النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ ٩ - بَابُ ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم كتاب العيدين وءُ ه السِّلاَحُ يُدْخَلُ الحَرَمَ . ٩٦٧ - حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ابْنِ الْعَاصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قالَ: دَخَلَ الحجَّاجُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ هُوَ؟ قَالَ : صَالِحٌ . قَالَ: مَنْ أَصَابَكَ؟ قالَ : أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلاَحِ فِي يَوْمٍ لَ يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ - يَعْنِي : الحَجَّاجَ. زكريا بنُ يحيى أبو السكينِ الطائيُّ الكُوفِيُّ، روى عنه البخاريُّ هذا الحديثَ، ولم يروِ عنه في ((كتابه)) غيرَه، ولم يخرجْ له أحدٌ مَنْ أهلِ الكتبِ الستة سِوَاهُ . وكذلك أحمدُ بنُ يعقوبَ المسعوديُّ الكوفي ، لم يروُ عنه غيرُ البخاريِّ مِنْ أهلِ الكتبِ ، لكنه رَوَى عنه في مواضعَ أخُرَ من («كِتَابِهِ» . وظاهرُ كلامِ ابنِ عُمَرَ : يقتضي أنَّ حَمْلَ السَّلاَحِ يَوْمَ النحرِ غيرُ جائزٍ ، سواءٌ كانَ في الحرمِ أو غيرِهِ ، وكذلك حملُه في الحرمِ . وفي (صحيحٍ مسلم)(١) من حديثِ معقلٍ، عن أبي الزُّبيِ ، عَنْ جابرٍ ، عنِ النبيِّ ◌َِّ، قال: ((لا يحلّ لأحدكم أنْ يحملَ بمكةَ السَّلاَحِ)). وقولُ ابن عمر : ((لم يكن يحمل فيه))، في معنى رفعه ؛ لأنه إشارة إلى [أن] ذلك كان عادة مستمرة من عهد النبي ◌َّاللّ إلى ذلك الزمان. ولعل النهي إنما هو عن إِشْتهارِ السَّلاحِ لا عن حملهِ في القرابِ ، كما نهى عن ذلكَ في المساجدِ . ويدلُّ عليه: أن النبيَّ ◌َّهِ قاضى أهلَ مكةَ عامَ الحديبيةِ على أنْ يدخَلَها مِنْ قابلٍ ، وأن لا يدخلَها إلا بِجُلْبَانِ السِّلاَحِ ، وهي السيوفُ في القرابِ . ولكنَّ ألفاظَ الأحاديث عامةٌ ، وقد يكونُ دخولهُ مكةَ عامَ القضيةِ بالسِّلاَحِ ؛ لأنه كان خائفًا . (١) (٤ / ١١١) . ١٠٢ حديث : ٩٦٧ کتاب العیدین وقد حُكيَ عن عطاءِ ومالك والشافعيِّ ، أنه يُكرَه إدخالُ السِّلاحِ إلى الحرمِ لغيرِ حاجة إليهِ . وأما حملُ السلاحِ يومَ العيدِ ، فقدْ حكى البخاريُّ عن الحسنِ ، أنه قال : نُهُوا عَنْه ، إلا أن يخافُوا عدوًا . وقد رُوي عنه مرفوعًا : خرَّجْه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرَ في ((كتاب الشافي))، من طريقِ عليٍّ بنِ عياشِ : ثنا إسماعيلُ ، عن ابن أبي نعمٍ(١)، عن الحسنِ ، عَنْ جابرٍ ، قال : نَهى رسولُ اللَّهِ وَلِ أن يُخْرج السلاح في العيدين . إسماعيل ، كأنه : ابن عياش . والصحيح : الموقوف . وبوَّب عليه أبو بكر : ((باب : القول في لبس السلاح في العيدين وذكر الثغور)) . يشير إلى أنه في الثغورِ التي يخافُ فيها من هجمٍ العدوِّ غير منهيٌّ عنه . (١) كذا، ولعل الصواب: ((ابن أنُعم))، وهو ((عبد الرحمن بن زياد)» ؛ فإن ابن عياش يروي عنه . والله أعلم . ١ ١٠٣ ١٠ - بَابُ التبكير إلى العيد کتاب العیدین ١٠ - بَابُ التَّبْكيرِ إِلَى الْعِيدِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرِ: إِنْ كُنَّا قَدْ (١) فَرَغْنَا فِي هِذِ السَّاعَةِ ، وَذِلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ. ٩٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: نا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ ، قَالَ: خَطَ الَِّيُّ ◌َ يَوْمَ النَّخْرِ، فَقَالَ: ((إنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّنَرْجِعَ فَنْحَرَ) . ثم ذكرَ بقيةَ الحديثِ - يَعْنِي حديثَ آدَمَ ، عن شعبةَ - ، وقد سبقَ قريبًا ، إلا أنَّه قالَ: ((اجعلها مكانَها)) - أو قال - : ((اذبْحَها، ولنْ تجزيَ جَذْعَةٌ عن أحد بعدَكَ)). وجهُ الاستدلالِ بحديثِ البراءِ على التبكيرِ بصلاةِ العيدِ: أنَّ النبيِّ وَِّ أخبرَ أنَّ أولَ ما يبدأُ بهِ في يومِ النحرِ الصلاةُ ، ثم النحر بعد رجوعه ، والمراد باليوم هاهنا : ما بعد طلوع الشمس ، فإنه لا يجوز صلاة العيد قبل [ذلك](٣) بالاتفاق . وهذا مما يرد قول من قال من أصحابنا بجوازِ صلاةِ الجمعةِ قبل طلوعٍ الشمسِ . وقد يَسْتدِلُّ به مَنْ يرى أنَّ صلاةَ العيدِ تجوز قبل زوال وقت النهي . ويجابُ عنه بأن ذكرَه أولُ ما يُبْدَأُ به في وقت متسع ، لا يلزمُ منه أن يكون (١) ((قد)) ليست في ((اليونينية)). (٢) هي كلمة ضمن لحق، بدأ من كلمة ((فإنه)) وينتهي بكلمة ((الشمس))، ولم يظهر منها إلا حرف ((الذال))، فزدت بقيتها بمقتضى السياق ، لكن بعدها طمس ، فأخشى أن يكون سقط كلمة أو أكثر بعدها . ١٠٤ حديث : ٩٦٨ کتاب العیدین فعلُه له في أولِ ذلك الوقت . وقال الشافعي(١): أنا الثقةُ، أنَّ الحسنَ كان يقول: إنَّ النبيَّ ◌َ لِّ كان يغدُو إلى الأَضْحَى والفِطْرِ حينَ تطلعُ الشمسُ ، فيتتام(٢) طلوعها . وأما حديثُ عبدِ اللهِ بن بُسْرٍ ، الذي ذكره تعليقًا : فخرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابن ماجه(٣) من حديثِ يزيدَ بنِ خُمَّيْرٍ الرَّحَبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عبدُ اللهِ بن بُسْرٍ - صاحبُ النبيِّ نَّهِ - معَ الناسِ في يومٍ عيد فطر - أو أضحى - ، فأنكر إبطاءَ الإمامِ ، وقال: إنَّا كنا قد فرغْنا ساعتَنَا هذه ، وذلك حين التسبيحِ . والمرادُ بصلاةٍ التسبيحِ : صلاةُ الضحىَ . والمرادُ بحينها : وقتُها المختارُ ، وهو إذا اشتدَّ الحرُّ . ١ فهذَاَ التأخيرُ هو الذي أنكرَهَ عبدُ اللَّهِ بنُ بُسْرٍ ، ولم ينكر تأخيرها إلى أن يزول وقت النهي ؛ فإن ذلك هو الأفضل بالاتفاق ، فكيف ينكره . وقد اختلف في أول وقت صلاة العيد : فقال أبو حنيفة وأحمد : أول وقتها إذا ارتفعت الشمسُ ، وزالَ وقتُ النهي. وهو أحدُ الوجهينِ للشافعيةِ . والثاني - لهم - : أوَّلُ وقتِها إذا طلعتِ الشمسُ ، وإن لم يزلْ وقتُ النهي . وهو قولُ مالك . ويتخرج لأصحابِنا مثلُه ، على قولهم : إنَّ ذواتَ الأسبابِ كلَّها تُفْعلُ في أوقات النهي . (١) (الأم)) (٢٠٥/١). .(٢) في الأصل: ((فيقام))، والتصويب من ((الأم)). (٣) أبو داود (١١٣٥) وابن ماج (١٣١٧)، ولم نجده في ((المسند)). ١٠٥ ١٠ - بَابُ التبكير إلى العيد کتاب العیدین وقد خرّجه بعضهم في صلاة الاستسقاءِ ، وصلاةُ العيد مثلُها . وعملُ السلفِ يدلُّ على الأولِ ؛ فإنه قد رُويَ عن ابنِ عمرَ ورافعٍ بنِ خديجٍ وجماعةٍ منَ التابعينَ ، أنهم كانوا لا يخرجون إلى العيدِ حتى تطلعَ الشمسُ ، وكان بعضُهم يصلّي الضُّحىَ في المسجدِ قبلَ أن يخرجَ إلى العيدِ . وهذا يدلُّ على أن صلاتها إنما كانت تُفعل بعدَ زوالِ وقتِ النهي . واختلفوا : هَلْ يُستحبُّ إقامةُ العيدينِ في وقتٍ واحدٍ بالسويَّةِ ، أو يعجلُ أحدُهما عن آخر ؟ على قولين . أحدُهما : أنهما يصلَّان بالسويَّةِ ، وهو قولُ مالك . وقال ربيعة : إذا طلعت الشمس فالتعجيل بهما - يعني : الفطر والأضحى - أحسن من التأخير . قال الزهري : كانوا يؤخرون العيدين حتى يرتفع النهار جدًا . وروى عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه كانَ يبكُّرُ بالخروجِ إلى الصلاةِ ؛ كيلاً يصلَِّ أحدٌ قبلَها . خرَّجه كلَّه جعفرُ الفريابيُّ في ((كتابِ العيدَيْنِ» . والثاني : يستحبُّ أن تُؤْخِرَ صلاة الفطرِ، وتُقدمُ الأضْحَى ، وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ . وفي حديث مرسل، خرَّجه الشافعيُّ (١)، أنَّ النبيَّ وََّ كتبَ إلى عمرو بنِ حزمٍ - وهو بنجران - أنْ عجِّل الأَضْحَى، وأخِّرِ الفِطْرَ . وفي إسنادِهِ : إِبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ أبي يحيى ، وهو ضعيفٌ جداً . والمعنى في ذلكَ : أنه بتأخيرِ صلاةِ عيدِ الفطرِ يتسعُ وقتُ إخراجِ الفطرة المستحب إخراجها فيه ، وبتعجيلِ صلاةِ الأضحَى يتسعُ وقتُ التضحيةِ ، ولا (١) ((مسنده)) (١٥٢/١). ١٠٦ حديث : ٩٦٨ کتاب العیدین يشق على الناس أن يمسكوا عن الأكلِ حتى يأكلوا من ضحاياهم . وقد تقدم في حديث ابنِ عباسِ المخرَّج في («المسند»(١): وكانُوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى ، فيقولون : نطعم حتى لا نعجل عن صلاتنا . وأظنه من قول عطاء . ويكون تعجيل صلاة الأضحى بمقدار وصول الناس من المزدلفة إلى منى ورميهم وذِبِحهم - نص عليه أحمدُ في روايةِ حنبلٍ - ؛ ليكونَ أهلُ الأمصارِ تبعًا للحاجٌّ في ذلك ؛ فإنَّ رمي الحاجِّ الجمرةَ بمنزلةِ صلاةِ العيدِ لأهلِ الأمصارِ . وأما آخرُ وقتِ صلاةِ العيدِ فهو : زوالُ الشمسِ . قال عطاءٌ : كلُّ عيدٍ في صدرِ النهارِ . وقال مجاهدٌ : كانوا يعدون العيدَ في صدرِ النهارِ . وقال مجاهد : كلُّ عيدٍ للمسلمينَ فهو قبلَ نصفِ النهارِ . وقال أحمد : لا يكون الخروجُ للعيدين إلا قبلَ الزوالِ . وأما إن لم يُعْلم بالعيدِ إلا في أثناءِ النهارِ ، فإن عُلم به قبلَ زوالِ الشمسِ خرجُوا من وقتِهم ، وصلَّوْا صلاةَ العيدِ . وإنْ شهدُوا بعد الزوالِ في أثناءِ النهارِ ، فقال أكثرُ العلماءِ : يخرجونَ من الغدِ للصلاةِ ، وهو قول عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والثوريِّ وأبي حنيفةَ والأوزاعيِّ والليثِ وإسحاقَ وأحمدَ وابن المنذرِ . واستدلوا بما روى أبو عمير بن أنس ، قال : حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي وَّر، قالوا : غم علينا هلال شوال ، فأصبحنا صيامًا ، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عندَ رسولِ اللَّهِ وَ لِّ أنهم رأوا الهلالَ بالأمس ، فأمرَ الناسَ أن يفطروا من يومِهم ، وأن يخرجُوا لعيدِهم من الغدِ . (١) (١/ ٣١٣) . ١٠٧ ١٠ - بَابُ التبكير إلى العيد كتاب العيدين خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وابن ماجه (١). وصحَّحَهُ إسحاقُ بنُ راهويه والخطَّبيُّ والبيهقيُّ . واحتج به أحمدُ . وتوقف فيه الشافعيُّ ، وقال : لو ثبتَ قلنا به . وقالت طائفةٌ: تسقطُ ولا تُصلَّى بعد ذلكَ ، كما لا تُقْضَى الجمعةُ إِذَا فاتتْ، وهو قولُ مالكِ وأبي ثورٍ والشافعيِّ - في قولٍ له . والقولُ المشهورُ ، عنه : أنه إنْ أمكنَ جمعُ الناسِ في بقيةِ يومِهم لصغر البلد خرجُوا ، وصلَّوْا في بقيةِ اليومِ ، وإلاَّ أخَّرُوه إلى الغدِ . وبنى ذلك أصحابُه على أن التأخيرَ إلى الغد قضاءٌ ، أو أداءٌ . فإنْ قيلَ : إنه أداءٌ ، لم تصلَّ بعد الزوال ؛ لأن وقت أدائها قد فات . وإن قيل : إنه قضاء - وهو أصح عندهم - ، قضيت في بقية النهار ، إذا أمكن جمع الناس فيه . وهو أفضل - عندهم - من تأخيرها إلى الغد ، في أصح الوجهين عندهم . ولا خلاف عندهم ، أنه إذا لم يُعلم بالعيد إلا في الليلة الثانية ، أنه يصلي من الغد . قالوا : ويكون أداءً ، بغير خلاف . واتفقوا على أن هذه الشهادة لا تقبل بالنسبة إلى صلاة العيد ، بل تصلَّى من الغد أداءً بغير خلاف . قال في ((شرح المهذب)): قال أصحابنا : ليس يوم الفطر أول شوال مطلقًا، وإنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس ؛ بدليل حديث : ((فطركم يوم تفطرون)) (٢)، (١) أحمد (٥٧/٥ - ٥٨) وأبو داود (١١٥٧) والنسائي (١٨٠/٣) وابن ماجه (١٦٥٣). (٢) ((مسند الشافعي)) (١/ ١٥١) و((السنن)) للدارقطني (٢٢٤/٢ - ٢٢٥). ١٠٨ حديث : ٩٦٨ کتاب العیدین وكذلك يوم النحر ، وكذلك يوم عرفة هو اليوم الذي يظهر للناس ، أنه يوم عرفة ، سواء كان التاسع أو العاشر . وقال الشافعي في ((الأم)) عقب هذا الحديث : فبهذا نأخذ . قال : وإنما كلف العباد الظاهر ، ولم يظهر الفطر إلا يوم أفطروا . انتهى . وقال أصحاب أبي حنيفة - فيمن شهد بيوم عرفة بعرفة ، على وجه لا يتمكن الناس فيه من تلافي الوقوف ، على تقدير صحة شهادتهم في ذلك العام - : إن شهادتهم غير مقبولة ؛ لما يؤدى إليه قبولها من إيقاع الناس في الفتنة ، بتفويت حجهم . ذكره صاحب ((الكافي)) - منهم . ١٠٩ ١١ - بَابُ فضل العمل في أيام التشريق کتاب العیدین ١١ - بَابُ فَضْلِ العَمَلِ فِي أَّامِ الَّشْرِيقِ وقالَ ابْنُ عَبَّاس ﴿واذكروا الله في أيام معلومات﴾(١): أَيَّامُ الْعَشْرِ. وَالأَيَّامُ المَعْدُوداتُ: أَيَّامُ التّشْرِيقِ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُ جَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ ، يُكْبِرَانِ وَيُكَبِرُ النَّاسُ بتَكْبِيرِهِمَا . وَكَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلِةِ . بوَّبَ على فضل أيامِ التشريقِ والعملَ فيها . وذكر في البابِ أيام التشريقِ وأيامَ العشرِ ، وفضلَهُما جميعًا . وذكر عنِ ابنِ عباسٍ : أنَّ الأيامَ المعلوماتِ المذكورةَ في سورةِ الحجِّ مي أیامُ العشرِ ، والأيامَ المعدوداتِ المذكورةَ في سورةِ البقرةِ هي أيام التشريقِ . وفي كلِّ منهما اختلافٌ بين العلماء : فأمَّا المعلوماتُ : فقد رُوي عَنِ ابنِ عباسٍ ، أنها أيامُ عشرِ ذي الحجة ، كما حكاه عنه البخاريُّ . ورُوي - أيضًا - عن ابنِ عُمَرَ ، وعن عطاءِ والحسنِ ومجاهدٍ وعكرمةَ وقتادةَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ - في المشهور ، عنه . وقالت طائفةٌ : الأيامُ المعلوماتُ : يومُ النحرِ ويومانِ بعدَه ، رُوي عن ابنِ (١) كذا في إحدى نسخ ((اليونينية))، وفي نسخة: ﴿ويذكروا الله في أيام معدودات)، وهما مخالفتان للتلاوة . ١١٠ ١١ - بَابُ فضل العمل في أيام التشريق کتاب العیدین عمرَ وغيرِهِ منَ السَّلْفِ . وقالوا : هي أيامُ الذَّبِحِ . ورُوي - أيضًا - عن عليٌّ وابن عباسٍ ، وعن عطاءِ الخراسانيِّ والنخعيِّ ، وهو قولُ مالكِ وأبي يوسُفَ ومحمدٍ وأحمدَ - في روايةٍ عنه . ومن قال : أيامُ الذبحِ أربعةٌ ، قال : هي يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَه . وقد رُوي عن أبي موسى الأشعريِّ ، أنه قال - في خطبتهِ يومَ النحرِ - : هذا يومُ الحجِّ الأكبرِ ، وهذهِ الأيامُ المعلوماتُ التسعةُ التي ذكرَ اللَّهُ في القرآنِ ، لا يُردُّ فيهنَّ الدُّعاءُ ، هذا يومُ الحجِّ الأكبرِ ، وما بعدَه من الثلاثةِ اللائي ذكرَ اللَّهُ الأيامُ المعدوداتُ ، لا يُرَدُّ فيهنَّ الدعاءُ . وهؤلاء جعلُوا ذكرَ اللَّهِ فيها هو ذكره على الذَّبائح(١). ورُويَ عن مُحمد بنِ كعبٍ ، أَنَّ المعلوماتِ أيام التشريقُ خاصة . والقولُ الأولُ أصحُّ ؛ فإن اللَّه سبحانه وتعالى قال - بعد ذكرِه في هذه الأيام المعلومات: ﴿ثُمَّلْيَقْضُوا تَفَتَهُمْ وَلْيُوْفُوا نُذُورَهُمْ وَلَيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيْقِ﴾ [الحج: ٢٩] . والتفتُ : هو ما يصيبُ الحاجَّ منَ الشَّعَثِ والغبارِ . وقضاؤه : إكماله . وذلك يحصلُ يومَ النحرِ بالتحللِ فيه من الإحرامِ ، فقد جعلَ ذلكَ بعد ذكرِه في الأيامِ المعلوماتِ ، فدلَّ على أن الأيَّامَ المعلوماتِ قبل يومِ النحرِ الذي يقضى فيه التفث ويُطَّوف فيه بالبيتِ العتيقِ . فلو كانت الأيام المعلومات أيام الذبح لكان الذكرُ فيها بعدَ قضاءِ التفثِ ووفاء النذورِ والتطوفِ بالبيتِ العتيقِ ، والقرآنُ يدلُّ على أن الذكرَ فيها قبلَ ذلكَ . (١) في الأصل زاد: ((فيها)) ، وهو تكرار . وبعدها: «اللَّه عز وجل)» وعليه ضرب . ١١١ ١١ - بَابُ فضل العمل في أيام التشريق كتاب العيدين وأما قولُه تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] . فإِمَّا أنْ يقالَ : إن ذكرَه على الذبائح يحصلُ في يومَ النحرِ ، وهو أفضلُ أوقاتِ الذبحِ ، وهو آخرُ العشرِ . وإِمَّا أَنْ يقالَ : إِنَّ ذكرَه على ما رزقَنا من بهيمة الأنعامِ ، ليسَ هو ذكرَه على الذبائحِ ، بل ذكرُه في أيامِ العشرِ كلِّها ، شكراً على نعمة رزقه لنا مِن بهيمةٍ الأنعامِ ؛ فإِن للَّه تعالى علينا فيها نعمًا كثيرةً دنيويةً ودينيةً . وقد عدََّ بعضَ الدنيويةِ في سورةِ النَّحلِ ، وتختصُ عشرُ ذي الحجة منها بحملِ أثقالِ الحاجٌّ ، وإيصالهم إلى قضاءِ مناسكِهِم والانتفاعِ بركوبِها ودرِّها ونسلها وأصوافِها وأشعارِها . وأما الدينيةُ فكثيرةٌ ، مثلُ : إيجابِ الهدْي وإشعارِهِ وتقليدِه ، وغالبًا يكونُ ذلكَ في أيامِ العشرِ أو بعضها(١)، وذبحه في آخرِ العشرِ، والتقربُ بهِ إلى اللّهِ ، والأكلُ من لحمه، وإطعامُ القَانعِ والمعترِّ . فلذلك شُرعَ ذكرُ اللَّهِ في أيامِ العشرِ شكرًا على هذهِ النعمِ كلِّها ، كما صرَّح به في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، كما أَمَرَ بِالتكبيرِ عندَ قضاءٍ صيامِ رمضانَ ، وإكمالِ العدةِ ، شكرًاً على ما هدانا إليه منَ الصيامِ والقيامِ المقتضِي لمغفرة الذنوبِ السابقةِ . وأمَّا الأيامُ المعدوداتُ : فالجمهورُ على أنها أيام التشريقِ ، ورُوي عن ابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ وغيرِهِمَا. واستدلَّ ابن عُمرَ بقوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عليهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣])) ٥٠٠٠ وإنَّما يكون التعجيلُ في ثاني أيامِ التشريقِ . قال الإمامُ أحمدُ : ما أحسنَ ما قالَ ابنُ عُمر . (١) في الأصل : ((بعضا)). ١١٢ ١١ - بَابُ فضل العمل في أيام التشريق کتاب العیدین وقد رُوي عن ابن عباسٍ وعطاءٍ ، أنها أربعةُ أيامٍ : يومُ النحرِ ، وثلاثة بعدَه . وفي إسناد المرويِّ عن ابن عباسٍ ضعفٌ . وأمَّا ما ذكره البخاريُّ عنِ ابن عُمرَ وأبي هريرةَ ، فهو من روايةِ سلامٍ أبي المنذرِ ، عَنْ حميدِ الأَعرجِ ، عنِ مجاهدٍ ، أن ابن عُمرَ وأبا هريرةَ كانا يخرجانِ في العشرِ إلى السوقِ يكبرَانِ ، لا يخرجَانِ إلا لِذلكَ . خرَّجْه أبو بكرٍ عبدُ العزيز بنُ جعفرَ فِي ((كتاب الشافي)) وأبو بكرٍ المروزي القاضي في ((كتاب العيدين)) . ٩١ ورواه عفانُ: نا سلامٌ أبو المنذرِ - فذكره ، ولفظه: كانَ أبو هريرةَ وابنُ عُمرَ يأتيانِ السوق أيامَ العشرِ ، فيكبرانِ ، ويكبرُ الناسُ معهمَا ، ولا يأتيانِ لِشيءٍ إلا لذلك . وروى جعفرُ الفريابيُّ، من روايةِ يزيدَ بنِ أبي زيادٍ ، قال : رأيتُ سعيدَ بنَ جبير وعبدَ الرحمنِ بنَ أبي ليلى ومجاهدًا - أوِ اثنينٍ من هؤلاءِ الثلاثةِ - ومَن رأيناً من فقهاءِ الناسِ يقولون في أيامِ العشرِ: «اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ ، لا إله إلاَّ اللَّهُ واللَّهُ أكبرُ . اللَّهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ» . وروى المروزيُّ ، عن ميمونَ بن مهرانَ ، قال : أدركتُ الناسَ وإنهم ليكبرونَ في العشرِ ، حتى كنت أشبههَ بالأمواجِ مِن كثرتِهَا ، ويقول : إن الناسَ قد نقصوا في تركِهِمُ التكبيرَ . وهو مذهبُ أحمدَ ، ونصَّ على أنه يجهرُ به . وقال الشافعيُّ : يكبرُ عندَ رؤيةِ الأضاحِي . وكأنه أدخله في التكبيرِ على بهيمة الأنعامِ المذكورِ في القرآنِ ، وهو وإنْ كان داخلاً فيه ، إلا أنه لا يختصّ به ، بل هو أعمَّ مِن ذلكَ كما تقدم . ١١٣ ١١ - بَابُ فضل العمل في أيام التشريق کتاب العیدین وهذا على أصلِ الشافعيِّ وأحمدَ : في أن الأيام المعلوماتِ هي أيامُ العشرِ ، كما سبقَ . فأما من قال: هي أيام الذبح ، فمنهم من لم يستحبُّ التكبيرَ في أيامِ العشرِ ، وحكي عن مالكٍ وأبي حنيفةً . ومنَ الناسِ مَن بالغَ ، وعدّ من البدعِ ، ولم يبلغْه ما في ذلك من السنةِ . ورَوَى شعبةُ ، قال : سألتُ الحكمَ وحمادًا عنِ التكبيرِ أيامَ العشرِ ؟ فقالا : لا؛ مُحْدَثٌ (١). خرَّجه المروزيُّ . وخرَّج الإمامُ أحمدُ (٢) من حديث ابنٍ عُمرَ، عن النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((مَا مِنْ أيام أعظم عندَ اللَّه ولا أحبَّ إليه العملُ فيه من هذه الأيام العشرِ ؛ فأكثروا فيهنَّ منَ التهليل والتكبيرِ والتحميد» . ويروى نحوُهُ من حديثِ ابنِ عباسٍ - مرفوعًا (٣)، وفيه: ((فأكثروا فيهنَّ التهليل والتكبير ؛ فإنها أيامُ تهليل وتكبير وذكر الله عز وجل)) . وأما ما ذكرَه عن محمدُ بنُ عليٍّ في التكبيرِ خلفَ النافلةِ ، فهوَ في أيامٍ التشريقِ . ومرادُه : أن التكبيرَ يُشْرَعُ في أيامِ العشرِ وأيامِ التشريقِ جميعًا ، وسيأتي ذكرُ التكبيرِ في أيامِ التشريقِ فيما بعدُ - إنْ شاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى. قَالَ الْبُخَارِيُّ - رَحَمِهُ اللَّهُ تَعَالَى - : ٩٦٩ - نا محمد بن عَرْعَرَة: نا شَعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمانَ، عَنْ مُسْلِم الْبَطِينِ، عَنْ (١) في الأصل: ((يحدث)). (٢) ((المسند)) (٧٥/٢، ١٣١). (٣) (المصنف)) لعبد الرزاق (٣٧٦/٤). ١١٤ حديث : ٩٦٩ کتاب العیدین سَعِيدِ بْنِ جٍُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َ هِ، قَالَ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَّامٍ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي هذِه - يعني: أَيَّامَ الْعَشْرِ -، قالوا: وَلَ الْجِهَادُ؟ قَالَ: ((وَلَاَ الْجِهَادُ ، إلاَّ رَجُلٌ يَخْرُجُ(١) يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» . هكذا في أكثرِ النسخِ المعتمدةِ ، وفي أكثرِ النسخ : ((ما العملُ في العشر أفضلُ منه في هذه الأيامِ)) - وكأنه يشيرُ إلى أيامِ التشريقِ - ، والحديثُ بهذا اللفظِ غيرُ معروفٍ . وفيه : تفضيلُ العملِ في أيامِ التشريقِ وأيامِ العشرِ جميعًا . ولعل هذا من تصرفِ بعض الرواةِ ، حيث أُشكلَ عليه إدخالُ الحديث باللفظِ المشهورِ في ((بابِ : فضلِ العملِ في أيامِ التشريقِ)). والبخاريّ اتبعَ عبدَ الرزاقِ ؛ فإنه خرَّج هذا الحديثَ في ((مصنَّفْه))(٢) في ((باب : فضل أيام التشريق)) - أيضًا . وقد ذكر أن البخاريَّ وإن بَوَّبَ عَلَى أيامِ التشريقِ ، لكنه ذكرَ في البابِ فضلَ أيامِ العشرِ وأيامِ التشريقِ جميعًا ، ولهذا ذكر عن ابنِ عباسٍ تفسيرَ الأيامِ المعلوماتِ ، والأيامِ المعدوداتِ . وعن ابن عمرَ وأبي هريرةَ التكبيرَ في أيامٍ العشرِ . وعن محمد بن علي التكبيرَ في أيام التشريقِ خلفَ النوافلِ ، فَعُلم أنه أراد ذكرَ فضائلِ هذهِ الأيامِ جميعِهَا ، وليس في فضلِ العملِ في أيامِ التشريقِ حديثٌ مرفوعٌ ، فخرج فيه حديثَ فضل العمل في أيام العشر . وهذا الحديثُ حديثٌ عظيمٌ جليلٌ . وسليمانُ الذي رواه عنه شعبةُ هو الأعمشُ ، وقد رواه جماعةٌ عنِ الأَعمشِ (١) في ((اليونينية)): ((خرج)). (٢) (٣٧٥/٤) . لكن في ((المطبوع)): ((العشر)) بدل ((التشريق)). ١١٥ ١١ - بَابُ فضل العمل في أيام التشريق کتاب العیدین بهذا الإسناد ، وهو المحفوظُ - : قالَه الدارقطنيُّ وغيرُه . واختُلِفَ على الأعمشِ فيه : ورواه عن مسلمٍ البَطِينِ مع الأعمشِ : حبيبُ بنُ أبي عمرةَ ومُخَوَّلُ بنُ راشد . ورواه عن سعيد بن جبير معَ البَطينِ : أبوُ صالحٍ ومجاهدٌ وسلمةُ بن كهيلٍ وأبوُ إسحاقَ والحكمُ وعديٌّ بنُ ثابتٍ وغيرُهم ، مع اختلافٍ على بعضِهم فيه . ورواه عن ابنِ عباسٍ مع سعيد بن جبيرٍ ، عطاءٌ وطاوسَ ومجاهدٌ وعكرمةُ ومِقْسَم ، مع اختلافٍ على بعضِهِم يطولُ ذكرُه . ولعل مسلمًا لم يخرجه للاختلافِ في إسنادِهِ . واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلمُ . وهذا الحديثُ نصٌّ في أن العملَ المفضول يصيرُ فاضلاً إذا وقع في زمانٍ فاضل ، حتى يصيرَ أفضلَ مِن غيرِهِ منَ الأعمالِ الفاضلةِ ؛ لفضلٍ زمانه . وفي أنَّ العملَ في عشرِ ذي الحجةِ أفضلُ من جميعِ الأعمالِ الفاضلةِ في غيره . ولا يُستثنى من ذلكَ سوى أفضلِ أنواعِ الجهادِ ، وهو أن يخرجَ الرجلُ بنفسِهِ ومالِهِ ، ثم لا يرجعُ منهما بشيءٍ . وقد سُئِل النبيّ وَّهِ: أي الجهاد أفضل؟ قال: ((من عقر جواده، وأهريق دمه)) . وسمع رجلاً يقولُ : اللهمَّ أعْطني أفضلَ مَا تعطي عبادَك الصالحينَ ، فقال له : «إذنْ يُعقر جوادك، وتُسْتَشهد)». فهذا الجهادُ بخصوصه يَفْضُل على العمل في العشرِ ، وأما سائرُ أنواعِ الجهادِ مع سائرِ الأعمالِ ، فإن العملَ في عشرِ ذي الحجةِ أفضلُ منهَا . ١١٦ حديث : ٩٦٩ کتاب العیدین وفي رواية : «وأحبُّ إلى اللَّهِ عز وجل)) . فإن قيل : فإذا كان كذلك فينبغي أن يكونَ الحجُّ أفضلَ منَ الجهاد ؛ لأن الحجَّ يختصُّ بهذه(١) العشرِ ، وهو من أفضلِ أعمالِهِ ، ومع هذا فالجهادُ أفضلُ منه؛ لما في ((الصحيحين))، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّرِ، أنه قال: ((أفضلُ الأعمالِ الإيمانُ باللّهِ ورسولِهِ، ثُمَّ الجهادُ في سبيل اللَّهِ، ثم حجِّ مبرورٌ). قيل : للجمع بينهما وجهان : أحدُهما : بأن يكونَ الحجُّ أفضلَ من سائرِ أنواعِ الجهادِ ، إلا الجهادَ الذي لا يرجعُ صاحبُهُ منه بشيءٍ من نفسِهِ وماله ، فيكونُ هذا الجهادُ هو الذي يفضلُ على الحجِّ خاصةً . وقد رُويَ عن طائفةٍ من الصحابةِ تفضيلُ الحجٌّ على الجهادِ ، ومنهم : عُمر وابنُه وأبو موسى وغيرُهم ، وعن مجاهدٍ وغیرِهِ . فيحملُ على تفضيله على ما عدا هذا الجهادِ الخاص ، ويجمع بذلك بين النصوص كلّها . الوجه الثاني : أن الجهادَ في نفسِهِ أفضلُ من الحجِّ ، لكن قد يقترن بالحج ما يصير به أفضلَ من الجهادِ ، وقد يتجرد عن ذلكِ فيكونُ الجهادُ أفضلَ منه حينئذ . ولذلك أمثلة : منها : أن يكون الحج مفروضًا ، فيكون حينئذ أفضل من التطوع بالجهاد ، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ . وقد رُويّ صريحًا ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ العاصِ . ورُويَ - مَرْفُوعًا - من وجوهِ متعددةٍ ، في أسانيدِها لينٌ . (١) في الأصل: ((بهذا)). ١ ١١٧ ١١ - بَابُ فضل العمل في أيام التشريق کتاب العیدین ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ وغيرهُ . وقَد دلَّ عليه: قولُ النبيِّ نَّهِ حكايةً عنْ رَبِّه عزَّ وجلَّ: ((ما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه)) . وقد خرَّجه البخاريُّ في ((كتابه))(١) هذا . ومنها : أن يكونَ الحاجُّ ليسَ من أهلِ الجهادِ ، فحجُّه أفضلُ من جهاده ، كالمرأة . وقد خرَّج البخاريُّ (٢) حديثَ عائشة، أنها قالت: يا رسول اللَّه نَرى الجهادَ أفضلَ العملِ ، أفلا نجاهد ؟ قال : ((لكنَّ أفضلَ الجهاد حجِّ مبرورٌ» . ومنها : أنْ يستوعبَ عملُ الحجِّ جميعَ أيامِ العشرِ ، ويؤتي به على أكملٍ الوجوه ، وجوه البرِّ مِن أداءِ الواجبات وفعلِ المندوباتِ واجتنابِ المحرَّمات والمكروهات ، مع كثرةٍ ذكرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ والإحسان إلى عباده ، وكثرة العجُّ والثجِّ ، فهذا الحجُّ قد يفضلُ على الجهاد . وقد يُحملُ عليه ما روي عن الصحابةِ مِن تفضيلِ الحجُّ عَلى الجهاد ، كما سبق . وإنْ وقعَ عملُ الحجِّ في جزءٍ يسيرٍ من العشرِ ، ولم يُؤْتَ بِهِ عَلى الوجه الكاملِ من البرِّ ، فإنَّ الجهادَ حينئذٍ أفضلُ منهُ . ويدلُّ عليه - أيضًا -: أنَّ النبيَّ وَّ لما سُئل عن عملٍ يعدلُ الجهادَ ، فقال: (هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المجاهدُ، أنْ تقومَ فَلا تَفْتُرُ، وَتَصُومَ فَلا تُفْطِرُ؟»(٣). فَدَلَّ عَلى أنَّ العملَ من [فتورِ](٤) في أيِّ وقتِ كانَ يعدلُ الجهادَ ، فإذا وقعَ (١) (٦٥٠٢) . (٢) (١٥٢٠) . (٣) أخرجه البخاري (٢٧٨٥) . (٤) ألحقت وهكذا يمكن أن تقرأ ، ويؤيدها الحديث المذكور . ١١٨ حديث : ٩٦٩ کتاب العیدین هَذا العملُ الدائمُ في العشرِ بخصوصِهِ كانَ أفضلَ في عددِ أيَّامِهِ من سائرِ السَّنَةِ ، إلاَّ مِنْ أفضلِ الجهادِ بخصُوصه كما تقدم . ولهذا كان سعيدُ بنُ جبيرٍ - وهو راوي هذَا الحديثِ ، عن ابن عباسٍ - إذا دخلَ العشرُ اجتهدَ اجتهادًا حتى ما يكاد يقدرُ عليه . ورُويَ عنه ، أنه قالَ : لا تطفئوا مصابيحكم في العشرِ - يعجبه العبادة . فإن قيلَ : هل المرادُ : تفضيلُ العملِ في هذه (١) العشرِ على العملِ في كل عشر غيره من أيام الدنيا ، فيدخل في ذلك عشر رمضان وغيره ، أم على العمل في أكثر من عشر أخر من الأيام ، وإن طالت المدة ؟ قيل : أما تفضيل العمل فيه على العملِ في كلِّ عشرٍ غيرِهِ ، فلا شكَّ في ذلك . ويدلُّ عليه : مَاَ خرَّجِه ابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ) (٢)، من حديثِ جابرٍ ، عنِ النبيُّ ◌َّةِ، قالَ: ((ما منْ أيامٍ أفضلُ عندِ اللَّهِ مِنْ أيامٍ عشرِ ذِي الحجَّةِ)) . فَقَالَ رجل : يا رسولَ اللَّهِ، هو أفضل أو عدتهُنَّ جهادٌ في سبيل اللّه؟ قال: ((هو (٣) أفضلُ من عدتهِنَّ جهادٌ في سبيل اللَّهِ عز وجل)) . فيدخل في ذلك تفضيل العمل في عشرِ ذي الحجةِ على العملِ في جميعِ أعشارِ الشهورِ كلِّها ، ومن ذلك عشرُ رمضانَ . لكن فرائضَ عشرِ ذِي الحجةِ أفضلُ من فرائضِ سائرِ الأعشارِ ، ونوافلَه أفضلُ من نوافلها ، فأمَّا نوافلُ العشرِ فليست أفضلَ من فرائضِ غيرِه ، كما سبقَ تقريرُه في الحجِّ والجهادِ . (١) في الأصل : ((هذا)). (٢) (٣٨٥٣) . (٣) كذا بالأصل، وكذا في (التقاسيم)) لابن حبان و((الإحسان)) لابن بلبان. ووقع في ((موارد الظمآن» : ((هنَّ) . ١١٩ ١١ - بَابُ فضل العمل في أيام التشريق کتاب العیدین وحينئذٍ ؛ فصيامُ عشرِ رمضانَ أفضلُ من صيامٍ عشرِ ذي الحجةِ ؛ لأن الفرضَ أفضلُ من النفلِ . وأما نوافلُ عشرِ ذي الحجةِ فأفضلُ من نوافلٍ عشرِ رمضانَ ، وكذلك فرائضُ عشر ذي الحجة تضاعف أكثر من مضاعفةٍ فرائض غيره . وقد كانَ عُمَرُ يستحبُّ قضاءَ رمضانَ في عشرِ ذي الحجةِ ؛ لفضلِ أيَّامِهِ ، وخالفَه في ذلك عليٌّ، وعلَّل قولَه باستحبابِ تفريغِ أَيَّامِهِ للتطوعِ . وبذلك علَّله أحمدُ وإسحاق ، وعن أحمدَ في ذلك روايتانِ . وأمَّا تفضيلُ العملِ في عشرِ ذي الحجة على العملِ في أكثر من عشرةِ أيامٍ من غيرِه ، ففيه نظرٌ . وقد رُويَ ما يدلُّ عليه : فخرَّج الترمذيُّ وابن ماجه (١) من رواية النَّهَّاس بن قهم ، عن قتادة ، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عنِ النبيِّ ◌َّهِ، قالَ: ((مَا من أيامٍ أحبُّ إلى اللَّهِ أن يتعبدَّ لهُ فيها من عشر ذي الحجةِ ، يعدلُ صيامُ كلِّ يومٍ منها بسنةٍ ، وكلُّ ليلةٍ منها بليلة القدر)) . والنَّهَاس ، ضعفَّوه . . وذكر الترمذي عن البخاري ، أن الحديث يروى عن قتادةَ ، عن ابنِ المسیبِ - مرسلاً . وروى ثُوير بن أبي فاخته - وفيه ضعفٌ - ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عُمرَ ، قال : ليس يومٌ أعظمَ عند اللَّهِ من يومِ الجمعةِ ، ليس العشرَ ؛ فإنَّ العملَ فيه يعدلُ عملَ سنةٍ . وممن رَوَيَ عنه: أنَّ صيامَ كلِّ يومٍ من العشرِ يعدلُ سنةً: ابنُ سيرينَ وقتادةُ. (١) الترمذي (٧٥٨) وابن ماجه (١٧٢٨). ١٢٠ حديث : ٩٦٩ کتاب العیدین وعن الحسنِ : صيامُ يومٍ منه يعدلُ شهرينَ . ورَوَى هارونُ بُن موسى النحوىُّ : سمعتُ الحسنَ يحدِّثُ ، عن أنسٍ ، قال : كان يقالُ في أيامِ العشرِ بكلِّ ألفُ يومٍ ، ويومُ عرفةَ عشرة آلاف يوم . وفي ((صحيح مسلمٍ)) (١)، من حديث أبي قتادة - مرفوعًا - ((إن صيامَه کفارةٌ سنتینِ » . وهذه النصوصُ : تدلُّ على أن كلِّ عملٍ في العشرِ فإنه أفضلُ من العملِ في غيرِهِ ، إما سَنَّةً أوأكثرَ من ذلكَ أو أقلَّ. واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ بحقيقةِ ذلكَ کلّه . ١ وحديثُ جابرِ الذي خرّجه ابنُ حبان : يدلُّ على أن أيامَ العشرِ أفضلُ من الأيامِ مطلقًا . وقد خرّجه أبو موسى المدينيُّ من الوجه الذي خرَّجه ابنُ حبانَ ، بزياة فيه ، وهى : (( ولا ليالي أفضل من لياليهنَّ)). وفي ((مسندِ البزارِ)) (٢)، من وجهٍ آخرَ، عن جابرٍ، عن النبيِّ نَ ◌ّ، قال: ءَ (« أفضلُ أيامِ الدَّنيَا أيامُ العشرِ )). ورُوي مُرُسلاً . وقيل : إنه أصحُّ . وقد سبق قولُ ابنِ عَمر في تفضيل أيام العشرِ على يومِ الجمعةِ ، الذي هو أفضلُ أيامِ الدُّنْيا . وقال مسروق في قوله: ﴿وليالٍ عِشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]: هى أفضلُ أيامِ السنةِ. وهذه العشرُ تشمتل على يومٍ عرفة . (١) (-٣/ ١٦٧ - ١٦٨) . (٢) (١١٢٨ - كشف) . (٣) في الأصل: ((هذا)).