النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ ٢٣ - بَابُ كلام الإمام والناس في خطبة العيد کتاب العیدین منبرِ البصرةِ ، فقال : أخرجوا صدقةً صومكم . فكأن الناسَ لم يعلموا ، فقال : مَنّ هاهنا مِن أهلِ المدينةِ ؟ قومُوا إلى إخوانِكم فعلِّمُوهم - وذكر بقيةَ الحديثِ . خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ(١). والحسنُ ، لم يسمعْ منِ ابنِ عباسٍ ، ولم يكن بالبصرةِ يومَ خطبَ ابنُ عباسٍ . وخرج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (٢)، من روايةِ الزهرِيِّ، قال : قال عبدُ اللَّه ابنُ ثعلبةَ بَنِ صُغَيْر: خطبَ رسولُ اللَّهِ وَ*وَ الناسَ قبلَ الفطرِ بيومينِ ، فقال : ((ادُّوا صاعًا من بُرِّ) - الحديثَ . وفي إسناده : اختلافٌ كثيرٌ على الزهريِّ . واختلف في عبدِ اللهِ بنِ ثعلبةَ : هل له صحبةٌ ، أم لا ؟ وقد روى عبدُ اللَّه ابنُ الإمامِ أحمدَ في ((مسائِلِه)) بإسناده ، عنِ الزهريِّ ، عنِ ابنِ المسيَّبِ: كانَ النبيُّ بَّهِ يخطبُ قبلَ الفطرِ بيومينٍ ، ويأمرُهم بأداءِ زكاةٍ الفطرِ ، فَيُخْرِجونَها قبل الصلاةِ . وروى الواقديُّ بأسانيدَ له متعددة ، عن عائشةَ وابنِ عمرَ وأبي سعيدٍ حديثًا طويلاً، فيه: أن النبيَّ وَِّ كان يخطبُ قبلَ الفطرِ بيومينِ، فيأمرُ بإخراجٍ صدقةِ الفطرِ قبلَ أن يغدُو إلى المصلَّى . ذكره ، عنه محمدُ بنُ سعد . وذكر ابنُ سعد، عنه - أيضًا (٣) - : ثنا عَمْرو بنُ عثمانَ بنِ هانئ ، قالَ : سمعتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ بخُناصرة ، وهو خليفةٌ ، خطبَ الناسَ قبلَ يومِ الفطرِ (١) أحمد (٣٥١/١) وأبو داود (١٦٢٢) والنسائي (٣/ ١٩٠) (٥٢/٥ - ٥٣). (٢) أحمد (٤٣٢/٥) وأبو داود (١٦١٩) (١٦٢٠). (٣) (٢٦٧/٥ - ٢٦٨) . ١٦٢ حديث : ٩٨٤ کتاب العیدین بيومٍ ، وذلك يومَ الجمعةِ ، فذكرَ الزكاةَ فحضَّ عليها ، وقال : على كلِّ إنسانٍ صاعٌ تمرًا ومدَّان (١) من حنطة . وقال : إنه لا صلاةَ لمن لا زكاةَ له ، ثم قسَّمَها يومَ الفطرِ . ويدل على أن الإمامَ إنما يعلِّمُ الناسَ حكمَ صدقةِ الفطرِ قبلَ يومٍ الفطرِ : حديثُ ابن عمرَ، أنَّ النبيَّ وَِّ أمرَ بزكاة الفطرِ أن تُؤَدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ . وقد خرجه البخاريُّ في موضعٍ آخر(٢). وفيه : دليلٌ واضحٌ على أنه كانَ يأمرُ بذلك قبلَ يومِ الفطرِ ، وإلا فكيفَ كان يأمرُ بعدَ الصلاة بأن تُؤَدَّى قبلَ الصلاة ؟ وبقيةُ ما دلَّ (٣) عليه هذه الأحاديثُ، منَ الذبحِ قبلَ الصلاةِ ، ومنَ الأمرِ لمَن ذبحَ قبلها بالإعادةِ ، ومِن أحكامِ الجذعِ من الضأنِ والمعْزِ موضعُهُ غيرُ هذا ، ويأتي فيه - إن شاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى . (١) في الأصل: ((ومدين))، وعلى الصواب في ((الطبقات)). (٢) (١٥٠٩). (٣) كذا . ١٦٣ ٢٤ - بَابُ من خالف الطريق إذا کتاب العیدین ٢٤ - بَابُ مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ الْعِيدِ ٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: فَنَا أَبُو تُمَيَلَةَ يَخْتَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبّدِ اللَّهِ، قَالَ : كَانَ النَِّّ: ﴿ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَلَفَ الطَّرِيقَ . تَبَعَهُ: يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ فُلَيْحٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيّرَةً. وَحَدِيثُ جَابِ أَصَحُ. كذا في بعضِ النسخِ: ((تابعَه: يونُسُ ، عنْ فُليحٍ ، عن سعيدٍ ، عن أبي هريرةَ» ، وهي روايةُ ابنُ السكنِ . ويقال : إن ذلك من إصلاحه . وفي أكثرِ النسخِ : ((تابعه : يونسُ بنُ محمدٍ ، عن فليحٍ ، وحديثُ جابرٍ أصحّ» . وذكر أبو مسعودِ الدمشقيُّ : أن البخاريَّ قال : ((تابعه يونسُ بنُ محمدٍ ، عن فليحٍ . قال: وقال: محمدُ بنُ الصلت: عن فليحٍ ، عن سعيدٍ ، عن أبي هريرةَ، وحديثُ جَابٍ أُصحُ) . ثم ذكرَ أن ذلك وهمٌ منه - يعني : متابعةَ يُونُسَ لأبي تُمَيْلةَ - ، وإنما رواه يونُسَ ومحمدُ بن الصَّلْتِ ، كلاهما عن فليحِ ، عن سعيد ، عن أبي هريرةَ . وكذا رواه الهيثمُ بنُ جميلٍ ، عن فُلَيْحٍ ، وأن البخاريَّ أراد أنَّ يُونُس قال فيه : ((عن جابرٍ)). وفيه : إشارةٌ إلى أن غيرَهما خالفَ في ذكر جابرٍ ، وأن ذكرَه أصحّ ، وما ١٦٤ حديث : ٩٨٦ کتاب العیدین ذكره أبو مسعودٍ تصريحٌ بذلك . وقولُهُ : ((وحديثُ جابرٍ) يدلُّ عليه ، والله أعلمُ . وحاصلُ الأمرِ : أنه اختُلِف في إسنادِه على فليحٍ : فرواه، عنه الأكثرونَ، منهم : محمدُ بن الصَّلَتِ والهيثمُ بنُ جميلٍ وسُريج ، فقالوا : عن سعيدِ بنِ الحارثِ ، عن أبي هريرة . وخالفهم أبو تميلة يحيى بن واضح ، فرواه عن سعيد بن الحارثِ ، عن جابر . وعند البخاريِّ ، أن هذا أصحٌّ . وأما يونسُ بنُ محمدٍ ، فرواه عن فليحٍ ، واختُلفَ عنه : 5 فذكر البخاريُّ والترمذيُّ في ((جامعه))(١): أنه رواه عن فليحٍ، عن سعيدٍ ، عن جابرٍ ، متابعةً لأبي تُمَّيْلَةَ . وكذا رواه ابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ في ((صحيحَيْهما))(٢). وكذلك خرَّجه البيهقيُّ(٣) من روايةِ محمدِ بنِ عبيد اللَّه المنادي، عن يونُسَ. وقد قال مهنَّاً : قلتُ لأحمدَ : هل سمعَ سعيدُ بنُ الحارثِ من أبي هريرة ؟ فلم يَقُل شيئًا . وقد ذكر البيهقيُّ : أن أبا تُمَيْلَةَ روي عنه ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة - أيضًا . ثم خرجه من طريق أحمد بن عمرو الحرشي ، عن أبي تميلة كذلك . فتبين بهذا : أن أبا تُميْلَةَ ويونسَ اختلفُ عليهما في ذكر : ((أبي هريرة (١) (٢/ ٤٢٥) . (٢) ابن خزيمة (١٤٦٨) وابن حبان (٢٨١٥). (٣) (٣٠٨/٣) وفي الأصل: ((محمد بن عبيد المنادي)) خطأ. ١ ١٦٥ ٢٤ - بَابُ من خالف الطريق إذا کتاب العیدین وجابرٍ))، وأن أكثرَ الرواةِ قال فيه: ((عن أبي هريرةَ»، ومنهم من اختُلفِ عليه في ذكرِ («أبي هريرةَ وجابرٍ) . وقد ذكر الإمام أحمد ، أنه حديثُ أبي هريرةَ ، وهذا يدلُّ على أنَّ المحفوظَ قولُ مَن قال: ((عن أبي هريرةَ»، كما قالَه أبو مسعودٍ، خلافَ ما قالَه البخاريُّ (١). وفي الباب : أحاديثُ أخرُ ، ليستْ على شرطِ البخاريِّ . ومن أجودِها : حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ العمريِّ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ وَّ أخذَ يومَ العيدِ في طريق، ثمَّ رجعَ منِ طريقٍ آخر . خرجه أبو داودَ (٢) . وخرجه ابنُ ماجه(٣)، وعنده : أنَّ ابنَ عمرَ كان يخرجُ إلى العيدِ في طريقٍ ، ويرجعُ في أخرى، ويزعم أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لِ كَانَ يفعلُه . وقد استغرَبَه الإمامُ أحمُد ، وقالَ : لم أسمع هذا قطُّ . وقال - أيضًا - : العمريُّ يرفعهُ ، ومالكٌ وابنُ عيينةَ لا يرفعانِه . يعني : يقفانِه على ابنِ عمرَ من فعلِه . قيل له : قد رواه عبيدُ اللَّهِ - يعني : أخَا العمريِّ ، عن نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ ؟ فأنكرَه ، وقال : منَ رواه ؟ قيل له : عبدُ العزيزِ بن محمد - يعني : الدراورْدِيَّ - قالَ : عبدُ العزيزِ يروِي مناكيرَ (٤). وقال البرقاني(٥): سألتُ الدارقطنيَّ: هلْ رواه عن نافعٍ غيرُ العمريِّ؟ قال : (١) راجع: ((فتح الباري)) لابن حجر (٤٧٣/٢ - ٤٧٤) لزامًا . (٢) (١١٥٦). (٣) (١٢٩٩) . (٤) لكن وقع في رواية ابن ماجه: ((عن أبي قتيبة: ثنا عبيد اللَّه)) - بالتصغير - وهو تصحيف، والصواب: ((عبد اللَّه)) مكبرًاً، وكذا هو في ((تحفة الأشراف)) (١٠٦/٦). (٥) في الأصل: ((الرقاشي)) تصحيف . والنص في ((سؤالاته)) (رقم: ٥) - رواية الخطيب. ١٦٦ حديث : ٩٨٦ کتاب العیدین مِنْ وجهِ يثبتُ ، لا . ثم قال: رُوي عن مالك، عن نافعٍ (١)، ولكن لا يثبتُ . انتھی . والصحيحُ عن مالكِ وغيرِهِ : وقفُهُ دونَ رفعه . وكذا رواه وكيعٌ عن العمريِّ - موقوفًا . وقد استحبَّ كثيرٌ من أهلِ العلمِ للإمامِ وغيرِهِ إذا ذهبُوا في طريقٍ إلى العيدِ أن يرجِعوا في غيرِه ، وهو قولُ مالكِ والثوريِّ والشافعيِّ وأحمدَ . وألحقَ الجمعةَ بالعيدِ في ذلكَ . ولو رجعَ من الطريقِ الذي خرجَ منه لم يُكرَه . وفي ((سنن أبي داودَ))(٢) حديثٌ، فيه: أنَّ أصحابَ رسول اللَّه وَّ كانوا يفعلونَ ذلك في زمانِه . وتكلّم الناسُ في المعنَى الذي لأجلِه يُستحَبُّ مخالفةُ الطريقِ ، وكثُرَ قولُهم في ذلك ، وأكثرُهُ ليسَ بقويٌّ . وقد رُوي في حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ، عن أبيه ، عنْ نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، أن النبيَّ ◌َِّ كانَ يغدُو من طريقٍ ويرجعُ من آخر ؛ ليَّسِعَ الناسُ في الطرقِ . وعبدُ الرحمنِ هذَا ، ضعيفٌ جداً . ومعنى الاتساعِ في الطرقِ : أنه يخشَى كثرةَ الزحامِ في الطريقِ الأولِ . وهذا أحدُ ما قيلَ في معناه . وقيل : ليشهد به (٣) الطريقان . (١) في ((السؤالات)) زيادة: ((وروي عن الشعبي، عن جابر)). (٢) (١١٥٨) . (٣) لعل الصواب: ((له)). ١ ١ ١٦٧ ٢٤ - بَابُ من خالف الطريق إذا كتاب العيدين وقيل : ليتصدقَ علَى مَن كان فيهما من السؤالِ . وقيل : ليكثر التقاءُ المسلمينَ بعضْهِم ببعضٍ للسلامِ والتودَّدِ . وقيل : للتفاؤلِ بتغيرِ الحالِ إلى الرضَى والمغفرةِ ؛ فإنه يُرجَى لمَن شهدَ العيدَ أن يرجعَ مغفورًا له . وقيل : كان يغدو في أطولِ الطريقينِ ويرجعُ في أقصرِهما ؛ لتكثُرَ خُطاهُ في المشي إلى الصلاة . وهذا هو الَّذي رجَّحه كثيرٌ منَ الشافعية . وقد رُوي في حديثٍ عكسُ هذا : فرواه سليمانُ بنُ أرقمٍ ، عن الزهريِّ ، عن ابنِ المسيبِّ ، عن أبي هريرةَ : كانَ النبيُّ نَّهِ وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ إذا خرَجوا إلى العيدِ من طريقٍ رجعُوا في طريقٍ آخر أبعدَ منه . وسليمان بن أرقمٍ ، متروكٌ . ولا أصلَ لحديثِه هذا بهذا الإسناد . وعلى تقديرٍ أن يكون له أصلٌ ، فيُمكنُ توجيهُه بأن القاصدَ لصلاة العيدِ ينبغي له قصدُها من أقربِ الطرقِ؛ لأنه إنْ كان إمامًا فلئلاً يطولَ انتظَارُه ، وإن كان مأمومًا فخشيةَ أن يُسبقَ بالصلاةِ أو بعضِها ، أو أن لا يتمكنَ من صلاتِها في مكانٍ يمكنه الاقتداءُ فيه بالإمام ؛ ولهذا شُرِعَ له التبكيرُ ؛ ليقرُب منَ الإمامِ . والراجعُ من الصلاة قد أمن ذلك كلَّه ، فيمشي حيث شاءَ، ويسلكُ أبعدَ الطرقِ ، ويقف فيها لحاجته وللقاءِ الناسِ والسلامِ عليهم والدعاءِ لهم ، وغيرِ ذلك منَ المصالحِ . وقد رُويَ عن جماعة من الصحابةِ والتابعينَ ، أنهم كانوا يتلافَوْنَ يومَ العيدِ ، ويدعُو بعضُهم لبعضٍ بالقبولِ . ١٦٨ حديث : ٩٨٦ کتاب العیدین ورخَّص فيه الإمامُ أحمدُ ، وقال : لا أبتدئُ به أحدًا ، فإن قاله لي ، رددتُ عليه . وقال - مَرَّةَ -: ما أحسنه ، إلا أن يخافَ الشهرةَ. كأنه يشيرُ إلى أنه يخشَى أن يُشْتَهر المعروفُ بالدينِ والعلمِ بذلكَ ، فَيُقْصَد لدعائه ، فيكرَه لما فيه من الشهرةِ . وقد خرج الإمامُ أحمدُ (١) من حديثِ المنكدرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، عنْ عبد الرحمن بن عثمان التيمي، قال: رأيت رسول اللّهِ وَ له قائمًا في السُّوق يومَ العيدِ ، ينظرُ والناسُ يمرُّونَ . ورواه الشافعي(٣)، عن إبراهيم بن محمدٍ: حدثني معاذُ بن عبد الرحمن التيمي، عن أبيه، عن جدِّ، أنه رأى رسولَ اللَّه وَ لّهِ رجعَ منَ المصلَّى في يوم عيدٍ ، فسلكَ على التَّمَّارين أسفلَ السوقِ ، حتى إذا كان عندَ موضعِ البركة التي بالسوقِ قام فاستقبلَ فجَّ أسلَمَ ، فدعا ثم انصرف . قال الشافعي : فأُحِبُّ أن يصنعَ الإمامُ مثلَ هذا ، وأن يقف في موضعٍ يدعو اللَّه عزَّ وجلَّ، مستقبلَ القبلةِ . (١) (٤٩٩/٣) . (٢) ((الأم)) (١/ ٢٠٧). ١٦٩ ٢٥ - بابُ إذا فاته العید یصلي ركعتين كتاب العيدين ٢٥ - بَابٌ إِذَا فَاتَّهُ الْعِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ، وَمَنْ كَانَ فِي الْبُيُوتِ وَالْقُرَى؛ لِقَوْلِ النَِّيِّ ◌ِ: ((َهَذَا عِدُنَا أَهْلَ الإسْلاَمِ) وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ مَوْلاَهُمُ ابْنُ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ ، فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ ، فَصَلَّى بِهِمْ حَصَلاَةٍ أَهْلِ المِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ : أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْعِيدِ ، يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ . وَكَانَ عَطَاءٌ إِذَا فَاتَهُ الْعِيدٌ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . ذكر البخاريّ في هذا الباب ثلاثَ مسائلٍ . أحدها : مَن فاته صلاةُ العيدِ معَ الإمامِ مِن أهلِ المصرِ ، فإنّه يصلِّي ركعتين . وحكاه عن عطاءٍ . وحُكي - أيضاً - عن أبي حنيفةَ والحسنِ وابنِ سيرينَ ومجاهدٍ وعكرمةَ والنخعيِّ، وهو قولُ مالكِ والليثِ والأوزاعيِّ والشافعيِّ وأحمدَ - في رواية ، عنه . ثم اختلفوا : هل يصلّي ركعتينِ بتكبيرٍ كتكبيرِ الإمامِ ، أم يصلّي بغيرٍ تكبيرٍ ؟ فقال الحسنُ والنخعيُّ ومالكٌ والليثُ والشافعيُّ وأحمدُ - في رواية - : يصلّي بتكبيرٍ ، كما يصلّي الإمامُ . واستدلُّوا بالمرويِّ عنْ أنسٍ، وأنسٌ لم يفتْهُ في المصرِ بل كانَ ساكنًا خارجًا من المصر بعيدًا منه ، فهو في حكم أهلِ القُرى . ١٧٠ ٢٥ - بَابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين کتاب العیدین وقد أشار إلى ذلك الإمامُ أحمدُ - في روايةٍ عنه . والقولُ بأنه يصلِّي كما يصلّي الإمامُ قولُ أبي حنيفةَ وأبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ ، حتى قال : لا يكبِّرُ إلا كما يكبِّرُ الإمام ، لا يزيدُ عليه ولا ينقصُ . وكذا قالَه الإمامُ أحمدُ - في روايةِ أبي طالبٍ . وعن ابن سيرينَ (١)، قال : كانوا يستحبُّون إذا فاتَ الرجل العيدان(٢) أن يمضيَ إلى الجبان ، فيصنع كما صنعَ الإمامُ . وقال أحمدُ - في رواية الأثرم - : إن صُلِيتْ ذهبَ إلى الجبان فصلَّى، وإن شاءَ صلَّى مكانَه . وقال - في روايةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ - : إذا صلَّى وحدَه لم يجهر بالقراءة ، وإن جهرَ جازَ . وهذا عنده حكمُ المصلِّي الصلاةَ الجهريةَ مفردًا ، فلو صلاها في جماعة جهرَ بها بغيرِ إشكالِ ، كما فعله الليثُ بنُ سعدٍ . وقد ذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ إلى أن الإمامَ لا يجهرُ بالقراءةِ في صلاةِ العيدينِ إلا بمقدارِ ما يُسمِعُ مَن يِلِيه، رُوي ذلك عن عليٍّ (٣)، وهو قولُ الحسنِ والنخعيّ والثوريِّ . وذكرَ الحسنُ ، أن النبيَّ نَّهِ وأبَا بكرِ وعمرَ كانوا يُسمِعونَ القراءةَ في العيدين والجمعةِ مَن يليهِم . خرجه المروزيُّ في ((كتاب العيدينِ» . وهو قولُ الثوريِّ في الجمعة والعيدين جميعاً . (١) ابن أبي شيبة (٥/٢) . (٢) في الأصل: ((العيدين)). (٣) عبد الرزاق (٢٩٦/٣) ابن أبي شيبة (١/ ٥٠٠). ١ ١٧١ ٢٥ - بَابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين كتاب العيدين وقال عطاءٌ والأوزاعيُّ وأحمدُ - في الرواية الأخرى - : يصلِّي مَن فاته العيدُ ركعتينِ بغيرِ تكبيرٍ . وهذه الروايةُ، حكاها أبو بكرِ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتاب ((الشافي)). وقال أحمد : إنما التكبيرُ معَ الجماعةِ . وجعله أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ كالتكبيرِ خلفَ المكتوبةِ في أيامِ التشريقِ . ورَوى حنبلٌ، عن أحمدَ ، أنه مخيَّر ، إن شاءَ صلَّى بتكبيرِ ، وإن [شاءً] صلَّى بغير تكبير . وقالت طائفةٌ (١): من فاتته صلاةُ العيدِ معَ الإمامِ صلَّى أربعَ ركعاتٍ . رُوي ذلك عنِ ابنِ مسعودٍ من غيرِ وجهٍ(٢). وسوَّى ابنُ مسعودٍ بينَ مَن فاتته الجمعةُ ، ومن فاتَهُ العيدُ ، فقال - في كلِّ منهما - : يصلّي أربعًا . واحتجَّ به الإمامُ أحمدُ . ولا عبرةَ بتضعيفِ ابنِ المنذرِ له ؛ فإنه رُويَ بأسانيدَ صحيحة . وهذا قولُ الشعبيِّ والثوريِّ وأحمدَ - في روايةٍ أخرى ، عنه - ، وهي اختيارٌ أبي بكرٍ عَبدِ العزيزِ بنِ جعفرٍ مِنْ أصحابنا ، بناءً على اختيارِهم اشتراطَ الجماعةِ للعيدِ والاستيطانَ ، ويكون الأربع عيدًا . نصَّ عليه أحمدُ في روايةِ الميموني . وهذا يشبه قولَ ابنِ شاقلا : إنْ أدرك تشهد الجمعة يصلي أربعًا ، وهي جمعةٌ له ، كما سبق ذلك . وعلى هذا، فيصلِّي وحدَه من غيرِ جماعةٍ ، نصَّ عليه أحمدُ في رواية (١) كأنه ضرب على ((طائفة)). (٢) ابن أبي شيبة (٤/٢) . ١٧٢ ٢٥ - بابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين کتاب العیدین محمدِ بنِ الحكمِ ، وكذا ذكرَه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ . وإنما يصلّي في جماعة إذا قلنا : يصلِّي صلاةَ العيدِ على صفتها . وهل يصلّي الأربعَ بسلامٍ واحدٍ ، أو يخيَّر بين ذلك وبين صلاتِها بسلامينٍ ؟ فيه عن أحمدَ روايتان . واختارَ أبو بكرٍ صلاتَها بسلامٍ واحدٍ ، تشبيهًا لصلاتِها بصلاةٍ مَن تفوتُه الجمعةُ . وعن أحمدَ : يخيَّر بينَ أن يصليَ ركعتينٍ أو أربعًا . وهذا مذهبُ الثوريِّ الذي حكاه أصحابه ، عنه . واستدلَّ أحمدُ ، بأنه رُوي عن أنسٍ ، أنه صلَّى ركعتينِ ، وعن ابنِ مسعودٍ، أنه صلى أربعًا . وكذلك رُويَ عن عليٍّ ، أنه أمرَ من يصلّي بضَعَفَةِ الناسِ في المسجد أربعًا ، ولا یخطبُ بهم(١). وروى أحمد بن القاسم ، عن أحمدَ الجمعُ بين فعلٍ أنسٍ وقولِ ابنِ مسعودٍ على وجه آخر ، وهو : إن صلَّى من فاته العيد جماعةً صلَّى كصلاةِ الإمامِ ركعتين، كما فَعَل أنسٌ ، وإن صلَّى وحدَه صلَّى أربعًا، كما قالَ ابن مسعودٍ . وقال إسحاق : إن صلاَّها في بيته صلاها أربعًا كالظهرِ ، وإن صلاها في المصلى صلاها ركعتينٍ بالتكبير ؛ لأن عليًا أمرَ الذي يصلي بضَعَفَةِ الناسِ في المسجد أن يصلّي أربعًا، ركعتينِ مكانَ صلاة العيدِ ، وركعتينِ مكانَ خروجهم إلى الجبان، كذا رواه حنشُ بنُ المعتمرِ عن عليّ(٢). واعلمْ ؛ أن الاختلافَ في هذه المسألةِ ينبني على أصلٍ ، وهو : أنَّ صلاةَ (١) ابن أبي شيبة (٥/٢). (٢) ابن أبي شيبة (٥/٢). ١٧٣ ٢٥ - بَابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين کتاب العیدین العيدِ : هلْ يشترطُ لها العددُ والاستيطانُ وإذنُ الإمامِ ؟ فيه قولانِ للعلماءِ ، هما روايتانِ عن أحمدَ . وأكثر العلماءِ ، على أنه لا يشترطُ لها ذلكَ ، وهو قولُ مالك والشافعيِّ . ومذهبُ أبي حنيفةً وإسحاقَ : أنه يُشترطُ لها ذلك . فعلى قولِ الأوَّلِينَ : يصليها المنفردُ لنفسِهِ في السفرِ والحضرِ والمرأةُ والعَبْد ومن فاتته ، جماعةً وفرَادَى . لكن لا يخطبُ لها بعدَ خطبةِ الإمامِ ؛ لأن فيه افتئاتًا عليه ، وتفريقًا للكلمة. وعلى قولِ الآخرين : لا يصلّيها إلا الإمامُ أو مَن أذنَ له ، ولا تصلَّى إلا كما تصلَّى الجمعةُ، ومَن فاتتهُ ، فإنه لا يقضيها علَى صفتها ، كما لا يقضي الجمعةَ على صفتِها . ثم اختلفوا : فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه : لا تقضى بالكلية ، بل تسقطُ ، ولا يصلّي من فاتته معَ الإمامِ عيدا أصلاً ، وإنما يصلّي تطوعًا مطلقًا ، إن شاءَ صلَّى ركعتينِ ، وإن شاءَ صلَّى أربعًا . وقال أحمدُ وإسحاقُ : بل تقضى كما قالَ ابنُ مسعودٍ وغيرُهُ منَ الصحابةِ . وليست العيدُ كالجمعةِ ؛ ولهذا يصلّيها الإمامُ والناسُ معه إذا لم يعلموا بالعيدِ إلا من آخرِ النهار من غدِ يومِ الفطرِ ، والجمعةُ لا تقضي بعد خروجٍ وقتها ، ولأن الخطبةَ ليست شرطاً لها ، فهي كسائرِ الصلواتِ ، بخلافِ الجمعةِ . والذين قالوا : تقضى إذا فاتتْ معَ الإمامِ ، لم يختلفُوا أنها تُقْضَى ما دام وقتُها باقيًا . فإن خرجَ وقتُها ، فهل تُقْضى ؟ قال مالك : لا تُقْضَى . ١٧٤ ٢٥ - بَابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين کتاب العیدین وعنِ الشافعيِّ قولانِ . والمشهورُ عندنا : أنما تُقْضَى . وخرّجوا فيها روايةً أخرَى : أنها لا تُقْضَى . وأصل ذلك : أن السننَ الرواتبَ : هل تُقْضَى في غيرِ وقتها ، أمْ لا ؟ وفيه قولانِ ، وروايتانِ عن أحمدَ ؛ فإن فرضَ العيدِ يسقطُ بفعلِ الإمامِ ، فيصير في حقٍّ من فاتته سنةً . ولو أدرك الإمامَ وقد صلَّى وهو يخطبُ للعيد ، ففيه أقوالٌ : أحدها : أنه يجلسُ فيسمعُ الخطبةَ، ثم إذا فرغَ الإمامُ صلَّى قضاءً ، وهو قولُ الأوزاعيِّ والشافعيِّ وأبي ثورٍ ، ونصَّ عليه أحمدُ - أيضًا . والثاني : أنه يصلّي والإمامُ يخطبُ ، كما يصلّي الداخلُ في خطبة الجمعة والإمامُ يخطبُ، وهو قولُ الليثِ ؛ لكنَّ الليثَ صلَّى العيدَ بأصحابِه والإمامُ يخطبُ(١). وقال الشَّافعيَّةُ: إن كانَ الإمامُ يخطبُ في المصلَّى ، جلسَ واستمعَ ؛ لأنه ما لم يفرغ من الخطبةِ فهو في شعارِ إقامةِ العيدِ ، فيتابع فيما بقيَ منه ، ولا يشغلُ عنه بالصلاةِ ، وإن كانَ يخطبُ في المسجد ؛ فإنه يصلِّي قبل أن يجلسَ . ثم لهم وجهان : أحدهما : يصلّي تحيةَ المسجدِ ، كالداخلِ يومَ الجمعةِ ، وهو قولُ بعضِ أصحابنا - أيضًا . والثاني : يصلّي العيدَ ؛ لأنها أكد ، وتدخلُ التحيةُ ضمنًا وتبعًا ، كمن دخلَ المسجدَ يومَ الجمعةِ وعليه صلاةُ الفجرِ ؛ فإنه يقضيها وتدخلُ التحيةَ تبعًا . ووجهُ قولِ الأوزاعيِّ وأحمدَ : أنَّ استماع الخطبةِ من كمالِ متابعةِ الإمامِ في (١) كذا السياق . ١ ١٧٥ ٢٥ - بَابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين کتاب العیدین هذا اليومِ ، فإذا فاتتِ الصلاةُ معَه لم يفوِّتِ استماعَ الخطبةِ ، وليس كذلك الداخلُ في خطبةِ الجمعةِ ؛ لأنَّ المقصودَ الأعظمَ الصلاةُ ، وهي لا تفوتُ بالتحية . المسألةُ الثانيةُ : صلاةُ النساءِ في بيوتِهِنَّ في المصرِ ، وكذلك المريض ونحوه . وهذا مبنيٌّ على أن صلاةَ العيدِ : هل يشترطُ لها العددُ والاستيطانُ وإذنُ الإمام ، أم لا ؟ فَمَن قال : لا يشترطُ ذلك جوَّر للمرأةِ أن تصلِّيَ صلاةَ العيدِ في بيتِها على وجهها ، وكذلك المريضُ ، بل يجيزُ ذلكَ لكلِّ مَن تخلَّف في بيته ، أن يصلِّيَ كما يصلِّي الإمامُ ، ولا سيما إن كان يقولُ معَ ذلكَ أن صلاة العيدين سنةٌ ، كما يقولُه الشافعيُّ وغيرُه . وقال الحسنُ - في المسافرِ يدرِكُه الأضحَى ركعتينِ، ويضحِّي إن شاءَ . وأما مَن يشترطُ لها العددَ وإذنَ الإمامِ ، يصلِّيَ صلاةَ العيدِ على وجهِها ، بلْ يصلّي ركعتـ ما سبقَ . قال الثوريُّ وإسحاقُ - في النساءِ - : يصلِّينَ وعند أبي حنيفةَ وأصحابِهِ : لا تَقْضِي بحالٍ المسألةُ الثالثةُ : أهل القرى : هل يُصَلُّون العيدَ في قُراهم كم في الأمصار ؟ ١٧٦ ٢٥ - بَابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين کتاب العیدین وقد حكَىَ عن عكرمةَ ، أَنهم يصلونَها كصلاةِ أهلِ الأمصارِ . قال الإمامُ أحمدُ: ثنا محمدُ بنُ جعفرِ : ثنا شعبةُ ، عن قتادةَ ، عن عكرمةَ، في القومِ يكونونَ في السوادِ في سَفْرتهم عيدَ فطرٍ أو أضحَى ، قال : فَيَجْتَمِعُونَ، فيصلُّون ، يؤُمُّهم أحدُهم (١). وقد تقدَّم أن جمهورَ العلماءِ على أن الجمعةَ تُقَامُ فى القرى ، فالعيدُ أولَى . لكنْ مَن يشترطُ العددَ لصلاةِ العيدِ ، كأحمدَ - في رواية - وإسحاقَ ، يقول: لا بدَّ أن يكونَ في القرية أربعونَ رجلاً كالجمعة . قال إسحاقُ : وإن لم يخطبْ بهم صلَّوْا أربعًا - أيضًا - قال: وإذا لم تكنْ خطبةٌ فليس بِعيدٍ . وذهب أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى أنه لا عيدَ إلا في مصرٍ جامعٍ ، كقولِهم في الجمعة . ولا خلافَ أنه لا يجبُ على أهلِ القرَى والمسافرينَ ، وإنما الخلافُ في صحة فعلها منهم ، والأكثرونَ على صحتِه وجوازِه . ويستدلُّ لذلك بفعلِ أنسٍ بنِ مالكِ ؛ فإنه كان يسكنُ خارجاً من البصرة على أميال منها . فروى الإمامُ أحمدُ - فيما رواه عنه ابنُهُ عبدُ اللَّهِ في ((مسائله)) - : ثنا هشيمٌ: أنا عبيدُ اللَّهِ بْنُ أبي بكرٍ ، عن جدِّ أنسِ بنِ مالكٍ، أنه كانَ إذا لمْ يشهدِ العيدَ مع الناسِ بالبصرةِ ، وكان منزلُهُ بالطفِّ جمعَ أهلَه وولَده وموالِيه ، ثمَّ يأمرُ مولاه عبدَ اللهِ بنَ أبي عُتُبَةَ أن يصلّيَ بهم . قال : يكبِرُ بهم تسعَ تكبيراتٍ ، خمسٌ في الأولى ، وأربعٌ في الآخرة ، ويوالِي بين القراءتينِ . وروى محمدُ بنُ الحكم ، عن أحمدَ - فيمن تفوتُهُ صلاةُ العيدِ - : يجمع (١) وهو عند ابن أبي شيبة (٢/ ١٠). ١٧٧ ٢٥ - بَابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين کتاب العیدین أهلَه وولدَه، كما فعلَ أنسٌ ، ويكبِّرُ تسعَ (١) تكبيراتٍ في الركعتين ، ويوالي بين القراءتينِ . وهذا يدلّ على أنه أخذ بجميعِ ما رُويَ عن أنسٍ فيمن تفوتُه صلاةُ العيدِ مع الإمامِ ، سواءٌ كان لبعدِه عن الإمامِ أو لغيرِ ذلك ، وأنه يكبِّرُ تسعَ تكبيراتٍ في الركعتينِ ، ويوالي بينَ القراءتينِ . وهذا خلافُ مذهبِه في تكبيرِ الإمامِ ونوَّابِه في الأمصار ، فإنه يرى أنهم يكبِّرونَ في الأولَى سبعَ تكبيراتٍ ، وفي الثانيةِ خمسَ تكبيراتٍ . وفي موالاتِه بين القراءتينٍ روايتان عنه : أشهرُهما : أنه يكبِّر قبل القراءةِ في الركعتينِ . والثانيةُ : أنه يوالي بينهما . واختارَها أبو بكرِ ابنُ جعفرٍ . فأمَّا التكبيرُ في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا ، فهو قولُ جمهورِ العلماءِ (٢)، وقد رُوي عن عمرَ وعثمانَ وعليٍّ وابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ ، وعن عمرَ ابنِ عبد العزيزِ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ ومجاهدٍ والزهريِّ ، وقال : مضت السنة به . وحكاه ابنُ أبي الزنادِ عن فقهاءِ المدينةِ السبعةِ . وهو قولُ مكحولٍ وربيعةَ والليثِ والأوزاعيِّ ومالكِ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وداودَ . وأكثرِ أهلِ الحديثِ ، منهمُ : ابنُ المدينيِّ وابنُ أبي شيبةَ وأبو خيثمةَ وسليمانُ بنُ داودَ الهاشميُّ وغيرُهم . ولكن اختلفوا: هل يكبرُ في الأولى سبعًا غيرَ تكبيرةٍ افتتاحِ الصلاةِ ، أم بها؟ (١) في الأصل: ((سبع)) خطأ ؛ لما تقدم ولما يأتي. (٢) انظر: ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٤٩٤/١ - ٤٩٥ - ٤٩٦) وعبد الرزاق (٢٩١/٣ - ٢٩٢) والبيهقي (٢٨٩/٣) . ١٧٨ ٢٥ _ بَابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين کتاب العیدین فقال مالكٌ وأحمدُ : يحسب منها تكبيرةَ الافتتاحِ . ورُوي ذلك عن ابن عباسٍ صريحًا(١). وقال الشافعيُّ : لا يحسب منها . وعن الليثِ والأوزاعيِّ قولانِ ، كالمذهبينِ . وقالت طائفةٌ : يكبِّرُ في الأولَى خمسًا بتكبيرة (٢) الافتتاحِ، [و](٣) في الثانية أربعًا بعد القراءة ، بتكبيرة (٤) الركوعِ . روى ذلك عن ابن مسعود وإسحاق ، وهو قول سفيان وأهل الكوفة . ورُوي عنِ ابنِ عباسٍ - في رواية عنه . وفي عددِ التكبيرِ أقوالٌ متعددةٌ للسلفِ ، وفيه أحاديثُ مرفوعةٌ متعددةٌ - أيضًا - ، لم يخرج منها البخاريُّ شيئًا، وليس منها على شرطِه شيءٌ . وقد روى هارونُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، عن أحمدَ ، أنه قال : ليسَ يُروى في التكبيرِ في العيدينِ حديثٌ صحيحٌ عنِ النبيِّ وَِّ . ذكرَهَ الخلالُ . وروى حربٌ ، عن أحمدَ قريبًا من ذلكَ . قال حربٌ: وسألتُ ابنَ المدينيِّ: هل صحَّ فيه عنِ النبيِّ وَّرِ؟ قالَ : حديثُ عُمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّ، عنِ النبيِّ بَ. قال: ويُروى عن أبي هريرةَ - من قولِه - صحيح . انتهى . وحكى الترمذيَّ في ((علله)»(٥)، عن البخاريِّ، أنه صحَّح هذا الحديثَ (٦). (١) ابن أبي شيبة (٤٩٤/١) وعبد الرزاق (٢٩١/٣). (٢) في الأصل ((تكبيرة)). (٣) ليست في الأصل . (٤) في الأصل : ((تكبيرة)) ، بدون الباء . (٥) (ص ٩٣) . (٦) راجع: كتابي ((لغة المحدث)) (ص ٥٣). ١٧٩ ٢٥ - بَابُ إذا فاته العيد يصلي ركعتين کتاب العیدین وقالَ أحمدُ - في روايةٍ - : أنا أَذهبُ إليه . وقد خرّجه في ((المسندِ)) وأبو داودَ وابنُ ماجه(١) بألفاظ مختلفة ، ومعناها واحدٌ : أن التكبيرَ في الأولَى سبعٌ ، وفي الثانية خمسٌ . وفي رواية أحمدَ وأبي داودَ : أن القراءةَ بعدَهُما . وقد استوفينا الأحاديثَ في ذلك ، والكلامَ عليها في ((شرحِ الترمذيِّ) بحمدِ اللَّهِ ومَنَّهِ . ونقلَ الميمونيُّ ، عن أحمدَ ، قال : التكبيرُ في العيدين سبعًا في الأولى وخمسًا، وقد اختلفَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ وَّهِ فِي التكبيرِ، وكلُّه جائزٌ . وهذا نصٌّ منه على أنه يجوزُ التكبيرُ على كلِّ صفةٍ رُويتْ عنِ الصحابةِ من غيرِ كراهةٍ ، وإن كان الأفضلُ عنده سبعًا في الأولَى وخمسًا في الثانيةِ . ورجحَ هذا ابنُ عبدِ البرِّ ، وجعله من الاختلافِ المباحِ ، كأنواعِ الأذانِ والتشهداتِ ونحوِها . ثم خرَّج البخاريُّ في هذا البابِ : ٩٨٧ - حديثَ عائشةَ في الجاريتين اللتين كانتا عندها تدفَّفان وتغنيان . وقد ذكرنَا لفظهُ في ((بابِ : سنة العيدين لأهل الإسلام)» إلى قولِه : ((دعْهُمَا يَا أَبَا بَكْر ؛ فإنَّهَا أَيَّامُ عيد))، وتلكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ منّى . وزاد فيه : ٩٨٨ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ:﴿ يَسْتُرُنِي، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ:﴿: ((دَعْهُمْ، أَمْنَا بَنِي أَرْفِدَة)) - يَعْنِي : مِنَ الأَمْنِ . (١) أحمد (٢/ ١٨٠) وأبو داود (١١٥٢) وابن ماجه (١٢٧٧) (١٢٧٨) (١٢٧٩) (١٢٨٠). ١٨٠ حديث : ٩٨٨ کتاب العیدین خرَّجه [عن] يحيى بنُ بكيرٍ ، عن الليثِ ، عن عُقَيْلٍ ، عنِ الزهريِّ ، عن عروة ، عن عائشة . ولكن ؛ ليس فيه اللفظُ الذي احتجَّ به في أول البابِ ، وهو قوله : ((هذا عيدنا أهلَ الإِسلام))، إنما خرَّجَهَ بهذا (١) اللفظ في ((باب: سنةِ العيدينِ)) كما تقدم . وليس فيه لفظة : ((أهلَ الإسلام))، ولم أجدْه بهذه الزيادةِ في شيءٍ منَ الكتب الستةِ ، وإنما تُعرفُ هذه اللفظةُ في حديث عقبةِ بنِ عامرٍ ، عنِ النبيَ وَلِ : ((يومُ عرفةَ، ويومُ النحرِ وأيامُ مِنَّى عيدٌنًا أهل الإسلام)» . ووجهُ الاستدلال به على ما بوَّب عليه البخاريُّ: أن النبيَّ بَّهِ جعلَ العيدَ عامًا لأهلِ الإسلامِ كلِّهم ، فدلَّ على أنهم يشتركونَ فيما يُشْرَعَ فيه جميعُهم ، رجالُهم ونساؤهم ، وأهلُ أمصارهم ، وأهلُ قراهُم ، فتكون صلاةُ العيد مشروعةً لجميعِهم من غيرِ تخصيصٍ لأحدٍ منهم . والمنازعُ في ذلك قد يقولُ : أنا لا أمنعُ ذلك ، ولا أن يشهدَ العيدَ جميعُ المسلمينَ إذا صلاَّها الإمامُ أو نائبُه في المصلَّى ، فأما الانفرادُ بصلاتها لآحاد الناسِ في بيوتِهم ، فهذا لم يُنقلْ عن أحدٍ منَ السلفِ فعلُه ، ولو كان مشروعًا لما ترکوُهُ ، ولو فعلوُهُ لنقُلَ . وأيضًا؛ فَمِمَّا يدلُّ على أن الاستيطانَ يُعتبَرُ لها: أن النبيَّ ◌َّه لم يفعلها قطُّ في أسفارِهِ مع كثرةِ أسفارِهِ ، وقد أدركه عيدُ النحرِ بِمِنَّى ، وأدرَكَه عيدُ الفطرِ في غزوةِ الفتحِ وهو مسافرٌ ، ولم يُنقَلْ أنه صلَّى العيدينِ في شيءٍ من أسفارِه ، ولو فعلَ ذلك لما أُهملَ نقلُهُ؛ لتوفُّرِ الدواعِي على نقلِهِ، وكثرةِ الحاجة إليه . واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلم . (١) في الأصل : ((في هذا». (٢) (٩٥٢). ١