النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
١١ - بَابُ فضل العمل في أيام التشريق
کتاب العیدین
وفي «صحيحِ ابن حبانَ ))، عن جابر - مرفوعًا -: (( إنه أفضلُ أيام
الدنيا)) وفيه : يومُ النحرِ .
وفي حديث عبدِ اللهِ بن قرطٍ، عن النبيِّ وَّر، قال: ((أعظمُ الأيام عند
الله يومُ النحرِ ، ثم يوم القرِّ)).
خرَّجه أبو داود وغيره(١) .
وقد سبق في الحديث المرفوع: أن صيامَ كلِّ يوم [ منه ](٢) بسنةٍ ، وقيامَ
كلِّ ليلةٍ منه يعدلُ ليلةَ القدرِ .
وهذا يدلُّ على أن عشرَ ذي الحجةِ أفضلُ من عشرِ رمضانَ ، لياليه وأيامه .
وقد زعم طائفةٌ من أصحابِنَا : أن ليلةَ الجمعةِ أفضلُ من ليلةِ القدرِ .
وقد تقدمَ عن ابنِ عمرَ ، أنَّ أيامَ العشرِ أفضلُ من يومِ الجمعةِ ، فلا يستنكرُ
حينئذٍ تفضيلُ ليالي عشرِ ذي الحجةِ على ليلةِ القدرِ .
وعلى تقدير أن لا يثبتُ ذلكَ ، فقال بعضُ أعيانِ أصحابنا المتأخرين(٣):
مجموعُ عشرِ ذي الحجةِ أفضلُ من مجموعِ عشرِ رمضانَ ، وإن كان في عشرِ
رمضانَ ليلةٌ لا تفضلُ عليها غيرُها . واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ .
وروى سهيلُ بنُ أبي صالحٍ ، عن أبيهِ ، عن كعبٍ : أحبُّ الزمانِ إلى اللهِ .
الشهرُ الحرامُ ، وأحبُّ الأشهرِ الحرمِ إلي اللهِ ذُو الحجةِ ، وأحبُّ ذي الحجة إلى
الله العشرُ الأُولُ .
ورُوي عن سهيلٍ ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - مرفوعًا، ولا يصحّ (
.
(١) أبو داود (١٧٦٥) وأحمد (٤/ ٤٥٠) وابن خزيمة (٢٨٦٦، ٢٩١٧، ٢٩٦٦) والحاكم
(٤ / ٢٢١) .
(٢) زيادة للسياق .
(٣) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ٥٧).
(٤) أخرجه ابن عدي (١٥٨٩/٤).

١٢٢
حديث : ٩٦٩
کتاب العیدین
وكذا قالَ سعيد بن جبير : ما مِنَ الشهورِ أعظمُ حرمةً من ذي الحجة .
وفي ((مسند البزار))(١) من حديث أبي سعيد - مرفوعًا -: (( سيّدَ الشهور
رمضانُ ، وأعظَمُهَا حرمةً ذو الحجةِ » .
وفي إسنادِهِ مقالٌ .
وفي «مسندِ الإمامِ أحمدَ )) (٢)، عن أبي سعيدٍ، أنَّ النبيَّ وَّ قال - في
خطبته في حجة الوداعِ يومَ النحرِ - : ((ألا إنَّ أحْرمَ الأيامَ يومُكم هذا ، وأحرَمَ
الشهور شهركم هذا ، وأحَرمَ البلاد بلدكم هذا » .
ورُوي هَذا من حديث جابرٍ ، ووابصة ، ونُبيط بن شريطٍ وغيرهم - أيضًا .
وهذا كله يدل على أن شهرَ ذي الحجةِ أفضلُ الأشهرِ الحرمِ ؛ حيث كان
أعظمها حرمة .
ورُوي عنِ الحسنِ : أن أفضلَهَا المحرم .
وأما ما قالَه بعضُ الفقهاءِ الشافعيةِ : إن أفضلَها رجبٌ : فقولُه ساقطٌ
مردودٌ . واللهُ تعالى أعلمُ .
(١) (٤٥٧/١ - كشف).
(٢) (٣/ ٨٠، ٣٧١).

١٢٣
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
کتاب العیدین
١٢ - بَابُ
التَّكْبِرِ أَّامَ مِنِّى، وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ
وَكَانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ فِي قَبَتِهِ بِمِنَّى فَيَسْمَعُ (١) أَهْلُ المَسْجِدِ فَيُكِرونَ، وَيُكَبُِّ أَهْلُ
الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنَّى تَكْبِيراً .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكْبِرُ بِمِنَّى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ ، وَفِي
فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ، قِلْكَ الأَيَّامَ جَمِعًا .
وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكْبِرُ يَوْمَ النَّحْرِ .
وَكَانَ النِّسَاءُ يُكْبِرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثِّمَانَ وَعُمَرَ بْنِ العَزِيزِ لَيَالِيَ النَّشْرِيقِ مَعَ
الرَّجَالِ فِي المَسْجِدِ .
قد تقدمَ : أنّ الأيامَ المعدوداتِ التي أمر اللهُ بذكرِه فيها هى أيامُ منّى .
وهل هى الأربعة كلُّها ، أو أيامُ الذَّبح منها ؟ فيه خلافٌ سبقَ ذكرُه .
وهو مبنيٌّ على أن ذكرَ اللهِ فيها : هَلْ هو ذكرُه علي الذبائحِ . أو أعمّ من
ذلكَ ؟
والصحيحُ : أنه أعم من ذلك .
وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٢)، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال في أيام منّى: «إنها أيامُ أكلِ
وشرب وذكر الله عز وجل )) .
وذكرُ اللهِ في هذه الأيامِ نوعانِ :
أحدهما : مقيدٌ عقيب الصلواتِ .
(١) في ((اليونينية)): ((فيسمعه)).
(٢) (١٥٣/٣).

١٢٤
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
کتاب العیدین
والثاني : مطلقٌ في سائرِ الأوقاتِ .
فأما النوعُ الأولُ :
فاتفق العلماءُ على أنه يشرعُ التكبيرُ عقيب الصلواتِ في هذه الأيامِ في
٥
الجملةِ ، وليس فيه حديثٌ مرفوعٌ صحيحٌ ، بل إنما فيه آثار عن الصحابة ومَنْ
بعدهم ، وعملُ المسلمينَ عليه .
وهذا مما يدلُّ على أن بعضَ ما أجمعتِ الأمةُ عليه لم يُنْقِلْ إلينا فيه نصٌّ
صريحٌ عن النبيِّ ◌َّ، بل يُكتَفَى بالعملِ بِهِ .
وقد قالَ مالكٌ في هذا التكبيرِ : إنه واجبٌ .
قال ابنُ عبدِ البرِّ : يعِنِي وجوبَ سنَّةِ .
وهو كما قال .
وقد اختلفَ العلماءُ في أولِ وقتِ هذا التكبيرِ وآخرِه .
فقالت طائفةٌ : يكبر من صلاة الصبحِ يومَ عرفةَ إلى صلاةِ العصرِ من آخر
أيامِ التشريقِ .
فإن هذه أيامُ العيدِ، كما في حديث عقبةَ بنِ عامٍ، عن النبيِّ وَِّ، قالَ:
((يومُ عرفَةَ، ويَومُ النحرِ ، وأيامُ التشريقِ عيدُنا أهلَ الإسلامِ)) .
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ(١) ، وصحَّحَه .
وقد حكى الإمامُ أحمدُ (٢) هذا القولَ إجماعًا منَ الصحابةِ ، حكاه عن عمرَ
وعليِّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ .
فقيل له : فابنُ عباسٍ اختُلفَ عنه ؛ فقال : هذا هو الصحيحُ عنه ، وغيرُه
(١) أحمد (١٥٢/٤) وأبو داود (٢٤١٩) والنسائي (٢٥٢/٥) والترمذي (٧٧٣) .
(٢) انظر: ((المسائل)) لعبد الله ابنه (ص ١٢٩) وأبي داود (س ٦١).

١٢٥
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
کتاب العیدین
، لا يصحّ عنه .
نقلَه الحسنُ بنُ ثواب ، عن أحمدَ .
وإلى هذا ذهبَ أحمدُ ؛ لكنَّه يقولُ : إن هذا في حقِّ أهل الأمصار ، فأما
أهلُ الموسمِ فإنهم يكبِّرُون من صلاةِ الظهرِ يومَ النحرِ ؛ لأنهم قبل ذلكَ مشتغلُون
بالتلبية .
وحكاه عن سفيانَ بنِ عيينةَ ، وقال : هو قولٌ حسنٌ .
ويمتدُّ تكبيرُهم إلى آخر أيامِ التشريقِ - أيضًا - على المشهور عنه .
ونقل حربٌ ، عنه ، أنهم يكبِّرون إلى صلاة الغداةِ من آخر أيام التشريقِ .
وممنْ فَرَّق بين الخارجِ وأهلِ الأمصارِ : أبو ثورٍ . وروى الخَضِر الكنديُّ ،
عن عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ (١)، عن أبيه ، قال: إذا كانَ عليه تكبيرٌ وتلبيةٌ
بدأ بالتكبيرِ ، ثم بالتلبيةِ .
قال أبو بكرِ ابنُ جعفرَ : لم يروها غيرُه .
قلت : الخَضر هذا ، غيرُ مشهورٍ ، وهو يَروي عن عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ
المناكيرَ التي تخالفُ رواياتِ الثقاتِ ، عنه .
والذي نقل الثقاتُ ، عن أحمدَ ، أن الحاجَّ لا يكبر حتى يقطعَ التلبيةَ ،
فكيف يجتمعان عليه ؟
وقد حملَها أبوبكرٍ على مَا إذا أخَّر الحاج رمي جمرة العقبة حتى صلى
(١) في الأصل: ((وروى الخضر بن أحمد الكندي، عن عبد الله بن حنبل))، وهذا تقديم
وتأخير ، فالخضر ، اسمه : الخضر بن المثنى ، وأحمد ، هو والد عبد الله ، وهو الإمام
المعروف .
والكندى هذا مترجم في ((المنهج الأحمد)) (٤٩/٢)، ومذكور في الرواة عن عبد الله في
((( تهذيب الكمال)) .

١٢٦
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
كتاب العيدين
الظهرَ ؛ فإنه يجتمعُ عليه في صلاة الظهرِ - حينئذٍ - تلبيةٌ وتكبيرٌ .
ووجَّهه : بأن هذا الوقتَ وقتُ التكبيرِ ، وإنما صارَ وقتَ تلبيةٍ في حقِّ هذا
لِتأخيرِهِ الرَّمي ، وهو نوعُ تفريطِ منه ، فلذلك بَدَأَ بالتكبيرِ قبلَ التلبيةِ .
والإجماعُ الذي ذكره أحمدُ ، إنما هو في ابتداءِ التكبيرِ يومَ عرفةَ منْ صلاة
الصبحِ .
أما آخرُ وقته ، فقد اختلفَ فيه الصحابةُ الذين سماهم .
فأمّا عليّ (١) ، فكانَ يكبِّر من صبحِ يومٍ عرفةَ إلى العصرِ من آخر أيامٍ
التشريقِ .
وهي الروايةُ التي صحَّحها الإمامُ أحمدُ ، عن ابنِ عباسٍ(٣) .
وكذلك رُوي عن عمرَ .
وروي ، عنهُ (٣) : إلى صلاة الظهرِ من آخرِ أيامِ التشريقِ .
وأنكرَه يحيى القطانُ (٤) .
وإلى قولِ عليٍّ ذهب الثوريُّ وابنُ أبي ليلى وشريكٌ وإسحاقُ.
ولم يفرقٌ بينَ أهلِ منّى وغيرِهم .
وكذلك أكثرُ العلماءِ ، وهو قولُ الثوريِّ .
وكذلك قال : إذا اجتمع التكبيرُ والتلبيةُ بدأ بالتكبيرِ .
وأما ابنُ مسعودٍ(٥) ، فإنه كان يكبرُ من صلاة الغداةِ يومَ عرفةَ إلى صلاةٍ
(١) ابن أبي شيبة (٤٨٨/١).
(٢) ابن أبي شيبة (٤٨٩/١).
(٣) ابن أبي شيبة (٤٨٨/١) والبيهقي (٣١٤/٣).
(٤) ذكره البيهقي .
(٥) ابن أبي شيبة (٤٨٨/١).

١٢٧
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
کتاب العیدین
العصرِ يومَ النحرِ .
وهو قولُ أصحابِهِ ، كالأسودِ وعلقمةَ ، وقولُ النخعيِّ وأبي حنيفةَ .
وروى(١) خُصَيْفٌ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : التكبيرُ من صلاة
الظهرِ يومَ عرفةَ إلى آخرِ أيامِ التشريقِ .
وهذه الروايةُ التي ضعَّفَها أحمدُ ، وذكرَ أنها مختلفةٌ .
قال عبدُ الرزاقِ : وبلغني عن زيدِ بنِ ثابتٍ - مثلَه .
وعن الحسنِ(٢)، قال: يكبرُ من صلاة الظهرِ يومَ النحرِ إلي صلاةِ الظهرِ (١)
من يومِ النَّفْر الأول .
ورَوَى العمريُّ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يكبرُ من صلاة الظهرِ يومَ
النحرِ إلَى صلاة الفجرِ ، من آخر أيام التشريقِ .
وروی الواقدي بأسانيدِهِ ، عن عثمانَ وابنِ عمرَ وزیدِ بنِ ثابتٍ وأبي سعيد -
نحوَهَ .
وعن عطاء ، أن الأئمة كانوا يكبرونَ صلاةَ الظهرِ يومَ النحرِ ، يبتدؤنَ بالتكبيرِ
كذلك إلى آخر أيامِ التشريقِ .
وقد رُوي(٤) عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ التكبيرُ من صلاةِ الظهرِ يومَ النحرِ إلى
صبحِ آخرِ أيامِ التشريقِ .
وإليه ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ - في أشهرِ أقوالِه .
وله قولٌ آخر كقولٍ عليٌّ ومَن وافقَه .
(١) ابن أبي شيبة (٤٨٩/١).
(٢) ابن أبي شيبة (٤٨٩/١).
(٣) في ((المصنف)): ((العصر)).
(٤) ابن أبي شيبة (٤٨٩/١).

١٢٨
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
کتاب العیدین
وله قولٌ ثالثُ : يبدأُ من ليلة النحرِ إلى صلاةِ الفجر من آخرِ أيامِ التشريقِ .
والمحققونَ مِن أصحابِه على أنَّ هذه الأقوالَ الثلاثة في حقِّ أهلِ الأَمصارِ ،
فأما أهلُ المَوْسمِ بِمِنَّى ، فإنهم يَبْدءون بالتكبيرِ عقِيب صلاةِ الظهرِ يومَ النحرِ إلى
الصبحِ منْ آخر أيامِ التشريقِ بغيرِ خلافٍ ، ونقلوه عن نصِّ الشافعيِّ .
وهذا يوافقُ قولَ أحمدَ في ابتدائِه .
واختارَ جماعةٌ من أصحابِهِ القولَ بأَن ابتداءه في الأمصارِ من صبْحِ يومٍ عرفةً
وانتهاءه عصرُ آخرِ يومٍ من أيامِ التشريقِ .
منهم المُزنيَّ وابنُ سريجٍ وابنُ المنذرِ والبيهقيُّ وغيرُهم منَ الفقهاءِ المحدثين
منهم .
قالُوا : وعليه عملُ الناسِ في الأمصار.
وفي المسألةِ للسلفِ أقوالٌ أُخر .
وفي البابِ حديثٌ مرفوعٌ ، لا يصحّ إسنادِه .
وخرجه الحاكمُ (١) من حديثٍ عليٌّ وعمارٍ .
وضعفَه البيهقيُّ ، وهو كما قال .
وقدْ أشارَ البخاريُّ إلى مسألتينٍ منْ مسائلٍ هذا التكبيرِ :
إحداهما :
أنَّ التكبيرَ يكونُ خلفَ الفرائضِ .
وهل يكبر خلفَ صلاةِ التطوعِ ؟
فقد تقدَّم في الباب الماضي ، عن محمدِ بنِ عليٌّ - وَهُوَ : أبو جعفرٍ - ،
أنه كان يكبرُ خلفَ النوافلِ .
(١) (٢٩٩/١) .

١٢٩
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
کتاب العیدین
وإلى قوله ذهبَ الشافعيُّ - في أشهرٍ قولَيْهِ - وابنُ المنذرِ .
وقالَ أكثرُ العلماءِ : لا يكبرُ عقبَ النوافلِ .
واختلفُوا في التكبير عقبَ صلاةِ عيدِ النحرِ :
فقال مجاهد : يكبرُ .
وقال أحمدُ : إنْ ذهبَ رجلٌ إلى ذَا فقد رُوي فيه عن بعضِ التابعينَ ،
والمعروفُ في المكتوبةِ .
وقال أبو بكرِ ابنُ جعفرٍ - منْ أصحابنا - : يكبرُ ؛ لأن صلاةَ العيد عندنَا
فرضُ كفاية ، فهى ملحقةٌ بالفرائضِ ، وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهَوْيُه ، وحكاه عن
ابنِ عمرَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والشعبيِّ وعطاءِ الخراسانيِّ وغيرِهم .
وللشافعيِّ قولانِ.
واختلفوا : هلْ يكبّرُ مَن صلَّى الفرضَ وحَدَهُ ؟ على قولين :
أحدهما : لا يكبرُ ، وهو مرويٌّ عن ابنِ عمرَ .
وذكره سفيان الثورى ، عن أبي جعفر ، عن أنسٍ .
وقال ابن مسعود : ليس بالتكبير في أيام التشريق على الواحد والاثنين ،
التكبير على من صلَّى في جماعةٍ .
وممَّن قالَ : لا يكبرُ إذا صلَّي الفرضَ وحدَه : الثوريُّ وأبو حنيفة وأحمد -
في رواية .
والقول الثاني(١): وهو قولُ الشعبيِّ والنخعيِّ والأوزاعي والثوريِّ - في
رواية أخرى - والحسنِ بنِ صالحٍ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ - في روايةٍ أخرى .
وقال هؤلاء كلهم : يكبر في السفرِ والحضرِ .
(١) لعله سقط هاهنا: ((يكبر)).

١٣٠
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
کتاب العیدین
وقال أبو حنيفةً : لا يكبرُ المسافر إلا إذا اقتدى بالمقيم ، تبعًا له.
واتفقوا على أن الحَاجَّ يكبرِّون بمِنَّى .
المسألة الثانيةُ :
أن النساء كنَّ يكبِرنَ إذا صلينَ مع الرجالِ في المسجد خلفَ أبانِ بنِ عثمانَ
وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - يعنى : مسجدَ المدينةِ - في ليالي أيامِ التشريقِ .
وهذا يدلُّ على أنَّ النساءَ إِنما كنَّ يشهدْنَ المساجدَ بالليلِ ، كما سبقَ .
ولا خلافَ في أنَّ النساءَ يكبِرنَ معَ الرجالِ تبعًا ، إذا صلَّينَ معهم جماعةً ،
ولكنَّ المرأةَ تخفضُ صوتَها بالتكبيرِ .
وإنْ صلَّتْ منفردةً ، ففي تكبيرها ما في تكبير الرجلِ المنفردِ ، بل هي أولَى
بعدِمِ التكبيرِ .
وإن صلى النساءُ جماعةً ، ففي تكبيرهنَّ قولان - أيضًا - ، وهما روايتان
عنِ الثورىِّ وأحمدَ .
ومذهبُ أبي حنيفةً : لا يكبرْنَ .
ومذهبُ مالك والشافعيِّ : يكبرْنَ .
النوعُ الثاني :
التكبيرُ المطلقُ ، الذي لا يتقيدُ بوقتٍ.
وقد ذكر البخاريُّ عن عمرَ وابنِ عمرَ ، أنهما كانا يكبرانِ بمِنِّى - يعني :
في غيرِ أدبارِ الصلواتِ - ، وأنَّ الناسَ كانوا يكبرونَ بتكبيرٍ عمرَ حتَّى ترتجَّ
مِنَّى .
وعن ميمونةَ ، أنها كانتْ تكبِّرُ يوِمَ النحرِ .
وقد روى أبو عبيد : حدثني يحيى بنُ سعيدٍ ، عن ابنِ جريجٍ ، عن عطاء ،
ا

١٣١
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
کتاب العيدين
عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ ، أن عمرَ كان يكبرُ في قُبَّتِهِ بمِنَّى، فيسمُعه أهلُ المسجد
فيكبرونَ ، فيسمُعه أهلُ السوقِ فيكبرونَ حتى ترتجَّ مِنَّى تكبيراً .
وخرجه عبدُ الرزاقِ ، عن ابن عيينةَ ، عن عمر بنِ دينارٍ : سمعتُ عبيدَ بنَ
عميرٍ - فذكره بمعناه .
وخرجه وكيعٌ في (( كتابه )) ، عن طلحة ، عن عطاء .
وخرجه - أيضًا - ، عن عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ ، عن أبيهِ ، أن عمرَ کان یکبُِّ
تلك الأيامِ بمنّى ، ويقول : التكبيرُ واجبٌ على الناسِ ، ويتأوَّلُ هذه الآيةَ :
﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وذكر مالكٌ في ((الموطأ)» (١) ، أنه بلغَه، أن عمرَ بنَ الخطابِ خرجَ الغدَ من
يوم النحرِ ، حين ارتفعَ النهارُ شيئًا، فكَبَّرِ ، فَكَّر الناسُ بتكبيرِه ، ثم خرجَ حين
زاغتِ الشمسُ ، فكَبَّر، فكَبَّر الناس بتكبيرِهِ ، حتى يتصلَ التكبيرُ ويبلغَ البيتَ ،.
فيعلمَ أن عمرَ قد خرجَ يرمِي .
وهذا منصوصُ الشافعيِّ ، قال في المصلي : إذا سلَّم كَبَّ خلفَ الفرائضِ
والنوافلٍ وعلَى كلِّ حالٍ .
وذكر في ((الأم))(٢) من هذا الباب، أنه يُكَبِّر الحائضُ والجُنب وغير
المتوضئ في جميع الساعات من الليل والنهار .
ومذهب مالك ، أنه لا يكبِّر في أيام التشريق في غير دبر الصلوات . قال :
كذلك كان من يقتدى به يفعل .
ذكره صاحب (( تهذيب المدونة)).
وتأوَّل بعض أصحابه تكبيرَ عُمر بمنّى على أنه كان عند رمي الجمار .
(١) (ص ٢٦١) .
(٢) (١/ ٢١٣) .

١٣٢
حديث : ٩٧٠
کتاب العیدین
وهو تأويل فاسد .
ولم يذكر أصحابنا التكبير فى عيد النحرِ إلا في أدبارِ الصلواتِ ، غيرَ أنهم
ذكرُوا إظهار التكبيرِ في ليلةِ العيدِ، وفي الخروجِ إلى المصلَّى إلى أن يخرجَ
الإمامُ ، والتكبيرَ مع الإمامِ إذا كُبَّر في خطبِهِ .
وحكى بعضُهم خلافًا عن أحمدَ في التكبيرِ في حالِ الرجوعِ من المصلَّى إلى
المنزلِ .
خرج البخاريَّ في هذا البابِ حديثين :
الأولُ :
٩٧٠ - ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الثَّقَفِيُّ ،
قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسًا - وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنَّى إلى عَرَفَات - عَنِ التَّلْبِيَةِ: كَيَفْ كُنْتُمْ
تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِّمِ﴿؟ قَالَ: كَانَ يُلِ الْمُلِّي، لاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكْبِرُ،
لاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ .
وقد أعادَهُ في (( كتابِ الحجِّ)) (١) ، عن عبد اللهِ بنِ يُوسفَ، وفي حديثِهِ :
كيفَ كنتمْ تصنعونَ في هذا اليومِ معَ رسولِ اللهِ وَّهِ؟ فقال: كانَ يُهِلُّ منَّا المُهلُّ
فلا يُنَكَرُ عليه ، ويُكبِّرُ منا المكبِّرُ ، فلا ينكرُ عليه .
في هذا الحديثِ : دليلٌ على أن إظهارَ التكبيرِ يومَ عرفةَ مشروعٌ ، ولو كان
صاحبُهُ محرِمًا قاصدًا عرفةَ للوقوفِ بها ، مع أن شعارَ الإحرامِ التلبيةُ .
فإذا لم ينكر عليه إظهار التكبيرِ للمحرمِ الذي وظيفتُه إظهارُ التلبيةُ ، فلغير
المحرِمِ مِن أهلِ الأمصارِ أولى .
فهذا من أحسن ما يستدل به على استحباب إظهار التكبير يوم عرفة في
(١) (١٦٥٩) .

١٣٣
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
كتاب العيدين
الأمصار وغيرِها ؛ فإن يومَ عرفةَ أولُ أيامِ العيدِ الخمسةِ لأهلِ الإسلامِ ؛ ولذلك
يشرعُ إظهارُ التكبيرِ في الخروجِ إلى العيدينِ في الأمصارِ .
وقد رُوي ذلك عن عمرَ وعليٌّ وابنِ عمرَ وأبي قتادةَ ، وعن خلقٍ منَ
التابعينَ ومَن بعدَهم .
وهو إجماعٌ من العلماءِ لا يُعلَمُ بينهم فيهِ خلافٌ في عيد النحرِ ، إلا ما رَوى
الأثرمُ ، عن أحمدَ ، أنه لا يجهر به في عيدِ النحرِ ، ويجهرُ به في عيدِ الفطرِ .
ولعل مرادَه : أنه يجهرُ به في عيد النحرِ دونَ الجهرِ في عيد الفطرِ ؛ فإن
تكبيرَ عيدِ الفطرِ - عنده - آكد .
وقد قالَ أبو عبد الرحمنِ السُّلميُّ : كانوا في الفطرِ أشدَّ منهم في الأضحَى .
يعني : في التكبيرِ .
ورُوي عن شعبةَ مولى ابنِ عباسٍ ، عن ابن عباس ، أنه سمعَ تكبيرَ الناسِ
يومَ العيدِ ، فقال : أيكبِّرُ الإمامُ ؟ قالوا : لا . قال : ما شأنُ الناسِ أمجانينُ ؟
وشعبةُ هذا ، متكلَّمٌ فيه .
ولعلَّه أرادَ التكبيرَ في حال الخطبةِ .
ورُوي التكبيرُ في الخروجِ يومَ الفطرِ عن أبي أمامةَ وغيرِهِ منَ الصحابةِ .
خرَّجه الجُورجانيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ .
وعن النخعيِّ وأبي حنيفةَ ، أنه لا يكبِرُ في عيدِ الفطرِ بالكلِّيةِ .
ورُوي عنهما موافقةُ الجماعةِ .
وقال أحمدُ (١) في التكبيرِ في عيد الفطرِ : كأنه واجبٌ ؛ لقوله :
﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىْ مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
(١) « مسائل عبد الله )) (ص ١٢٨).

١٣٤
حديث : ٩٧١
کتاب العیدین
وهذه الآيةُ نظيرُها قولُه تعالى في سياق ذكرِ الهدايا : ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ
لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، فاستوَى العيدانِ في ذلكَ. واللهُ
سبحانه وتعالى أعلم .
الحدیثُ الثانِي :
٩٧١ - ثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ: ثَنَا أَبِي، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَقْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطَّةَ،
قَالَتْ: كُنَّا تُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ حَتّى نُخْرِجَ الِبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، وَحَتّى نُخْرِجَ
الْحَيَّصَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ
ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُّهْرَهُ .
في هذا الحديثِ: دليلٌ على أنَّ إظهارَ التكبيرِ للرجالِ مشروعٌ في يومِ العيد ،
ولولاَ إظهارُهُ منَ الرجالِ لما كَّرِ النساءُ خلفَهم بتكبيرِهم .
وإظهارُ التكبيرِ يكونُ في حال انتظارِ الإمامِ قبلَ خروجِهِ .
وهذا مما يُستدلَّ به على أن التكبيرَ لا ينقطعُ ببلوغ المصلَّى، كما هو قولُ
طائفة .
ويكون في حال تكبيرِ الإمامِ في خطبته ؛ فإنَّ الناس يكبرونَ معه ، كما كانَ
ابنُ عمرَ يجيب الإمامَ بالتكبيرِ إذا كبِّرَ على المنبرِ .
وكان عطاءٌ يأمُرُ بذلك بقدرِ ما يُسْمِعونَ أنفسَهم .
خرجَهُ الجُوزجانِيُّ .
وفيه - أيضًا - : ما يدلُّ على أن إظهارَ الدعاءِ مشروعٌ في ذلك اليومِ ، ولعل
إظهارَ الدعاءِ حيث كانَ النبيُّ نَّهِ يدعُو في خطبِهِ ، ويؤَمِّنُ الناسُ على دعائه .
ورُوي عن أبي موسى الأشعريِّ ، أنه كانَ يقولُ في خطبته في العيدين : هذا

١٣٥
١٢ - باب التكبير أيام مني ، وإذا غدا إلى عرفة
کتاب العیدین
يومٌ لا يُردُّ فيه الدعاءُ ، فارفَعوا رغبَتَكُمْ إلى اللهِ عز وجل ، ثم يرفع يديه
ويدعو .
خرَّجه الفريابي .

١٣٦
حديث : ٩٧٢
کتاب العیدین
١٣ - بَابُ
الصَّلاَةِ إِلَى الْحَرْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ
٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّالنَِّّ:﴿ كَانَ تُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ قُدَّمَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَ النَّحْرِ، ثُمَّ يُصَلِّي .
قد سبقَ هذا الحديثُ والكلامُ عليه في (( أبواب: سترة المصلِّى))(١).
وذكرنا : أنَّ ابنَ ماجه (٢) خرّجه من روايةِ الأوزاعيِّ ، عن نافعٍ ، وفي أول
حديثه زيادةٌ: ((أن العنزةَ كانت تحملُ بينَ يديْه))، وفي آخرِهِ: ((أن المصلَّى
كانَ فضاءً ، ليس شيءٌ يستترُ به )).
ولعل هذه الزيادةَ في آخره مدرجةٌ .
وقد خرجه البخاريًّ بدونها في الباب الآتى .
وتقدَّم - أيضاً- قولُ مكحول: إنما كانتْ تُحملُ الحربةُ معَ النبيِّ وَِّ يومَ
العيدِ ؛ لأنه كان يصلّي إليها .
وفي هذا : إشارةٌ إلى أنه لم يكن يفعلُ ذلك تعاظمًا وتكبرًاً ، كما كان أُمراءُ
بني أميةَ ونحوهم يفعلونَه .
وقد يريد به - أيضًا - : أن الحربةَ منَ السلاحِ ، والسلاح يُكرَه حملُه في
العيدينِ ، إلا مِن حاجةٍ ، كما سبقَ ذكرُهُ ، والحاجةُ إلى الحربةِ الصلاةُ إليها في
الفضاء .
فأما إن كانَ في المصلى سترةٌ مبنيةٌ ، فلا حاجةَ إلى حملٍ عَنَزَة مع الإمامِ .
(١) (٤٩٨) .
(٢) (١٣٠٤) .

١٣٧
١٣ - باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد
کتاب العیدین
وقد أشارَ إلى هذا جماعةٌ من العلماءِ مِن أصحابِنا وغيرِهم ، منهم : أبو بكرٍ
عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ .
ولا يقالُ : فقد يحتاجُ إليها الإمامُ ليعتمدَ عليها في حالِ خطبته ؛ لأن هذا لم
ينقلْ عنِ النبيِّ نَّهِ، أنه كان يعتمدُ في خطبته للعيدينِ على العنزة من وجهٍ يُعتمدُ
عليه .
فقد رواه الشافعيُّ (١) ، عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ - هو : ابنُ أبي يحيى - ،
عنْ ليثٍ، عن عطاء، أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ كَانَ إذَا خطبَ يعتمدُ على عنزة
اعتمادًا .
وفي روايةَ : على عنزة أو عصًا .
وهذا مرسلٌ ضعيفٌ .
وقد سبقَ من حديث البراءِ ، أنَّ النبيَّ بَّهِ أُعْطي قوسًا أو عصاً، فاتكأَ علَيْهِ
لما خطب (٢) .
٤
-
(١) ((مسنده)) (١٤٥/١).
(٢) البيهقي (٣٠٠/٣).

١٣٨
حديث : ٩٧٣
کتاب العیدین
١٤ - بَابُ
حَمْلِ الْعَنَزَةِ أَوِ الْحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَيِ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ
٩٧٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنَذِرِ: ثَنَا الْوَلِيدُ: ثَنَا أَبُو عَمْرِو - هُوَ:
الأَوْزَاعِيُّ -: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ النبيُّ: ﴿ يَغْدُو إِلَى الْمَصَلَّى
وَاَلْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيّهِ تُحْمَلُ، وَتُنْصَبُ بِالمُصَلَّى بَيْنَ بَدَيْهِ ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا .
قَدْ ذكرنا في البابِ الماضي معنى حملِ العنزةِ بينَ يديهِ ، فلا حاجةَ إلى
إعادته .
وسبقَ الفرقُ بينَ العنزةِ والحربةِ في ((أبوابِ السترةِ )).
وفي هذه الروايةِ : التصريحُ بسماعِ الأوزاعيِّ لهذا الحديثِ مِنْ نافعٍ .
وقد رواه الوليدُ بنُ مَزْيد ، عنِ الأوزاعيِّ: حدثني الزهريَّ ، عن نافعٍ -
فذكره .
وقد ذكر غيرُ واحدٍ : أن الأوزاعيَّ لم يصحَّ له سماعٌ منْ نافعٍ ، منهم ابنُ
معينٍ ويحيى بنُ بکیرٍ .
وقيل : سمِعَ منه حديثًا واحدًا .
وقد قيل: إن الشاميين كانوا يَتَسَمَّحون في لفظة: ((أنا)) و (( ثنا))،
ويستعملونها في غيرِ السماعِ .
ذكره الإسماعيليّ وغيرُه .

١٣٩
١٥ - باب خروج الحُيَّض إلى المصلى
كتاب العيدين
١٥ - بَابُ
خُرُوجِ الْخُيَّصِ إِلَى الْمُصَلَّى
٩٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أُيُوبَ ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أُمِرْنَا (١) أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَتِقِ وَذَوَاتِ
الخُدُورِ .
وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَقْصَةَ - بِنَحْوِهِ ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ : أَوْ قَالَتِ :
الْعَوَتِقِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ وَيَعْتَزِنَ الْحَّضُ الْمُصَلَّى.
قَد سبقَ هذا الحديثُ بتمامِه في ((كتابِ الحيضِ )) في ((بابِ : شهودِ
الحائضِ العيدَيَنِ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ))(٢)، وفيه: أن حفصةَ قالتْ لأمِّ عطية :
الحَيَّض ؟ فقالت : أليستْ تشهدُ عرفةَ وكذا وكذا .
وتقدم هنالك الكلامُ عليه مستوفَّى .
وفي الحديثِ : أمرُ النساءِ بالخروجِ إلى العيدينِ حتَّى شوابُّهنَّ وذواتُ الخدورِ
و ،
منهُنَّ .
وقد تقدَّم تفسيرُ ((العواتقِ)) ، وأنها جمعُ عاتقٍ ، وهي البكرُ البالغُ التي لم
تُزَوَّجْ .
وفي خروجِ النساءِ إلي العيدينِ أحاديثُ كثيرةٌ ، قد سبق بعضُها ، ويأتي
بعضُها - أيضًا .
وقد اختلف العلماء فيه على أقوال :
(١) في الأصل زيادة: ((بأبى))، ولا وجه لها، والذي في ((اليونينية)): ((أُمرنا أن)) أو («أمرنا
نبينا أن)) .
(٢) (٣٢٤) .

١٤٠
حديث : ٩٧٤
کتاب العیدین
أحدها : أنه مستحبَّ ، وحكي عن طائفة من السلف ، منهم علقمة .
ورُوي عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يخرجُ نساءَه . وروى عنه ، أنه كان يحبسهُنَّ.
وروى الحارث ، عن عليٌّ قال : حقٌّ على كل ذاتٍ نطاق أن تخرجَ في
العيدين .
ولم يكن يرخص لهنَّ في شيءٍ من الخروجٍ إلا في العيدين .
وهو قولُ إسحاقَ وابن حامد من أصحابِنا ..
وقالَ أحمدُ - في روايةِ ابنِ منصورٍ - : لا أحبُّ منعَهَنَّ إذا أردْنَ الخروجَ .
والثاني : أنه مباحٌ ، غيرُ مستحبٍّ ولا مكروه ، حكى عن مالك ، وقاله
طائفةٌ من أصحابِنا .
الثالث: أنه مكروهٌ بعدَ النبيِّ وَِّ، وهو قولُ النخعيِّ ويحيى الأنصاريِّ
والثوريُ وابنِ المباركِ .
وأحمدَ - في روايةٍ حربٍ (١) - ، قال : لا يعجبني في زماننا ؛ لأنه فتنةٌ .
واستدلَّ هؤلاء بأن الحالَ تغيَّر بعدَ النبيِّ وَِّ.
وقد قالت عائشةُ: لو أدركَ رسولُ اللهِ وَلِّ ما أحدثَ النساءُ بعدَه لمنعهنَّ
المساجد ، وقد سبق .
والرابعُ : أنه يرخصَّ فيه للعجائزَ دونَ الشَّابِ ، رُوي عن النخعي - أيضًا -
وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِهِ ، ونقلَه حنبلٌ عن أحمدَ .
وروي عنِ ابنِ عباسٍ بإسنادٍ فيه ضعفٌ ، أنه أفتى بذلكَ سعيدَ بنَ العاصِ ،
فأمر مناديه أن لا تخرج يوم العيد شابةٌ ، وكلُّ العجائزِ يخرجْنَ .
الخامسُ - قولُ الشافعيّ(٢) - : يستحبُّ الخروجُ للعجائزِ ومَن ليست من
(١) و((رواية صالح)) (٤٦٨/١).
(٢) ((الأم)) (٢١٣/١).