن قرط - بضم القاف ثمَّ راء وطاء مهملتين- بن رزاح -بفتح الراء والزاي. قَالَ شيخنا قطب الدين(6) في ((شرحه)): ومن عداه بكسر أوله، ولم (١) ((الشرح الكبير)) ١٨٥/١. (٢) وقال الحافظ في ((التلخيص)) ١٥٠/١: هذا الحديث بهذا اللفظ لم أجده.اهـ (٣) رواه البيهقي ٤١/١. (٤) جمع حفص: أَخْفاصٌ وحُفُوصٌ، والحَفْصُ: البيت الصغير، والحَفْصُ: الشِّبْل، قال الأزهري: ولد الأسد يُسمى حفصًا. وقال ابن الأعرابي: هو السَّبُعُ أيضًا، وقال ابن بَرِّي: قال صاحب ((العين)): الأسد يكنَّى أبا حَقْصٍ، ويُسمَّى شِبْلُهُ حفصًا. أنظر: ((تهذيب اللغة)) ٨٦٦/١، ((لسان العرب)) ٩٢٨/٢. (٥) هو قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي ثم المصري. أحد من جرد العناية ورحل وتعب وحصل وكتب وأخذ عن أصحاب ابن طبرزذ ضمن بعدهم وصنف التصانيف وظهرت فضائله مع حسن السمت والتواضع والتدين وملازمة العلم، ولد سنة أربع وتسعين وستمائة، وتوفي في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة. ١٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == أر من صنف في المؤتلف والمختلف ذكر ذَلِكَ بترجمته فاعلمه -. بن عدي -أخي مرة وهصيص- بن كعب بن لؤي -بالهمز وتركه- بن غالب الفهري العدوي القرشي، يجتمع مع رسول الله وَّل في كعب بن لؤي الأب الثامن. واتفقوا عَلَى تسميته بالفاروق؛ لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه وظهور ذَلِكَ؛ ولأن الشيطان يفرُّ منه، فقيل: سماه الله بذلك. روته عائشة، وإسناده ضعيف كما قَالَ ابن دحية(١). وقال ابن شهاب: سماه بذلك أهل الكتاب. ذكره الطبري(٢)، وقيل: رسول الله وَله. فهذِه ثلاثة أقوال. = خرج لنفسه التساعيات والمتباينات والبلدانيات، وجمع لمصر تاريخًا حافلًا لو كمل لبلغ عشرين مجلدة بيض منه المحمدين فى أربعة، واختصر ((الإلمام)) فحرره، وشرح سيرة عبد الغني، وشرع في شرح البخاري وهو مطول أيضًا، بيض أوائله إلى قريب النصف. وكان حنفي المذهب يدرس بالجامع الحاكمي. انظر ترجمته في: ((تذكرة الحفاظ)) ٤/ ١٥٠٢، ((الدرر الكامنة)) ٣٩٨/٢ - ٣٩٩، ((شذرات الذهب)) ١١٠/٦- ١١١. (١) الشيخ العلامة المحدَّث الرحال المتفنن مجد الدين أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن الجميل، واسم الجميل محمد بن فرج بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملال بن أحمد بن بدر بن دحية بن خليفة الكلبي الداني ثم السبتي، كان بصيرًا بالحديث معتنيًا بتقييده، مكبًا على سماعه حسن الخط، معروفًا بالضبط، له حظ وافر من اللغة ومشاركة في العربية وغيرها. قال الذهبي: كان هذا الرجل صاحب فنون وتوسع ويد في اللغة، وفي الحديث على ضعف فيه. توفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وقيل: سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. انظر ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) ٤٤٨/٣ - ٤٥٠ (٤٩٧)، ((سير أعلام النبلاء)» ٣٨٩/٢٢ - ٣٩٥ (٢٤٨)، ((لسان الميزان)) ٢٩٢/٤، ((شذرات الذهب)) ١٦٠/٥، ١٦١. (٢) الطبري في ((تاريخه)) ٥٦٢/٢. = ١٣٧ كتاب بَدْء الوَحْي وهو أول من سُمِّي أمير المؤمنين (١) عمومًا، وسمي به قبله خصوصًا عبد الله بن جحش عَلَى سرية في أثني عشر رجلًا، وقيل: ثمانية، وقد كان مسيلمة الكذاب يسمى بذلك أيضًا كما سيأتي في ((الصحيح)) في قصة قتله إن شاء الله (٢). وأمه حنتمة - بحاء مهملة مفتوحة ثمَّ نون ثمَّ مثناة فوق- بنت هاشم، يعرف بذي الرمحين - بن المغيرة بن عبد الله بن عمر، أخي عامر وعمران ابني مخزوم بن نقطة بن (مرة)(٣) بن كعب المخزومي، قَالَ أبو عمرو: من قَالَ: حنتمة بنت (هشام) (٤) فقد أخطأ، ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام، وإنما هي ابنة عمهما (٥)، وقد وقع في هذا الخطأ ابن قتيبة في ((معارفه))(٦)، وقبله ابن منده في ((المعرفة)) وقال: هي أخت أبي جهل، وهو وَهْمٌ. قَالَ ابن عبد البر: الصحيح أنها بنت هاشم وقيل: بنت هشام، فمن قَالَ: هشام فهي أخت أبي جهل، ومن قَالَ: بنت هاشم فهي ابنة عم أبي جهل (٧) وهاشم وهشام ومهشم والوليد وأبو أمية حذيفة والفاكه ونوفل وأبو ربيعة عمرو وعبد الله وتيم وعبد شمس، كل هؤلاء أولاد المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو -يعني: المغيرة- بيت بني مخزوم. (١) ورد بهامش الأصل: في سببه خلاف مشهور. (٢) سيأتي برقم (٤٠٧٢) كتاب: المغازي، باب: قتل حمزة بن عبد المطلب، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري. (٣) في الأصل: مري، والصواب ما أثبتناه كما في ((تاريخ بغداد)) ٤٢٣/٧ (٣٩٩١). (٤) في (ف): هاشم، والصواب ما أثبتناه من ((الاستيعاب)) ٢٣٥/٣. (٥) ((الاستيعاب)) ٢٣٥/٣. (٧) ((الاستيعاب)) ٢٣٥/٣. (٦) ((المعارف)) لابن قتيبة ص ١٨٠. ١٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ولد بتبالة بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وقال عن نفسه: ولدت قبل الفجار الأعظم بأربع سنين. وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وأسلم بعد ست من النبوة، وقيل: خمس، بعد أن دخل رسول الله وَ ل و دار الأرقم بعد أربعين رجلاً، وقيل: ثلاثة عشر وإحدى عشرة امرأة. وقال ابن الجوزي: لا خلاف أنه أسلم سنة ست من النبوة بعد أربعين، قَالَ: ولما أسلم نزل جبريل الثَّ فقال: استبشر أهل السماء بإسلامه(١)، وقيل: إنه أسلم بعد أربع من النبوة وهاجر فهو من المهاجرين الأولين. وكان إسلامه عزَّا ظهر به الإسلام بدعوة النبي وَلجر، وسيأتي في الصحيح إن شاء الله: ((ما زلنا أعزة منذُ أسْلَمَ عُمر))(٢) قَالَ ابن مسعود: كان إسلام عمر فتحًا، وهجرته نصرًا، وإمامته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت، حتَّى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلهم حتَّى تركونا فصلينا(٣)، وشهد بدرًا والمشاهد کلَّها. (١) رواه ابن ماجه (١٠٣)، والطبراني ١١/ ٨٠- ٨١ (١١١٠٩)، وابن حبان (٦٨٨٣) من طريق عبد الله بن خراشي الحوشبي، عن العوام بن حوشب، عن مجاهد عن ابن عباس، ورواه أيضًا الحاكم في ((المستدرك)» ٨٤/٣، لكن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال: صحيح، وتعقبه الذهبي، وقال: عبد الله ضعفه الدار قطني.اهـ وقال البوصيري ١٧/١ : هذا الإسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الله بن خراش، إلا ابن حبان فإنه ذكره في ((الثقات)). اهـ والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٣٤٠). (٢) سيأتي برقم (٣٦٨٤، ٣٨٦٣). (٣) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٣/ ٢٧٠، وأحمد في ((فضائل الصحابة)) ١/ ٤٠٩، ٤١٠ (٤٨٢)، والطبراني ١٦٢/٩ (٨٨٠٦) قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٦٣: رجاله رجال الصحيح إلا أن القاسم لم يدرك جده ابن مسعود.اهـ ١٣٩ = كتاب بَدْء الوَحْي بويع لَّهُ بالخلافة يوم موت الصديق، وهو يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بوصاية الصديق إليه، فسار بأحسن سيرة، وزين الإسلام بعَدْلِهِ، وفتح الله به الفتوح الكبيرة كبيت المقدس وجميع الشام، ودوَّن الدواوين في العطاء ورتّب الناس فيه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وهو أول من ضرب بالدرة وحملها، ومصَّر الأمصار، وكسر الأكاسرة، وقصر القياصرة، وأخّر المقام إلى موضعه الآن، وكان ملصقًا بالبيت، ونوَّر المساجد لصلاة التراويح، وأول من أَرَّخ التاريخ من الهجرة، وأول قاضٍ في الإسلام، ولَّاه الصديق القضاء، وأول من جمع القرآن في المصحف، وآخى رسول الله ◌َيُ بينه وبين الصديق، حج بالناس عشر سنين متوالية، وحج في إحداهن بأمهات المؤمنين. وزهده ومناقبه جَمَّةٌ مَشْهورةٌ في ((الصحيح)) وغيره، وستقف عَلَى قطعة صالحة منها حيث ذكره البخاري -إن شاء الله- في كتاب المناقب (١). وكان طوالا جدًّا جسيمًا، كث اللحية، خفيف العارضين، أصلع شديد الصلع، أعسر يسر -أي: قوة يديه سواء- وكان يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى ثمَّ يجمع جراميزه -أي: أطرافه- ويثبت، فكأنما خلق عَلَى ظهر فرسه، وكان يخضب بالحناء والكتم بحثًا، وكان شديد حمرة العينين. وكان أبيض يعلوه حمرة، وقيل: أبيض أمهق وقيل: آدم. ونقله ابن عبد البر عن الأكثرين (٢)، وأنكره الواقدي والجمهور، وقالوا: إنما كان أبيض. قالوا: ولعله صار في لونه سمرة (١) سيأتي برقم (٣٦٧٩ - ٣٦٩٤) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر بن الخطاب. (٢) ((الاستيعاب)) ٢٣٦/٣. ١٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- عام الرمادة لتخشنه(١)، وكان من مُحَدِّثي هذِه الأمة (٢). وسيأتي أنه وافق ربَّه في عدة مواضع إن شاء الله، وفي ((الصحيح)) أنه بَّرِ قَالَ له: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجَِّكَ))(٣). وشهد لَهُ بالشهادة (٤)، والجنة(٥) وسماه سراج أهل الجنة (٦)، وأخبر أن الله جعل الحق عَلَىْ لسانه(٧). روي لَّهُ عن النبي ◌َّ﴾ خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم عَلَى ستة وعشرين منها، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة (١) ورده ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٢٣٦/٣ حيث قال: وزعم الواقدي أن سمرة عمر وأدمته إنما جاءت من أكله الزيت عام الرمادة، وهذا منكر من القول، وأصح ما في الباب -والله أعلم- حدیث سفيان الثوري عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبیش قال: رأيت عمر شدید الأدمة.اهـ وقد جود إسناد حديث زر بن حبيش الحافظ في ((الإصابة)) ٥١٨/٢. (٢) سيأتي برقم (٣٤٦٩) كتاب: حديث الأنبياء، باب: حديث الغار، وبرقم (٣٦٨٩) كتاب: المناقب، باب: مناقب عمر. (٣) سيأتي برقم (٣٢٩٤) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده. (٤) سيأتي برقم (٣٦٧٥) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر. (٥) رواه أبو داود (٤٦٤٩). (٦) رواه أحمد فى ((فضائل الصحابة)) ٥٢٣/١ (٦٧٧)، والبزار كما في ((كشف الأستار)) ١٧٤/٣ (٢٥٠٢) من طريق عبد الله بن إبراهيم بن أبي عمر الغفاري، وهو منكر الحديث، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٦/ ٣٣٣ من طريق الواقدي عن أبي هريرة، والواقدي كذاب. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٣٩١٦): باطل. (٧) رواه الترمذي (٣٦٨٢) كتاب: المناقب، وأحمد ٥٣/٢، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) (٧٥٦)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٠٩/٨- ١١٠ من حديث ابن عمر، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)» (١٧٣٦)، وفي الباب عن الفضل بن عباس وأبي ذر وأبي هريرة.