النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
ترجمة ابن الملقن
-
والديانة والمحافظة على الصلوات والقيام، ولم تزل ممتعة بسمعها
وبصرها وسائر حواسها حتى ماتت في شوال سنة (٨٧٣ هـ) رحمها
الله(١).
تزوجها أحمد بن عثمان بن محمد المناوي السلمي القاهري
(٨٢٥هـ) (٢).
وذكر السخاوي أنها أجازت محمد بن إبراهيم بن علي أبا السعود
عالم الحجاز(٣).
صالحة: ولدت سنة (٧٩٥هـ) وأحضرت في الثالثة في شوال سنة
(٧٩٧) وبعدها على جدها، بل سمعت عليه المسلسل وغيره، وحدثت
عنه، سمع منها الفضلاء، وحمل عنها السخاوي وقال: كانت
كاسمها. وماتت في رمضان سنة (٨٧٦هـ) رحمها الله (٤).
تزوجها خليل بن أبي بكر الأندلسي القاهري الشافعي (٣٨٣هـ)،
وأنجبها ابنه محمدًا(٥).
ويذكر السخاوي أنها أجازت محمد بن إبراهيم أبا السعود عالم
الحجاز، ومحمد بن بركات بن حسن بن عجلان الحسيني مالك
الحجاز(٦).
(١) ((الضوء اللامع)) (٢٩/١٢).
((الضوء اللامع)) (٣٨٠/١).
(٢)
((الضوء اللامع)) (٢٦٩/٦).
(٣)
((الضوء اللامع)) (٧٠/١٢).
(٤)
((الضوء اللامع)» (١٩٤/٣).
(٥)
(٦) ((الضوء اللامع)) (١٥١/٧).

٢٠٢
مقدمة التحقيق
نشأته :
مات والده وهو صغير وقبل وفاته أوصى به إلى الشيخ عيسى
المغربي يحدثنا عن ذلك ابن فهد(١) فيقول: مات أبوه عنه وهو ابن
سنة، فأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي، وكان خيّرًا صالحًا يلقِّن
القرآن العظيم بجامع ابن طولون، فتزوج بأمّه، وتربى في حجره
فنُسب إليه، حتى صار يعرف بابن الملقن، وصار علمًا عليه إلى أن
مات، فحصل له من جهته خیر کثیر.
* اهتمام الشيخ عيسى المغربي بابن الملقن:
بعد أن توفي والد ابن الملقن اهتم به وصيه الشيخ عيسى المغربي،
فنشأ في كفالته، وكان رجلاً صالحًا يلقن الناس القرآن بجامع ابن
طولون، فتزوج بأمه وعاش السراج في رعايته حتى صار بمنزلة ابنه،
ولذا دعي بابن الملقن، ولقد كان الشيخ عيسى له نعم الوالد حقًّا بعد
أبيه، فقد أحسن تربيته والقيام على تعليمه وتأديبه حتى بلغ هذِه
المنزلة العظيمة في ميدان العلم.
فقد أبتدأ الشيخ عيسى بتحفيظه القرآن فحفظه، ثم حفظ بعده ((عمدة
الأحكام))، وأراد أن يقرئه في مذهب مالك فأشار عليه ابن جماعة صديق
والده بأن يقرئه في المذهب الشافعي فدرس ((المنهاج)) للنووي وحفظه،
ثم أسمعه على الحافظين أبي الفتح بن سيد الناس والقطب الحلبي.
ومن أجل تأمين حياة طيبة لابن الملقن، وكفايته مؤنة السعي على
طلب الرزق (فإن وصيه أنشأ له ربعًا(٢)، أنفق عليه قريبًا من ستين ألف
(١) ((لحظ الألحاظ)) (ص١٩٧).
(٢) الربع: الدار بعينها حيث كانت، والجمع رباع، وربوع، وأرباع، وأربع. والربع
أيضًا: المحلة. ((مختار الصحاح)) (ص ٢٢٩).

٢٠٣
ترجمة ابن الملقن
درهم، فكان يغل عليه جملة صالحة)(١) وكان (يكتفي بأجرته، ويوفر بقية
ماله للكتب)(٢).
* اهتمامه بالعلم منذ صغره:
مرَّ بنا أن وصيه اتجه به نحو العلم منذ صغره حيث أسمعه الحديث
على ابن سيد الناس، والقطب الحلبي، ثم سعى لتحصيل الإجازة له من
علماء مصر والشام منهم الحافظ المزي (٣).
قال ابن حجر(٤): عني في صغره بالتحصيل.
وقال ابن فهد(٥): وطلب الحديث في صغره بنفسه، فأقبل عليه،
وعني به لتوفر الدواعي وتفرغه.
ويذكر السخاوي(٦) أنه لازم جلة شيوخ عصره كالشيخ علاء الدين
مغلطاي والشيخ زين الدين الرحبي، حتى تخرج بهما، وقرأ البخاري
على ثانيهما وقرأ ((صحيح مسلم)) على الزين ابن عبد الهادي.
وقد اهتم ابن الملقن بفنون العلم الأخرى كالفقه والقراءات والعربية
يظهر ذلك جليًّا عند ذكر مشايخه، فمنهم من كان عالمًا بالفقه، ومنهم من
كان عالمًا بالقراءات، ومنهم من كان عالمًا بالعربية.
* رحلاته :
رحل ابن الملقن - كما هي عادة المحدثين - طلبًا للعلم والتحصيل،
وقد قام بعدة رحلات خارج مصر وهي:
(١) ((لحظ الألحاظ)) (ص١٩٧، ١٩٨).
(٢) ((الضوء اللامع)) (١٠٠/٦).
(٣) انظر ((لحظ الألحاظ)) لابن فهد (ص١٩٧).
(٤) ((إنباء الغمر)) (٢١٧/٢).
(٦) ((الضوء اللامع)) (١٠٠/٦-١٠١).
(٥) (لحظ الألحاظ)) ص١٩٧.

٢٠٤
مقدمة التحقيق
١- رحلته إلى القدس الشريف، والتي التقى فيها بالحافظ العلائي،
وقرأ عليه، وأخذ عنه. وقد أشار إلى هُذِه الرحلة في كتابه ((البدر المنير))
في أثناء ترجمته للإمام الرافعي، فقال -عند سياقه جملة من أحاديث
الرافعي -: ((ومن حديثه: ما أخبرنا بقية الحفاظ صلاح الدين أبو
سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي، بالقدس الشريف،
بقراءتي عليه، قال : .. ))(١).
وقال أيضًا في ((البدر المنير)) عند الكلام على حديث: ((السواك
مطهرة للفم مرضاة للرب»: وعزاه غير واحد إلى صحيح الإمام أبي
بكر ابن خزيمة .. وهو كما قالوا فقد رأيته كذلك فيه بالقدس الشريف
في رحلتي إليها.
وقال أيضًا في ((البدر)) -عند الكلام على حديث أنه عليه الصلاة
والسلام تيمم بتراب المدينة وأرضها سبخة -: قال ابن خزيمة .. وفي
هُذا ما بان وثبت أن التيمم بالسباخ جائز هذا لفظه ومن ((صحيحه))
في رحلتي إلى القدس نقلته.
وقد قرأ في هذه الرحلة كتاب ((جامع التحصيل في أحكام
المراسيل)) على مؤلفه الحافظ العلائي، وأشار إلى هذا السخاوي (٢).
وأثبت العلائي ذلك في طبقة السماع، ووصفه بالشيخ، الفقيه،
الإمام، العالم، المحدث، الحافظ، المتقن، شرف الفقهاء
والمحدثين .. ، وأجاز له جميع ما يجوز عنه روايته، وهو ثابت بخطه
على نسخة ((جامع التحصيل))(٣).
(١) أنظر مقدمة المؤلف للبدر المنير.
(٢) (الضوء اللامع)) (١٠١/٦).
(٣) أنظر ((مقدمة جامع التحصيل)) (ص٦، ٧) صورة الورقة الأولى من مخطوطة
الکتاب.

٢٠٥
ترجمة ابن الملقن
=
٢- رحلته إلى دمشق سنة (٧٧٠هـ)، وأشار إلى هُذِه الرحلة أكثر
الذين ترجموا لابن الملقن(١).
قال الشهاب ابن حجي: ((ورد علينا دمشق في سنة سبعين طالبًا
السماع الحديث))(٢). وفي هذه الرحلة ((اجتمع بالسبكي، ونوه به، بل
كتب له تقريظًا على تخريج الرافعي له ... ولزم العماد بن كثير فكتب
له أيضًا))(٣).
وذكره ابن الملقن نفسه في ((التوضيح)) عند شرح حديث (٢٩٢٤):
((حمص من الشام، رأيتها في رحلتين إليها)).
٣- رحلته إلى مكة لأداء الحج، والتي أشار إليها السخاوي فقال:
((قرأت بخطه إجازة كتبها وهو بمكة سنة إحدى وستين وسبعمائة (٧٦١هـ)
تجاه الكعبة قال فيها: إن مروياته: الكتب الستة، ومسند الشافعي،
وأحمد، والدارمي .. )» (٤)، وذكر فيها مشايخه، ومؤلفاته.
وعند شرحه لحديث (٥١٨٨) في ((التوضيح)) كتب تلميذه سبط في
الحاشية: ذكر لي شيخنا المؤلف أنه ابن أبي جبرة بالباء، وأنه رآه كذلك
بمكة، ..
* مكتبته :
يشير ابن العماد(٥) إلى أن ابن الملقن كان جمَّاعة للكتب.
(١) انظر مثلاً: ((إنباء الغمر)) (٢١٨/٢) و((الضوء اللامع)) (١٠١/٦).
(٢) ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٥٦/٤).
(٣) ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٥٦/٤).
(٤) ((الضوء اللامع)) (٦/ ١٠١).
(٥) («الشذرات)» (٤٥/٧).

٢٠٦
مقدمة التحقيق =
ويشير ابن الملقن نفسه - رحمه الله - إلى ذلك فيقول في خطبة
((البدر المنير)): ((ويسر الله- تعالى- لنا- سبحانه وله الحمد والمنة-
من الكتب التي يحتاج إليها طالب هذا الفن زيادة على مائة تأليف .. )).
وذكر في خاتمة ((التوضيح)) ما يدل على أنه رجع إلى مئات الكتب
خلال تأليفه للكتاب، وذكر منها الكثير، ثم اختصر الكلام على بعضها
بقوله: وأما الأجزاء فلا تنحصر، وكذا كتب الفقه.
وقد كان من أهم الأسباب التي هيأت لابن الملقن تكوين هذه
المكتبة: یسر حاله، وقلة عیاله، ذلك أنه كان له مال ثابت، يتحصل
عليه من الربع الذي أنشأه له وصيه، ((فكان يكتفي بأجرته، وتوفر له
بقية ماله، فكان يقتني الكتب))(١).
وقال المقريزي في ((عقوده)): ((كان يتحصل له من ربع ((الربع)) كل
يوم مثقال ذهب، مع رخاء الأسعار، وعدم العيال))(٢).
ويصور لنا ابن حجر(٣) مدى إقبال ابن الملقن على شراء الكتب
فيقول: كان يقتني الكتب، بلغني أنه حضر في الطاعون العام بيع
كتب شخص من المحدثين، فكان وصيه لا يبيع إلا بالنقد الحاضر،
قال: فتوجهت إلى منزلي فأخذت كيسًا من الدراهم ودخلت الحلقة
فصببته فصرت لا أزيد في الكتاب شيئًا إلا قال: بع له، فكان فيما
اشتريت ((مسند الإمام أحمد)» بثلاثين درهمًا، ويذكر ابن حجر أن
مكتبة ابن الملقن كانت تحتوي بعض الكتب التي لا يمتلكها فيقول:
(١) ((إنباء الغمر)) (٢١٧/٢).
(٢) ((الضوء اللامع)) (١٠٠/٦).
(٣) ((إبناء الغمر)) (٤٢/٥).

٢٠٧
ترجمة ابن الملقن
=
وعنده من الكتب ما لا يدخل تحت الحصر منها ما هو ملكه ومنها ما هو
من أوقاف المدارس لا سيما الفاضلية(١).
احتراق مكتبته:
تذكر لنا المصادر أن مكتبته احترقت، ويحدثنا عن ذلك الحافظ ابن
حجر فيقول(٢) بعد ذكر مؤلفاته:
ولكن لم يوجد ذلك بعده؛ لأن کتبه أحرقت قبل موته بقليل وراح
منها من الكتب النفيسة الموقوفة وغير الموقوفة شيء كثير جدًّا، وقلت في
ذلك أخاطبه بعد احتراق كتبه:
لعبت بكتبك ألسن النيران
لا يزعجنك يا سراج الدين إن
والنار مسرعة إلى القربان
لله قد قربتها فتقبلت
وقلت في ذلك أيضًا:
بكتبك نار ما لمعرورها عار
ألا یا سراج الدين لا تأس إن غنّت
كذلكم القربان تاكله النار
لربك قد قريتها فتقبلت
(١) ((إبناء الغمر)) (٤٥/٥).
(٢) ((ذيل الدرر الكامنة)) (ص١٢٢).

٢٠٨
مقدمة التحقيق
عقيدة ابن الملقن من خلال كتاب ((التوضيح) :
كان ابن الملقن ينقل عقيدة الأشاعرة دون تمحيص إذ هي عقيدة
حكام البلاد وملوكها وغالب علمائها في ذلك الوقت، وقليلًا ما ينقل
عقيدة السلف بنوع من الإقرار.
وكما هو معلوم فإن في كلام الأشاعرة كثيرًا من الحق، وكذلك في
كثير من مقدماتهم، لكنهم يصلون بها إلى التأويل في نهاية المطاف، وقد
بَيِّنَا وعلقنا على غالب المواضع المذكورة بما يُغني عن الرد هنا؛ إذ ليس
هذا موضعه، وإنما الغرض تقرير عقيدة ابن الملقن بتفصيل لا يدع مجالا
للشك في صحة هذا الاستنتاج، وتظهر في النقاط التالية:
- تقرير مذهب الأشاعرة، في إثبات سبع صفات فقط وتأويل
الباقي.
- تأويل كثير من الصفات التي يؤوِّلها الأشاعرة.
- استخدام لغة المتكلمين بغرض الوصول إلى التأويل، مثل:
الحدث، الاسم والمسمى، صفات الذات وصفات الفعل، القديم،
الجارحة، الجهة، الكلام النفسي .. إلى آخره، وكذلك المقدمات
الموصلة إلى التأويل.
- النقل عن أهل التأويل دون استدراك عليهم.
- النقل عن غلاة المؤولة دون تمحيص.
- مناقشته لما عدَّه شبهات الحشوية والمجسمة وتفصيل الرد عليها.
- تعريفه لبعض المصطلحات بغير ما عرفها السلف.
- خلطه كلام المشبهة والمجسمة بعقيدة السلف كما هو حال
المتكلمين.

٢٠٩
ترجمة ابن الملقن
- تقريره لبعض عقائد السلف.
ويظهر ذلك في المواضع التالية:
- في شرحه لحديث جبريل (٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ِلـ
بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ أَنْ
تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ)) ... الحديث.
قال: (الخامسة: الإيمان بالله: هو التصديق بوجوده تعالى وأنه لا
يجوز عليه العدم، وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من
العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة، وأنه تعالى
مُنزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات، وعن صفات
الأجسام والمتحيزات، وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع
المخلوقات متصرف فيها بما شاء من التصرفات، يفعل في ملكه ما
يريد ويحكم في خلقه ما يشاء).
- وفي شرحه لحديث (٣٤٩) عن أَبي ذَرِّ مرفوعا: الفُرِجَ عَنْ سَقْفٍ
بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي .. »
قال: ( .. واعلم أن الأئمة- رضي الله عنهم- اعتنوا بالإسراء،
وأفردوه بالتأليف، منهم: أبو شامة، وابن المنير في مجلد ضخم،
وابن دحية، فلنلخص من كلامهم فوائد:
الأولى: لا بد لك عند مرورك بهذا الحديث بطرقه عندما يتصور فيه
وهمك من استحضار قوله تعالى: ؟ليس كمثله شيء وهو السميع
البصير؟ وتنفي الجهة والجسمية والتكلم بحرف أو صوت تعالى الله
عن ذَلِكَ، وفوض علم ذَلِكَ إلى الرب جل جلاله، أو أوله عَلَى ما
يليق به مع التنزيه، فالحجب للمخلوق لا للخالق، وحي ربك قدسه

٢١٠
مقدمة التحقيق =
هناك، واجعل العرش قبلتك في المناجاة بعيدًا).
- وفي آخر شرح حديث (٦٦١) ناقلا عن ابن عبد البر كالمقر
لكلامه: (قال أبو عمر: هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال
وأصحها- إن شاء الله- لأن العلم محيط بأن كل من كان في ظل الله
تعالى يوم القيامة لم ينل هول الموقف، والظل في الحديث يراد به
الرحمة، والله أعلم. ومن رحمته الجنة، .. )
- وفي شرحه لحديث (٨٠٦) عن أبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرىْ رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: ((هَلْ تُمَارُونَ فِ القَمَرِ لَيْلَةَ
البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟)). قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((فَهَلْ تُمَارُونَ فِي
الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟)). قَالُوا: لاَ. قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، ..
الحديث وفيه: فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا.
فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَي جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ
مِنَ الرُّسُلِ بِأَمَّتِهِ، ..
قال في فوائده: (رابعها: قوله: ((فيأتيهم الله)) الإتيان هنا إنما هو
كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤية الله لك، لأن الحركة
والانتقال لا تجوز عَلَى الله تعالى؛ لأنها صفات الأجسام المتناهية،
والله تعالى لا يوصف بشيء من ذَلِكَ ، فلم يبق من معنى الإتيان إلا
ظهوره ك إلى الأبصار، لم تكن تراه ولا تدركه، والعادة أن من
غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان، فعبر به عن الرؤية مجازًا،
ولا شك أن ما كان عليه السلف من التسليم أسلم، لكن مع القطع
بأن الظواهر المذكورة يستحيل حملها على ظواهرها لما يعارضها من
ظواهر أخر، والمتأول أولها عَلَى ما يليق بها عَلَى حسب مواقعها،
وإنما يسوغ تأويلها لمن كان عارفا بلسان العرب، وقواعد الأصول

٢١١
ترجمة ابن الملقن
=
والفروع.
وزعم القاضي عياض أن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه
إتيانًا. قَالَ: والأشبه أن المراد يأتيهم بعض الملائكة، ويكون هذا
الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدث
الظاهرة عليه، أو يكون معناه: يأتيهم في صورة لا تشبه صفات
الإلهية؛ ليختبرهم وهو آخر امتحان المؤمنين، فإذا قَالَ لهم هذا
الملك أو هذِه الصورة: أنا ربكم. رأوا عليه من علامات المخلوق ما
ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم فيستعيذون بالله منه).
وفي شرحه لنفس الحديث قال:
(السادس عشر : .. وقول الرب جلَّ وعلا: ((ما أغدرك)) تلطف بعبده
وتأنيس لكثرة إدلاله عليه وسؤاله. والضحك من صفات الرب جل
جلاله، ومعناه: الاستبشار والرضا لا الضحك بلَهَواتٍ وتعجب).
- وفي شرحه لحديث (٢٨٢٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ
رَسُولَ اللهِ﴾ قَالَ: ((يَضْحَلُكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ
يَدْخُلاَنِ الجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هذا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى
القَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ)).
قال: (الضحك مفسر برواية النسائي السالفة ((يعجب من رجلين))
ونقل ابن الجوزي عن أكثر السلف أنهم كانوا يمنعون من تفسير مثل
هُذا ويمرونه كما جاء، قَالَ: وينبغي أن تُرَاعَى قاعدة في هذا قبل
الإمرار وهي: أنه لا يجوز أن يحدث لله صفة ولا تشبه صفاته صفات
الخلق فيكون والعياذ بالله معنى إمرار الحديث الجهل بتفسيره.
قَالَ الخطابي: الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح،

٢١٢
مقدمة التحقيق
أو يستفزهم الطرب غير جائز على الله تعالى، وإنما هو مثل مضروب
لهذا الصنيع الذي يحل محل التعجب عند البشر، فإذا رأوه
أضحكهم، ومعنى الضحك في صفة الله: الإخبار عن الرضا بفعل
أحد هذين والقبول من الآخر ومجازاتهما على صنيعهما الجنة مع
تباین مقاصدهما.
وقال ابن حبان في ((صحيحه)): يريد أضحك الله ملائكته وعجبهم
من وجود ما قضى. وقال ابن فورك: أن يُبْدِي الله من فضله ونعمه
توفيقًا لهذين الرجلين كما تقول العرب: ضحكت الأرض بالنبات
إذا ظهر فيها، وكذلك قالوا للطلع إذا أنفتق عنه: كافره الضحك؛
لأجل أن ذَلِكَ يبدو منه البياض الظاهر كبياض الثغر. وقال
الداودي: أراد قبول أعمالهما ورحمتهما والرضى عنهما. وكذا قَالَ
ابن بطال: المعنى: يتلقاهما بالرحمة والرضوان، والضحك منه
على المجاز؛ لأنه لا يكون منه تعالى على ما يكون من البشر؛
لأنه ليس كمثله شيء).
وقد نقل هنا وفي مواضع كثيرة عن ابن فورك دون تمحيص، وحال
ابن فورك معروفة من غلوه في التأويل. وكذلك عن محمد بن شجاع
الثلجي :
- ففي التفسير: باب قَوْلِهِ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ عند شرحه
لحديث (٤٨١١): جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِهِ فَقَالَ: يَا
مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعِ وَالأَرَضِينَ عَلَى
إِصْبَعِ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَع، .. وفي آخره: فَضَحِّكَ رسول الله وَّل
تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِهِ﴾.
قال: (وهذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان

٢١٣
- ترجمة ابن الملقن
مشهوران: التأويل والإمساك عنه مع الإيمان بها مع الاعتقاد أن الظاهر
غير مراد، فعلى الأول الإصبع هنا: القدرة، أي: خلقها مع عظمها بلا
تعب ولا ملل، وذكره هنا للمبالغة، ويحتمل- كما قاله ابن فورك- أن
يكون المراد به هنا أصابع بعض مخلوقاته، وهو غير ممتنع، وكذا
قال محمد بن شجاع الثلجي، يحتمل أن يكون خلق من خلقه يوافق
اسمه اسم الإصبع، وما ورد في بعض الروايات من أصابع الرحمن
يؤول على القدرة والملك).
- وفي شرحه لحديث (٤٠٧٣) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْم فَعَلُوا بِنَبِّهِ
قال: (يريد بقوله: ((اشتد غضب الله)) أن ذلك من أعظم السيئات
عنده ويجازي عليه، ليس الغضب الذي هو عرض؛ لأن القديم
لا تحيله الأعراض؛ لأنها حوادث، ويستحيل وجودها فيه).
- وفي شرحه لحديث ٥٢٢٨ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ
لِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً ..
قال: (وكذلك إذا قال: لقيت أسم زيد. لا يفهم منه أنه لقي زيدًا.
ويبين ذلك ما نشاهده من تبديل أسماء المماليك وتبديل كنى الأحرار،
ولا تتبدل الأشخاص مع ذلك، وإنما يصح عند تحقيق النظر أن يكون
الأسم هو المسمى في الله وحده فقط، لا فيما سواه من المخلوقين،
لمباينته تعالى وأسمائه وصفاته حكمَ أسماء المخلوقين وصفاتهم،
بيان عدم اللزوم في حقه تعالى أن طرق العلم بالشيء إنما تؤخذ من
جهة الاستدلال عليه بمثله وشبهه، أومن حكم ضده، وعلمنا يقينًا أنه
تعالى لا شبيه له بقوله: ﴿لَيَّسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ وبقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ
لَُّ كُفُوا أَحَدٌ ﴾﴾ فثبت بذلك أنه لا ضد له؛ لأن حكم الضد

٢١٤
مقدمة التحقيق
إنما یعلم من حكم ضده، فکما لم یکن له تعالی شبيه ولا ضد يستدل
على اسمه إذا كان غير المسمى لم يجز لنا أن نقول ذلك، مع أنه
العَيّ لم يتكلم بذلك، ولا سنه لأمته، ولا يعلم به الصحابة، فلا
يجوز أن تقاس أسماء الله وصفاته على أسماء المخلوقين وصفاتهم.
ولا يقال: إن اسم الله غير المسمى به؛ من أجل جواز ذلك فينا،
وستكون لنا عودة إلى تبيين مذهب أهل السنة أن اسم الله تعالى هو
المسمى في باب السؤال بأسماء الله تعالى، والاستعاذة بها في كتاب
الرد على الجهمية).
- وفي شرحه لحديث (٦٥١٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ
النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا
المَلِكَ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ)).
- وحديث (٦٥٢٠) أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((تَكُونُ
الأَرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ
خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ ، نُزُلًا لأَهْلِ ..
قال: (فصل: قد سلف معنى القبض أنه الجمع، وكذا الطي، وقد
يكون معناهما: إفناء الشيء وإذهابه فقوله تعالى: ﴿وَاْأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُُّ﴾ يحتمل أن يكون المراد به: والأرض جميعًا ذاهبة فانية يوم
القيامة، وقوله: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ،﴾ ليس يريد به طيًّا بعلاج
وانتصاب، وإنما المراد بذلك الذهاب والفناء. يقال: قد انطوى عنا
ما كنا فيه، وجاءنا غيره، وانطوى عنا الدهر بمعنى الفناء والذهاب،
فإن قلت: فقد جاء في الحديث: ((يقبض أصابعه ويبسطها)). وهذه
صفة الجارحة، فالجواب: أن هذا مذهب المجسمة من اليهود
الحشوية تعالى الله عن ذَلِكَ، وإنما المعنى حكاية الصحابي عن

٢١٥
ترجمة ابن الملقن
=
رسول الله رسله: يقبض أصابعه ويبسطها. وليس اليد في الصفات بمعنى
الجارحة حَتَّى يتوهم بثبوتها ثبوت الأصابع، فدل على أنه القَّة هو الذي
يقبض أصابعه ويبسطها، وذكر الأصابع لم يوجد في شيء من الكتاب
والسنة المقطوع بصحتها؛ فإن قلت: قد ورد ذكر الإصبع في غير
ما حديث كحديث الصحيحين، أنه القي أتاه رجل من أهل الكتاب
فقال: يا أبا القاسم، أَبَلَغَكَ أن الله تعالى يحمل السماوات على
إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على
إصبع، والخلائق على إصبع؟ فضحك رسول الله وَالا حَتَّى بدت
نواجذه فنزل: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ﴾.
وحديث ((الصحيحين)) من طريق عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول
الله ◌َه يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن
كقلب واحد، يصرفها حيث يشاء)) ثم قال اللّه: ((اللهم مصرف القلوب
صرف قلوبنا على طاعتك» ومثله كثير.
فالجواب: أما إطلاق الجارحة هنا فمحال تقدس الله عن ذَلِكَ،
وهو هنا بمعنى القدرة على الشيء، ويسر تقليبه، وهو كثير في
كلامهم، فلما كانت السماوات والأرض أعظم الموجودات قدرًا،
وأكثرها خلقًا، كان إمساكها بالنسبة إلى الله كالشيء الحقير الذي
نجعله نحن بين أصابعنا، ونتصرف فيه كيف شئنا، فتكون الإشارة
بقوله: (ثم يقبض أصابعه، ويبسطها، ثم يهزهن)) كما في بعض ألفاظ
مسلم. أي: هُذِه في قدرته كالحبة (مثلًا) في كف أحدنا التي لا يبالي
بإمساكها، ولا بهزها، ولا بحركتها، والقبض والبسط عليها، ولا يجد
في ذَلِكَ صعوبة ولا مشقة، وقد تكون الإصبع في كلام العرب بمعنى:

٢١٦
مقدمة التحقيق =
النعمة، وهو المراد بقوله: ((إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع
الرحمن)) أي: بين نعمتين من نعمه، يقال: لفلان عليَّ إصبع. أي:
أثر حسن إذا أنعم عليه نعمة حسنة، وللراعي على ماشيته إصبع أي:
أثر حسن. وفيه عدة أشعار.
فإن قلت: كيف يجوز إطلاق الشمال على الله تعالى وذلك يقضي
بالنقص؟ فالجواب: أنه مما تفرد به عمر بن حمزة عن سالم وقد روى
هذا الحديث نافع وابن مقسم عن ابن عمر فلم يذكر فيه الشمال، ورواه
أيضًا أبو هريرة وغيره عن رسول الله وَّةٍ، ولم يذكر واحد منهم الشمال.
وقال البيهقي: روي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذِه القصة،
إلا أنه ضعيف بمرة، وكيف يصح ذَلِكَ مع ما صح عنه أنه سمى كلتا
يديه يمينًا، وكأن من قال ذَلِكَ أرسله من لفظه على ما وقع له إذ عادة
العرب ذكرها في مقابلة اليمين.
قال الخطابي: ليس فيما يضاف إلى الله تعالى من صفة اليد شمال؛
لأن الشمال محل النقص والضعف، وليس معنى اليد عندنا الجارحة،
وإنما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت،
وننتهي إلى حيث أنتهى بها الكتاب والسنة المأثورة الصحيحة، وهو
مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تكون اليمين في كلام العرب بمعنى
القدرة والملك، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ یرید:
الملك. وقال ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِآلْيَمِينِ
٤٥
، أي: بالقوة والقدرة، أي:
أخذنا قوته وقدرته، كذا ذكره الفراء، وأنشد فيه للشماخ وغيره، وقد
تكون في كلامهم بمعنى التبجيل والتعظيم، تقول: فلان عندنا
باليمين. أي: بالمحل الجليل، وأنشد عليه. وأما قوله: ((كلتا يديه
يمين)) فإنه أراد بذلك التمام والكمال).

٢١٧
ترجمة ابن الملقن
=
- وفي أول كِتَابِ التَّعْبِيرِ حديث (٦٩٨٢) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها
أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّهَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ
قال: (واتفق العلماء على جواز رؤية الباري تعالى في المنام
وصحتها ولو رآه إنسان على صفة لا تليق بجلاله من صفات
الأجسام؛ لأن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى، ولا يجوز عليه
التجسم، ولا اختلاف الأحوال باختلاف رؤية سيدنا رسول الله وَيه).
وفي أول كِتَاب التَّوحِيدِ والرَّد على الجهْميةِ، قال: (فصل: ينبغي
أن يعتقد أن الله تعالى في عظمته لا يشبه شيئًا من مخلوقاته ولا يُشبّهُ به،
وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخلق والمخلوقات فلا تشابه بينهما
في المعنى الحقيقي؛ إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق، فكما
أن ذاته لا تشبه الذوات، فكذلك صفته لا تشبه صفات المخلوقين؛
إذا صفاتهم لا تنفك عن الأعراض، والأعراض هو تعالى منزه عنها.
قال بعضهم: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة
عن الصفات. وقال الواسطي: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم،
ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ اللفظ،
وجلَّت الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة، كما استحال أن
يكون للذات المحدثة صفة قديمة، من اطمأن إلى موجود انتهى إليه
فكره فهو مشبه، ومن اطمأن إلى النفي المحض فهو معطل، وإن
اعترف بموجود، اعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد. وقال
ذو النون: حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله في الأشياء بلا علاج،
وصنعه لها بلا مزاج، وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه، وما تصور
في وهمك فالله بخلافه).
وفي شرحه لحديث (٧٣٧٢) وما بعده قال: (وتضمنت ترجمة

٢١٨
مقدمة التحقيق =
الباب: أن الله واحد، وأنه ليس بجسم؛ لأن الجسم ليس بشيء واحد،
وإنما هي أشياء كثيرة مؤلفة، في نفس الترجمة الرد على الجهمية في
قولها: إنه تعالى جسم. تعالى الله عن قولهم، والدليل على استحالة
كونه جسمًا: أن الجسم موضوع في اللغة للمؤلف المجتمع وذلك
محال عليه تعالى؛ لأنه لو كان كذلك لم ينفك عن الأعراض
المتعاقبة عليه الدالة بتعاقبها عليه على حدثها لفناء بعضها عند مجيء
أضدادها، وما لم ينفك عن المحدثات فمحدث مثلها، وقد قام
الدليل على قدمه تعالى، فبطل كونه جسمًا).
ثم قال: (فصل: ينبغي أن يعتقد أن الله تعالى في عظمته لا يشبه
شيئًا من مخلوقاته ولا يُشبَّهُ به، وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على
الخلق والمخلوقات فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي؛ إذ صفات
القديم بخلاف صفات المخلوق، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات،
فكذلك صفته لا تشبه صفات المخلوقين؛ إذ صفاتهم لا تنفك عن
الأعراض، والأعراض هو تعالى منزه عنها.
قال بعضهم: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة
عن الصفات.
وقال الواسطي: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله
فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ اللفظ، وجلَّت
الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة، كما استحال أن يكون
للذات المحدثة صفة قديمة، من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره
فهو مشبه، ومن أطمأن إلى النفي المحض فهو معطل، وإن (اعترف)
بموجود، اعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد).
- وفي شرحه لحديث (٧٣٧٦) عن جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ:

٢١٩
- ترجمة ابن الملقن
(لاَ يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ النَّاسَ)).
قال: (وغرضه في هذا الباب إثبات الرحمة، وهى صفة من صفات
ذاته لا من صفات أفعاله، والرحمن وصف به نفسه تعالى، وهو متضمن
لمعنى الرحمة، كتضمن وصفه لنفسه بأنه عالم وقادر وحي وسميع وبصير
ومتكلم ومريد للعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة
التي جميعها صفات ذاته لا صفات أفعاله؛ لقيام الدليل على أنه
تعالى لم يزل ولا يزال حيًّا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا متكلمًا مريدًا،
ومن صفات ذاته الغضب والسخط. والمراد: برحمته تعالى: إرادته
لنفع من سبق في علمه أنه ينفعه ويثيبه على أعماله فسماها رحمة .
والمراد بغضبه وسخطه إرادته لإضرار من سبق في علمه إضراره،
وعقابه على ذنوبه، فسماها غضبًا وسخطًا).
وقرر ابن الملقن تَقسيم الصفاتِ إلى صفاتِ ذاتٍ وصفاتِ أفْعالٍ
ولكن على طريقة الأشاعرة، ووافق مَنْ اتخذ هذا التقسيم وسيلة
لتأويل بعض الصفات كما هو الحال عند كثير من المتكلمين، ومن
الأمثلة على ذلك:
في شرحه لحديث (٧٣٨٣) عَنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ كَانَ يَقُولُ:
((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الذِي لاَ إله إِلَّا أَنْتَ، الذِي لاَّ يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ
يَمُوتُونَ».
وحديث (٧٣٨٤) عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ وفيه: (( .. قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ
وَكَرَمِك)).
قال: (العزيز متضمن للعزة، ويجوز أن تكون صفة ذات بمعنى:
القدرة والعظمة، وأن تكون صفة فعل بمعنى: القهر لمخلوقاته والغلبة
لهم.)

٢٢٠
مقدمة التحقيق
وقال: (الحكيم متضمن الحكمة وهو على وجهين أيضًا: صفة ذات
تكون بمعنى العلم، والعلم من صفات ذاته، والثاني: أن يكون بمعنى
الإحكام للفعل والإتقان له، وذلك من صفات الفعل وإحكام الله تعالى
لمخلوقاته فعل من أفعاله، وليس إحكامه لها شيئًا زائدًا على مقابل بل
إحكامه لها جعلها تقاد.)
ثم أكمل الكلام ناقلا طريقة الأشاعرة في معالجة هذه المسائل
معتبرا ذلك مذهب أهل السنة:
(وأما على ما ذهب إليه أهل السنة أن خلق الشيء وإحكامه هو نفس
الشيء، وإلا أدى القول بأن الإحكام والخلق غير المحكم المخلوق إلى
التسلسل إلى ما لا نهاية له، والخروج إلى ما لا نهاية له إلى الوجود
مستحيل، فبان الفرق بين الحالف بعزة الله التي هي صفة ذاته، وبين
من حلف بعزته التي هي صفة فعله أنه حانث في حلفه بصفة الذات
دون صفة الفعل، بل هو منهي عن الحلف بصفة الفعل؛ لقول القائل:
وحق السماء، وحق زيد؛ لقوله العَيْه: ((مَنْ كان حالِفًا فليحلفْ بالله)) ).
ثم قال: (ثالثها: القَدَم لفظ مشترك يصلح استعماله في الجارحة
وفيما ليس بجارحة، فيستحيل وصفه تعالى بالقدم الذي هو الجارحة؛
لأن وصفه بذلك يوجب أن يكون جسمًا والجسم مؤلف حامل
للصفات وأضدادها غير متوهم خلوه منها، وقد بان أن المتضادات لا
يصح وجودها معا، إذا استحال هذا ثبت وجودها على طريق التعاقب
وعدم نقضها عند مجيء بعض، وذلك دليل على حدوثها، وما لا
يصح خلوه من الحوادث فواجب كونه محدثًا، فثبت أن المراد بالقدم
في هذا الحديث: خلق من خلقه تقدم علمه أنه لا يملأ جهنم إلا به،
قاله ابن بطال.