النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
عن أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، عن أبي عمر القاسم بن جعفر
ابن عبد الواحد الهاشمي البصري، عن اللؤلؤي، عن أبي داود.
ح، وبه إلى (٧) الشيخ محيي الدين، عن (٨) السِّلَفي، عن (٩) الحداد،
عن (١٠) أبي نعيم، عن ابن داسه، عن أبي داود)).
وعلى الصفحة اليمنى تعداد أسماء كتب السنن: الطهارة، الصلاة .. ،
و تحتها:
(«الحمد لله. أخبرنا به مسلسلاً باليمنيين إلى ابن أبي الصيف إجازة: (١)
الفقيه نور الدين علي بن محمد اليمني التَّعِزِي العقيبي(١) الأنصاري نفع الله
به، عن (٢) شيخه جمال الدين محمد بن علي بن مطير، عن (٣) والده علي
بن محمد بن مطير، عن (٤) عمه عبدالله، عن (٥) أبيه إبراهيم، عن (٦)
أبيه أبي القاسم بن عمر مطير، عن (٧) أبيه عمر، عن (٨) أبيه أحمد، عن
(٩) أبيه المحدث إبراهيم، عن (١٠) أبيه الحافظ محمد بن عيسى مطير،
عن (١١) خاليه محمد وإبراهيم ابني عمرو التِّباعي، عن (١٢) والدهما
الفقيه مظفر الدين عمر بن علي التِّباعي، عن (١٣) الحافظ أبي عبدالله محمد
بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني إجازةً مشافهةً في بيته عند باب إبراهيم
وَفي المسجد الحرام تُجاه الكعبة المعظمة سنة ٦٠٨ بسنده المثبت في أول
هذا الكتاب)).
يريد الأسانيد التي ذكرتُ أنني طويتها واكتفيت عن ذكرها بالرسم.
ويلحظ القارىء الكريم أنه ليس في ختام هذه الأسانيد التي نقلتها تصريح
بأن كاتبها هو إبراهيم بن حسن الكُوراني، لكني جزمت بأنه هو لمماثلته
لنموذج خطه الذي نقله الأستاذ المؤرخ خير الدين الزِّرِكلي رحمه الله في
ترجمة الكوراني من ((الأعلام)) (٢).
(١) هكذا بالباء الموحدة، وفي ((البدر الطالع)) ٤٩٦:١: العقيني، وكأنها من جملة
أخطائه المطبعية، وأرخ وفاته سنة ١١٠١، وهي سنة وفاة إبراهيم الكوراني.
(٢) ٣٦:١.

٨٢
وخلاصة ذلك: أن هذا الأصل يرجع إلى أصل ابن أبي الصيف، وأسانيده
المذكورة، وعنه أخذ أبو الفتح المراغي أصلاً له، وعن أصل المراغي
استكتب إبراهيم الكوراني أصلاً له، قابله به وصححه بنفسه. وهذا هو. والله
تعالى أعلم.

٨٣
الأصل السابع
مصدره من المكتبة الظاهرية بدمشق، ولذلك جعلت رمزه (ظ).
وكأن أصل النسخة كان في ثلاثة مجلدات، الأول منها: من الجزء الأول
إلى آخر الحادي عشر، والثاني منها: من الجزء الثاني عشر إلى آخر الثاني
والعشرين، وهو هذا المجلد، والثالث منها: من الثالث والعشرين إلى آخر
الثاني والثلاثين. وهذا بتجزئة الخطيب، الذي ينتهي سند روايته إلى
اللؤلؤي، وهذه القطعة كذلك هي من رواية اللؤلؤي.
وعدد أوراقها ١٨١ ورقة، فيها ١٦٧٨ حديثاً، من الحديث ١٩٠٨ إلى
٣٥٨٧، تمت كتابتها يوم الثلاثاء ٦ من شهر ربيع الأول سنة ٦٥٤ بدار
الحديث الكاملية بالقاهرة.
وفي أول كل حديث منها: حدثنا أبو داود، كما هو في الأصل س.
أ - أما كاتبها: فهو مالكها وصاحبها محمد بن منيع بن عثمان بن شادٍ
المؤذن، وهو نقلها عن أصل صاحبه وزميله الإمام المقرىء المحدث المتقن
النَّحْوي شرف الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم المَيْدومي
(٦١١ - ٦٨٣)، وكان متخصصاً بالإمام المنذري، ملازماً له(١)، والميدومي
أخذ أصله عن أصل شيخه الإمام المنذري الذي قرأ فیه علی ابن طبرزد.
أما أن ابن شاد زميلٌ للمیدومي فهذا يدل عليه أمور:
١ - منها: تسجيل الميدومي لسماع ابن شادٍ - وغيره - كتابَ ((التكمِلة
لوفيات النَّقَلة)» على مصنفه الإمام المنذري، وكان ذلك بقراءة
(١) (الوافي بالوفيات)) ١٠:٢، و((بغية الوعاة)) ١٢:١ وكأنهما ينقلان عن الذهبي في
((تاريخ الإسلام)»؟.

٨٤
الميدومي(١)، وزاد الميدومي هناك في نسبة ابن شاد: ابن البشطاري.
٢ - ومنها: السماع الشامل الذي سأنقله آخراً إن شاء الله.
٣ - ومنها: أن ابن شاد هو صاحب تلك الفوائد التي علّقها عن شيخه
المنذري على ((كتاب الضعفاء والمتروكين)) لابن الجوزي أثناء قراءته عليه،
سنة ٦٤٩، انظر آخر مقدمته وراموز الورقة الأخيرة من المخطوطة، وفيها:
ابن شاد البشطاري.
ولم أقف على ترجمة له بعد، لكنْ حضوره سماع كتاب ((التكملة))
و((الضعفاء والمتروكين)) يدل على أنه من المتخصصين بهذا العلم، فإنه
لا يحضرهما إلا الخاصة.
كما أن مزايا هذه القطعة المحفوظة بخطه من السنن تدل على مشاركته
الجيدة في العلم، فمنها:
١ - أنها تمتاز بالصحة، فلا سَقَط فيها ولاتحريف، إلا ما لابدّ منه
للطبيعة البشرية.
٢ - وتمتاز بكثرة الضبط، مع محافظتها على الصحة أيضاً، مع أن كثرة
الضبط تعرِّض صاحبها لكثرة الأخطاء.
٣ - وحافظَ رحمه الله على ماحفِلت به حواشي أصل نسخته من فوائد
متعددة :
- ففيها رموزُ من شارك أبا داود في رواية الحديث من أصحاب الكتب
الستة: خ للبخاري، م لمسلم، ت للترمذي، ن للنسائي، ق لابن ماجه
القزويني.
- وفيها أحكام مختصرة على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف.
- وفيها تعريف ببعض الرواة.
(١) انظر مقدمة ((التكملة)) ص ٣٠ - ٣١.

٨٥
- وتفسير لبعض غريبه اللغوي.
- وفيها الجوانب الفنية الأخرى: نقلُ ماعلى الأصل من سماعات
- وسيأتي بعضها-، وتوضيحُ الكلمات التي لم تظهر أثناء الكتابة، بسبب
اضطراب بعض حروفها، واستعمال علامات الضبط والتقييد، والنص على
المقابلة، وعلى المعارضة بأصل الإمام المنذري.
وهذه المزايا هي التي جعلت هذه المجلدة أصلاً يعتمد عليه، يضاف إليها
تداول علماء آخرين لها بالقراءة، كما سيأتي.
وقد أثبتُّ في التعليق قسماً من هذه الفوائد، وقسمٌ منها أثبتُّه ونَسبتُه إلى
مختصر المنذري المطبوع، لأنه يتفق معه، فنسبته إلى المطبوع أيسر
للقارىء، وقسم منه اكتفيت بإثباته مع ضبطه، ولم أنسبه إلى الحواشي،
تخفيفاً عن الحواشي المطبوعة، ومنها مالم أثبته لقلة أهميته.
ب - والسماعات التي نقلها ابن شاد تنحصر في سماعين متكررين مع
نهاية كل جزء، وهما متقاربان في الزمن، وأنقل نماذج منها، مع وضوح
الأسماء في الأول.
١ - جاء على حاشية ١٧ / أ آخر الجزء الثاني عشر:
(بلغ السماع لي ولولدي أبي بكر(١) وللشيخ الأجل الإمام العالم العامل
الورع الزاهد مفتي المسلمين عز الدين أبي محمد عبدالعزيز بن عبدالسلام
فسح الله في مدته ونفع المسلمين ببركته، والقاضي الأجل العدل ..
عزالدين عبدالخالق بن جعفر بن محمد بن علي البِلِفْياوي، والفقيه الأجل ..
شرف الدين .. أحمد ابن أخي شيخنا محيي الدين ابن سُراقة، وآخرين في
البلاغ المكتتب بخطي، إلى هنا، على سيدنا وشيخنا زكي الدين المنذري
(١) يُستغرب من ابن شاد - وهو كاتب السماع - أن يقدم نفسه في طبقة السماع،
ويستغرب منه أن يقدّم ابنه الناشىء أيضاً، واستغراب ثالث أن هذا التقديم كان على
ذكر الإمام العز ابن عبدالسلام! رحمهم الله تعالى.

٨٦
فسح الله في مدته ونفع المسليمن ببركته، بقراءة مولانا الصاحب تاج الدين
أبي محمد عبدالوهاب أدام الله أيامه، وذلك في يوم الجمعة سابع ذي الحجة
سنة ٦٥٣)).
أما حضور الإمام عز الدين ابن عبدالسلام: فهذا النص شاهد عيان على
ماجاء في ((طبقات الشافعية))(١) في ترجمة المنذري وابن عبدالسلام أن العزَّ
أمسك عن التحديث لما دخل المنذري القاهرة، إجلالاً للمنذري، وأن
المنذري أمسك عن الفتيا إجلالاً للعز !! رضي الله عنهما وعن أئمة الإسلام
رجال الأدب والإنصاف عامة.
وأما القارىء: فجاء اسمه في بعض السماعات الآتية بأوضح من هذا
وعُرف، فهو: قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن خلف العَلاَمي،
المعروف بابن بنت الأعزّ الشافعي (٦٠٤ - ٦٦٥) الذي قال فيه الإمام ابن
دقيق العيد - وحسبك به -: لو تفرّغ ابن بنت الأعزّ للعلم فاق العزَّ ابن
عبدالسلام(٢)! وقد قال التاج السبكي أول كلمة في ترجمته: قرأ سنن أبي
داود على المنذري(٣)
وهاهنا مايسترعي الانتباه للتعرف على جلالة الإمام الحافظ المنذري
رحمه الله تعالى، فالسامعون منه وأصحاب مجلسه: الشيخ الأجل مفتي
المسلمين .. ، والقاضي الأجل .. ، والفقيه الأجل .. ، ولا يذكره الكاتب إلا
بلقب: سيدنا وشيخنا فسح الله في مدته ونفع المسلمين ببركته، حتى
الإفادات التي ينقلها عنه على الحواشي يختمها بقوله: قاله سيدنا وشيخنا.
وحتى المعارضات التي ينصّ عليها بقوله ((بلغ معارضة)) يختمها بقوله: بلغ
معارضة بأصل شيخنا المنذري أثابه الله رضوانه.
٢ - السماع الثاني، وهذا نصه وهو بجانب السماع الأول:
(١) للتاج السبكي ٢١١:٨ تعليقاً، ٢٦١.
(٢) ومعلوم أن ابن عبدالسلام شيخ ابن دقيق العيد.
(٣) ((طبقات) السبكي أيضاً ٣١٩:٨، ٣١٨.

٨٧
((بلغ السماع لي وللآخرين على سيدنا وشيخنا المنذري فسح الله في
مدته، ونفع المسلمين ببركته، بقراءة الفقيه الأجل العدل شهاب الدين ولد
الشيخ عبد المنعم الخِيَمي رحمه الله، وذلك في يوم الجمعة العشرين من
صفر سنة ٦٥٥)).
وشهاب الدين ابن الخِيَمي القارىء: هو محمد بن عبد المنعم الخِيَمي،
المتوفى سنة ٦٨٥(١).
وتكرر هذا السماع أربع مرات، تاريخُ أولِها كما تراه: الجمعة ٢٠ من
صفر سنة ٦٥٥، وآخرِها ٢٠ من شهر رجب ٦٥٥.
جـ ـ وهناك سماعان آخران متأخران:
٣ - كُتب بجانب السماع الأول والثاني: «بلغ عليّ بن البهاء سماعاً إلى
هنا)). ثم جاء كاملاً آخر المجلدة ١٨٠/ ب: ((بلغ عليُّ بن البهاء البغدادي
سماعاً إلى هنا، وذلك بقراءة شيخنا أقضى القضاة القاضي تقي الدين
الجَرَاعي، وذلك على سيدنا أقضى القضاة القاضي ناصر الدين ابن أبي عمر
شيخ الإسلام. وذلك في سادس ذي القعدة سنة سبع وتسعين وثمان مئة)).
وعليّ بن البهاء هذا مترجم في ((الضوء اللامع)) (٢) وأرخ ولادته سنة ٨١٨
تقريباً، وكان حياً سنة ٨٩٠، ولم يؤرخ وفاته، فيستفاد من هنا تأخّر وفاته
بضع سنين عما ذكره السخاوي ..
أما تقي الدين الجَرَاعي: فتقدم ذكره(٣).
وأما الشيخ المُسمِع: فهو الشيخ المتقدم ذكره والّتي في السماع الأخير:
محمد بن أبي بكر بن زُرَيق، الذي كتب اسمه وسماعه على وجه الكتاب:
(سمعه محمد بن أبي بكر بن زُرَيق)) (٨١٢ - ٩٠٠).
(١) المترجم في ((العبر)) للذهبي ٣: ٣٦٠، و((حسن المحاضرة)) ٥٦٩:١، وغيرهما.
(٢) ٥ :٢٠٨.
(٣) صفحة ٦٥ .

٨٨
د - والسماع الثاني وقد سُجِّل مرتين: ١٤٤/أ، و١٨٠، وهو في المرة
الأولى أوفى وأتم:
((الحمد لله. سَمع هذا الجزء - وهو العشرون - في الثامن عشر على شيخنا
الإمام العالم المحدث المسند الرُّحْلة القاضي ناصر الدين أبي عبدالله محمد
ابن الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة عماد الدين ابن أبي بكر بن
عبدالرحمن ابن شيخ الإسلام أبي عمر قدس الله سره، العُمَريِّ المقدسي أيده
الله تعالی،
بسماعه له على الشيخة الصالحة أم عبد الله عائشة بنت إبراهيم بن
الشرائحي،
بسماعها له على الشيخ زين الدين أبي حفص عمر بن حسن بن مَزْيَد بن
أُمَيلة المراغي،
بسماعه له على الشيخ فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبدالواحد
عُرف بابن البخاري، بقراءة كاتبه رمضان بن عبدالله بن أيوب الجَمّاعيلي
الكناني: السادةُ الفضلاء الشيخ بدر الدين حسن بن علي الماياني وولديه:
زين الدين عبدالرحمن، وكمال الدين محمد، وجمالُ الدين عبد الله ابن
شيخنا الإمام جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن عبد الهادي، وشهاب
الدين محمد بن علي بن محمد، عُرِف بابن طيلون(١) النعماني، وإبراهيم بن
أحمد الفندقوي، وشهاب الدين محمد بن علي بن علي العراني (٢)، ومحمد
ابن عبدالقادر بن حمزة الاسجيمي(٣)، وصح ذلك وثبت في يوم الأربعاء
سابع عشر شعبان سنة سبع وتسعين وثمان مئة، بمدرسة شيخ الإسلام أبي
عمر قدس الله روحه، وأجاز سيدُنا المُسمِع للجماعة ماله روايته بشرطه،
(١) ويقال له: ابن طولون، كما تقدم ص ٦٥.
(٢) كذا؟ ورأيت يوسف ابن عبدالهادي كتب هذه النسبة بخطه: الفراني، انظر ص ٦٩
من ((الأربعين في شيوخ الصوفية)) للماليني، تحقيق الدكتور عامر حسن صبري.
(٣) هكذا كتب هنا، وجاء في الأصل س ٨٧١/أ: الاشجيمي.

٨٩
والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم)).
وهذا يؤكد الصلة بين هذا الأصل والأصل الخامس س.
هـ - وأخيراً: فإن من مزايا هذه النسخة تكرار جملة ((بلغ مقابلة))، وجملة
(بلغ معارضة بأصل شيخنا المنذري أثابه الله رضوانه)). من أول الكتاب حتى
آخر ورقة منه.
أما طبقة السماع الذي أشرت إليه، وسميته السماع الشامل: فهو - كما
جاء آخر المجلدة ص ١٨١ -:
((سمع لجميع هذا السفر - ويشتمل على أحد عشر جزءاً - من سنن الإمام
أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، على سيدنا وشيخنا الشيخ الإمام
العامل الورع الزاهد الحافظ قدوة المحدثين زكي الدين أبي محمد عبدالعظيم
ابن عبدالقوي بن عبدالله المنذري، فسح الله في مدته ونفع المسلمین ببركته،
بحق سماعه فيه نقلاً، بقراءة المولى الأجل الصاحب تاج الدين أبي محمد
عبدالوهاب بن المولى الأجل الأعز أبي القاسم خلف بن المولى الأجل رشيد
الدين أبي الثناء محمود بن بدر العَلاَمي الشافعي: السادةُ الأجلاء الفقهاء .. ))
وذكر خمسة وثلاثين رجلاً بأسمائهم وألقابهم وأنسابهم ونِسَبهم، وفيهم:
ولده «تقي الدين أبو بكر، ووالده مثبت الأسماء صاحب النسخة وكاتبها فقير
رحمة ربه الغني به محمد بن منيع بن عثمان بن شاد المؤذن، وهذا خطه)) ثم
ذكر اثنين سمعا بفَوْت، وعيّنه، ثم قال: ((وصح وثبت في مجالس آخرها يوم
الثلاثاء السادس من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وست مئة بالقاهرة
المحروسة بدار الحديث الكاملية، عَمَرها الله تعالى بذكره، ورحم بانيها
وتغمده برحمته. والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً
كثيراً، ولاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.
.. بين السطور الأسماء، وهو صح، كتبه محمد بن منيع، وحسبنا الله
ونعم الوكيل)).

٩٠
الأصل الثامن
مقرّه المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، ولذلك رمزت له بحرف (م).
وهو مجلدة واحدة من ٢١٤ ورقة، تخلَّلها نقصُ ثلاث أوراق: ٦،
١٠٤، ١٩٤، عدد أحاديثها ١٠١٤، من رقم ٨١١ - ١٧١٧، ٢٣١٠ - ٢٤١٨،
تنقص نحو عشرين حديثاً مجموع ما في الأوراق الثلاثة، وخطها قديم يشبه
الكوفي، نادر النقط.
أ - كتب على وجه النسخة على حاشية السماع الثاني: ((الحمد لله، أوقف
هذا الجزءَ والجزءَ الذي قبله من سنن أبي داود الشيخُ سالم بن الشيخ عبد الله
البصري، على طلبة العلم بمكة المشرفة، وجعل مستقره رباط آل باعلوي،
تقبل الله منه. سنة ١١٣٦)).
وكتابة ((أوقف .. الشيخ سالم .. )): تدل على أن الخط ليس خطه. وسالم
هذا: هو ولد العلامة المدقق الشيخ عبد الله بن سالم البصري الذي ذكرته في
الكلام على الأصل الثاني (ح) والثالث (ك). وهو الذي جمع ثَبَتَ والده
المطبوع بالهند باسم ((الإمداد)).
وهذا الأصل يعدُّ لقدمه ولكونه من رواية ابن داسه: من نفائس نسخ سنن
أبي داود لو کَمُل !.
ب - أوله: ((أخبرنا الفقيه أبو علي الحسن بن داود السمرقندي قراءة عليه
قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن بكر بن محمد البصري بها، قال: حدثنا أبو
داود».
وأبو بكر البصري هو ابن داسه، فليس بين صاحب الأصل وأبي داود إلا
رجل واحد هو ابن داسه .
ثم إن القاضي الحاكم أحمد بن عبد الرحيم الإسماعيلي سمعه من أبي

٩١
علي السمرقندي هذا، فأضيف اسمه أولاً، كما يظهر لك من الصورة.
جـ ـ وأول كل حديث: حدثنا أبو داود، كما هو الحال في س، ظ.
د - وسبق(١) أني نبهت في الكلام على رواية ابن داسه: أنه قد يوجد
اختلاف بين رواية البيهقي - مثلاً - لحديث في السنن يرويه عن الرُّؤْذَباري عن
ابن داسه، وبین روایة السمرقندي له هنا عن ابن داسه.
هـ ـ وتجزئه هذه المجلدة تختلف عن تجزئة الخطيب البغدادي للسنن،
لأنها نُسخت قبل ولادة الخطيب، فمن السماعات المؤرخة فيها (٢): ((سمع
هذا الجزء من أوله إلى آخره القاضي الإمام أبو العلاء صاعد بن محمد أيَّده
الله، وبنوه: أبو الحسن وأبو سعيد وأبو نصر .. في شوال سنة تسع وثمانين
وثلاث مئة)).
وأبو العلاء هذا كان قاضي نيسابور، وفقيه الحنفية ورئيسهم، ترجمه
الذهبي في ((السير))(٣)، وحلاه بهذا، وكان مولده ووفاته (٣٤٣-٤٣١).
و - فهذا أقدم سماع على النسخة، ولكن قبل كم سنةً كان نسخها؟ ظفرت
بما يمكن تقريبه لا تحدیده.
يردُ على حواشي بعض الصفحات: في كتاب أبي الحسن كذا، يريد: أن
نسخة أبي علي السمرقندي هذه قوبلت بنسخة أبي الحسن، وجاء التصريح
في بعض المواضع (٤) بأنه ((أبو الحسن الماسَرْجِسي رحمه الله))، وهو محمد
ابن علي بن سهل شيخُ الشافعية بنيسابور أيضاً، ترجمه الذهبي(٥) وأرَّخ وفاته
سنة ٣٨٤ عن ٧٦ سنة، فتكون ولادته سنة ٣٠٨، وذكر أنه سمع أبا سعيد
ابن الأعرابي أحد أصحاب الروايات للسنن، كما تقدم.
(١) صفحة ١٦.
(٢) ورقة ١/٧٣.
(٣) ١٧ :٥٠٧ .
(٤) ورقة ٤٠/ب وغيرها.
(٥) في ((السير)) ١٦ : ٤٤٦.

٩٢
فالمعارضة بكتابه كانت بعد وفاته سنة ٣٨٤، لقوله عند ذكره: رحمه الله،
وتاريخ هذا السماع سنة ٣٨٩، فالفرق بينهما خمس سنوات، والمعلوم من
واقع العلماء المتثبتين أن السماع يكون بعد المعارضة، والمعارضة تكون بعد
الفراغ من النَّسخ.
فغالب الظن أن العهد قريب بين النَّسخ والمعارضة. والله أعلم.
ز - وفي هذه المجلدة أحد عشر سماعاً لأبي العلاء هذا، صرح في أربعة
منها بأن سماعه على الشيخ الفقيه أبي علي السمرقندي، وكان واحد منها في
دار أبي علي، ولأبي علي ترجمة موجزة في ((المنتخب من السياق)) فيها
قوله(١): ((الفقيه السمرقندي البارع، سمع سننَ أبي داود من ابن داسه
بالبصرة، وغيرَه من الحديث. توفي يوم الاثنين ثاني عشر رجب سنة خمس
وتسعین وثلاث مئة)).
وهذه السماعات كلها مؤرخة في سنة ٣٨٩، السبعة الأولى في شهر
رجب، والثامن في شعبان، والتاسع والعاشر في شوال، والحادي عشر رجع
تاريخه إلى آخر شعبان.
وفي هذه المجلدة سماعات أخرى متعددة، منها: سماع ذُكر فيه أسماء
كثيرة(٢) على الشيخ الزكي أبي الفتح نصر بن علي بن أحمد الطوسي، عن
الرُّوْذَباري، عن ابن داسه، منهم عبد الغافر الفارسي الحفيد - وكان ابن
ثماني سنين - ووالده إسماعيل. وتاريخ السماع: صفر من سنة ٤٥٩. وقد
أشار عبد الغافر إلى هذا في ((السياق))(٣).
ومنها: سماعان على صاحب النسخة الثاني الحاكم أبي الحسن أحمد بن
عبد الرحيم بن أحمد الإسماعيلي أحد الأجلَّة النيسابوريين، وكلا السماعين
(١) صفحة ١٨٠ (٤٨٦).
(٢) ورقة ١٥١/ ب.
(٣) انظر ((منتخبه)) ص٤٦٦ (١٥٨٨)، أو: لعل هذه الإشارة للمرة الثانية التي ذكرها ابن
نقطة في ((التقييد)) ٢٧٧:٢، وأرخها سنة ٤٦٩.

٩٣
في جمادى الأولى، أولهما من سنة ٤٦٧، والثاني من سنة ٤٦٨، وكانت
وفاته في جمادى الآخرة سنة ٤٦٩(١).
وفي السماع الأول ذُكر أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي،
وكان عمره وصل إلى السادسة عشرة، وأشار إلى هذا في ترجمة الإسماعيلي
في ((السياق))(٢).
فتحصل من هذا: أن عبد الغافر (الحفيد) يروي السنن عن نصر بن علي
الطوسي وعن أحمد بن عبد الرحيم الإسماعيلي، وهذا ماتجده في الرسم
السابق في الكلام على الأصل (ب): ابن أبي الصيف، عن التِّلِمْساني، عن
الأنصاري، عن عبد الغافر.
ومن السماعات المدوَّنة على هذا الأصل: سماع كان على ((فخر الدين،
عز الإسلام، شمس الشريعة، تاج الأئمة، خطيب الخطباء، زين المعارف،
ذي المناقب، أبي العلاء صاعد بن منصور .. ))(٣). وتاريخه سنة ٥٠٢.
وآخر السماعات تاريخاً كان لهذه المجلدة سماع ((على فخر الدين، عضد
الإسلام أبي الرضا سعيد بن عبد الله الشهرزوري)) وتواريخها في آخر سنة
٥٥٤، وأول سنة ٥٥٥. وكانت وفاة أبي الرضا سنة ٥٧٦ (٤).
(١) ((المنتخب)) ص ١٠٥ - ١٠٦ (٢٣٤).
(٢) المصدر السابق
(٣) ورقة ١٣٩/أ، ولأبي العلاء هذا ترجمة في ((طبقات الحنفية)) للقرشي ٢٦٨:٢،
وغيره.
(٤) انظر الورقة ٨٠/ ب، ١٩٣/ب، ولأبي الرضا ترجمة عند الصفدي ٢٣٢:١٥، والتاج
السبكي ٩٢:٧.

٩٤
الجانب الثالث
الهدف ، والمنهج
أولاً: الهدف: منذ عشرين سنة أو تزيد قليلاً طلعتْ علينا إحدى
المجلات بالخبر عن لقاء جماعة من العلماء بمسئول كبير في إحدى الدول
العربية ينكر فيها حجية السنة المطهرة، وكان مما عَرَض له جماعةُ العلماء
الحديثُ عن تحرِّي الإمام البخاري رضي الله عنه في إثبات السنة، فقال
لهم: وما يدرينا أن هذا الحديث قد أخرجه البخاري؟! ربما أدخل بعض
الناس حديثاً على صحيح البخاري، فصرتم تقولون: أخرجه البخاري،
أخرجه البخاري !!.
فقامت في نفسي منذ ذلك اليوم رغبة إخراج كتب العلم عامة، وكتب
السنة خاصة، إخراجاً موثقاً عن أصول مسندة متقنة، وذلك لأمرين:
أولهما: لردِّ هذا التوهّم الذي تذرّع به هذا المتكلم.
ثانيهما: لِغَرْس مزيد من الثقة والطمأنينة في قلوب المسلمين عامة بصحة
مصادر دینهم .
فأمر القرآن العظيم - والحمد لله - مفروغ من تواتره: آياتٍ وكلماتٍ
وحروفاً وضبطاً وأداء. وكلما أمعن المسلم في الاطلاع على هذه الجوانب
في خدمة القرآن الكريم ازداد إيمانه ويقينه به.
وكذلك السنة المطهرة، خُدمت خِدَمات جُلّى من حيثُ ضبطُها وتلقيها
وإتقانُها وتحقيقُ أسانيدها وألفاظها، مع علمي أن ذيوع هذه الخدمات في
الأوساط العلمية قليل ضعيف لا يعطي المسلمَ الباحثَ من القناعة والثقة
والاطمئنان ما يكفي، ولا بدَّ له من الرجوع إلى الكنوز المخبوءة في
المطوّلات.
ولهم في ذلك عجائب، لها مقام آخر إن شاء الله تعالى، ويسعني الآن

٩٥
الاقتصار على ذكر نماذج من جانب واحد من جوانبها، أنقلها من خلال
الأصول التي اعتمدتها في إخراج هذه السنن.
إن من دواعي الثقة والطمأنينة إلى سلامة السنة النبوية وحراستها من
الزَّيف والدخَل: دقةَ أئمتنا رضي الله عنهم في نقل ألفاظها بالرواية والسماع،
فإذا تجلّى هذا الجانب للمسلم قبل أن تدخل على قلبه الشكوكُ، فالرِّيَبُ،
فالاعتقادُ الجازم الذي يريده الكفرة: اطمأن إلى وصول هذا المصدر
الإسلامي التشريعي العظيم سالماً نقياً صافياً إلينا بعد مضيّ أربعة عشر قرناً
عليه ! .
لقد كان أئمتنا يحرصون على نقل الكلمة الواحدة بإسنادها، ليدعمَها
ويكونَ لها سنداً تستند إليه، به يُعلَم صحتها من عدم صحتها، ولا تبقى
معلّقة في الهواء لا يستفاد منها، ولهذا جعل الإمام عبدالله بن المبارك رضي
الله عنه الإسناد جزءاً من الدين فقال: ((الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال
من شاء ماشاء فإذا سألتَه عمَّن؟ بقي)) أي: بقي أمام سؤالك مبهوتاً مدهوشاً
حائراً بماذا يجيبك وقد أتاك بما لا يقبل منه! (١).
وهذه الكلمة الواحدة وإسنادها المتزايدُ طولاً طبقةً بعد طبقة يحتاجان إلى
ضبط: ضبطٍ للفظ، بمعنى عدم الزيادة والنقصان، وضبطٍ له، بمعنى تقييد
الحروف وشكلها، فلا يدخلها تحريف وتغيير. وكم يترتب على هذا من آثار
هامة ! .
ومن أخبارهم الطريفة في حرصهم على الدقة والإتقان: أن عبد الله بن
إدريس الكوفي قال: ((لما حدثني شعبة بحديث أبي الحوراء السعدي، عن
الحسن بن علي رضي الله عنهما، كتبت أسفله: ((حورٌ عِينٌ)) لئلا أغلط))(٢).
وذلك أن في الرواة أبا الجوزاء - بالجيم - أوس بن عبد الله الرَّبَعي،
(١) انظر لزاماً كتاب شيخنا المحقق رحمه الله ((الإسناد من الدين)).
(٢) ((الإلماع)) للقاضي عياض ص ١٥٥ .

٩٦
المتوفى سنة ٨٣، يروي عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة، وفي طبقته أبو
الحوراء - بالمهملة - هذا: ربيعة بن شيبان، يروي عن الحسن السبط رضي
الله عنهم جميعاً، فالاشتباه قريب جداً طبقة ورسماً (١)، وللسلامة منه كتب:
حورٌ عينٌ، ربطاً بين: الحوراء، والحور.
وفي الرواة الأَخَوانِ عَبْد الله بن عبد الله بن الأصم العامري، وأخوه
عبيد الله، فعبد الله ثقة، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان، وأخوه
عبيد الله: انفرد ابن حبان بتوثيقه، دون أيّ جرح فيه، فَيَقبل حديثه من يقبل
توثيق ابن حبان في هذه الحال، ويردُّه من يردُّه.
ونحو هذا يقال في الأخوين: عُبيد الله بن عمر العُمري، وأخيه عَبد الله،
فعبيد الله - المصغّر -: ثقة جليل، وعبد الله - المكبَّر - ضعيف عند الأكثرين.
وغاية ما فيه: أنه صدوق یکتب حديثه وينظر فيه(٢) .
فينبغي للراوي أن يتنبه - حين التحمل وكتابة ما يسمعه، وحين الأداء -
إلى هذا الفارق اليسير بينهما بحرف واحد يغيب حين الكتابة السريعة، لكن
يترتب عليه آثار هامة.
ومثله تماماً واجب المحقق لكتاب، أو المصحح له.
ولهذا كانت النسخُ الخطية المنسوخةُ من قِبَل علماء، أو المقروءةُ على
علماء: ذاتَ أهمية في مجال التحقيق، للاطمئنان إليها في مثل هذه
المهمات .
أما الأمثلة على أهمية ضبط ألفاظ المتون وما يترتب عليها من أحكام:
فكثيرة، ذكرتُ طائفة منها أوائل كتابي ((أثر الحديث الشريف في اختلاف
الأئمة الفقهاء رضي الله عنهم))، وأكَّدت على أن هذا الضبط إنما يُتلقَّى من
مصادره، لا من ضبط المطابع .
(١) أما أبو الجوزاء النوفلي فمتأخر عنهما جداً في الطبقة.
(٢) انظر ماعلقته على ترجمته في ((الكاشف)) (٢٨٧٠).

٩٧
وأذكر الآن أمثلةً يسيرةَ العَدَد على دقائقِ ضبطِ هذه الأصول الثمانية من
خلال أحاديث سنن أبي داود، مع أنه لا يترتب على كثير منها كبيرُ أهمية،
لكنهم ضبطوها ونبَّهوا إلى اختلاف الروايات المنقولة عن الإمام أبي داود،
تطميناً للمسلم على ضبطهم سنةَ النبي بََّ، وعلى سلامتها من الزَّيف
والدخيل، وأنهم لايدَ لهم في الاختلاف الحاصل، إنما هي الرواية والنقل
الأمين الدقيق .
١ - وأول حديث يستقبل القارىءَ له التنبيهُ إلى أن رواية ابن داسه وابن
العبد لحديث المغيرة بن شعبة: كان إذا ذهب أبعدَ، وأن رواية غيرهما:
اللؤلؤيِّ وابن الأعرابيِّ والرمليِّ: كان إذا ذهبَ المذهبَ أبعدَ.
٢ - وفي الحديث التاسع يقول عليه الصلاة والسلام: (( .. شرِّقوا
وَغرِّبوا))، وكأن الحافظ ابن حجر يستشعر أن في بعض الروايات: أو غرِّبوا،
فوضع فتحة فوق الواو، وعليها: صح، إمعاناً في التنبيه.
٣ - وفي رقم (١٧٢) يقول ◌َلو عن حال الداعي عقب الوضوء: ((ثم رفع
نظره إلى السماء))، وفي بعض الأصول: ((ثم رفع بصره)).
٤ - وفي حديث (٣٠٥) يقول سعيد بن المسيب رضي الله عنهما عن
المستحاضة في رواية القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم: تغتسل من ظهر إلى
ظهر - بالظاء المعجمة - أما الإمام مالك فيرجِّح أن قول سعيد: من طهر إلى
طهر - بالطاء المهملة -، وأن الناس قلبوها، مع تنبيهي في التعليق إلى
اختلاف الأصول في ضبط هذين الحرفين.
وهذا المثال يلفت انتباهنا إلى أن الأئمة من قديم اهتموا بهذا الجانب.
٥ - وفي حديث التعريس ليلة خيبر (٤٣٦) قال أبو هريرة رضي الله عنه
في أوله: قَفَل من غزوة خيبر فسار ليلةً، وفي أحد الأصول مع التصحيح
عليه: فسار ليلَهُ.
٦ - وفي حكاية ذي مِخْبَر الحبشي لموقف آخر من مواقف هذا الحديث
(٤٤٦) يقول: فتوضأ وضوءاً لم يَلُثَّ منه التراب، وفي أحد الأصول: لم

٩٨
يَلْثَ منه بالتراب. وفي التعليق عليه ضبطه ومعناه.
٧ - وفي حديث ابن عباس في صفة الإقعاء بين السجدتين (٨٤١) قالوا
له: إنا لنراه جَفاء بالرِّجْل - أي القدم - أو: بالرَّجُل - أي المصلِّي -، وطال
كلامهم وضبطهم، وأراح المختلفين المنذريُّ رحمه الله بإفادته أن الرواية
جاءت بالوجهین.
٨ - وفي حديث ابن عمر عن قسم تمر خيبر (٣٠٠١) قال: وكان الثمر
يُقسم على السُّهْمان من نصف خيبر، وفي بعض الأصول: وكان التمْر
يقسم .. .
٩ - وفي حديث أبي نَجيح عمرو بن عَبَسة السُّلمي رضي الله عنه (٣٩٦١)
في أجر المعتِقِ: أن الله تعالى جعل ((وِقاء كل عَظْم من عظامه عظماً من
عظام محرِّره)) ضبط الحافظ في نسخته الراء المشددة بالوجهين، وهي
مكسورة في ح، ومفتوحة في ك.
١٠ - وفي النهي عن النوم على سطح غير محجّر، وُصِف في الحديث
(٥٠٠٢) بأنه ((ليس له حِجَاز)) واختلفت الأصول في ضبطه هذه الكلمة:
حِجَاز، بالمعجمة آخره أو حِجار، بالمهملة، أو حجاب، بالموحدة. أو:
حِجّى، بكسر الحاء، بمعنى العقل، أو حَجّى، بفتحها، على معنى: طرف
الشيء وناحيته. فتأمَّل هذا الاهتمام والاعتناء! وإذا كانوا يحرصون على
ضبط الحرف الواحد، وتوجيه معناه: فهل يَتَاوَنَوْن عن كشف كذب
الحدیث، أو هتك ستر كاذبه؟ ! .
وهكذا، والأمثلة الدقيقة كثيرة جداً تجدها في حواشي هذه الطبعة من
السنن التي حَرَصت فيها أن تكون نموذجاً في عالم الطباعة الحديثة.
ومن مظاهر حرصهم على الأمانة في الرواية والدقة في النقل: دقتهم في
كتابة الكلمة، فالكلمة التي تروى بوجهين لا يفوّتون أحد الوجهين ويُبقون
الوجه الآخر، بل يكتبون الكلمة على وجه تُحتمل قراءتها بالوجهين، إما
بعدم نقط الحرف إذا كان عدم نقطه يساعد على الوجه الثاني، وإما بنقطه

٩٩
وضبطه بالوجھین.
ومن أمثلة ذلك:
١١ - قول السيدة عائشة رضي الله عنها (٩٥٣) أنه وَلتر كان يصلي قاعداً
((حين حطمه الناس)) بالنون، أو: الباس، بالموحدة، أي: حين كبِر وتقدَّم
في السنّ. ولم ينقط الحرف في الأصل ب ليحتمل الوجهين.
١٢ - وفي الحديث (١٦٠١): ((إذا خرصتم فخذوا)): رسمت الكلمة
الأخيرة في ص، ح بالجيم والخاء المعجمة، لتقرأ: فخذوا، و: فجذّوا،
من: جَذاذ النخل وهو قَطْعه، وأهمل الحرف من النقط في م، ليحتمل
القراءة بالوجهين أيضاً.
١٣ - وفي الحديث (٣٣٢٥) تقول المرأة التي دعت النبي ◌ّ إلى طعام:
إني أَرسلت إلى البقيع تُشترى لي شاة، فاختلفت الأصول في هاتين
الكلمتين: البقيع، وتشترى. ففي ص، ك، ع: البقيع، وهي مقبرة أهل
المدينة، وفي غيرها: النقيع، وعليها في ح: صح، وهو سوق الخيل والشياه
ونحوهما في المدينة، وهو الذي رجَّحه الخطابي، ورسم بالوجهين في ظ.
و: تشترى: هكذا في الأصول كلها، إلا أنها ضبطت في ح ضبطاً غريباً:
تُشَتَّرا (١)، ومراده التنبيه إلى الرواية بوجهين: تشترى، و: تُشَيَّر، أي:
تُتَخَيَّر وتستحسن .
وقد كان قَصَب السَّبق - والفضلُ للمتقدم - في ميدان توثيق كتب السنة
ونصوصها للقائمين على إخراج ((صحيح البخاري)) وطبعه في مطبعة بولاق
عام ١٣١٣، جزاهم الله خيراً، وماتزال هذه الطبعة متداولة بإعادة تصويرها
مرات ومرات، ونشر مصوِّرها في مقدمتها مقالة للأستاذ العلامة أحمد محمد
شاكر رحمه الله، عرَّف فيها بأصل الإمام شرف الدين أبي الحسين علي بن
(١) السكون الذي على الألف للدلالة على عدم النطق، كما هو معروف في ضبط القرآن
الكريم، فإثبات الألف مع لفظ: تُشْتَرى، وحذفها مع لفظ: تُشَيِّر.

١٠٠
محمد اليُونِيني.
وقصة ذلك باختصار(١): أن جماعة من فضلاء المحدثين والحفاظ طلبوا
من الإمام الحجة ابن مالك الطائي، صاحب الألفية الشهيرة في علم النحو،
طلبوا منه أن يوضح لهم مشكلاتٍ عربيةً وقعت في صحيح البخاري،
فأجابهم إلى ذلك، وعُقد المجلس بصدارته (عربيةً) وصدارة الشرف اليونيني
(حدیثیاً).
واليونينيُّ هذا: هو الإمام الحافظ شرف الدين أبو الحسين علي بن محمد
اليونيني - نسبة إلى قرية من قرى بعلبك - ولد سنة ٦٢١، وتوفي سنة ٧٠١،
وكان اليونيني أعدَّ لهذا المجلس أصولَ عددٍ من الأئمة الحفاظ قبله ضبطوها
وأتقنوها، وبدؤوا القراءة، وكلما مرَّتْ كلمة اختلفت الأصول فيها أثبتَ
اليونيني على حاشية نسخته تلك المغايرة منسوبة إلى صاحبها برمزه، وإذا
كان فيه إشكال من جهة العربية تكلم عليه الإمام ابن مالك بما يساعد عليه
الحال، وأخّر البيان والتفصيل إلى كتابٍ أفرده بهذا الخصوص هو كتابه
المطبوع مراراً باسم ((شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح)).
والأصول التي كانت: هي أصل أبي ذر الهروي ورمزه (٥)، وأبي محمد
الأصيلي ورمزه (ص)، وأبي القاسم ابن عساكر - إلا الجزء الثالث عشر
والثالث والثلاثين فإنهما مفقودان - ورمزه (س) أو (ش)، وأصل رابع قرأه
الإمام أبو منصور السمعاني على أبي الوقت، ورمزه (ط).
فحصل لنسخة اليونيني من القوة والاعتماد والثقة والضبط والتقييد الدقيق
مالا يوجد في غيرها أو لغيرها.
ثم أُخذت عنها نسخ كثيرة، صارت تعرف بلقب: فرع اليونينية،
واختصاراً: الفرع.
وقال الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله في مقاله المشار
(١) وجمع بين كلام الأستاذ أحمد شاكر والمطبوع أول الطبعة البولاقية.