النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
=
- مقدمة التحقيق
ويقول أيضًا: بيننا وبين القوم القوائم، يعني: الإسناد(١).
وسئل عن حديث عن الحجاج بن دينار، عن النبي ◌ُّر فقال: إن بين
الحجاج وبين النبي ويل مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي (٢).
وقال حماد بن زيد ت ١٧٩هـ: وقد ذاكره بقية بن الوليد بأحاديث،
فقال حماد: ما أجودها لو كان لها أجنحة! يعني: أسانيد(٣).
وقال مالك بن أنس ت ١٧٩ هـ: في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ
وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤]. قال: قول الرجل: أخبرني أبي عن جدي .. إلخ.
يقصد الرواية بالسند المتصل(٤).
وقال سفيان الثوري ت ١٦١ هـ: الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن
معه سلاح، فبأي شيء يقاتل؟!(٥).
وقال شعبة بن الحجاج ت ١٦٠ هـ: کل علم ليس فيه حدثنا وأخبرنا
فهو خل وبقل. يريد بالعلم هنا: الحديث(٦).
(١) قوائم الحديث: يعني: إسناده، فجعل ابن المبارك الحديث كالبيت لا يستقيم
بدون أعمدة أو قوائم فكذا الحديث. والأثر رواه مسلم في المقدمة باب: بيان أن
الإسناد من الدين.
(٢) المفاوز: الأرض البعيدة عن العمران والماء ويخشى فيها الهلاك، وهذه العبارة
فيها استعارة جميلة. لأن الحجاج من تابعي التابعين، فأقلُّ ما يمكن أن يكون بينه
وبين الرسول وَل﴿ أثنان: التابعي والصحابي، ولذا قال: مفاوز، أي: أنقطاع كبير.
(٣) انظر: ((فتح المغيث)) للسخاوي ٤/٣.
(٤) ((المدخل)) للحاكم ص٢.
(٥) رواه السمعاني في ((أدب الإملاء والاستملاء)» ص ٨.
(٦) رواه الخطيب في ((الكفاية في علم الرواية)) ص٢٨٣ باب: ما جاء في عبارة
الرواية. والسمعاني في ((أدب الإملاء والاستملاء)) ص٧، والرامهرمزي في
((المحدث الفاصل)) ص٥١٧ باب: القول في التحديث والإخبار.

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الأوزاعي ت ١٥٧هـ: ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد.
وقال عبد الله بن عون ت١٥١ هـ: كان الحسن البصري يحدثنا
باحادیث لو کان أسندها کان أحب إلينا.
وقال أبو سعيد الحداد(١) ت ٢٢١ هـ: الإسناد مثل الدرج، ومثل
المراقي، فإذا زلت رجلك عن المرقاة سقطت(٢).
وقال مطر الوراق ت ١٢٥هـ: في قوله الله تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِنْ
[الأحقاف: ٤]. قال: إسناد الحديث.
ءِ
مكانة السنة :
*
القرآن الكريم هو الأصل الأول للدين، والسُّنة هي الأصل الثاني،
ومنزلة السُّنة من القرآن أنها مبيّنة وشارحة له تُفصل مُجْمله، وتوضح
مُشْكله، وتقيِّد مُطلقه، وتُخصص عامَّه، وتَبْسُط ما فيه من إيجاز.
حجيتها :
*
قال الشوكاني: إن ثبوت حجية السُّنة المطهرة واستقلالها بتشريع
الأحكام ضرورة دينية، ولا يُخالِف في ذلك إلا مَنْ لا حظّ له في
(٣)
الإسلام.(٣)
ولم يُخالف في الاحتجاج بالسنة إلا الخوارج والروافض، وخالف
المعتزلة بتحكيم عقلهم في السنة، فتمسك هؤلاء بما بدا لهم من فهم
لظاهر القرآن وأهملوا السنن، فضلوا وأضلوا، وحادوا عن الصراط
(١) هو أحمد بن داود الواسطي.
(٢) رواه الخطيب في ((الكفاية في علم الرواية)) ص٣٩٣.
(٣) ((إرشاد الفحول)) ص٢٩.

٤٣
مقدمة التحقيق
=
المستقيم.
وقد استفاض القرآن والسُّنَّة الصحيحة الثابتة بحجية كل ما ثبت عن
الرسول وَله، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلٌ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ
اَللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال ◌َ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَلَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ
[النساء: ٥٩].
٥٩
وَالْيَوْمِ الْآَخِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
فهل قال أحد أن الأمر باتباع النبي ◌َّهو متعلق بحياته فقط؟ وإذا كان
الأمر باق، فهل يأمرنا الله وك بشيء مبهم وغير موجود لو اعتبرنا أن
السُّنة الحقيقية غير موجودة!
قد قال : ﴿فَلَّ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
(٥) ﴾ [النساء: ٦٥]
وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ
وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾﴾ [الأحزاب: ٢١]
وقال: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللّهُ إِنَّ
اُللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
﴿وَنَزْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[النحل: ٤٤] فإذا كان الأمر كما يظن منكرو السنة فما فائدة أمر الله
لرسوله ببيان القرآن؟!

٠
+
+
+
الأداء الَّارِيُّ
وكتابه الصّحيح

٤٦
الإمام البخاري وكتابه الصحيح -
الإمام البخاري وكتابه الصحيح
عصر البخاري:
*
ولد البخاري في أواخر عهد الأمين، وعاش في عهد المأمون
والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمستنصر، والمستعين، والمعتز،
وبذلك استغرقت حياته النصف الثاني من العصر العباسي الأول،
وأوائل العصر العباسي الثاني، وكلاهما كانا من أرقى وأعظم عصور
بني العباس.
وقد أمتاز العصر العباسي الأول (١٣٢-٢٣٢هـ) بقوة سلطان
الخلفاء، وانتشار نفوذهم، فقد كانت لهم الكلمة العليا والسيادة التامة
على جميع العالم الإسلامي عدا بلاد الأندلس، وكانت الدولة
الإسلامية قوية الشوكة، مهابة الجانب، عزيزة كريمة.
وامتاز هذا العصر أيضًا، بأن أغلب من تولى فيه الخلافة من بني
العباس، كانوا من العلماء، يعقدون مجالس العلم ويشاركون فيها
بالحوار والمناقشة، كما كانوا يكرمون العلماء ويجلونهم ويقربونهم
ويعولون على آرائهم(١) وكان المنصور نفسه من أحسن رواة الحديث،
كما ذكر الجاحظ في ((البيان والتبيين))(٢).
(١) (تاريخ آداب اللغة العربية)) ٢١/٢
(٢) ((البيان والتبيين)) ١٥٦/٢.

٤٧
ـيـ
= مقدمة التحقيق
وبلغ الاهتمام بالعلم والعلماء، وانتشار المعرفة والرغبة فيها مداه
في عهد المأمون، حيث كثرت مجالس العلماء والحوار والمناظرة،
وكان الخليفة نفسه يشارك فيها مما أدى إلى إطلاق الفكر من قيود
التقليد، وانتشار الحرية الدينية، فظهرت البدع والفرق، وتأثر المأمون
بآراء المعتزلة في القول بخلق القرآن وانتصر لهم(١).
ودعا العلماء والفقهاء إلى القول بذلك، فحصلت الفتنة وأوذي فيها
خلق كثير، وعلى رأسهم الإمام ابن حنبل والإمام البخاري فيما بعد.
وقد ظل الناس مفتونين مضطهدين بمقولة خلق القرآن، مدة طويلة
حتى عهد المتوكل، فهو الذي أمر برفع هذه المحنة، وترك الناس أحرارًا
فيما يعتقدون.
وامتاز هذا العصر أيضًا بأن المسلمين نقلوا فيه إلى لغتهم، ما كان
معروفًا من العلم والطبيعة والطب والرياضيات عن سائر الأمم المتمدنة
كاليونان والفرس والهند، حتى قيل بأن ما نقله العرب في قرن لم يستطع
نقله الفرس في قرون. وفي هذا العصر أيضًا ازدهر علم الأرصاد وتطور،
وبدأت الفلسفة تنتشر وتنمو، وظهر فلاسفة كبار كيعقوب بن إسحاق
الكندي وغيره.
ويمكن القول بأنه في العصر العباسي الأول، توطدت دعائم الفقه
وازدهر، ونقل إلى العربية أغلب علوم اليونان والفرس والهند، وظهر
علم الكلام وأخذ ينتشر.
أما العصر العباسي الثاني (٢٣٢ -٣٣٤ هـ) فيبتدئ بخلافة المتوكل،
ومحاولته كبح جماح الموالي ونفوذ الأتراك، الذي أخذ يطغى أواخر
(١) (تاريخ آداب اللغة العربية)) ٢٢/٢، ٢٣.

٤٨
الإمام البخاري وكتابه الصحيح ==
العصر العباسي الأول، لكن المتوكل عجز عن ذلك لقوة نفوذهم في
القصر والدواوين، وسيطرتهم على أغلب مواقع الدولة ونشاطها،
حتى أصبحت كلمتهم هي العليا، مما أدى إلى انقسامات في
الصفوف بسبب الصراع بين الطبقات، وخاصة بين الموالي والعرب
الذين أبعدوا عن مناصبهم(١).
ومن الناحية العلمية، فقد أراح المتوكل الأمة من محنة القول بخلق
القرآن، فرفعها وأبطل الجدال فيها(٢). وأمر العلماء بالحديث وإظهار
السنة.
كما ظلت العلوم في ازدهار وتقدم مطرد. وكثرت مجالس العلم
وانتشرت، فازدهرت الفلسفة وعلوم الطبيعيات والمنطق خاصة،
وبرزت كثير من الآراء والنظريات العلمية، وتولدت مذاهب فقهية،
وتفرع مذهب الاعتزال، وازدهر علم الكلام وعلم التفسير.
وفي هذا العصر بالذات، ازدهر تدوين الحديث وأفرد بالتأليف فيه،
خلافاً لما كان عليه الأمر في القرن الثاني، حيث كانت كتب الحديث
تجمع بين الصحيح والسقيم، وبين الحديث والفتاوى وأقوال التابعين
وغيرها، وكما هو الشأن في ((مصنف شعبة بن الحجاج)) المتوفى سنة
١٦٠ هـ، و((مصنف الليث بن سعد)) المتوفى سنة ١٧٥هـ، و((موطأ
مالك)) المتوفى سنة ١٧٩ هـ، و((مصنف سفيان بن عيينة)) المتوفى سنة
١٩٨ هـ، وغيرهم(٣).
(١) ((تاريخ الدولة الإسلامية وتشريعها)) ص٢٥٢، ٢٥٣.
(٢) ((التنبيه والإشراف)) ص ٤٠٠.
(٣) ((مفتاح السنة)) ص٢٨، ٢٩.

٤٩
= مقدمة التحقيق
أما في هذا العصر فقد أفرد الحديث بالجمع والتدوين والتأليف
وحده دون سواه من فتاوى وأقوال الصحابة والتابعين، وأصبح
للحديث كتب يستقل بها وظهر محدثون أئمة كبار، كالإمام البخاري
ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم، حتى يمكننا أن نسمي هذا
العصر عهد ازدهار الحديث والمحدثين، وعصر تدوين الحديث
وظهور المحدثين وكتبهم كالصحاح والمسانيد والسنن(١).
في هذا العصر الذي تصادمت فيه الملل والنحل، وتكاثرت
المذاهب والآراء، وتصارعت الأفكار والمبادئ، وظهر إلى جانب
أهل الخير والصلاح في الدين، جماعات من أهل الشر والفساد
والإلحاد تحاول الكيد للدين بوضع الأحاديث المختلقة تأكيدًا لمذهب
أو أنتصارًا لفريق.
وفي كنف أسرة فاضلة متدينة خيرة غنية، قوامها والد عالم ورع
محدث، ووالدة فاضلة خيرة صالحة من أصحاب الكرامة والولاية،
في هذا العصر وتلك البيئة ولد البخاري وعاش.
(١) ((حياة البخاري)) ص٣، ٤.

الإمام البخاري وكتابه الصحيح حسب
المترجمون للبخاري
لا تكاد تجد كتابا ترجم لأعلام الإسلام أو الرواة أو العلماء إلا وذکر
البخاري، بل قد تجد بعض المصنفين يختصر ترجمته اختصارًا كبيرًا
لشهرته وكثرة تراجمه وعدم الحاجة إلى تكرارها. ونورد هنا مواضع
ترجمته والكتب التي أفردت ترجمته على قدر المستطاع:
((الجرح والتعديل)) ١٩١/٧ (ت ١٠٨٦)
((تاريخ بغداد)) ٤/٢
((طبقات الحنابلة)) ٢٤٢/٢ (ت د. عبد الرحمن العثيمين)
((الأنساب) للسمعاني ١٠٠/٢
((اللباب)) ١٢٥/١
((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي ١/ ٦٧ ، ٧٦
(وفيات الأعيان)) ١٨٨/٤
((تهذيب الكمال)) ٢٤/ ٤٣٠- ٤٦٨
(العبر)) ١٢/٢، ١٣
((سير أعلام النبلاء)) للذهبي ٣٩١/١٢ - ٤٧١ .
((تاريخ الإسلام)) للذهبي، وفيات سنة ٢٥٦ هـ.
((تذكرة الحفاظ)) ٥٥٥/٢

= مقدمة التحقيق
((الوافي بالوفيات)) ٢٠٦/٢، ٢٠٩
((مرآة الجنان)) ١٦٧/٢
((طبقات الشافعية)) للسبكي ٢١٢/٢
((البداية والنهاية)) لابن كثير ٢٤/١١
«مقدمة فتح الباري))
((النجوم الزاهرة)) ٢٥/٣، ٢٦
((طبقات الحفاظ)) ٢٤٨، ٢٤٩
((خلاصة تذهيب الكمال)) ٣٢٧
(طبقات المفسرين)) ١٠٠/٢
(شذرات الذهب)) لابن العماد ١٣٤/٢، ١٣٦
((مفتاح السعادة)) لطاش کبرى زاده ١٣٠/٢
((الأعلام)» للزركلي
((معجم المؤلفين)) لكحالة
وغير هذه الكتب كثير.
الكتب التي أفردت البخاري بالترجمة(١):
*
((أخبار البخاري)) للكلاعي (سير ١٣٦/٢٣)
(شمائل البخاري)) لأبي جعفر بن أبي حاتم الوراق كاتب البخاري
(سير ٣٩٤/١٣) لم يطبع، لكن نقل منه كثير ممن ترجم للبخاري، ويُعتبر
(١) انظر: ((معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي وبيان ما أُلف فيها))
تأليف عبد الله بن محمد الحبشي، منشورات المجمع الثقافي - أبو ظبي،
الإمارات ٢٠٥/١. وفي مواضع من ((سير أعلام النبلاء)) ٣٩١/١٢ -٤٧١.
و((معجم المؤلفين)) لكحالة.

٥٢
الإمام البخاري وكتابه الصحيح -
أوثق ترجمة له لقرب صاحبها من البخاري.
(ترجمة البخاري)) هبة الله بن جعفر، مخطوط بالظاهرية،
والسخاوي في ((إتحاف السامع)) ٤٠ .
((مناقب البخاري)) للذهبي (سزكين ١١٦/١، كحالة ١٤٢/٧،
بروكلمان ٢ / ١٧٣)
((إضاءة البدرين في ترجمة الشيخين)) للعجلوني.
((فرائد الدراري لترجمة الإمام البخاري)) للجراحي العجلوني،
خزانة البلدية، وخدابخش، والجامعة الأمريكية.
((الأعلام بأخبار البخاري الإمام)) لأبي الربيع بن سالم (نفح ٤/
٤٧٥، إحاطة ٢٩٧/٤)
((بخاربخور البخاري)) عبد الكريم السمعاني.
((تحفة الإخباري بترجمة البخاري))، لابن ناصر الدين (مطبوع)
(مواهب الباري في مناقب مسلم والبخاري)) محمد البخاري
العقبي.
((حياة البخاري)) جمال الدين القاسمي، طبع صيدا ١٣٣٠ هـ
((الإمام البخاري سيد المحدثين)) تقي الدين الندوي، بيروت ١٤٠٦
هـ (١٧٦ ص).
((المسك الدراري في شرح ترجمة البخاري)) عبد القادر الكوهن.
((الإمام البخاري محدثا وفقيها)) الحسيني عبد المجيد هاشم، مصر
١٣٨٠ هـ (٢٩٤ ص).
((التعريف بأمير المؤمنين في الحديث)) ط مصر ١٣٨٧ هـ (١٣١ ص)
(ذكر الإمام البخاري)) سالم بن أحمد جندان.

٥٣
= مقدمة التحقيق
((الإمام البخاري وصحيحه)) عبد الغني عبد الخالق ط دمشق ١٤٠٤ هـ
(مع الإمام البخاري)) معوض عوض إبراهيم، مصر ١٤٠٦ هـ
(١٧٥ ص)
((الإمام البخاري)» كامل محمد عويضة.
((الإمام البخاري فقيه المحدثين ومحدث الفقهاء)) د.نزار عبد الكريم
الحمداني - نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة ١٤١٢ هـ
(سيرة الإمام البخاري سيد الفقهاء وإمام المحدثين)) تأليف
عبد السلام المباركفوري- نشر دار عالم الفوائد- مكة المكرمة ١٤٢٢ هـ.
((الإمام البخاري وجامعه الصحيح)) د.يوسف الكتاني، كتاب جمعية
الإمام البخاري (رقم ١).

٥٤
الإمام البخاري وكتابه الصحيح -
نسب البخاري
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه
وقيل بَذْدُزْبَه، وهي لفظة فارسية أو بخارية معناها الزرّاع، البخاري
مولدًا، وموطنًا، الجعفي نسبًا.
وكان أجداده فرسًا على دين المجوس، على أن التاريخ لم يحفظ
لنا من أجداد البخاري أبعد من جده الثالث «بردِزبه» فهو رأس أسرته فیما
نعلم.
وقد كان بَرْدِزْبَه هذا فارسي الأصل عاش ومات مجوسي الدین،
وأول من أسلم من أجداد البخاري ((المُغيرة بن بَرْدِزْبَه)) كان إسلامه
على يد اليمان الجعفي والي بخارى آنذاك، فانتمى إليه بالولاء،
وانتقل في أولاده، وأصبح الجعفي نسبًا له ولأسرة البخاري.
أما إبراهيم بن المغيرة ((جد البخاري)) فلا نعلم شيئًا من أخباره غير
انتسابه للمغيرة.
وأما والد البخاري ((إسماعيل بن إبراهيم))، فقد كانت حياته مطلع
النباهة لهذه الأسرة، حيث غير منهج آبائه في الحياة، وشارك في الحياة
العلمية مختارًا أهم جوانبها في عصره وهي: دراسة حديث الرسول وَله
وتدريسه.
كان والد البخاري رحمه الله تقيًا عالمًا محدثًا، اشتهر بين الناس

٥٥
: مقدمة التحقيق
=
بحسن سلوکه وورعه وسمته.
رحل كثيرًا إلى العلماء وأهل الحديث فحدث عنهم وأخذ منهم،
روى سماعًا عن ((مالك بن أنس)) و((حمّاد بن زيد)» وصحب ((عبد
الله بن المبارك))، كما ذكر ذلك ابن حبان في كتابه ((الثقات)).
وروى عنه العراقيون منهم: أحمد بن حفص، وأحمد بن جعفر،
ونصر بن الحسين وغيرهم.
ويكفي هذا الوالد شرفًا وفخرًا، أن الله أجزل مكافأته وعطاءه على
فضله وعفته، فرزقه ولدًا هو الإمام البخاري.

٥٦
■ الإمام البخاري وكتابه الصحيح
المولد والنشأة
ولد محمد بن إسماعيل البخاري بعد صلاة الجمعة، في الثالث عشر
من شهر شوال عام أربعة وتسعين ومائة للهجرة (١) وكانت ولادته بمدينة
بخارى(٢) من خراسان، موطن آبائه وأجداده، وهي مدينة كبيرة من بلاد
التركستان أو خراسان، فتحها المسلمون بعد منتصف القرن الأول
للهجرة. وكانت عاصمة الملوك السَّامانيين قبل الفتح الإسلامي، وقد
ولد البخاري وهي مركز علمي هام، وحاضرة من حواضر الإسلام.
استقبل البخاري حياتَه وسط أُسْرةٍ ثريةٍ متدينةٍ فاضلةٍ، غير أنَّ المنيةَ
لم تُمْهِل والده الكريم، حيث تُوفي وابنه البخاري طفل، فكفلته أُمُّه
ورعته من بعده.
وكانت امرأةً تقيةً صالحةً لا تقل تُقى وورعًا عن والده، حتى عدَّها
المؤرخون من ذوي الكرامة والولاية.
روى غنجار في («تاريخ بخارى»، واللالكائي في باب كرامات
الأولياء من ((شرح عقيدة أهل السنة))، والسبكي في ((الطبقات))، أن
محمد بن إسماعيل البخاري ذهبت عيناه في صغره، فدعت أمه الله
(١) ((طبقات الشافعية)) ٢/٢، ((هدي الساري)) ص٧٨.
(٢) بخارى هي الآن تابعة لجمهورية أوزبكستان في آسيا الوسطى. وكانت سابقا تحت
نفوذ الاتحاد السوفييتي.

٥٧
=
== مقدمة التحقيق
كثيرًا حتى رأت الخليل إبراهيم العَيْه في المنام فقال لها: ((يا هذِه قد رَدَّ
الله على ابنك بَصَرَهُ بكَثْرة دُعائِك)) قال: فأصبح وقد ردَّ الله عليه بصره(١).
في كنفِ هُذِه الأسرة الكريمة نشأ البخاري، وفي رعاية هذِه الأم
الفاضلة أخذ يختلف إلى الكتاب، يحفظ القرآن وأمهات الكتب
المعروفة في زمانه، حتى إذا بلغ العاشرة من عمره، بدأ في حفظ
الحديث، والاختلاف إلى الشيوخ والعلماء، وملازمة حلقات
الدروس، وعند ذاك أخذت ميوله تظهر، ومداركه تنفتح.
وروي عن أبي جعفر محمد بن أبي حاتم الورَّاق كاتب البخاري،
أنه قال: «قلتُ للبخاري: كيف كان بَدْهُ أمْرِك؟ فقال: أُلهمتُ حِفظ
الحديثِ في المكتب ولي عشر سنوات أو أقل، ثُمّ خرجتُ من
المكتب بعد العشر، فجعلتُ أختلف إلى الداخلي)) (٢).
وهنا يسجل التاريخ خبرًا ينم عن نضجه المبكر، قال فيما يروي عن
نفسه: ((فجعلتُ أختلف إلى الدَّاخلي وهو من كبار المُحدثين في عهده
فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: عن سُفيان عن أبي الزبير عن
إبراهيم. فقلتُ: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم.
فانتهرني فقلتُ له: ارجع إلى الأصلِ إنْ كان عِنْدك، فدخل فنظرَ فيه
ثم خَرَجَ فقال: كيف هو يا غلام؟ قلتُ: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم.
فأخَذَ القلمَ منه وأصلَح كتابَه بِهِ وقال: ((صدقتَ))(٣).
(١) (كرامات الأولياء)) ص٢٤٧، ((طبقات الشافعية)) للسبكي ٢١٦/٢، كذلك ذكرت
هذه القصة في («البداية والنهاية)) ٢٥/١١. ونقلها الحافظ في مقدمة ((الفتح))
ص٤٧٨ نقلا عن غنجار في ((تاريخ بخارى))، واللالكائي.
(٢) ((تاريخ بغداد)» ٥/٢، ٦، ((طبقات الشافعية)) ٢١٦/٢.
(٣) انظر: ((تاريخ بغداد)) ٧/٢، ((تغليق التعليق)) ٣٨٦/٥.

٥٨
الإمام البخاري وكتابه الصحيح =-=
وقد حدث بعض أصحاب البخاري أنهم سألوه: ابن كم كان إذا
ذاك؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة.
وقد سمع ببخارى قبل أنْ يَرْتحل من مولاه مِنْ فوق عبد الله بن
محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان المُسندي، ومحمد بن سَلام
الپنگندي، وجماعة ليسوا من كبار شيوخه.
ثم سَمِعَ ببلخ من مکيٍّ بن إبراهيم، وهو من عوالي شيوخه.
ثم تتابعت مراحل نضج البخاري وتقدمه العلمي، فتابع دراسته
وتعلمه بهمة ونشاط، حتى إذا بلغ السادسة عشرة من عمره، حفظ
كتب ابن المبارك ووكيع وغيرهم من أهل الرأي، وفي هذِه السن
المبكرة بدأت مرحلة جديدة من حياة البخاري، إذ خرج من بخاري
راحلًا إلى الحج وطلب الحديث صحبة والدته وأخيه أحمد، حتى إذا
أنتهت مناسك الحج رجعت أمه صحبة أخيه أحمد إلى بلدها بخاري،
بينما تخلف البخاري لطلب الحديث والأخذ عن الشيوخ وكانت سنه
إذ ذاك ست عشرة سنة، أي سنة عشرة ومائتين للهجرة، تقريبا.
ومن هذا التاريخ تبتدئ مرحلة جديدة في حياة البخاري، وهي
مرحلة الاتصال بالعالم الخارجي، وبداية الرحلة لطلب الحديث
والاتصال بالعلماء والشيوخ.
وفي ذلك يقول البخاري: ((خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مَكَّة،
فلما حججتُ رجع بها أخي، وتخلفتُ في طلبِ الحديث))(١).
فسمع في رحلته من شيوخه بنيسابور، والرَّي، وبغداد، والبصرة،
(١) (سير أعلام النبلاء)) ٣٩٥/١٢، (طبقات الشافعية)) ٥/٢، ((هدي الساري))
ص٤٧٨.

٥٩
=
=
= مقدمة التحقيق
والكوفة، ومكة، والمدينة، ومصر، والشام.
وسمعه ورَّاقه محمد بن أبي حاتم يقول: كتبتُ عن ألفٍ وثمانين
رجُلًا ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قولٌ
وعمل، يزيد وينقص.

٦٠
الإمام البخاري وكتابه الصحيح =
صفات البخاري
وصفه الإمام السبكي في ((الطبقات الكبرى))(١) قال: كان البخاري
ضعيف البنيان ومن وصفوه كانوا يقولون: ((إنه كان نحيفًا ليس بالطويل
ولا بالقصير)). وكان قليل الأكل جدًا، يتزهد فيه ويتقشف مكتفيًا بالخبز،
معرضًا عن الإدام حتى مرض من كثرة تقشفه وقد روى صاحب ((هدي
الساري))(٢) قول البخاري: («لم أتتدم منذ أربعين سنة)).
وكان عزيز النفس عفيف اليد، يتجمل ويتحمل، ولا يريق ماء
وجهه، حتى في أشد حالات العسر (٣). وكان مرهف الحس، نبيل
الشعور، عفيف اللسان، قال: ((ما اغتبتُ أحد قط منذ علمت أن
الغيبة حرام)). وكان كريم الطبع كريم اليد محسنًا قال: ((كنت أستغل
في كل شهر خمسمائة درهم، فأنفقها في الطلب وما عند الله خير وأبقى)).
كما كان متعبدًا زاهدًا قانتًا، يملأ نهاره بالدرس والتعليم، وليله
بالعبادة والتهجد، حتى كان ورده القرآن.
وقد ورث الإمام البخاري ثروةً كبيرة من أبيه، فكان يُعطي المال
مضاربةً ليتفرغ لخدمة السُّنَّة النبوية، فكان في معاملاته سمحًا رحيمًا،
(١) ((طبقات الشافعية)) ٤/٢.
(٢) «هدي الساري» ص٤٨٢.
(٣) التعريف بالبخاري: كتاب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية- مصر - ص٢٧ .