النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
کتاب الوتر
التامَّةُ(١) في ركوعها وسجودِها وقيامِها، ثم يقوم في الأخرى ولا يتمَّ لها ركوعًا (٢)
ولا سجودًا ولا قيامًا ، فتلك البتيراء .
۶ (٣)
خرجهما البيهقيُّ (٣).
وأجازَ أحمدُ وأصحابُه وإسحاقُ : أن يوتر بثلاث موصولةٍ ، وأن يوترَ بخمسٍ
لا يجلس إلا في آخرهنَّ، وبتسعٍ لا يجلسُ إلا في الثامنة ، ولا يسلِّمُ ثم يقومُ
فيصلِّي ركعةً، ثم يسلّم ؛ لما جاء في حديث عائشةَ المتقدمِ .
وجعلوا هذه النصوص خاصةً ، تخصُّ عمومَ حديثِ صلاةِ الليلِ مثنَى مثنَى،
وقالوا - في التسعِ والسبعِ والخمسِ - : الأفضلُ أن تكون بسلامٍ واحدٍ ؛ لذلك .
فأما الوترُ بسبعٍ ، فنصَّ أحمد على أنه لا يجلس إلا في آخرهن .
ومِن أصحابنا مَنْ قالَ : يجلسُ عقيبَ السادسةِ بتشهدٍ ، ولا يسلّمُ .
وقد اختلف ألفاظُ حديث عائشةَ في ذلك .
فأما الوترُ بإحدى عشرةَ، فيكون بستِّ تسليماتٍ ، وإِن صَلاَّهُ بتسليمة
واحدة ، وتشهّد عقب العاشرة، ولم يسلم جاز - : قاله بعض [ ... ](٤).
ومنهم منْ حكى في الجميع وجهين :
أحدُهما : أن الأفضلَ أن يسلِّم مِن كلِّ ركعتين ، وصححَهُ غيرُ واحد من
أصحابنا .
والثاني : الأفضلُ سردُ الجميعِ بسلامٍ واحدٍ ، ولا يجلس إلا في آخر
الإِشفاع ، فيتشهد ، ثم يصلي ركعة ويسلم .
(١) في الأصل ((الثامنة)) تصحيف.
(٢) في الأصل: ((ركوعها))، والمثبت من ((البيهقي).
(٣) (٢٦/٣).
(٤) بياض، ولعله : ((أصحابنا)) .

٢٠٢
حديث : ٩٩٠ - ٩٩١
کتاب الوتر
ومذهب إسحاقَ : إِنْ أوتر بإحدى عشرةَ ركعةً سلَّم في كل ركعتين .
و[يجوز](١) عند أصحابِنا أن يتطوع بأربعٍ ، وبأكثرَ مِن أربعٍ ، بسلامٍ واحدٍ ،
وحكَوْه عن أكثرِ العلماءِ ، إلا عن محمدِ بنِ الحسنِ وزُفَر ، فإنهما قالا : لا بدَّ أن
يتشهدَ عقيبَ كلِّ ركعتينٍ .
وفي صحة التنفلِ بالإشفاع (٢)، كثلاثِ ركعاتِ وخمسٍ ركعات ، وسبعٍ في
غير صلاة الوتر عن أحمد روايتان .
ومذهبُ الشافعيِّ وأصحابِهِ : أنه يجوزُ أن يصلِّيَ بسلامٍ واحدٍ ، ما شاءَ منَ
الركعاتِ ، من واحدة إلى ما لا نهاية له بالليل والنهار ، وإن كان الأفضلُ أن
يسلمَ فيهما في كل ركعتين ، والوترِ وغيرِه .
ونصَّ الشافعيُّ في ((الإِملاء)) على أنه يجوزُ له أن يصلِّيَ عددًا لا يعلمه ، ثم
يسلّمُ ، كما روى عن أبي ذر أنه فعله .
ولأصحابه وجهُ : أنه لا يجوزُ الزيادةُ على ثلاثةَ عشرَ ركعةً بتسليمةٍ واحدةٍ ؛
لأنه أكثرُ المنقولِ في الوتر ، وهو ضعيفٌ عندَهُمْ .
فإِنْ صلَّى ركعةً واحدةً تشهَّد عقيبَها وسلَّم ، وإن صلَّى أكثرَ من ذلك فلَه أن
يقتصرَ على تشهد في آخرِ الركعاتِ - وإن كثرت - ، ويسلّمَ عقيبه بغير خلاف
عندهم، إلا في وجه ضعيف لا يعبأ به .
وإن أرادَ الزيادةَ على تشهدٍ واحدٍ ، ففيه أوجهٌ لهم :
أحدُها : أن له أن يتشهدَ في كلِّ ركعتينِ ، وإن كثرتِ التشهداتُ ، ويتشهدُ
في الأخيرة ، وله أن يتشهدَ في كل أربعٍ ، أو ثلاثٍ أو ستِ ، أو غير ذلك .
ولا يجوزُ أن يتشهدَ في كل ركعةٍ ؛ لأنه اختراعُ صورةٍ في الصلاة لا عهدَ
بها .
(١) كأنه ضرب عليها .
(٢) في هامش الأصل: ((لعله: بالأوتار)).
٠

٢٠٣
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
کتاب الوتر
والثاني : له أن يتشهدَ في كلِّ ركعتينٍ ، وفى كل ركعةٍ . وضعفه المحققونَ
منهم .
والثالث : لا يجلس إلا في الأخيرة ، وغلَّطوه - أيضًا .
والرابعُ : لا يجوز الزيادةُ على تشهدينِ بحالٍ في الصلاةِ الواحدةِ ، ولا
يجوز أن يكونَ بين التشهدينِ أكثرُ من ركعتينٍ ، إن كانَ العددُ شفعًا ، وإن كانَ
وترًا لم يجز بينهما أكثرُ من ركعة .
قال صاحب ((شرح المهذب)): وهو قويٌّ، وظواهر السنة تقتضيه .
وهذا كلُّه في النوافلِ المطلقةِ ، فأما في الوتر بخصوصه ، فهل يجوز أن
يُزادَ فیه علی تشهدینِ ؟ فیه وجهان :
أصحهما - عندهم - : لا يجوز؛ لأنه خلافُ المرويِّ عنِ النبيِّ وَّهِ، ولأنَّ
النوافلَ المطلقةَ لا حصرَ لركعاتِها وتشهداتِها ، بخلافِ الوترِ .
وذهبت طائفةٌ إلى أنها لا تجوزُ الزيادةُ على ركعتين بتسليمة واحدة ، ولا زياد
الوتر على ركعةٍ .
وهو الذي رجحه الأثرمُ ، وقال : لم يصحَّ في الوتر بثلاثٍ فما زادَ من غيرِ
تسليمٍ حديثٌ واحدٌ ، ولا أكثر منه .
وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى أن الوترَ بثلاثِ ركعاتٍ بتشهدينٍ من غير
تسليمٍ كالمغربِ لا يجوزُ زيادتُه ولا نقصُهُ .
ورُوي الوترُ بثلاثٍ عن جماعةٍ منَ الصحابةِ والتابعينَ .
وحكاه الحسنُ، عنْ عمرَ (١) وأبيِّ بنِ كعبٍ (٢).
وهو منقطعٌ عنهما .
(١) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٠) وابن أبي شيبة (٨٩/٢، ٩٠) والطحاوي (١/ ٢٩٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٦/٣) والبيهقي (٤٠/٣).

٢٠٤
حديث : ٩٩٠ - ٩٩١
کتاب الوتر
وروى الأعمشُ ، عن مالكِ بنِ الحارثِ (١)، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ ،
قال : قال عبدَ اللَّهِ بنُ مسعودٍ : الوترُ بثلاثٍ كوترِ النهارِ المغربِ (٣).
قال البيهقي : هو صحيحٌ عن ابن مسعودٍ ، ورفَعَه رجلٌ ضعيفُ عنِ
الأعمشِ . وكذا قال الدارقطنيُّ : إن رفعَه لا يصحُّ .
ورُويَ - أيضًا - عن أنسِ بنِ مالكٍ(٣).
وهو قولُ ابنِ المسيبِ، وأبي العالية ومكحولٍ والنخعيِّ وعمرَ بنِ عبدِ العزيز.
وقال الأوزاعيَّ: إنْ فَصَل فحسنٌ ، وإن لم يفصِلْ فحسنٌ .
وأجاز أحمدُ الفصلَ وتركَه ، والفصلُ عنده أحسنُ ، وقال : الأحاديثُ فيه
أقوى وأكثرُ وأثبتُ عنِ النبيِّ وَّرِ .
وكذلك مذهبُ الشافعيِّ ، كما سبق .
ولأصحابنا وجهٌ : أن الوترَ بثلاث موصولة يكون بتشهد واحد .
ورُويَ عن عطاء ، أنه كان يوتر بثلاث لا يجلس فيهنّ ، ولا يتشهد إلا في
آخرهن (٤).
وروى البخاري في ((تاريخه))(٥) بإسناده ، عن إسماعيلَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ ، أنَّ
زيدًا كان يوترُ بخمسٍ ، لا يسلّم إلا في الخامسةِ ، وكان أبيٌّ يفعلُهُ .
قال البيهقيُّ : كذا وجدتُه ((أبِيٌّ) مقيدًا .
يعني : بالتشديد، يريدُ: ابنَ أبيِّ ابنِ كعبٍ (٦).
(١) في الأصل: ((مالك بن الحويرث)) تصحيف .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩/٣) والبيهقي (٣/ ٣٠ - ٣١) والطحاوي (٢٩٤/١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٠) وابن أبي شيبة (٨٩/٢) والطحاوي (٢٩٤/١).
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٩/٣).
(٥) (١ / ١ / ٣٥٥) .
(٦) لعل الصواب : ((يريد أنه أبيُّ بن كعب)).
١
٠

٢٠٥
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
کتاب الوتر
وروى وكيعٌ (١)، عنِ الأعمشِ ، عن بعضِ أصحابِه ، قال: قال عبدُ اللَّه :
الوترُ سبعٌ أو خمسٌ ، ولا أقلّ من ثلاثٍ .
ورُوي عن عراكِ ، عن أبي هريرةَ ، قال : لا تُوتروا بثلاث ؛ تشبهوا
بالمغربِ ، ولكنْ أوتروا بخمسٍ ، أو سبعٍ ، أو تسعٍ ، أو إحدى عشرةَ أو أكثرَ
من ذلك(٢).
وروي ، عنه - مرفوعًا .
خرجه الحاكمُ (٣)، وصححه .
وفي رفعه نكارةٌ .
وقال أبو أيوبَ الأنصاريُّ : أوتِرْ بخمسٍ ، أو بثلاث ، أو بواحدة .
خرجه النسائيُّ وغيرُه(٤)- موقوفًا .
وخرجه أبو داود والنسائيُّ - أيضًا - وابن ماجه(٥) مرفوعًا .
والموقوفُ أصحُّ عندَ أبي حاتمٍ والنسائيِّ والأثرمِ وغيرِهم .
وقال ابنُ سيرينَ : كانوا يوترون بخمسٍ ، وبثلاثٍ ، وبركعة ، ويرَوْنَ كلَّ
ذلك حسنًا .
خرجه الترمذيُّ (٦).
ء (٦)
قال : وقال سفيان : إن شئتَ أوترت بخمسٍ ، وإن شئت أوترت بثلاث ،
وإن شئتَ أوترت بواحدة . قال : والذي أستحبّ أن يوترَ بثلاثٍ .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٨٩/٢) من حديث أبي معاوية ، عن الأعمش ، بمعناه .
(٢) أخرجه البيهقي (٣١/٣ - ٣٢) موقوفًا عليه .
(٣) الحاكم (٣٠٤/١) والبيهقي (٣١/٣) وابن المنذر في ((الأوسط)) (١٨٤/٥) مرفوعًا.
(٤) النسائي (٢٣٨/٣ - ٢٣٩) وعبد الرزاق (١٩/٣) والبيهقي (٢٤/٣) موقوفاً.
(٥) أبو داود (١٤٢٢) والنسائي (٢٣٨/٣) وابن ماجه (١١٩٠) مرفوعًا .
(٦) في ((جامعه)) (٢/ ٣٢٤/ تحت حديث: ٤٦٠).

٢٠٦
حديث : ٩٩٠ - ٩٩١
کتاب الوتر
وحكَى أصحابُ سفيانَ ، عنه ، أنه إنْ شاءَ أَوتر بخمسٍ ، أو سبعٍ ، أو
تسعٍ ، أو إحدى عشرةَ ، لا يسلِّم إلا في آخرِهنَّ، إذا فرغ .
ومن العلماء من قال : الوتر ثلاثَ عشرةَ ، وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ ،
ووجهٌ لأصحابنا .
ولو زاد على ذلك لم يجزْ ولم يصح وترهُ عند جمهورِ الشافعيةِ .
ولهم وجهٌ آخرُ : بصحته وجوازِهِ .
وهذا إذا كان الجميعُ بسلامٍ واحدٍ ، أو نوى بالجميع الوترَ .
وروى الشافعيّ بإسنادِه ، عن كريبٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : هي واحدةٌ ،
أو خمسٌ ، أو سبعٌ ، أو أكثرُ مِن ذلك ، الوتر ما شاءَ .
وقد كرِه قومٌ الوترَ بثلاثٍ ، وقالوا : لا يكون إلا سبعٌ أو خمسٌ .
فروى شعبةُ ، عن الحكمِ ، قال : قلت لمِقْسَمٍ : إني أسمع الأذانَ فأوتر
بثلاثٍ ، ثم أخرج إلى الصلاة ؛ خشيةَ أن تفوتَني ؟ قال : إن ذلك لا يصلُحُ إلا
بخمسٍ ، أو سبعٍ . فسألته عمَّن ؟ فقال : عن الثقة ، عن الثقة ، عن عائشةَ
وميمونةَ، عن النبيِّ وَلِهِ .
خرجه الإمام أحمدُ (١) .
وروى الشافعيّ بإسناده ، عنِ ابنِ مسعودٍ ، أنه كان يوترُ بخمسٍ أو سبعٍ .
[و] بإسناد منقطع عنه، أنه كان يكره أن يكون ثلاثًا تترى ، ولكن خمسًا أو
سبعًا .
وقولُ النبيِّ بَّهِ فِي حديث ابنِ عمرَ : ((صلاةُ الليلِ مثنَى مثنَى، فإذَا خشي
أحدُكمُ الصبحَ صلَّى ركعةً واحدةً ، توترُ له مَا قد صلَّى)) يدل على أن هذه الركعةَ
(١) ((المسند)) (١٩٣/٦ - ١٩٤، ٣٣٥).
وليس في ((المسند)) تكرار قوله: ((عن الثقة)).

٢٠٧
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
کتاب الوتر
الواحدةَ جَعَلَتْ مجموعَ ما صلَّى قبلها وترًا ، فيكون الوترُ هو مجموعَ صلاةِ الليلِ
الذي يُخْتم بوترٍ .
وهذا قولُ إسحاق بن راهويه. واستدلَّ بقولِ النبيِّ نَّهِ: ((أوتروا يا أَهْلَ
القرآنِ))(١)، وإنما أراد صلاةَ الليلِ .
وقالت طائفةٌ : الوتر هو الركعةُ الأخيرةُ ، وما قبله فليس منه .
وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا ، منهم : الخِرَقِيُّ وأبو بكرِ وابنُ أبي موسى .
وفي كلامِ أحمدَ ما يدلُّ عليه .
ومنِ أصحابِنَا مَنْ قال : الجميعُ وتَرٌ .
وقد اختلفت الروايةُ عن أحمدَ فيمن فاتهُ الوترُ ، وقلنا : يقضيهِ : هل
يقضي ركعةً واحدةً ؟ أو ثلاث ركعاتٍ ؟ على روايتين ، عنه .
ويحسنُ أن يكون مأخذُهما أن الوترَ : هلْ هو الركعةُ الواحدةُ ، وما قبله
تنفل مطلق ؟ أوِ الوترُ مجموعُ الثلاث ؟
وإلى هذا أشار أبو حفص البرمكيَّ من أصحابنا .
وقد نقل الأثرمُ وغيرُهُ ، عن أحمدَ ، أنه إذا قضى الوترَ بعد طلوعِ الفجرِ فإنَّه
يقضي ثلاث ركعاتٍ .
(١) روى من حديث عليّ بن أبي طالب وابن مسعود رضي اللَّه عنهما مرفوعًا .
١ - حديث علي: أخرجه أحمد (٨٦/١، ٩٨، ١٠٠، ١٠٧، ١١٠، ١١٥، ١٢٠،
١٤٣، ١٤٤، ١٤٥) والترمذي (٤٥٣، ٤٥٤) والنسائي (٢٢٨/٣، ٢٢٩) وابن ماجه
(١١٦٩) وابن خزيمة (١٠٦٧) جميعهم من طرق ، عن أبي إسحاق ، عن عاصم بن ضمرة،
علي مرفوعًا .
٢ - حديث ابن مسعود: أخرجه أبو داود (١٤١٧) وابن ماجه (١١٧٠) والبيهقي (٤٦٨/٢)
وابن عدي (٢٧٤١/٧) وأبو نعيم في «الحلية)) (٣١٣/١٧) جميعهم من حديث عمرو بن مرة،
عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود مرفوعًا .

٢٠٨
حديث : ٩٩٠ - ٩٩١
كتاب الوتر
وقال : لم يُردِ التطوعَ ، وإنما أراد الوترَ .
وهذا ظاهرٌ في أن المجموعَ وترٌ ، ويحتملُ أن يكونَ مرادُه أنَّ الركعتينَ قبلَ
الوترِ متأكدٌ تابعةٌ للوترِ(١)، فتقضى (٢) معه في أوقاتِ النهي - أيضًا.
وقد تقدم عن المالكية ، أن ما قبلَ الوترِ هو شفعٌ له .
وقاله بعضُ أصحابنا - أيضًا .
وقد ذكر أَبُو عمرٍو ابنُ الصلاحِ : أنَّ أصحابَ الشافعيِّ اختلفوا في ذلك على
أوجه :
أحدها: أن من أوتر بثلاثٍ ينوِي بالرَّكعتين مقدمةَ الوترِ ، وبالأخيرةِ الوترَ - :
قالَه أبو محمد الجوينيّ .
والثاني : أنه ينوي بالركعتينِ سنةَ الوترِ ، وبالثالثةِ الوترَ - : حكاه الروياني .
قال : وفي هذين الوجهينِ تخصيصٌ للوتر بالركعةِ الأخيرة ، والثاني يُشعرُ
بأنَّ للوتر سنةً ، ولا عهدَ لنا بسنةٍ لها سنةٌ هي صلاةٌ .
وفي الوجهينِ أن الركعتينِ قبلَ الوترِ لهما تعلقٌ بالوترِ .
والثالث : أن ينويَ بما قبلَ الركعةِ الأخيرةِ التهجدَ أو قيام الليلِ ، وفي هذا
قطع لذلك عن الوترِ .
قال : وما اتفقت عليه هذه الوجُوه من تخصيص الوترِ بالركعةِ المفردة على
وِفْقِ قولِ الشافعيِّ في رواية البويطي - : الوتر ركعة واحدة .
وقال الماورديُّ: لا يختلف قول الشافعيِّ: إن الوتر ركعةٌ واحدةٌ .
ويشهد للوجه الثالثِ حديثُ ابنِ عمرَ : «صلاةُ الليل مثنى مثنَى، فإذَا خَشِيتَ
الصبحَ، فأوتر بواحدة)) .
(١) في الأصل: ((لكوتر)) كذا.
(٢) في الأصل : ((فتنقضي)).

٢٠٩
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
کتاب الوتر
ءِ
والرابع : أنه ينوي بالجميعِ الوترَ - : قاله القاضي أبو الطيبِ الطبريّ ،
واختاره الرويانيُّ .
ويشهدُ له : قولُ الشيخِ أبي إسحاق وغيرِهِ : أقلَّ الوترِ ركعةٌ ، وأكثرُه إحدى
عشرةَ ركعةً .
وفي بعض كلامِ الشافعيِّ إيماءٌ إليه .
قال : وهو المختارُ؛ لأن فيه جمعًا بين الأحاديث كلِّها ؛ إذ الواحدةُ الأصلُ
في الإيتارِ ، وبها يصير ما قبلها وتراً .
واستدلَّ برواية مَن روى: ((توترُ له ما قَدْ صلَّى)) ، كما خرجه البخاريّ،
وبأن نافعًا ذكر عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يسلِّم بين الركعةِ والركعتينِ في الوترِ ؛ فإنه
يدلُّ على أن الجميعَ من الوترِ .
وروايةُ من روى : ((فأوترْ بواحدة)) فيها محذوفٌ، تقديرهُ : فأوتِرْ ما مضَى
من صلاتِكَ بواحدةٍ ، كما صرَّح به في الرواية الأخرى .
قال : ويَلِي هذا الوجهَ في القوةِ الوجهانِ الأوَّلانِ، وأبعدُها الثالثُ. والله
سبحانه وتعالى أعلم .
وفي ((شرح المهذبِ)) : الصحيحُ المنصوصُ - يعني : عن الشافعيِّ في
((الأم))(١) و((المختصرِ)) -: أن الوترَ يسمَّى تهجدًا .
وفيه وجهٌ : أنه لا يسمَّى تهجدًا بل الوترُ غيرُ التهجد .
وهذا هو الذي ذكره بعضُ أصحابنا .
وينبغي أن يكون مبنيًّا على القول بأن الوتر هو الركعةُ المنفردةُ وحدها ،
فأما إنْ قلنا : الوترُ الركعةُ بما قبلَها ، فالوترُ هو التهجدُ ، وإن لم ينوِ به
الوترَ .
(١) ((الأم)) (١٢٥/١).

٢١٠
حديث : ٩٩٠ - ٩٩١
کتاب الوتر
وقد كان ابنُ عمرَ يفصلُ بين الركعةِ التي يوترُ بها وما قبلَها بكلامٍ ، كما في
رواية البخاريِّ .
واستحبَّ أحمدُ أن يكونَ عقيبَها ، ولا يؤخرَها عما قبلَها . وقال : كان ابنُ
عمرَ يستحبُّ أن يتكلمَ بينهما بالشيء ، ثم يقومُ فيوترُ بركعة . وقال : هذا عندنا
ثبتٌ ، ونحن نأخذُ به .
وينبغي أن يكونَ الاختلافُ في تسمية ما قبل الركعة الأخيرة وتراً مختصًا بما
إذا كانتِ الركعاتُ مفصولةً بالتسليمِ بينَها ، فأما إِنْ أوترَ بتسعٍ ، أو بسبعٍ ، أو
بخمسٍ ، أو ثلاثٍ بسلامٍ واحدٍ ، فلا ينبغي الترددُ في أنَّ الجميعَ وترٌ .
ويدل عليه: ما خرجه مسلمٌ (١)، عن عائشةَ، أن النبيَّ وَّ كانَ يصلِّي من
الليلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً ، يوتر في ذلك بخمسٍ ، لا يجلس إلا في آخرهن .
فجعلت الوترَ الخمسَ الموصولةَ بسلامٍ واحدٍ ، دون ما قبلها .
وقوله وَّ ـ في حديث ابنِ عمرَ - : ((فإذَا خشيَ أحدُكم الصبحَ صلَّى ركعةٌ
واحدةً، توتر له ما صلَّى)» - وفي رواية تأتي فيما بعدُ (٢): ((فاركِعْ ركعةً واحدةً» -
يدل على أن الأفضلَ تأخيرُ الوترِ إلى آخر الليلِ . ويأتي الكلامُ فيه فيما بعدُ - إن
شاء اللَّهُ سبحانه وتعالى .
ويدلُّ على أن الوترَ مأمورٌ به .
وهل الأمرُ به للوجوبِ ، أمْ لتأكدِ الاستحبابِ ؟ فيه قولان مشهوران .
وأكثرُ العلماءِ على أنه للاستحبابِ ، وهو قولُ مالك والشافعيِّ وأحمدَ
وإسحاقَ وغيرِهم .
ورُوي عن عليٌّ بنِ أبي طالبٍ وعبادةَ بنِ الصامتِ .
(١) ((الصحيح)) (١٦٦/٢).
(٢) (٩٩٣) .
١

٢١١
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
کتاب الوتر
وروي عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، أنه واجبٌ (١).
وعن معاذٍ ، من وجه منقطع .
وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه ، وأبي بكرِ ابن جعفرَ من أصحابنا ، ذكرَه في
((كتاب التنبيه)).
٢٠
وكذا قالَ في صلاةِ التراويحِ ، مع أنه صرَّح في ((كتابِ الشافي)) بأن الوتر
ليس بواجبٍ ، وليس هو بفرضٍ كالصلواتِ الخمسِ بغير خلافٍ .
وقد سبقَ الكلامُ في ذلك في ((كتابِ الإيمانِ)) عند ذكرِ حديثٍ طلحةَ ، أن
أعرابيًا سألَ النبيِّ وَِّ عنِ الإِسلامِ ، فذكر له الصلواتِ الخمسَ فقال : هل عليَّ
غيرُها ؟ قال: ((لا، إلا أن تتطوع))(٢).
وذكرنا قولَ مَن قال : إن الوترَ واجبٌ على أهلِ القرآنِ دونَ غيرِهم ، وأنه
يرجعُ إلى القولِ بوجوبِ قيامِ شيءٍ من الليلِ على أهلِ القرآنِ خاصةً .
وعنِ الحسنِ وابنِ سيرينَ : لا بدَّ من قيامِ الليلِ ، ولو قَدْرَ حلبِ شاةٍ (٣).
وعن عَبيدةَ السَّلمانيِّ .
وفيه حديث مرفوعٌ ، ولا يصح (4).
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٩/٣) وابن المنذر في ((الأوسط)) (٥/ ١٨٢).
وابن أبي شيبة (٢/ ٩٢) .
(٢) أخرجه مالك في ((الموطإ)) (ص: ١٢٦) وأحمد (١٦٢/١).
والبخاري (٤٦) ومسلم (١/ ٣١) وغيرهم من حديث طلحة بن عبيد الله.
(٣) ابن أبي شيبة (٧٢/٢).
(٤) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٧١/١) من حديث محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن
الحارث ، عن إياس بن معاوية المزني مرفوعًا: ((لا بُدَّ من صلاة بليلٍ ولو ناقة ولو حلب
شاة ... )).
قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٥٢/٢): ((فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس)).
وقال الحافظ في ((الإصابة)) (٢٦١/١): ((وقد وهم من جعل إياس بن معاوية صحابيًا وإنما
هو تابعي صغير مشهور)) .

٢١٢
حديث : ٩٩٠ - ٩٩١
کتاب الوتر
ومن المتأخرينَ من قالَ : من صلَّى بالليلِ تهجُّدًا وجبَ عليه أن يوترهَ ،
ويجعلَ آخرِه وترًاً ؛ لحديث ابنِ عمرَ ، ومن لم يتهجدْ فلا وترَ عليه .
وقال أحمدُ: من تركَ الوترَ فهوُ رجلُ سوءٍ ؛ هو سنةٌ سنَّها رسولُ اللَّهِ وَله.
وقال - في رواية جعفرِ بنِ محمدٍ : هو رجلُ سوءٍ ، لا شهادةَ له .
فاختلفَ أصحابُنا في وجه ذلكَ :
فمنهم من حملَه على أنه أراد أنه واجبٌ ، كما قاله أبو بكر ابنُ جعفرَ ،
وهو بعيدٌ ؛ فإن أحمدَ صرحَ بأنه سنةٌ .
٠٠
ومنهم مَن قال : أرادَ إنْ دَاوَمَ على تركه أو أكثرَ منه ؛ فإنه تردُّ شهادتُه
بذلكَ ؛ لما فيه من التهاونِ بالسنن المؤكدَةِ . وكذا حكمُ سائرِ السننِ الرواتبِ ،
وهذا قولُ المحققينَ مِنْ أصحابِنا .
ومنهم من قال : هو يدلُّ على أن ترْكَ المستحباتِ المؤكدةِ يُلحقُ بها إثمِ دونَ
إِثمٍ تركِ الفرائضِ .
وقال القاضي أبو يعلى : مَن داومَ على ترك السننِ الرواتبِ أثِمَ .
وهو قولُ إسحاق بن راهويه ، قال في ((كتاب الجامع)): لا يُعذّبُ أحدٌ على
ترك شيءٍ مِن تركِ النوافلِ، وقد سنَّ رسولُ اللَّهِ وَّهِ سننًا غيرَ الفرائضِ التي
فرضها اللهُ، فلا يجوز لمسلمٍ أن يتهاونَ بالسننِ التي سنَّها رسولُ اللّهِ بَلَّهِ، مثلُ
الفطرِ والأضحَى والوترِ والأضحيةِ ، وما أشبه ذلك ؛ فإنْ تركها تهاونا بها فهو
معذَّبٌ، إلا أن يرحمَه اللَّهُ، وإني لأخشى في ركعتي الفجرِ والمغربِ ؛ لما
وصفَها اللَّهُ في كتابه وحرضَ عليها ، قالَ: ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]،
وقال: ﴿فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]. وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ : لو تركت
الركعتينِ بعدَ المغربِ لخشيتُ أن لا يغفرَ لي(١). انتهى .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٦/٢).

٢١٣
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
كتاب الوتر
الحديثُ الثاني :
٩٩٢ - حديثُ: ابنِ عبَّاسٍ، أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَهِي خَالَتُّه.
فذكرَ الحديثَ في وضوءِ النبيِّ بِّهِ وصلاتِه بالليلِ ركعتينِ ركعتينِ ستَّ
.
مرات
ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤْذِّنُ ، فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى
الصُّبْحَ.
وقد خرَّجه في ((الوضوء))(١) في ((باب: القراءة بعد الحدث))، عن
إسماعيلَ ، عن مالك .
وخرَّجه هاهنا ، عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مسلمةَ ، عن مالك .
وقد خرجه أبو داودَ (٢)، عن القعنبيِّ ، وقال القعنبيّ: ستَ مراتٍ - يعني:
لفظةَ: ((الركعتين)).
قال ابنُ عبدِ البرِّ : لم يختلفْ على مالكِ في إسنادِه ، ولا في لفظه .
وقد خرجه البخاريُّ (٣) في أواخرِ ((كتابِ العلمِ))، في ((بابِ: السَّمَرِ في
الْعِلْمِ)) ، من حديث شعبةَ ، عنِ الحكمِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابن عباسٍ ،
وفيه: أنَّ النبيَّ وَّ صلَّى قبل أن ينامَ أربعَ ركعاتٍ، ثم نام، ثم لما قام منَّ
الليلِ صلَّى خمسَ ركعاتٍ ، ثمَّ صلى ركعتين ، ثم نام ، ثم خرج إلى الصلاة .
وهذا قد يشعرُ بأنه أوتر بخمسٍ لم يسلِّمْ إلا في آخرِهنَّ .
وخرَّجه في ((أبوابِ الصفوفِ)) (٤) - أيضًا - بنحوه .
(١) (١٨٣) .
(٢) ((السنن)) (١٣٦٧).
(٣) (١١٧) .
(٤) (٦٩٧) .

٢١٤
حديث : ٩٩٢
کتاب الوتر
وخرَّجه (١) فيها - أيضًا - من روايةٍ كُرِيبٍ، فقال فيه، فصلَّى ثلاثَ عشرةَ
ركعةً ، ثمَّ نام حتى نَفَخَ .
وخرَّج أبو داودَ من حديثِ يحيى بنِ عبادٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ
عباسٍ - في هذا الحديثِ -، أنَّ النبيَّ ◌َّ أوترَ بخمسٍ لم يجلسْ بينهنَّ (٢).
وخرَّجِه أبو داودَ (٣) منْ حديثِ محمدِ بنِ قيسِ الأسديِّ ، عنِ الحكمِ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، وفيه : ثم صلى سبعًا أو خمسًا ، أوتر بهنّ ،
لم يجلسْ إلا في آخرِهنَّ.
وردَّه الأثرمُ بمخالفتِه الرواياتِ الكثيرةَ الصحيحَةَ عنِ ابنِ عباسٍ ، أنَّ النَّبِيَّ
وَإِّ أَوتَرَ تِلْكَ الليلةَ بركعةٍ بعدَ أنْ صلَّى قبلَها ركعتينِ ، ثم ركعتينِ سًا أو خمسًا.
وفي روايةٍ مالك(٤): أن اضطجاعِ النبيِّ ◌َّ كان قبلَ ركعتي الفجرِ .
وأكثرُ الرواياتِ تدل على خلافِ ذلكَ ، كروايةِ سلمةَ بنِ كُهيل ، عن کریب،
ورواية عبد ربه بن سعيد ، عن مخرمة ، عن كريبٍ .
وكلاهما مخرَّجةٌ في ((الصحيحين))(٥) .
وكذلك روايةُ بكيرِ بنِ الأشج ، عنْ کريبٍ .
وهيَ مخرجةٌ في ((صحيحِ مسلمٍ)) (٦).
لكن رواه الضحاكُ بنُ عثمانَ ، عن مخرمة ، عن كريبٍ ، عن ابنِ عباسٍ ،
(١) (٦٩٨) .
(٢) ((السنن)» (١٣٥٨).
(٣) ((السنن)) (١٣٥٦).
(٤) ((الموطأ)) (ص : ٩٥)
(٥) البخاري (٦٣١٦) ومسلم (١/ ١٧٠) (٢/ ١٨٠ - ١٨١) من حديث سلمة، عن كريب به
والبخاري (٦٩٨) ومسلم (١٧٩/٢ - ١٨٠) من حديث عبد ربه بن سعيد ، عن مخرمة به.
(٦) (٢/ ١٨١).

٢١٥
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
کتاب الوتر
وقال في حديثه : إنه صلَّى إحدى عشرة ركعة ، ثم احْتَبَى حتى إنِّي لأسمع نَفَسَهُ
راقدًا، فلما تبيَّن له الفجرُ صلَّى ركعتينِ خفيفتينِ .
خرجه مسلمٌ (١).
وهذا يوافقُ [روايةَ ] مالكٍ، إلا أنه يخالفُها في ذكرِ الاحتباءِ دون الاضطجاعِ.
ورواه سعيدُ بنُ أبي هلالٍ ، عن مخرمة - بنحو رواية مالك - أيضًا .
خرجه أبو داود والنسائيّ (٢).
وقد روي في هذا الحديثِ ، عنِ ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ وَِّ صلَّى تلك الليلةَ
ثمان ركعاتٍ ، ثم أوتر بثلاثٍ - من وجوهٍ غيرِ قويّةٍ .
خرجه أبو داود من بعضها .
وخرَّج مسلمٌ (٣) من روايةِ محمدِ بنِ عليٍّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، عن أبيه
عن جدِّه، وذكر أن النبيَّ نَّهِ صلَّى تلك الليلةَ ستَّ ركعاتٍ، ثم أوتر بثلاثٍ،
ثم أذَّنَ المؤذِّنُ ، فخرجَ إلى الصلاةِ .
وخرجه أبو داودَ (٤) ، وزاد فيه : أنَّه صلَّى ركعتي الفجرِ حين طلعَ الفجرُ .
فعلى هذه الرواية : تكونُ كلُّ صلاتِهِ إِحدى عشرةَ ركعةٌ .
وأكثرُ الروايات تدلُّ على أنَّهِ وَ لِّ صلَّى ثلاثَ عشْرةَ ركعةً.
لكن روايةُ مالك وسعيد بن أبي هلال ، فيهما : أن الثلاثَ عشرةَ بدون
ركعتي الفجرِ .
(١) ((الصحيح)) (٢ / ١٨٠).
(٢) أبو داود (١٣٦٤) والنسائي (٢/ ٣٠).
(٣) ((الصحيح)) (٢/ ١٨٢).
(٤) ((السنن)) (١٣٥٣).

٢١٦
حديث : ٩٩٢
کتاب الوتر
وكذلك رواه الأعمشُ ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ ، عن کُرَیبٍ ، عن ابنِ
عباسٍ .
خرَّج حديثَه النسائيُّ (١) .
وذكر الإمامُ أحمدُ ، أنَّ الأعمشَ وَهِمَ في إسنادِهِ .
وأكثرُ الرواياتِ تدلُّ على أن ركعتيِ الفجرِ من الثلاثِ عشرةَ ، وروايةٌ
الضحاكِ عن مخرمة مصرحةٌ بذلك .
وقد خرَّجها مسلمٌ (٢).
وخرج البخاريّ (٣) - أيضًا - ذلك من رواية شريكِ بنِ أبي نَمِرٍ ، عن
کریبٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ .
وكذلك خَرَّج أبو داودَ (٤) ، من رواية ابن طاوس ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ ،
عنِ ابنِ عباسٍ - فذكر الحديثَ، وفيه: أنَّ النبيَّ وَِّ صلَّى ثلاثَ عشرةَ ركعةٌ ،
م
منها ركعتا الفجرِ، حَزَرْتُ قيامَه في كلِّ ركعةٍ بقدرٍ ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَزَّمِّلَ﴾ [المزمل: ١].
وفي روايةِ سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ التي خرَّجها البخاريُّ (٥) ، أنه
وَلّهِ صلَّى قبل نومِه أربعًا، ثم بعدَ قيامِه من نومِه خمسًا ، ثم صلى ركعتين.
فهذه إحدى عشرةَ ركعةٌ .
والظاهرُ : أنَّ الركعتين بعد الخمسِ هما ركعتا الفجرِ .
وخرجه أبو داودَ (٦) ، وعنده : أنّ نومَه كان قبل الركعتين، ثم صلَّى
(١) في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٢٠٢/٥).
(٢) (الصحيح)) (٢ / ١٨٠).
(٣) (( الصحيح)) (٤٥٦٩).
(٤) ((السنن)) (١٣٦٥).
(٥) ((الصحيح)) (١١٧) .
(٦) ((السنن)) (١٣٥٧).

٢١٧
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
کتاب الوتر
الركعتينِ ، ثم خرج فصلى الغداةَ .
وهو يدل على ما قلناه .
وخرجه النسائيُّ (١) ، وعنده : أنه صلى خمسًا ، ثم ركعتينٍ ، ثم نام ، ثم
صلى ركعتين ، ثم خرجَ إلى الصلاةِ .
فعلى هذه الرواية : صلاتُهُ ثلاثَ عشرةَ ركعةً .
وكلُّ هذه الرواياتِ : منْ روايةِ شُعبةَ ، عنِ الحكمِ .
الحديثُ الثالثُ :
٩٩٣ - فَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ: ثَنَا(٢) ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، أَنَّ
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَّهُ، عَنْ أَبِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ النَِّيُّ
وَهِ: ((صَلَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوِرُ لَكَ مَا
صَلَّيْتَ)).
قَالَ الْقَاسِمُ: وَرَأَيْنَا: أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلاَثٍ، وَإِنَّ كُلاَّ لوَاسِعٌ، أَرْجُو
أَنْ لاَ يَكُونَ بِشَيءٍ مِنْهُ بَأْسٌ .
هذه الروايةُ بمعنَى روايةِ نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ المتقدمةِ .
وما ذكرَه القاسمُ بنُ محمد يدلُّ على أنَّه يجوزُ الوترُ بركعة واحدة ، وبثلاثٍ
ركعات ، وأنه أدركَ أناسًا يوتِرُون بثلاثٍ .
وقد سبق الكلامُ في قدرِ الوِتِر بما فيه كفايةٌ .
٩٩٤ - ثَ أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ
الحديثُ الرابعُ :
(١) في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٤/ ٤١٠ - ٤١١).
(٢) في ((اليونينية)): ((حدثني)).

٢١٨
حديث : ٩٩٤
کتاب الوتر
أَخْبَرَتُهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَهِ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تَلْكَ صَلاَتُهُ -
تَعْنِي: بِاللَّيْلِ - ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأْ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً، قَبْلَ
أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهَ ، ويَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجَرِ ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ،
حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ الصَّلاَةِ .
كذا رَوَى شعيبٌ ، عنِ الزُّهريِّ هذا الحديثَ .
ورواه عمرُو بنُ الحارثِ ويونسُ ، عنِ الزهريِّ - بمعناه - ، وفي حديثهما :
أنه كانَ فيما بينَ أن يفرغَ منْ صلاة العشاءِ إلى الفجرِ إحدَى عشرةَ ركعةٌ ، يُسلِّم
من كلِّ ركعتينٍ ، ويوترُ بواحدة ، فإذَا سكت المؤذِّنُ من صلاةِ الفجرِ قامَ فركعَ
ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجَعَ شِقِّهِ الأيمنِ ، حتى يأتيهُ المؤذنُ للإقامة .
خرجه مسلمٌ من طريقِهما (١) .
وخرجه أبو داودَ (٢) من طريقِ الأوراعيِّ وابن أبي ذئبٍ ، عن الزهريِّ -
بنحوه أيضًا .
وخرج ابن ماجه (٣) من طريقِ الأوزاعيِّ وَحْدَه .
وخرجه النسائيُ (٤) من طريقٍ عقيلٍ ، عنِ الزهريِّ - بمعناه .
ورواه مالكٌ(٥)، عن الزهريِّ، ولفظُه: أنَّ النبيَّ وَّ كانَ يصلِّي مِنَ الليلِ
إحدى عشرة ركعةً ، يوترُ منها بواحدةٍ ، فإذا فرغَ منها اضطجعَ على شِقُّه الأيمنِ
حتى يأتيَه المؤذنُ فيصلِّي ركعتينِ خفيفتينِ .
(١) ((الصحيح)) (٢ / ١٦٥ - ١٦٦).
(٢) ((السنن)) (١٣٣٦).
(٣) ((السنن)) (١٣٥٨).
(٤) ((السنن)) (٢٤٩/٣).
(٥) ((الموطأ)) (ص : ٩٤).

٢١٩
١ - بَابُ ما جاء في الوتر
کتاب الوتر
خرجه مسلمٌ (١) .
وخرجه البخاريُّ فيما بعد، في (( ما يُقرأ في ركعتي الفجرِ))(٢) -
مختصراً - ، ولفظه : كان يصلَّى بالليلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً، ثم يصلِّي إذَا سمِعَ
النداءَ بالصبحِ ركعتين خفيفتينِ .
كذا خرجه عنْ عبدِ اللهِ بنِ يوسُفَ ، عن مالك .
ولفظُ: ((ثلاثَ عشْرَةَ)) غريبٌ، وإنما هو في ((الموطإ)) كما خرجه مسلم:
((إحدى عشرة)) .
وكذا خرجه الترمذيُّ (٤) وغيرُهُ من طريقِ مالكٍ .
وأسقطَ البخاريُّ منه: ذكرَ: ((الاضطجاع))؛ لأن مالكًا خالفَ أصحابَ
ابنِ شهابٍ فيه ، فإنه جعلَ الاضطجاعَ بعدَ الوتر ، وأصحابُ ابنِ شهابٍ كلَّهم
جعلوه بعدَ ركعتي الفجرِ .
وهذا مما عدَّ الحفاظُ من أوهامٍ مالكٍ، منهم: مسلمٌ في (( كتاب التمييز)).
وحكى أبو بكرِ الخطيبُ مثلَ ذلك عن العلماءِ .
وحكاه ابنُ عبدِ البر(٥) عن أهلِ الحديثِ، ثمُّ قال : يمكنُ أن يكونَ ذلك
صحيحًا، وأن يكونَ النبيّ ◌َِّ كان مرةً يضطجعُ قبلَ ركعتيِ الفجرِ ، ومرةً بعدَها.
وعضده برواية مالك ، عن مخرمة ، عن كريبٍ ، عنِ ابنِ عباسٍ ، كما
سبق .
(١) (٢ / ١٦٥) .
(٢) (١١٦٤) .
(٣) (ص ٩٥).
(٤) في ((الشمائل)) (٢٦٨).
(٥) في الأصل: ((ابن عبد الرحمن)) !
وانظر: ((التمهيد)) (١٢١/٨ - ١٢٢).

٢٢٠
حديث : ٩٩٤
كتاب الوتر
وقد عضد ذلك أحاديثُ أخرٌ :
منها : روايةُ أبي سلمةَ، عن عائشةً: ما أَلْفى رسولَ اللهِ، السحَرُ الأَعْلَى
في بيتي إلا نائمًا .
خرجاه في «الصحيحينِ))(١) ، ولفظه لمسلمٍ .
وخرجه مسلمٌ ، وزاد فيه: (( يعنى: بعدَ الوتر )).
وفي روايةِ أبي سلمةَ، عنْ عائشةَ، أنه نََّ كانَ ينامُ قبلَ الوترِ - أيضًا - ،
وأنَّ عائشةَ سألته عن ذلكَ ، فقال: ((إن عينيّ تنامان، ولا ينامُ قلبي))(٢).
وهذا يدلُّ على أن وقت نومه كان يختلف.
كذا في روايةِ مالك ، عن المقبريِّ ، عن أبي سلمةَ .
وقد خرجها البخاريُّ - فيما بعد .
ورواه عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاق ، عنِ المقبريِّ ، فذكر في حديثه : أنه كان
ينامُ بعدَ العشاءِ ، ثم يقوم فيصلِّي أربعًا، ثم ينامُ ، ثم يقوم فيصلِّى أربعًا ، ثم
ينام، ثم يقومُ فيصلي ثلاثًا، يوتر بواحدة، ثم يضطجعُ ما شاءَ اللهُ، حتى إذا
سمعَ النداءَ قام فصلَّى ركعتينٍ ، حتى يأتيَه المؤذنُ ، فيخرجُ إلى الصلاة .
خرَّجه بَقِيُّ بنُ مخلدٍ في (( مسندِهِ)) .
وفي ((الصحيحين))(٣) - أيضًا - عن الأسودِ، عنْ عائشةَ، أن النبيَّ وَّلـ
كانَ ينامُ أولَ الليلِ ، ويقومُ آخرَه ، فيصلِّي ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذَّن
المؤذنُ وَتَبَ ، فإنْ كانَ بهِ حاجةٌ اغتسلَ ، وإلا توضأ وخَرَجَ .
وهذا لفظُ البخاريِّ .
(١) البخاري (١١٣٣) ومسلم (١٦٧/٢ - ١٦٨).
(٢) مسلم (١٦٦/٢).
(٣) البخاري (١١٤٦) ومسلم (١٦٧٢).