النص المفهرس

صفحات 361-380

•
٣٦١
كتاب العمل في الصلاة ٢ - باب ما يُنْهَى عنه من الكلام في الصلاة
وقد رجَّح انقطاعَه كثيرٌ من الحفاظِ ، [ منهم ](١): أبو حاتم الرازيَّ.
وقال في روايةِ ابن فضيلِ الموصولةِ : إنها خطأ .
وقال الحافظُ أبو الفضلِ ابنُ عمارِ الشهيدُ (٢): الذين أرسلُوه أثبتُ ممن
وصلَه .
قال: ورواه الحكمُ بنُ عتبةَ - أيضًا - ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مرسلاً -
أيضًا - ، إلا ما رواه أبو خالد الأحمرُ، عن شُعبةَ ، عن الحكمَ موصولاً ؛ فإنه
وَهِم فيه أبو خالدٍ . انتهى .
وتصرُّفُ البخاريِّ يدلُّ على خلاف ذلك ، وأن وصلَه صحيحٌ .
وكذلك مسلمٌ في « صحيحه »(٣) ؛ فإنه خرَّجه من طريقِ ابن فضيلٍ وهريم
ابنِ سفيانَ - موصولاً - كما خرجه البخاريُّ .
وله عن ابن مسعودٍ طرقٌ أخرى متعددةٌ، ذكرتُها مستوفاةً في (( شرح
الترمذيِّ)).
وقال البخاريُّ في أواخرٍ (( صحيحه)) (٤):
وقال ابنُ مسعودٍ، عن النبيِّ نَّهِ: ((إن الله يحدثُ من أمرِه ما يشاءُ، وإن
مما أحدثَ أن لا تكلَّموا في الصلاة )).
وهذا الحديثُ المشارُ إليه، خرجه الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ (٥) من رواية ابن
عيينةَ ، عن عاصمٍ ، عن أبي وائلٍ ، عن ابنِ مسعودٍ ، قال : كنا نسلِّمُ على
(١) زيادة مني للسياق .
وكلامه هذا في ((العلل)) لابنه (٢٧٤).
(٢) في (( علل أحاديث مسلم)) (ص ٨٤ - ٨٥) .
(٣) (٧١/٢) .
(٤) (١٣ / ٤٩٦ - فتح ) .
(٥) أحمد (٣٧٧/١) والنسائي (١٩/٣).

٣٦٢
حديث : ١١٩٩
كتاب العمل في الصلاة
النبيِّ نَّهِ، فيردُّ علينا السلامَ، حتى قدمْنا من أرضِ الحبشةِ، فسلمتُ عليه ،
فلم يردَّ عليَّ ، فأخذني ما قرُبَ وما بعُدَ ، فجلستُ حتَّى إذا قضى الصلاةَ قال :
((إن الله يحدثُ)) - فذكره .
ورواه الحميديُّ (١) وغيرُه من أصحاب سفيانَ ، عنه ، عن عاصمٍ ، عن
زِرِّ ، عن ابنِ مسعودٍ .
وزعمَ الطبرانيُّ: أنَّه المحفوظُ .
قلتُ : عاصمٌ ، هو : ابنُ أبي النَّجودِ ، كان يضطربُ في حديث زِرِّ
وأبي وائلٍ ، فروى الحديثَ تارةً عن زرٍّ ، وتارةً عن أبي وائلٍ .
قال الطبرانيُّ: ورواه عبدُ الغفارِ بنُ داودَ الحرانِيُّ ، عن ابنِ عيينةَ ، عن
منصورٍ ، عن أبي وائلٍ ، عن عبدِ اللهِ .
قالَ : فإن كان حفظَه ، فهو غريبٌ .
قلتُ : ليس هو بمحفوظ ، إنما المحفوظُ روايةُ : سفيانَ ، عن عاصمٍ -
كما تقدمَ .
وخرج النسائيُّ (٢) - أيضًا - من طريقِ سفيانَ ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ ، عن
كلثومٍ، عن ابن مسعودٍ ، قال: كنتُ أَتَي النبيَّ ◌َِّ وهو يصلِّي ، فأسلمُ عليه ،
فيردُّ عليَّ ، فأتيْتُهُ ، فسلمتُ عليه وهو يصلِّي ، فلم يردَّ عليَّ، فلمَّا سلَّم أشارَ
إلى القومٍ ، فقال: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ - يعني - أحدثَ في الصلاة أن لا تكلَّموا
إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتينَ )).
وكلثومٌ ، هو : ابنُ المصطلقِ الخزاعيُّ ، يقال : له صحبةٌ ، وذكره ابنُ
(١) (٩٤ ) .
(٢) (١٩/٣).

٣٦٣
كتاب العمل في الصلاة ٢ - باب ما يُنْهَى عنه من الكلام في الصلاة
حبانَ في (( كتابه )) من التابعينَ .
وقولُهُ: ((إن اللهَ أحدثَ أن لا تكلَّموا في الصلاة )) إشارةٌ إلى أنه شرعَ ذلك
بعدَ أن لم يكن شرعَه ، ومنعَه بعد أن لم يكن قد منعَه .
الحديثُ الثاني :
١٢٠٠ - ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: ثنا(١) عيسى - هو: ابْنُ يُونُسَ -: ثنا (٢)
إسْماعيلُ - هو: ابْنُ أَبِي خَالِد -، عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْروِ الشَّيْبَانِيِّ،
قالَ : قَالَ لِي زَيْدُ بنُ أَرْقَمَ: إِنْ كُنَّا لَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهَِ ،
فَيُكَلِّمُ (٣) أَحَدِّنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ(٤)، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ
الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ .
وخرجه مسلمٌ (٥)، وزاد فيه: (( ونُهينًا عن الكلام)) ، وليس عنده : ذكرُ
عهدِ النبيِّ وَّر .
وخرجه النسائيّ (٦)، وعنده: ((فأمرنا حينئذٍ بالسكوتِ)).
وخرجه الترمذيُّ (٧)، ولفظُه: كنا نتكلمُ خلفَ رسولِ اللهِ وَّ في
الصلاة ، فيكلمُ الرجلُ مِنَّا صاحبه إلى جنبه، حتى نزلت ﴿وَقُومُوا اللَّهِ قَانِتِينَ ﴾
٥
[البقرة: ٢٣٨]. قال: فأُمرنا بالسكوتِ ، ونُهينا عن الكلامِ .
وهذه الروايةُ صريحةٌ برفعِ آخرِه .
(١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٢) في ((اليونينية)): ((عن)).
(٣) في ((اليونينية)): ((يلكم)).
(٤) في الأصل: ((لحاجته))، والمثبت من ((اليونينية)).
(٥) (٢/ ٧١) .
(٦) (١٨/٣).
(٧) (٤٠٥) .

٣٦٤
حديث : ١٢٠٠
كتاب العمل في الصلاة
واختلفَ الناسُ في تحريمِ الكلامِ في الصلاةِ : هل كان بمكةَ ، أو بالمدينة ؟
فقالت طائفةٌ : كان بمكةً .
واستدلُّوا بحديثِ ابنِ مسعودِ المتقدمِ ، وأن النبيَّ وَِّ امتنعَ من الكلامِ عند
قدومِهِم عليه من الحبشةِ ، وإنما قَدِمَ ابنُ مسعودٍ عليه من الحبشةِ إلى مكةَ ، ثم
هاجرَ إلى المدينةِ ، كذا ذكرَهَ ابنُ إسحاقَ وغيرُهُ .
ويعضدُ هذا : أنه رُويَ : أن امتناعَهم من الكلامِ كان بنزولِ قولِه: ﴿وَإِذَا
قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تَرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وهذه الآيةُ
مکیةٌ .
فروى أبو بكرِ بنُ عياشٍ ، عن عاصم ، عن المسيبِ بنِ رافعٍ ، قال : قالَ
ابنُ مسعودٍ : كنا يسلمُ بعضُنا على بعضٍ في الصلاةِ، فجاءَ القرآنُ ﴿وَإِذَا قُرِئَ
الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ .
وأخرجه ابنُ جريرٍ وغيرُه .
وهذا الإسنادُ منقطعٌ ؛ فإن المسيبَ لم يلقَ ابنَ مسعودٍ .
وروى الهَجَرَيُّ ، عن أبي عياضٍ ، عن أبي هريرةَ ، قال : كانوا يتكلَّمون
في الصلاةِ، فلما نزلتْ هذه الآيةُ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ والآيَةُ الأخرى ، قال :
فأمِرْنا بالإنصاتِ .
وخرجه بقيَّ بنُ مخلدٍ في (( مسندِهِ)) .
وخرجه غيرُهُ، وعنده: ((أو الآيةُ الأخرى)) - بالشكِّ.
والهجريُّ ، ليس بالقويِّ .
ولكن يشكلُ على أهلِ هذه المقالةِ حديثُ زيدِ بنِ أرقم ، الذي خرجه
البخاريُّ هاهنا؛ فإن زيدًا أنصاريٍّ، لم يصلِّ خلفَ النبيِّ ◌َ﴿ بمكةَ ، إنما صلى

٣٦٥
كتاب العمل في الصلاة ٢ - باب ما يُنْهَى عنه من الكلام في الصلاة
خلفه بالمدينة ، وقد أخبر أنهم كانوا يتكلَّمون حتى نزلت ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
[البقرة: ٢٣٨]، وهي مدنيةٌ بالاتفاق.
وأجابَ أبو حاتمٍ ابنُ حبانَ (١) - وهو ممن يقولُ: إن تحريمَ (٢) الكلامِ كان
بمكةَ - : وأجيبَ عن هذا بجوابينِ :
أحدُهما : أن زيدَ بنَ أرقم حكى حالَ الأنصارِ وصلاتَهم بالمدينةِ قبلَ هجرةٍ
النبيِّ وَّ إليهم، وأنهم كانوا يتكلمونَ حينئذٍ في الصلاة ؛ فإن الكلامَ حينئذٍ كان
مباحًا، وكان النبيُّ نَّهِ إذ ذاكَ بمكةَ، فحكى زيدٌ صلاتَهم تلك الأيامَ ، لا أن
نسخَ الكلامِ كانَ بالمدينةِ .
قلتُ : هذا ضعيفٌ؛ لوجهين :
أحدُهما: أن في رواية الترمذيِّ: ((كنا نتكلمُ خلفَ النبيِّ وَّ فِي
الصلاة))، فدلَّ على أنه حكى حالَهم في صلاتِهِم خلفَ النبيِّ وَِّ بعدَ هجرتِه
إلى المدينةِ .
والثاني : أنه ذكرَ أنهم لم يُنْهَوْا عن الكلامِ حتى نزلتِ الآيةُ ، وهي إنما
نزلت بعدَ الهجرةِ بالاتفاقِ ، فعلمَ أن كلامَهم استمرّ في الصلاةِ بالمدينةِ ، حتى
نزلتْ هذه الآيةُ .
ثم قال ابنُ حبانَ :
والجوابُ الثاني : أن زيدًا حكى حالَ الصحابةِ مطلقًا ، من المهاجرينَ
وغيرِهم، ممن كان يصلّي مع النبيِّ ◌َِّ قبلَ تحريمٍ [ الكلامِ ] في الصلاةِ ، ولم
يردِ الأنصارَ ، ولا أهلَ المدينةِ بخصوصِهم ، كما يقولُ القائلُ : فعلْنا كذا ،
وإنما فعلَه بعضُهم .
(١) في (صحيحه)) (٢٠/٦ - ٢١).
(٢) في الأصل: (( يحرم)) خطأ.

٣٦٦
حديث : ١٢٠٠
كتاب العمل في الصلاة
قلتُ: وهذا يردُّه قولُه: ((حتى نزلت الآيةُ))؛ فإنه يصرحُ بأن كلامَهم
استمرَّ إلى حين نزولِها، وهي(٢) إنما نزلتْ بالمدينة.
وأجابَ غيرُ ابنِ حبانَ بجوابين آخرين :
أحدُهما : أنه يحتملُ أنه كان نهى عن الكلامِ متقدمًا ، ثم أذنَ فيهِ ، ثم نھَی
عنه لما نزلتِ الآية .
والثاني : أنه يحتملُ أن يكونَ زيدُ بنُ أرقم ومن كان يتكلّمُ في الصلاةِ لم
يبلغْهم نهىُ النبيِّ وَِّ، فلما نزلتِ الآيةُ انتَهَوْا .
وكلا الجوابينِ فيه بُعْدُ ، وإنما انتهَوْا عند نزولِ الآيةِ ، بأمرِ النبيِّ
وسلم
بالسكوتِ ، ونهيهِ عن الكلامِ ، كما تقدمَ .
وقال طائفةٌ أُخْرى : إنما حُرِّمَ الكلامُ في الصلاةِ بالمدينةِ ؛ لظاهرِ حدیثِ زیدِ
ابنِ أرقمَ ، ومنعُوا أن يكونَ ابنُ مسعودِ رجعَ من الحبشةِ إلى مكةً ، وقالُوا :
إنما رجعَ منَ الحبشةِ إلى المدينةِ ، قبيل بَدْرٍ .
واستدلُّوا بما خرجه أبو داودَ الطيالسيّ في ((مسنده )) من حديث عبد اللهِ بنِ
ءِ
عتبةَ، عن ابنِ مسعودٍ ، قال: بعثنَا النبيُّ ◌َِّ إلى النجاشيِّ، ونحن ثمانونَ
رجلاً ، ومعنا جعفرُ بنُ أبي طالبٍ - فذكرَ الحديثَ في دخولِهم على النجاشيِّ ،
وفي آخرِه - : فجاءَ ابنُ مسعودٍ ، فبادرَ ، فشهدَ بدرًا .
وروى آدمُ ابنُ أبي إياسٍ في ((تفسيرِه )): حدثنا أبو مَعْشرٍ ، عن محمدِ بنِ
كعبٍ ، قال: قدمَ النبيُّ ◌َّهِ المدينةَ، والناسُ يتكلمونَ بحوائجِهم في الصلاةِ ،
كما يتكلَّمُ أهلُ الكتابِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِين﴾ [البقرة: ٢٣٨]،
فسكتَ القومُ عن الكلامِ .
وهذا مرسلٌ ، وأبو معشرٍ ، هو : نجيحٌ السِّنديُّ ، يتكلمون فيه .
(١) في الأصل: ((وهو)) والأشبه: ((وهي))، كما سبق نظيره قبل أسطر .
!

٣٦٧
كتاب العمل في الصلاة ٢ - باب ما يُنْهَى عنه من الكلام في الصلاة
وقد اتفقَ العلماءُ على أن الصلاةَ تبطلُ بكلامِ الآدميين فيها عمدًا لغيرِ مصلحةٍ
الصلاة ، واختلفُوا في كلامِ الناسي والجاهلِ والعامدِ لمصلحةِ الصلاة .
فأما كلامُ الجاهلِ ، فيأتي ذكرُه - قريبًا .
وأما كلامُ الناسي والعامدِ لمصلحةٍ، فيأتي ذكرُه في ((أبوابِ سجودِ السهوِ))
قريبًا - إن شاءَ اللهُ تعالى .

٣٦٨
حديث : ١٠٢١
كتاب العمل في الصلاة
٣ - بَابُ
مَا يَجُوزُ مِنَ النَّسْبِيحِ وَالْحَمْدِ فِي الصَّلاَةِ لِلرِّجَالِ
١٠٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: تَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: خَرَجَ النِّيُّ:﴿ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَحَانَتِ
الصَّلَةُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ أَبَا بَكْرٍ ، فَقَالَ: حُبِسَ النَِّيَُّ﴿، فَتَوُمُّ النَّاسَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ ، إِنْ
شِئْتُمْ، فَأَقَامَ بِلاَلِّ الصََّةَ، فَتَقَدََّ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى، فَجَاءَ النَِّيُّ ◌ِلَ يَمْشِى فِي
الصُّفُوفِ ، يَشُقُّهَا شَقًّا، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفَبِّالأَوَّلِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِالنَّصْفِيحِ - قَالَ
سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا النَّصْفِيحُ؟ هُوَ النَّصْفِيقُ - ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ،
فَلَمَّا أَكْثَرُوا الْتَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّ ◌َ فِي الصَّفَتِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرِ
يَدَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ ، وَتَقَدََّ النََِّّ، فَصَلَّى .
التصفيقُ والتصفيحُ، من الناسِ من قالَ : هما بمعنَّى واحد - : قالَه
الأصمعيُّ وغيرُه .
وقال الخطابيُّ (١) : التصفيحُ : التصفيقُ بصفحتي الكفِّ .
وقيلَ : التصفيقُ : الضربُ بباطنِ الراحةِ على الأخرَى . والتصفيحُ :
الضربُ بظاهرِ الكفِّ على ظهرِ الأخرى ، ويكون المقصودُ به : الإعلامَ
والإنذار ، بخلافِ التصفيقِ ؛ فإنه إنما يرادُ به الطربُ واللعبُ . واللهُ أعلمُ .
وقد سبقَ هذا الحديثُ في ((أبوابِ الإمامةِ)) (٢) ، خرَّجه البخاريُّ فيها من
روايةِ مالكٍ ، عن أبي حازمٍ .
(١) في ((شرح البخاري)) (١ / ٦٥٠).
(٢) (٦٨٤) .

٣٦٩
كتاب العمل في الصلاة ٣ - باب ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة
وذكرنَا هنالكَ عامةَ فوائدِه ، وأشرنا إلى الاختلافِ فيمن حَمد اللهَ في صلاتِه
أو سبَّح لحادث حدثَ له ، وهل تبطلُ بذلك صلاتُه ، أم لا ؟
وذكرَنَا ذلك - أيضًا - في (( بابِ : إجابةِ المؤذنِ )).
وأكثرُ العلماءِ على أنه لا تبطلُ صلاتُه بذلك .
فحكاهُ ابنُ المنذرِ(١) عن الأوزاعيِّ والثوريِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثورٍ .
وهو - أيضًا - قولُ مالكِ والشافعيِّ .
وسواءٌ قصد بذلك تنبيهَ غيرِهِ ، أم لم يقصدْ .
قال إسحاقُ - فيما نقلَه، عنه حربٌ -: إن قرأ آيةً فيها ((لا إلهَ إلا اللهُ))،
فأعادَها لا تفسدُ صلاتُه، وإن انقضَّ كوكبٌ، فقالَ: ((لا إله إلا اللهُ ))،
تعجبًا وتعمدَه، فهو كلامٌ يعيدُ الصلاةَ، وكذا إذا لدغتهُ عقربٌ ، فقال :
((بسمِ اللهِ )).
وقالَ عُبيد اللهِ بنُ الحسنِ: فيمن رُمي في صلاتِهِ، فقالَ: ((بسمِ اللهِ)):
لم تنقطعْ صلاتُه ، هو كمن عطسَ فحمِدَ اللهَ . وقالَ في الذي يذكرُ النعْمَةَ وهو
في الصلاة ، فيحمدُ اللهَ عليها ، وأن ذلكَ حسنًا .
وقالَ عطاءٌ : ما جرى على لسانِ الرجلِ في الصلاةِ ، فما لَه أصلٌ في القرآنِ
فليسَ بكلامٍ .
وقالت طائفةٌ : تبطلُ صلاتُه ، وهو روايةٌ عن أحمدَ وإسحاقَ .
ومذهبُ أبي حنيفةً : إن قاله ابتداءً فليسَ بكلامٍ ، وإن قالَه جوابًا فهو
كلامٌ .
(١) ((الأوسط)) (٢٤٠/٣).
(٢) ((الأوسط)) (٢٤٠/٣).
(٣) لعل الصواب: ((وقال عطاء)).

٣٧٠
حديث : ١٠٢١
كتاب العمل في الصلاة
قال بعضُ أصحابنا : هذه الروايةُ عن أحمدَ بالبطلانِ ، هي قولُ أبي حنيفةَ
ومحمد ، أنه يبطلُ الصلاةَ ، فكلُّ ذكرٍ يأتي به المصلِّي في غيرِ موضعِهِ ، إلا في
تنبيه المأمومِ إمامَه على سهوِهِ ، وتنبيهِ المارِّ بين يدِه ليرجعَ .
وكذلك الخلافُ إذا بُشِّر بما يسرُّه، فقال: ((الحمدُ للهِ))، أو بما يسوؤُه،
فقال: ((إنا للهِ وإِنَّا إليه راجعونَ))، أو عطسَ، فحمدَ اللهَ، أو فتحَ على غيرِ
إمامِه ، أو خاطبَ إنسانًا بشيءٍ من القرآنِ قاصدًا للقراءةِ والتنبيهِ .
وأصحُّ الروايتين عن أحمدَ : أن الصلاةَ لا تبطلُ بذلك ، كقولِ جمهورِ
العلماء .
وفي «الصحيحينِ))(١)، عن عائشةَ، أن أسماءَ أختَها لما سألتها وهي تصلِّي
صلاةَ الكسوفِ، فأشارتْ برأسِها إلى السماءِ، وقالتْ: (( سبحانَ الله)).
واحتجَّ أحمدُ بما ذكرَه عن عليٍّ ، أنه كانَ في صلاةِ الفجرِ ، فمرَّ بعضُ
الخوارجِ ، فناداه : ﴿لَعِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه عليّ
وهو في صلاته: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٍّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾
[الروم: ٦٠] .
ورُوي عن ابنِ مسعودٍ ، أنه استأذنَ عليه رجلٌ وهو يصلِّي ، فقالَ :
﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩].
وكان عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي ليلَى يفعلُه .
وخرجَ الإمامُ أحمدُ (٢) من حديثٍ عليٍّ ، قال : كانت لي ساعةٌ من السحرِ
أدخلُ على النبيِّ وَّ، فإن كان في صلاةٍ سَبَّح، فكان إِذْنُه لي .
ومن حديث أبي هريرة، عن النبيِّ نَّ قال: ((إذنُ الرجل إذا كانَ في صلاة
(١) البخاري (٨٦) ومسلم (٣٢/٣).
(٢) (٩٨/١ - ١١٢) وابنه في ((زوائده)) (٧٩/١)

٣٧١
كتاب العمل في الصلاة ٣ - باب ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة
أن يسبِّحَ، وإذنُ المرأة أن تصفقَ )).
وقد رُوي، عن النبيِّ ◌َِّ، أن رجلاً عطسَ ورَاءَه في الصلاة، فحمدَ اللهَ،
فأخبر النبيُّ وَِّ لما قضى صلاته بابتدارِ الملائكةِ لهَا ، وكتابتها .
وقد خرجه أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ (١) ، من حديثِ رفاعةَ بنِ رافعٍ .
وخرجه أبو داودَ (٢) - أيضًا - من حديثٍ عامرِ بنِ ربيعةَ - بمعناه .
وحكى الترمذيُّ (٣) عن بعضِ أهلِ العلمِ ، أنهم حملوا ذلك على التطوعِ ،
وقالوا : في المكتوبةِ يحمدُ اللهَ في نفسِهِ .
وهذا التفريقُ ، هو قولُ مكحولٍ ، وروايةٌ عن أحمدَ .
وقولُهم : ((يحمدُ اللهَ في نفسِهِ))، يحتملُ أنهم أرادُوا أنه يحمدهُ بقلبه ولا
يتلفَّظ به ، ويحتملُ أنهم أرادوا أنَّه لا يجهرُ به .
وكذا قال النخَعَيُّ (٤) في الرجلِ يعطسُ في الصلاةِ : يحمدُ اللهَ ، ولا يجهرُ.
وقال الحسنُ : يحمدُ اللهَ في المكتوبةِ وغيرِها .
وكذا نقله حربٌ ، عن إسحاقَ .
وروى عبدُ الرحمنِ بنُ يزيدَ بنِ جابرٍ : سمعتُ أبا طلحةً (٥): سمعت ابنَ
عمرَ يقولُ في العاطسِ(٦) في الصلاةِ : يجهرُ بالحمد .
وأما تخصيصُ البخاريِّ جوازَ التسبيحِ والحمدِ في الصلاةِ للرجالِ ؛ فلأنَّ
المرأة تخالفُ الرجلَ في التسبيحِ للتنبيهِ ، وإنما تنبِّهُ بالتصفيحِ ، كما يأتي ذكرُه ،
(١) أبو داود (٧٧٠) والترمذي (٤٠٤) والنسائي (١٤٥/٢).
(٢) (٧٧٤) .
(٣) (٢٥٥/٢) .
(٤) عبد الرزاق (٣٣١/٢).
(٥) في الأصل : ((أبا طعمة)) خطأ، وهو حكيم بن دينار.
(٦) في الأصل: ((المعاطس)).

٣٧٢
حديث : ١٢٠١
كتاب العمل في الصلاة
فلا يشرعُ لها التسبيحُ والتحميدُ في غيرِ ذلك - أيضًا .
لكن حكمَها حكمُ الرجلِ في القولِ بالإبطالِ وعدمِهِ ، وإنما يختلفانِ في
الكراهة ؛ فإن المرأةَ لا يشرعُ لها رفعُ صوتِها في الصلاةِ بقرآنٍ ولا ذكرٍ .

٣٧٣
٤ - باب من سمى قومًا أو سلم في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
٤ - بَابٌ
مَنْ سَمَّى قَوْمًا أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلاَةِ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ
١٢٠٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسى: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ العَمِّيُّ عَبْدُ الْعَزِيزِ
ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ: فَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي وَآئِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ،
قالَ : كُنَّا تَقُولُ: النَّحِيّةُ فِي الصَّلاَةِ، وَتُسَمِّي ، وَيُسَلِمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَسَمِعَهُ
رَسُولُ اللَّهِبِّهِ، فَقَال: ((قُولُوا النَّحِيَّاتُ لِلَِّ)).
فَذَكَرَ التَّشَهِدَ بِتَمَامِهِ ، ثُمَّ قَالَ :
(( فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ )) .
وقد تقدمَ هذا الحديثُ في (( أبوابِ التشهدِ))(١) بألفاظ أخرَ .
وفي بعضِها : أنهم كانوا يقولونَ : السلامُ على اللهِ ، السلامُ على جبريلَ
وميكائيلَ ، وعلى فلانٍ وفلانٍ .
فأما السلامُ على اللهِ فهو كلامٌ غيرُ جائٍ، ولهذا قالَ لهمُ النّبِيُّ ◌َر:
(( لا تقولُوا السلامُ على الله)).
وقد خرجه البخاريُّ فيما تقدمَ (٢) .
وأما السلامُ على أشخاصٍ معينين ، فإن كانَ بلفظِ الغَيْبَةِ ، فأكثرُ العلماءِ على
أنه لا يبطلُ الصلاةَ .
وقال الثوريُّ وأبو حنيفةً : هو كلامٌ .
وقد سبقَ ذكرُ ذلك في ((أبوابِ التشهدِ )).
(١) (٨٣١) (٨٣٥) .
(٢) (٨٣١) .

٣٧٤
حديث : ١٢٠٢
كتاب العمل في الصلاة
وإن كان بلفظِ الخطابِ ، فهو كردِّ السلامِ في الصلاة على من سلَّم ، ويأتى
ذكرُه - إن شاءَ الله تعالى .
وفي هذا الحديثِ : دليلٌ على أن من تكلمَ في صلاته جاهلاً ، أنه لا تبطلُ
صلاتُه ؛ فإنَّ كلامَ الجاهلِ قسمانِ :
أحدُهما : أن يتكلمَ في صلاته جاهلاً بأن الكلامَ في الصلاة ممنوعٌ ، وهذا
يقعُ من كثيرٍ من أعرابِ البوادِي وغيرِهم ممن هو حديثُ عهدٍ بالإسلامِ ، وقد
كانَ هذا يقعُ في أولِ الإسلامِ كثيرًاً .
قالت الشافعيةُ : ولا يعذرُ بذلك إلا قريبُ العهدِ بالإسلامِ ، فأما من طالَ
عهدُه بالإسلامِ فتبطلُ صلاتُه ؛ لتقصيرِه في التعلُّم ، وكذا لو عِلِمَ تحريمَ الكلامِ
في الصلاةِ ، ولم يعلَمْ أنه مبطلٌ لها ، كما لو عِلِمَ تحريمَ الزِّنًا ، ولم يعلَمْ حدَّ،
فإنه يُحَدُّ بغيرِ خلافٍ .
والثاني : أن يتكلم بكلامٍ يظنُّه جائزًا ، وهو في نفسِهِ غيرُ جائزِ التكلمُ به في
الصلاةِ وغيرِها، كقولهم: (( السلامُ على اللهِ))، أو يتكلَّمُ بكلامٍ يظنه جائزًا في
الصلاة ، كما أنه جائزٌ في غيرِها ، كردِّ السلامِ وتشميتِ العاطسِ .
وقد اختلفَ العلماءُ في حكمٍ الجاهلِ في الصلاةِ :
فمنهم من قالَ : حكمُهُ حكمُ كلامِ الناسِي ، وهو قولُ مالك والشافعيِّ ،
وهو أحدُ الوجهينِ لأصحابنا .
ومنهم من قالَ : تبطلُ ، بخلافِ كلامِ الناسِي ، وهو قولُ المالكيةِ .
والثالثُ : لا تبطلُ ، وإن قلنا : يبطلُ كلامُ الناسي ، وهو قولُ طائفةٍ من
أصحابنا .
ويدلُّ له: ما خرَّجه البخاريُّ في ((الأدبِ)) من («صحيحه » (١) هذا ، من
(١) (٦٠١٠) .

٣٧٥
٤ - باب من سمى قومًا أو سلم في الصلاة
كتاب العمل في الصلاة
حديث أبي هريرةَ، قال: قامَ رسولُ اللهِ وَّل إلى الصلاة، وقمنا معه، فقال
أعرابيٌّ - وهو في الصلاةِ - : اللهمَّ ارحمني ومحمدًاً ، ولا ترحمْ معنا أحدًا ،
فلما سلَّم النبيُّ، قالَ للأعرابيِّ: ((لقد حجَّرتَ واسعًا)) - يريدُ: رحمةَ الله .
وفي «صحيحٍ مسلمٍ ))(١) عن معاويةَ [ بنِ ] الحكمِ السلميِّ ، أنه صلى
خلفَ النبيِّ وَِّ، فعطسَ رجلٌ من القومِ ، فقال له : يرحمكَ اللهُ . قال :
فرماني القومُ بأبصارِهم، فقلتُ: واثْكْلَ أُمَِّاهُ ، ما شأنُكم ، تنظرونَ إليَّ ؟
قال : فجعلُوا يضربونَ بأيديهم على أفخاذِهم . قال : فلما رأيتُهم يصمتونَني ،
لكنِّي سكتُ، فلما صلَّى النبيُّ وَلِّ قال له: ((إن هذه الصلاةَ لا يصلحُ فيها
شيءٌ من كلامِ الناسِ ، إنما هي التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن)) - أو كما
قالَ رسولُ اللهِ وَله .
ولم ينقلْ أنه أمرَ أحدًا منهما بالإعادةِ .
وكذلك رُوي ، عن معاذِ بنِ جبلٍ وأبي موسى الأشعريِّ وغيرِهما .
قال أصحابنا : ولأنَّ الكلامَ كان مباحًا في أولِ الإسلامِ ، ثم نسخَ ، والنسخُ
لا يثبتُ في حقِّ الجاهلِ قبلَ العِلم ، بدليلِ قصةِ أهلِ قباء في القبلةِ .
ولكنَّ هذا إنما يصحُّ في حقٍّ من تمسكَ بالإباحةِ السابقةِ ، ولم يبلغْه
نسخُها ، فأما من لا يعلَمُ شيئًا من ذلك ، فلا يصحُّ هذا في حقِّه .
وكذلك من تكلَّمَ بكلامٍ محرمٍ في نفسِهِ ، وهو يظنُّ جوازَه ، كقول القائلِ :
((السلامُ على اللهِ))، وقولِ الآخرِ ((اللهمَّ، ارحمِنِي ومحمدًا، ولا ترحمْ معنَا
أحدًا )).
وللشافعيةِ - فيمن عِلِمَ أن جنسَ الكلامِ محرمٌ في الصلاة ، ولم يعلم أن ما
(١) (٢ / ٧٠ - ٧١) .

٣٧٦
حديث : ١٢٠٢
كتاب العمل في الصلاة
تكلَّم به محرمٌ : هل يعذرُ بذلكَ ولا تبطلُ صلاتُه ؟ - وجهان ، أصحُّهما : يعذرُ
به .
وكذلك لو جهلَ أن التنحنحَ ونحوَهَ مبطلٌ للصلاةِ .

٣٧٧
٥ - باب التصفيق للنساء
كتاب العمل في الصلاة
٥ - بَابُ
التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ
فيه حديثان :
أحدُهما :
١٢٠٣ - حَدَّنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: ◌َنَا سُقْيَانُ: ثنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيَّةَ، [عَنِ النَِّّ ◌َ﴿](١)، قالَ: ((النَّسَِّيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصِفْقُ لِلنِّسَاءِ)).
وخرجه مسلم (٢) - أيضًا .
وخرجه - أيضًا - من طريق يونُسَ ، عن الزهريِّ ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ ،
عن أبي هريرةَ .
ومن طريق الأعمشِ ، عن أبي صالحٍ ، عن أبي هريرةَ .
ومن طريقِ همامٍ بنِ منبه ، عن أبي هريرةَ، وزادَ في حديثه: (( في
الصلاة)) .
وخرجه النسائيُ (٣) من طريقِ ابنِ سيرينَ ، عن أبي هريرةَ .
وخرج أبو داودَ (٤) من حديثٍ رجلٍ من الطُّفاوةِ ، عن أبي هريرةَ ، عن
النبيِّ وَُّ، أنه قالَ لهم: ((إن تَسَّانِي الشيطانُ شيئًا من صلاتي فليسبحِ القومُ،
وليصفق النساءُ)).
وله طرقٌ أخرى ، عن أبي هريرةَ .
(١) ساقط من الأصل .
(٢) (٢/ ٢٧) .
(٣) (١٢/٣) .
(٤) (٢١٧٤) .

٣٧٨
حديث : ١٢٠٤
كتاب العمل في الصلاة
الحديثُ الثاني :
١٢٠٤ - حَدَّثْنَا يَحِيْى: ثنا وَكَيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ، قَالَ: قال النَِّيَّ ◌َ: ((التَّسْبِحُ لِلرِّجَالِ وَ التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)).
وخرجه فيما تقدم(١) ، من طريق مالكٍ ، عن أبي حازمٍ ، عن سهلٍ ، وذكر
فيه: قصةَ إصلاحِ النبيِّ نَّهِ بين بني عمرو بنِ عوفٍ ، وصلاةَ أبي بكرِ
بالناسِ ، وقال في آخرِ الحديثِ : ((من نابهُ شيءٌ في صلاته فليسبحْ ؛ فإنه إذا
سيَّحَ التُّفِتَ إليه ، وإنما التصفيحُ للنساءِ)).
وخرجه مسلمٌ (٢) .
وفي البابِ أحاديثُ أخرُ ، لم يخرَّج منها شيءٌ في (( الصحيحِ )).
وقد ذكرَ الترمذيُّ (٣) : أن العملَ على هذا عند أهلِ العلمِ .
وممن رُوي عنه ، أنه أفتى بذلك : أبو هريرةَ ، وسالمُ بنُ أبي الجعدِ .
وقال به الأوزاعيَّ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وأبو يوسفَ .
وأن المأمومَ ينبه إمامَه بالتسبيحِ إذا كانَ رجلاً .
وقد تقدمَ عن أبي حنيفةَ ، أنه إن سبَّح ابتداءً فليس بكلامٍ ، وإن كان جوابًا
فهو كلامٌ . والجمهورُ على خلافِه .
ومذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ : أنه يسبحُ الرجالُ والنساءُ .
وحملوا قولَه: ((إنما التصفيقُ للنساء)) على أن المرادَ : أنه من أفعال
النساءِ ، فلا يفعلُ في الصلاةِ بحالٍ ، وإنَّما يسبَّح فيها .
(١) (٦٨٤ ) .
(٢) (٢٥/٢ - ٢٦) .
(٣) (٢٠٦/٢) .

٣٧٩
٥ - باب التصفيق للنساء
كتاب العمل في الصلاة
وهذا إنما يتأتي في لفظ روايةِ مالكٍ ، عن أبي حازمٍ ، عن سهلِ بنِ سعدٍ ،
وأما روايةُ غيرهِ : ((التسبيحُ للرجال، والتصفيقُ للنساء في الصلاة)) فلا يتأتي هذا
التأويلُ فيها .
وأما روايةُ مَن روى : ((إذا نَسَّانِي الشيطانُ شيئًا من صلاتي فليسبحِ القومُ ،
وليصفق النساءُ)) فصريحةٌ في المعنى .
فالمرادُ بالقومِ : الرجالُ ، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسَى أَن
يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّنْ نِّسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١] الآيةَ.
وخرجه الإمامُ أحمدُ (١) من حديث جابرٍ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إذَا
أنساني الشيطانُ شيئًا في صلاتي فليسبحِ الرجالُ، وليصفقِ النساءُ)) .
وهو من روايةِ ابنِ لهيعةَ .
وخرج الأثرمُ، من روايةِ أبي نعامةَ، [ عن ] (٢) جبرِ بنِ حبيبٍ ، عن
القاسمِ بنِ محمدٍ ، عن عائشةَ ، قالت : جاءَ أبو بكرٍ يستأذنُ ، وعائشةُ تصلِّي ،
فجعلت تصفقُ، ولا يفقهُ عنها، فجاءَ النبيُّ بَّهِ وهما على تلك الحالِ ، فقال:
((ما منعك أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه؟)) - وذكر دعاءً جامعًا - ، «ثم نادي
لأبيك)» .
وهذا إسنادٌ جيدٌ .
وقد خرج الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه(٣) ذكرَ الدعاء ، دون قصة الاستئذانِ .
ولم يُنكرِ النبيِّ وَّهِ عليها التصفيقَ، ولا أمرَها بالتسبيحِ ، وإنما تُصَفِّقُ
المرأةُ إذا كان هناكَ رجالٌ .
(١) (٣/ ٣٤٠) .
(٢) سقط من الأصل ...
(٣) أحمد (١٤٦/٦ - ١٤٧) وابن ماجه (٣٨٤٦).

٣٨٠
حديث : ١٢٠٤
كتاب العمل في الصلاة
فأما إن لم يكن معها غيرُ نساء ، فقد سبق أن عائشةَ سبحتْ لأختها أسماءَ في
صلاة الكسوف ، فإن المحذورَ سماعُ الرجالِ صوتَ المرأةِ ، وهو مأمونٌ هاهنا ،
فلا يُكرَه للمرأة أن تسبِّحَ للمرأةِ في صلاتِها . ويكرَه أن تسبحَ مع الرجالِ .
ومن أصحابِنا من قالَ : لا يُكرَه .
والأولُ : الصحیحُ .
وقال بعضُ أصحابنا : الأفضلُ في حقِّها - أيضًا - مع النساءِ التنبيهُ بالتصفيقِ -
أيضًا .
والكلامُ في هذا ، يشبهُ الكلامَ في جهرِ المرأةِ بالقراءةِ إذا أمَّتِ النسوةَ .
وتصفيقُ المرأةِ ، هو : أن تضربَ بظهرِ كفِّها على بطنِ الأخرى ، هكذا
فسَّره أصحابُنا والشافعيةُ وغيرُهم .
قالوا : ولا تضربُ بطنَ كَفٍّ على بطنِ كفٍّ ؛ فإنْ فعلت ذلك حُرِهٍ .
وقال بعضُ الشافعيةِ ، منهم : القاضي أبو الطيبِ الطبريُّ : تبطلُ صلاتُها
بِهِ ، إذا كان على وجهِ اللعبِ ؛ لمنافاتِه صلاتَها ، فإن جهلتْ تحريمَه لم تبطلْ .
قالوا : ولو سبَّحتِ المرأةُ، أو صفقَ الرجلُ ، فقد خالفا السنةَ، ولم تبطلْ
صلاتُهما بذلك .
ويدلُّ عليه : أن الصحابةَ أكثروا التصفيقَ خلفَ أبي بكرِ الصديقِ ، ولم
يأمرُهمُ النبيُّ نَّهِ بِالإعادةِ ، وإنما أمرَهم بالأكملِ والأفضلِ.
وقد قال طائفةٌ من الفقهاءِ : متى أكثروا التصفيقَ بطلتِ الصلاةُ .
والحديثُ يدلُّ على خلافه ، إلا أن يحملَ على أنهم لم يكونوا يعلمون
منعَه ، فيكون حكمُهم حكمَ الجاهلِ .