النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
١٥ - باب لا يرد السلام في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
وخرجه الإمامُ أحمدُ (١) ، من طريقِ حمادِ بنِ سلمةَ ، عن أبي الزبيرِ ، عن
محمدِ بنِ عليِّ - هو : ابنُ الحنفيةِ - ، عن عمارِ - فذكرَه .
وخرجه البزارُ في ((مسندِه))(٢)، وعنده: ((فردَّ عليه إشارةً )).
وحملَه ابنُ عيينةَ ، على أنه ردَّ عليه بالقولِ قبلَ تحريمِ الكلامِ ، وأن ردَّ
انتسخَ .
ونقلَ ابنُ أبي خيثمةَ ، عن يحيى بنِ معينٍ ، أنه قال : هذَا الحديثُ خطأٌ .
ورواه ابنُ عيينةَ ، عن عَمرو بنِ دينارٍ ، عن محمدِ بنِ عليٍّ ، أن عمارًا سلَّم
على النبيِّ وَّة .
وهذه الروايةُ مرسلَةٌ ، وهي أصحّ .
وكذا رواهُ عبدُ الرزاقِ في ((كتابِهِ))(٣) ، عن ابن جريجٍ ، عن عطاءٍ ، عن
محمدِ بنِ عليٍّ بنِ حسينٍ - مرسلاً .
قالَ ابنُ جريجٍ : ثم لقيتُ محمدَ بنَ عليٍّ بنِ حسينٍ ، فحدَّثَنِ به .
فتبين بهذا : أن محمدَ بنَ عليٍّ الَّذي رَوى هذا الحديثَ عن عمارِ هو أبو
ء
جعفر الباقرُ ، وليسَ هو ابنَ الحنفيةِ ، كما ظنَّه بعضُهم .
وقولُ ابنِ معينٍ: إنه خطأٌ، يشير إلى من قال: ((عن ابن الحنفية )) هو
خطأ .
وأما روايةُ أبي الزبيرِ ، عن محمدِ بنِ عليٍّ: (( هو : ابنُ الحنفيةِ))، فهو
ظنٌّ من بعضِ الرواةِ ، فلا نحكمُ به .
ورواياتُ حمادِ بنِ سلمةً ، عن أبي الزبيرِ غيرُ قويةٍ .
(١) (٤/ ٢٦٣) .
(٢) (٢٤٦/٤ - ٢٤٧ - كشف).
(٣) (٣٣٤/٢) .

٤٢٢
حديث : ١٢١٧
كتاب العمل في الصلاة
ولعلَ أبا الزبيرِ رواهُ عن أبي جعفرٍ - أيضًا - ، أو عن عطاء ، عنه ودلَّسَه .
أو لعلَّ حمادَ بنَ سلمةَ أرادَ حديثَ أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ ، أنه سلَّم على النبيِّ
وَالر وهو يصلِّي ، فأشار إليه .
ومنها :
أن النبيَّ ◌َِّ لم ينْهَ مَن سلَّمَ عليه في الصلاةِ عن السلامِ عليهِ .
واستدلَّ بذلك مَن قال : إنه لا يُكرَه السلامُ على المصلِّي ، وهو قولُ ابنِ
عمرَ ومالك وأحمدَ وإسحاقَ - في روايةٍ عنهم - ومروانَ بنِ محمدِ الدمشقيِّ .
وقالت طائفةٌ : يُكرَه ، وهو قولُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ وعطاء والشعبىِّ،
الشافعيِّ ومالك وأحمدَ وإسحاقَ - في روايةٍ عنهم .
واستدلُّوا بقولِه لابن مسعودٍ : ((إن في الصلاة شغلاً)) ؛ فإن في ذلك إشارةً
إلى كراهةِ السلامِ عليه؛ ولأنَّه ينشغلُ [ ... ](١) المصلِّى، وربما سهى بسببه
فبادرَ الردَّ عليه .
ومن أصحابنا المتأخرين مَن قالَ : إن كان المصلِّي عالمًا ، يفهمُ كيفَ يردُّ
عليه ، لم يُكرَه السلامُ عليه ، وإلا ◌ُرِهٍ .
١
فمن قال : إنه لا يُكرَه السلامُ على المصلِّي ، فمقتضى قوله : أَنَّه لا يستحقُّ
جوابًا ، ولا يجبُ الردُّ عليه .
ومن قالَ : لا يُكرَه ، فمنهم من قال : لا يستحقُّ جوابًا ، وإنَّما يُستحبُّ
الردُّ في الحالِ بالإشارةِ ، وهو قولُ الشَّفعيةِ .
وحكَى أصحابُنَا في وجوبِ الرَدِّ روايتينِ مطلقًا .
(١) كلمة رسمت هكذا: ((سر))، ولعلها: ((فكر)).

٤٢٣
١٦ - باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به
كتاب العمل في الصلاة
١٦ - بَابُ
رَفْعِ الأَيْدِي فِي الصَّلاَةِ لِأَمْرِ بَنْزِلُ بِهِ
١٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيَّةُ: حَدَّثْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ،
قَالَ: بَغَ رَسُولَ اللَّهِوَ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقْبَاءَ، كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ(١)، فَخَرَجَ
يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسِ مِنْ أَصْحَابِهِ .
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَفِيهِ :
أَنَّ النََِّّ ◌َ﴿ أَشَارَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ ،
فَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ يُصَلِّي (٢) لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمَّ
حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٍ فِي الصَّلاَةِ أَخَذْتُمْ فِي النَّصْفِيحِ(٣)؟ إِنَّمَا النَّصْفِيِحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَهُ
شَيْءٍ فِي صَلَتِهِ فَيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ))، ثُمَّالَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرِ ،
مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ )) فَقَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: مَا كَانَ
يَنْبَغِي لِاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَىِ النَِّّ ◌ِ .
في الحديثِ : دليلٌ على جوارِ رفعِ الأيدي في الصلاةِ لمَنْ تجدَّدت له
نعمةٌ، فيحمدُ اللهَ عليها رافعاً يديه؛ فإن هذا فعلَه أبو بكرٍ بحضرةِ النبيِّ وَّهِ ،
ولمْ ينكرَهُ ، مع أنه وَِّ أنكرَ على الناسِ التصفيحَ ، وأمرَهم بإبدالِه بالتسبيحِ ،
وسأل أبا بكرٍ : (( ما منعَك أن تصلي للناسِ حينَ أشرتُ إليك؟)) ولم ينكر عليه
ما فعلَه .
(١) في الأصل: ((شر)).
(٢) في ((اليونينية)): ((فصلى)) و((وصلى)).
(٣) في ((اليونينية)): ((بالتصفيح)).

٤٢٤
حديث : ١٢١٨
كتاب العمل في الصلاة
وفي روايةٍ، خرَّجها الإمامُ أحمدُ (١) في هذا الحديثِ: أنَّ النبيَّ وَّ قال
لأبي بكرٍ: ((لم رفعتَ يدَيْكَ؟ )) قال : رفعتُ يديَّ لأني حمدتُ اللهَ على ما
رأيتُ منك - وذكر الحديثَ .
وقد سبقَ الكلامُ على أنَّ من تجدَّت له نعمةٌ في الصلاةِ : هلْ يحمدُ اللهَ
عليها ؟ وأن عبيدَ الله العنبريَّ استحسنَه، وغيرَهَ جوَّزَه ، وخلافَ من خالفَ في
ذلكَ ؛ فإنَّ البخاريَّ بوَّبَ على ذلك فيما سبقَ .
ومرادُه بهذا البابِ : زيادةُ استحبابِ رفعِ الأيدِي عندَ الثناءِ على اللهِ في
الصلاة .
ويعضِّدُهُ: ما خرجه مسلمٌ في (صحيحه)) (٢) من حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ
سَمُرَةَ، قال : كنتُ أرتمي بأسهمٍ لي بالمدينةِ في حياةِ النبيِّ وَ﴿، إذ كسفت
الشمسُ فنبذتها، فقلت: واللهِ، لأنظرنَّ إلى ما حدثَ لرسولِ اللهِ وَّ في
كسوفِ الشمسِ . قال : فأتيتُهُ وهو قائمٌ في الصلاة ، رافعًا يدَيْهِ ، فجعلَ يسبِّحُ
ويهلِّلُ ويكبِّرُ ، ويدعُو حتى حُسرَ عنها ، فلمَّا حُسِرَ عنها قرأ سورتينٍ، وصلَّى
ركعتينِ .
ويَستدلُّ بهذا القولِ مَن قال : إنه يرفعُ يديه في القنوتِ في الصلاةِ ، وهو
قولُ النخَعيِّ والثوريِّ وأحمدَ وإسحاقَ ومالك والأوزاعيِّ - في روايةٍ عنهما .
وهو الصحيحُ عندَ أكثرِ أصحابِ الشافعيِّ .
ومنهم من قالَ : يرفعُهما أولاً لتكبيرِ القنوتِ ، ثم يرسلُهما ، وهو قولُ
أبي حنيفةَ والليثِ بنِ سعدِ والحسنِ بنِ حيِّ .
وقالت طائفةٌ : لا يرفعُهما أصلاً .
(١) (٣٣٨/٥) .
(٢) (٣/ ٣٦) .

٤٢٥
١٦ - باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به
كتاب العمل في الصلاة
ورُوي رفعُ اليدينِ في القنوتِ عن عُمرَ وابنِ مسعودٍ (١) وابنِ عباسٍ وأبي
هريرةَ .
وخرج الإمامُ أحمدُ (٢) من حديث أنسٍ ، في حديثِ القراءِ السبعينَ الذينَ
قتلَهم حيٌّ من بِنِي سُليمٍ ، قال: فما رأيتُ النّبِيَّ نَّهِ وجدَ على شيءٍ قطُّ وَجْدَهُ
عَلَيْهِمْ، فلقد رأيتُه كلَّما صلَّى الغداةَ رفعَ يديه فدعا عليهم .
وإنما كان يدعو عليهم في قنوتِ الفجرِ بعدَ الركوعِ ، كما سبقَ ذلكَ صريحًا
عن أنسٍ . واللهُ أعلمُ .
(١) عبد الرزاق (٢٥٠/٢).
(٢) (١٩٦/٣) .

٤٢٦
حديث : ١٢١٩ - ١٢٢٠
كتاب العمل في الصلاة
١٧ - بَابُ
الْخَصْرِ فِي الصَّلاَةِ
١٢١٩ - حَدَّثْنَا أُبُو الثُّعْمَانِ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أُوبَ، عَنْ مُحَمَّد، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ : نُهِيَ عنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلاَةِ .
١٢٢٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثْنَا يَحْيَى: نَا هِشَامٌ: ثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نُهِي أَنْ يُصَلِّي الرَّجُلُ مُخْتَصِرًاً.
وَقَالَ مِشَامٌ وَأَبُو هِلاَلٍ، عَنِ ابْنِ سِرِينَ، عَنْ أَبِي هُرِيَّةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّه
.
حاصلُ ما ذكره في هذا البابِ : أن هذَا الحديثَ اختُلِفَ في لفظِه على
ابنِ سيرينَ :
فرواه أيوبُ، عنه ، عن أبي هريرةَ، قال: (( نُهي )).
ثم خرَّجه من طريق يحيى القطان ، عن هشامٍ ، عنه ، كذلك .
ثم قالَ : وقالَ هشامٌ وأبو هلالٍ ، عن ابنِ سيرينَ ، عن أبي هريرةَ : نَهَى
النَّبِيُّ نَِّ - فَصَرَّحَا برفعِهِ .
وقد أُشكلَ هذا على بعضِهم ، فقال : كيف يخرِّجُه من طريقِ هشامٍ [ ... ]
ثم يذكرُ أن هشامًا صرَّح فيه بذكرِ النبيِّ ◌َّهِ ؟
وقال بعضهم : إن الحديثَ في روايةِ أبي ذرِّ الهرويِّ ، من طريقٍ يحيى ،
عن هشامٍ - مرفوعًا ، وأنه الصوابُ .
وهذا هو عينُ الخطإِ؛ فإن يحيى إنما رواهُ عن هشامٍ بلفظ « نُهي)).
وإنما مرادُ البخاريِّ: أن هشامًا اختُلِفَ عليه في ذكرِ النبيِّ بَلَه، فخرّجه من

٤٢٧
١٧ - باب الخصر في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
طريقِ القطانِ، عنه، بلفظة: (( نُهي))، ثم ذكرَ أنه رُوي مصرَّحًا برفعِه .
وكذا ذكرَه الدارقطنيِّ في ((علله)) (١): أن هشامًا اختُلف عليه فيه ، فرواه
جماعةٌ عنه، وقالوا: نَهى النبيُّ بِّهِ، منهم: زائدةُ وعبدُ الوهّاب الثقفىُّ(٢)
وجريرُ بنُ عبدِ الحميدِ وغیرُهم .
وقال الثوريُّ والقطانُ وحفصُ بنُ غياثٍ وأسباطُ بنُ محمد ويزيدُ بنُ هارونَ
وحمادُ بنُ زيدٍ، عن هشامٍ: « نُهِيَ)) ، ولم يصرِّحوا برفعِه.
إلا أنَّ في روايةِ أسباطِ: (( نُهينا))، وهذا كالتصريح .
ورواه أيوبُ وأشعثُ بنُ عبدِ الملكِ ، عن محمدٍ ، عن أبي هريرةَ .
قال : ورواه عمرانُ بنُ خالد ، عن ابنِ سيرينَ ، عن أبي هريرةَ ، عنِ النبيِّ
· 龍
وكذا رُوي عن أبي جعفرِ الرازيِّ ، عن قتادةَ ، عنِ ابنِ سيرينَ .
قال الدار قطنيُّ : وقد تقدمَ قولُنا في أن ابنَ سيرينَ من تورُّعِه وتوقِيه ، تارةً
يصرِّح بالرفعِ ، وتارةً يومئُ ، وتارةً يتوقفُ ، على حسبِ نشاطِهِ في الحالِ .
انتهى .
ولم يذكرْ روايةَ أبي هلالٍ ، عن ابنِ سيرينَ ، المصرحةَ بالرفعِ ، التي علَّقها
البخاريّ .
وخرجَ هذا الحديثَ مسلمٌ في ((صحيحه))(٣) من رواية أبي خالدٍ وأبي أسامةَ
وابنِ المباركِ - جميعًا -، عن هشامٍ، مصرحًا برفعِه عن النبيِّ وََّ، [أنه نَهَى](٤)
(١) (٢٣/١٠ - ٢٥) .
(٢) في الأصل: (( الربعي )) تصحيف .
(٣) (٢/ ٧٤) .
(٤) سقط من الأصل .

٤٢٨
حديث : ١٢١٩ - ١٢٢٠
كتاب العمل في الصلاة
أن يصلِّي الرجلُ مختصرًا .
وخرجَ ابنُ حبانَ في « صحيحه » (١) من طريق عيسى بنِ يونُسَ ، عن هشامٍ ،
عن محمد، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ بََّ قالَ: ((الاختصارُ في الصلاة راحةٌ
أهل النارِ » .
وقال(٢) : يعني: أنه فعلُ اليهودِ والنصارَى، وهم أهلُ النارِ .
كذا خرجه ؛ وإنما رواه عيسى بنُ يونُسَ ، عن عبيد اللهِ بن الأزورِ ، عن
هشامٍ بهذا اللفظِ .
وكذا خرَّجه الطبرانيُ (٣) والعقيليُّ من روايةٍ عيسى بنِ يونُسَ ، عنه .
وقالَ العقيليُّ (٤) : لا يتابَعُ عبيدُ اللهِ بنُ الأزورِ على لفظِهِ .
و ((الاختصارُ))، فسَّرَه الأكثرونَ بوضعِ اليدِ على الخاصرةِ في الصلاةِ ،
وبذلك فسَّرَه الترمذيُّ في ((جامعهِ ))(٥) ، وعليه يدلُّ تبويبُ النسائيِّ .
وروى الإمامُ أحمدُ في ((مسندِهِ )) (٦) عن يزيد بنِ هارونَ ، عن هشامٍ ، عن
محمدٍ ، عن أبي هريرةَ ، قال : نُهي عن الاختصارِ في الصلاة . قلنا لهشامٍ : ما
الاختصارُ ؟ قال : يضعُ يدَه على خصرِهِ وهو يصلِّى . قال يزيدُ : قلنا لهشامٍ :
ذكره عن النبيِّ وَّ؟ قال برأسه - أي : نعم .
وبهذا التفسيرِ فسَّرَه جمهورُ أهلِ اللغةِ ، وأهلِ غريبِ الحديث ، وعامة
المحدثينَ والفقهاءِ ، وهو الصحيحُ الذي عليه الجمهورُ .
(١) (٢٢٨٦) .
(٢) يعني : ابن حبان .
(٣) في ((الأوسط)) (٦٩٢٥).
(٤) (١١٨/٣) .
(٥) (٢٢٣/٢) .
(٦) (٢٩٠/٢) .
١

٤٢٩
١٧ - باب الخصر في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
وقد قيل : إنه إنما نهَى عنه ؛ لأنَّه فعْلُ المتكبرينَ ، فلا يليقُ بالصلاة .
وقيل : إنه فعلُ اليهودِ .
وقيل : فعلُ الشيطانِ .
فلذلك كِرهَه بعضُهم في الصلاةِ وغيرِها .
قد خرجَ البخاريَّ في ((كتابِهِ)) هذا في ((ذكرِ بني إسرائيل))(١) ، من رواية
مسروقٍ ، عن عائشةَ ، أنها كانتْ تكرَهُ أن يجعلَ يدَه في خاصرتِه ، وتقولُ : إن
اليهودَ تفعلُه .
وخرجه سعيدُ بنُ منصورٍ في «سننه))، ولفظه: إن عائشة كانت تكرَهُ
الاختصارَ في الصلاةِ ، وتقولُ : لا تشبَّهُوا باليهودِ .
وخرجه عبدُ الرزاقِ (٢) ، ولفظُه: إن عائشةَ نَهَتْ أن يجعلَ الرجلُ أصابعَه في
خاصرتِه في الصلاة ، كما تصنعُ اليهودُ .
ورُويَ عن عائشةَ ، أنها قالت : هكذا أهلُ النارِ .
وعن ابنِ عباسٍ ، قال: إنَّ الشيطانَ يحضرُ ذلك(٣).
وعن مجاهدٍ ، قال : هو استراحةُ أهلِ النارِ في النارِ(٤).
خرجه كلَّه وكيعُ بنُ الجراحِ ، وعنه ابنُ أبي شيبةَ .
وروى ابنُ أبي شيبةً (٥) بإسنادِهِ ، عن حميدِ الهلاليِّ، قال: إنما كُرِهَ الخصرُ
في الصلاة أن إبليسَ أُهِطَ مختصرًاً .
(١) (٥٨ ٣٤) .
(٢) (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤) .
(٣) ابن أبي شيبة (٣٩٩/١).
(٤) عبد الرزاق (٢٧٥/٢) وابن أبي شيبة (٤٠٠/١).
(٥) (٤٠٠/١) .

٤٣٠
حديث : ١٢١٩ - ١٢٢٠
كتاب العمل في الصلاة
وروى صالحٌ مولى التوأمةِ ، عن أبي هريرةَ ، قالَ : إذا قامَ أحدُكم إلى
الصلاة ، فلا يجعلْ يدَيَه في خاصرتِه ؛ فإنَّ الشيطانَ يحضرُ ذلك .
خرَّجه عبدُ الرزاقِ (١) .
وروى سعيدُ بنُ زيادِ الشيبانيُّ ، عن زيادِ بنِ صُبيحٍ ، قال : صليتُ جَنْبَ
ابنِ عمرَ ، فوضعتُ يدي على خَصْرِي ، فقال لي هكذا - ضَرَبَه بيده - ، فلما
صليتُ قلت : يا أبا عبد الرحمنِ ، مارَابكَ مني ؟ قالَ : إن هذَا الصلبُ ، وإن
النبيَّ ◌ُ لّ نهانا عنه.
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ (٢).
وزيادُ بنُ صبيحٍ - ويقالُ : ابنُ صباحٍ - الحنفيُّ ، وثَّقه ابنُ معينٍ والنسائِيُّ
وغيرُهما .
وقال الدار قطنى : يعتَبَرُ به .
قال : وسعيدُ بنُ زيادِ الشيبانيُّ ، الراوِي عنه ، لا يُحتجُّ به ، ولكن يُعتبرُ
به ، قال : لا أعرفُ له إلا هذَا الحديثَ - : نقلَه عنه البرقانيّ .
وسعيدُ بنُ زيادٍ ، قال ابنُ معينٍ : صالحٌ . ووثقه ابنُ حبانَ .
وحكَى ابنُ المنذرِ (٣) كراهةَ الاختصارِ في الصلاةِ على هذَا الوجهِ عن
ابنِ عباسٍ وعائشةَ ومجاهدٍ والنخَعيِّ وأبي مجلزٍ ومالكِ والأوزاعيِّ وأصحابِ
الرأىِ . انتهى .
وهو قولُ عطاءِ والشافعيِّ وأحمدَ - أيضًا .
ومنَ الناسِ من فسَّرِ الاختصارَ في حديث أبي هريرةَ بأن يُمسِكَ بيدِه شيئًا
(١) (٢/ ٢٧٤) .
(٢) أحمد (٢/ ٣٠ - ١٠٦) وأبو داود (٩٠٣) والنسائي (١٢٧/٢).
(٣) ((الأوسط)) (٢٦٣/٣).

٤٣١
١٧ - باب الخصر في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
يعتمدُ عليه في الصلاة ؛ فإن العَصَى ونحوها مما يُعتمدُ عليه يسمَّى مخصرةً .
وفسَّرَه بعضُهم باختصارِ السورةِ ، فيقرأُ بعضَها .
وفسَّرِه بعضُهم باختصارِ أفعالِ الصلاةِ ، فلا يتمَّ قيامَها ولا ركوعَها ولا
سجودَها .
وقد بوَّبَ أبو داودَ في ((سننه)) على ((التخصرِ والإقعاءِ في الصلاة))،
فخرَّج فيه (١) : حديثَ ابنِ عمرَ المشارَ إليهِ .
ثم بوَّب على ((الاختصارِ في الصلاة))، وخرج فيه (٢) : حديثَ أبي هريرةَ
هذَاً .
ثُمَّ أتبعَهُ: ((بابُ: يعتمدُ في الصلاةِ على عصّى )».
فلعلَّه فسرَ الاختصارَ بالاعتماد ، كما قالَ بعضُهم . والله سبحانه وتعالى
أعلَمُ .
(١) (٩٠٣) .
(٢) (٩٤٧) .

٤٣٢
١٨ - باب تفكُّرِ الرجلِ الشيءَ في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
١٨ - بَابُ
تَفَكُّرِ الرَّجُلِ الشَّيْءَ فِي الصَّلاَةِ
وَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأُجَهِّزُ جَيْشِى وَأَنَا فِى الصَّلاةَ .
روى ابنُ عونِ ، عن الشعْبِيِّ، قال : قال أبو موسى الأشعريُّ : صلى بنا
عمرُ ولم يقرأ ، فقلتُ : لم تقرأْ ، فقالَ : لقد رأيتُني أجهِّزُ عيرًا بكدّى وأفعل
كذا ، فأعاد الصلاة(١) .
ورواه يونُسُ ، عن الشعْبيِّ، عن زيادِ بنِ عياضِ الأشعريِّ ، أن عمرَ صلَّى
بهمُ المغربَ فلم يقرأ ، ثم قالَ : إنما شغلنِي عن الصلاةِ عِيرٌ جهزتُها إلى الشامِ ،
فجعلت أفكّر في أَحْلاَسها وأقتابها .
خرجه صالحُ ابنُ الإمامِ أحمدَ في (( مسائلِه))(٢) ، عن أبيه بإسناده.
وخرجه - أيضًا (٣) - من وجهٍ آخرَ عن الشعبيِّ ، عن عمرَ - مرسلاً .
وقد سبقَ ذكرُ بعضِ طرِقِهِ في (( أبوابِ القراءة في الصلاةِ » .
ورَوَى الأعمشُ ، عن إبراهيمَ ، عن همامِ بنِ الحارثِ ، أنَّ عمرَ صلَّى
بالناسِ المغربَ ، ولم يقرأ فيها بشيءٍ ، فلمَّا فرغَ قالوا له : يا أميرَ المؤمنينَ ،
إنكَ لم تقرأ شيئًا ؟ قال : لم أزلْ أُنزِلُ البعيرَ منزلاً منزلاً ، حتى وردتُ الشامَ ،
ثمَّ أعادَ الصلاةَ .
[ خرجه ](٤) الجوزجاني .
(١) ((مسائل صالح لأحمد)) (٧٥٢) .
(٢) (٧٥٧) .
(٣) (٧٥٥) .
(٤) سقط من الأصل .
وأخرجه - أيضًا - صالح في ((مسائله)) (٧٥٠).

٤٣٣
١٨ - باب تفكّر الرجلِ الشيءَ في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
وليس فكرُ عمرَ في تجهيزِ الجيوشِ في الصلاةِ من حديثِ النفسِ المذمومِ ،
بلْ هو من نوعِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ ؛ فإنه كانَ عظيمَ الاهتمامِ بذلكَ ، فكان
يغلبُ عليه الفكرُ فيه في الصلاةِ وغيرِها .
ومن شدةٍ اهتمامِه بذلكَ غلبَ عليه الفكرُ في جيشِ ساريةَ بنِ زُنّيْم بأرضِ
العراقِ ، وهو يخطبُ يومَ الجمعةِ على المنبرِ ، فألهمَهَ اللهُ، فنادَاه ، فأسمعَهُ
اللهُ صوتَه ، ففعلَ ساريةُ ما أمرَه به عمرُ ، فكانَ سببَ الفتحِ والنصرِ (١) .
وقال سفيانُ الثوريُّ : بلغني أن عمرَ قالَ : إني لأحسِبُ جزيةَ البحرينِ وأنا
في الصلاةِ .
ورواه وكيعٌ ، عن هشامٍ بنِ عروةَ ، عن أبيهِ ، أن عمرَ قالَه .
وهذا كلُّه من شدةِ اهتمامٍ عمرَ بأمرِ الرعيةِ ، وما فيه صلاحُهم ، فكان يغلبُ
عليه ذلكَ في صلاته ، فتجتمعُ له صلاةٌ وقيامٌ بأمورِ الأمةِ وسياستُه لهم في حالةٍ
واحدة .
خرجَ البخاريُّ في هذا البابِ ثلاثةَ أحاديثَ :
الأول :
١٢٢١ - حديثُ: عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ،
قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَِّيِّنَ الْعَصَرَ، فَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا، وَدَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ،
ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ القَوْمِ مِنْ تَعَجُبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ، فَقَالَ: (( ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي
الصَّلاَةَ تِبْرًا عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِي - أَوْ يَبِتَ - عِنْدَنَا، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ » .
خرجه عن إسحاقَ بنِ منصورٍ ، عن روحٍ .
وخرجه - فيما تقدَّمَ (٢) - من طريقِ عيسى بنِ يونُسَ ، عن عمرَ .
(١) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألباني (١١١٠).
(٢) (٨٥١) .

٤٣٤
حديث : ١٢٢٢
كتاب العمل في الصلاة
وخرجه في ((الزكاة)) (١) - أيضًا - من طريقِ أبي عاصم ، عن عُمرَ ، به ،
وفيه : أنه كانَ من تِبْرِ الصدقةِ .
وهذا الذي وقعَ للنبيِّ وَ ﴿ من جنسِ ما كانَ يقعُ لعمرَ؛ فإنَّ مالَ الصدقة
تشرعُ المبادرةُ بقسمتِه بين أهلِه ومستحقيه، فكان من شدةِ اهتمامٍ النبيِّ ◌َّ بذلكَ
يتذكرُه في صلاته ، فيقومُ عقبَ ذلك مسرعًا حتَّى يقسَمه بينَ أهلِه .
وهذا كلُّه من اجتماعِ العباداتِ وتداخلها ، وليس هو من بابِ حديثِ النفسِ
المذمومِ .
الحديثُ الثاني :
١٢٢٢ - نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ : نَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ الأَعْرَجِ : قَالَ
أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلاَةَ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى
لاَ يَسْمَعَ التَّذِينَ ، فَإِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ أَقْبَلَ ، فَإِذَا نُوِّبَ أَدْبَرَ ، فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ ،
فَلَ يَزَالُ بِالمَرْءِ يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى لاَ يَدْرِي ◌َمْ صَلَّى)).
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ
قاعدٌ.
وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وقد خرَّجه في (( بابِ: التأذينِ ))(٢) من روايةِ مالكِ ، عن أبي الزنادِ ، عن
الأعرجِ، عن أبي هريرةَ - إلى قولِه: (( لا يدري كم صلَّى)) - أيضًا .
وأما باقي الحديثِ ، وهو الأمرُ بسجودِ السهوِ لذلكَ ، فإنما رواه أبو سلمةَ ،
(١) (١٤٣٠) .
(٢) (٦٠٨) .
١

٤٣٥
١٨ - باب تفكُّرِ الرجلِ الشيءَ في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
عن أبي هريرةَ ، وهو مرفوعٌ ، وليس من قولِ أبي هريرةَ (١) .
والقائلُ: ((قال أبو سلمة))، لعلَّه جعفرُ بنُ ربيعةً (٢) . واللهُ أعلمُ .
وقد خرَّجه البخاريُّ في ((أبوابِ السهرِ)) (٣)، كما يأتي قريبًا - إن شاءَ اللهُ
تعالى - من روايةِ هشامِ الدستوائيُّ ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ ، عن أبي سلمةَ ،
عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّر.
ومن روايةٍ(٤) مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمةَ ، عن أبي هريرةَ ،
عن النبيِّ ◌َيرِ .
وفي حديثهما: ((فليسجدْ سجدتين وهو جالس )).
وخرجه في (( بدءِ الخلقِ))(٥) من طريقِ الأوزاعيِّ ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ -
أيضًا .
والمقصودُ من تخريجِه في هذا البابِ : أنَّ الشيطانَ يأتي المصلِيَ ، فيذكرُهُ
ما لم يكنْ يذكرُهُ، حتى يلِّس عليه صلاتَه، فلا يدري كم صلَّى، وأن صلاتَه
لا تبطُلُ بذلكَ ، بل يُؤْمَرَ بسجودِ السهوِ ؛ لشكِّه في صلاتِهِ .
وقد حكى غيرُ واحدٍ من العلماءِ الإجماعَ على ذلك .
ومنهم مَن قال: هو إجماعُ مَنْ يُعتدُّ به .
وهذا يشعر بأنه خالف فيه من لا يُعتدُّ به .
(١) كما سيأتي في (( كتاب السهو)) حديث (١٢٣١).
(٢) ليس كذلك ، بل القائل يحيى بن أبي كثير، كما سيأتي في حديث (١٢٣١)
وقال الحافظ في (الفتح)) (٩١/٣)
(( لكنه من رواية يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، وربما تبادر إلى الذهن من سياق
المصنف ، أن هذه الزيادة من رواية جعفر بن ربيعة عن أبي سلمة، وليس كذلك)).
(٣) (١٢٣١) .
(٤) (١٢٣٢) .
(٥) (٣٢٨٥) .

٤٣٦
حديث : ١٢٢٣
كتاب العمل في الصلاة
وقد قال طائفةٌ قليلةٌ من متأخري أصحابنا والشافعيةِ : إنه إذا غلبَ الفكرُ
علَى المصلِّي في أكثرِ صلاتِه ، فعليه الإعادةُ ؛ لفواتِ الخشوعِ فيها .
وكذا قال أبو زيدِ المروزيُّ من الشافعيةِ ، في المصلِّ وهو يدافعُ الأخبثينِ :
إنه إذَا أذهبَ ذلك خشوعَه ، فعليه الإعادةُ .
وقال ابنُ حامدٍ من أصحابنا : متى كثرُ عملُ القلبِ وفكرُه في الصلاةِ في
أمورِ الدنيا أبطلَ الصلاةَ ، كما يبطلُها عملُ الجسد إذا كُثرَ .
والحديثُ حجةٌ على هذه الأقوالِ كلِّها .
وقد استُدِلَّ لوجوبِ الخشوعِ في الصلاةِ بحديثٍ مختلَفٍ في إسنادِه ، وقد
ذكرناه معَ الإشارةِ إلى هذهِ المسألةِ في (( بابِ : الخشوعِ في الصلاة)) ، فيما
مضَى .
الحديثُ الثالثُ :
١٢٢٣ - نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ : أَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْب ، عَنْ
سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يَقُولُ النَّاسُ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَلَقِيتُ رَجُلاً،
فَقُلْتُ: بِمَ قَرَا رَسُولُ اللَّهِ وَ الْبَارِحَةَ فِي الْعَتَمَةِ؟ قَالَ : لاَ أَدْرِي . فَقُلْتُ : لَمْ
تَشْهَدْهَا؟ قَالَ: بَلَى. فَقُلْتُ: لَكِنْ أَنَا أَدْرِي، قَرَأْ سُورَةَ كَذَا وَكَذَاً .
مرادُ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - : أن يبيِّنَ للناسِ امتيازَه عن غيرِهِ بضبطٍ
أمورِ النبيِّ وَِّ، واعنائِه بها، وحفظه لها، وإذا كان كذا لم يستبعدْ أن يكونَ قد
حفِظَ ما لم يحفظْه غيرُه .
وهذه الواقعةُ كانت جرتْ له في حياة النبيِّ وَ﴿، فحفِظَ قراءةَ النبيّ ◌َّ فِي
صلاة العشاءِ ، ولم يحفظْهَا بعضُ مَن شهدِ العشاءَ معه، معَ رسولِ اللهِ مَّهِ .
وظاهرُ السياقِ : يقتضي أنهُ من حينئذٍ كان يقالُ : أكثرَ أبو هريرةَ ، وهو
بعيدٌ .

٤٣٧
١٨ - باب تفكُّرِ الرجلِ الشيءَ في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
والظاهرُ - واللهُ أعلمُ -: أنه إنما قيل ذلكَ بعدَ وفاة النبيِّ نَظُلِّ، حينَ أكثرَ
أبو هريرةَ من الروايةِ عنهُ .
فاستدلَّ أبو هريرةَ بحفظه ما لم يحفظه غيرُه بهذه(١) القصةِ التي جرت له مع
بعضِ الصحابةِ ، حيث حفِظَ ما قرأ به النبيُّ وَّر في صلاة العشاءِ، ولم يحفظْ
ذلك غیرُهُ ممن صلَّى معه .
واعلَمْ ؛ أن عدمَ حفظِ المصلِّي لما قرأ به إمامُه لها حالتان :
أحدُهما : أن يكونَ ذلك عقبَ انصرافِه منَ الصلاةِ ، فهذا إنما يكونُ غالبًا
من عدمِ حضورِ القلبِ في الصلاةِ ، وغلبةِ الفكرِ والوساوسِ فيها .
وقد ذكرنا في (( بابِ : القراءة في الصلاة))، عن أحمدَ ، أنه قال - فيمن
صلَّى مع إمامٍ ، فلَمَّا خرجَ منَ الصلاةِ قيلَ له : ما قرأ الإمامُ ؟ قال : لا أدري -
قال : يعيدُ الصلاةَ .
وأن الأصحابَ اختلفُوا في وجهِها على ثلاثةِ طرقٍ لهمْ فيها .
وقد وردَ حديثٌ مرفوعٌ ، يستدلُّ به على أن لا إعادةَ علَى من لم يحفظ
ذلكَ :
فروى البزارُ في ((مسندِه ))(٢) ، عن عَمرو بنِ عليٍّ: سمعتُ يحيى بَن
كثير (٣)، قالَ : حدثنا الجُريريُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ، عن أبيه ، قال: صلَّى
رسولُ اللهِ وَّهو يومًا بأصحابِه، فقال: (( كيف رأيتموني صليت؟)) قالوا : ما
أحسنَ ما صليتَ، قال: ((قد نسيتُ (٤) آيةَ كيت وكيتَ ، إن من حسنٍ صلاةٍ
المرء أن يحفظَ قراءةَ الإمامِ » .
(١) في الأصل بغير الباء .
(٢) (٢٣٥/١ - كشف) .
(٣) في الأصل: ((يحيى بن أبي كثير)) خطأ.
(٤) في الأصل: ((لنسيت))، والمثبت من ((كشف الأستار)).

٤٣٨
حديث : ١٢٢٣
كتاب العمل في الصلاة
الحالةُ الثانيةُ(١): أن يكونَ ذلكَ بعدَ مضيِّ مدةٍ منَ الصلاة ، فهذا يكونُ
غالبًا من النسيانِ بعدَ الحفظِ ، لا منْ سهوِ القلبِ في الصلاةِ ، وهذا هو الذي
أرادَه أبو هريرةَ بحديثِه هذا .
وحينئذ ؛ ففي تخريجِه في البابِ نظرٌ ؛ لأن البابَ معقودٌ لحديثِ النفسِ في
الصلاةِ والوسوسةِ فيها ، وهو ينقسمُ إلى مذمومٍ - وهو حديثُ النفسِ بأمورٍ
[ الدنيا] (٢) وتعلُّقاتها - ، وإلى محمودٍ - وهو حديثُ النَّسِ بأمورِ الآخرةِ
وتعلقاتها - ، ومنه ما يرجعُ إلى ما فيه مصلحةُ المسلمينَ من أمورِ الدنيا ، كما
كان عمرُ يفعلُه .
وقد خرجَ البخاريُّ في ((أبوابِ الوضوءِ))(٣) حديثَ عثمانَ ، فيمن توضأً ثم
صلَّى ركعتينِ ، لا يحدِّثُ فيهمَاَ نفسَه ، أنه يُغفرُ له ما تقدَّم من ذنبه ، وسبقَ
الكلامُ عليه في موضعِهِ .
(١) في الأصل: (( الحال الثالث)) خطأ.
(٢) زيادة مني .
(٣) (١٥٩) (١٦٤) .

٢٢
كِتَابُ السَّهْوِ