النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
كتاب صلاة الخوف
ولكن بينهما فرقٌ في السلامِ :
فقد رواه مُعاذُ بنُ مُعاذٍ، عن شعبةَ ، عن عبدِ الرحمنِ بهذا الإسناد ، وقال
فيه : وتأخَّر الذينَ كانوا قُدَّامَهُمْ، فصلَّى بهم ركعةً، ثم ◌َعَدَ حتى صلَّى الذين
تخَلَّقُوا ركعةٌ ، ثم سَلَّمَ .
كذلك خرَّجه مسلمٌ (١) من طريقه(٢).
ورَجَحَ ابنُ عبدِ البرِّ روايةَ يحيى القطان ، عن شعبةَ ، على رواية معاذِ بنِ
معاذ ، عنه ، وقال في القطانِ : هو أثبتُ الناسِ في شعبةَ .
وخالفَه البيهقيَّ، ورَجَّحَ روايةَ معاذِ بنِ معاذٍ ؛ لأن يحيى القطانَ لم يحفظْ.
حديثَ شعبةَ .
وقالَ : رواه - أيضاً - رَوَحِ بنُ عُبادةَ، عن شعبةَ (٣)، كما رواه عنه معاذٌ .
قال : وكذلك رواه الثوريُّ ، عن يحيى الأنصاريِّ بخلافِ روايةِ مالك ، عنه .
قال : وهذا أولَى أن يكون محفوظًا ؛ لموافقتِه روايةَ عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ ،
عن أبيه ، ورواية مالكٍ ، عن يزيدَ بنِ رُومانٍ .
قلتُ : فقد رواه أحمدُ (٤)، عن غُنْدَرِ ، عن شعبةَ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ
وعبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ ، وقال : أما عبدُ الرحمنِ فرفعَه ، وساقَ الحديثَ ،
وفي آخرِهِ : ثم يقعدُ حتى يقضوا ركعةً أخرى ، ثم يسلمُ عليهم .
وهذا يوافقُ روايةَ معاذ ، وغُنْدَرٌ مقدمٌ في أصحاب شعبةٍ .
(١) (٢/ ٢١٤) .
(٢) في الأصل بعد هذا الموضع كلام ضرب عليه ، والظاهر أنه كان حاشية ، فأدخلها الناسخ في
الأصل ، ثم ضرب عليها ، ولعلها من المؤلف أو من غيره ، ونصها :
((قد قيل إن (خ) خرج حديث معاذ عن شعبة . قال الشيخ - رحمه الله - : ولم أجده
فليحقق ، ولم يعزه البيهقي إلا إلى مسلم وحده ، لكنه لا يذكر تعاليق (خ) غالبًا)).
(٣) أخرجه ابن خزيمة (١٣٥٨) (١٣٥٩).
(٤) (٣/ ٤٤٨) .

٤٢
حديث : ٩٤٤
کتاب صلاة الخوف
وقد ذهبَ كثيرٌ من العلماءِ إلى استحبابِ صلاةِ الخوفِ على ما صلَّى النبيُّ
وَّ بذاتِ الرَّفَاعِ في هذا الحديثِ .
قال القاسمُ بنُ محمدٍ : ما سمعتُ في صلاةِ الخوفِ أحبَّ إليَّ منه .
وبه يقولُ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وأبو ثورٍ وداودُ والثوريّ - في روايةٍ - ،
وحكاه إسحاقُ عن أهل المدينةِ وأهلِ الحجازِ ، وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ
مهدي ، وحكاه الترمذيُّ ، عن إسحاقَ .
وصَرَّح إسحاقُ في رواية ابنِ منصورٍ على أنه يجوزُ العملُ به ، ولا يختارُه
على غيرِه من الوجوه .
إلا أنهم اختلفوا : هل تقضي الطائفةُ الركعةَ الثانيةَ قبلَ سلامِ الإمامِ ، أو
بعدَه ؟
فعند الشافعيِّ وأحمدَ وداودَ : تَقضي قبلَ سلامِ الإمامِ ، ثم يسلِّمُ بهم .
وهو روايةٌ عن مالك ، ثم رجعَ عنها ، وقالَ : إنما يقضون بعدَ سلامٍ
الإمامِ ، وهو قولُ أبي ثورٍ وأبي بكرٍ عبدِ العزيزِ بنِ جعفرٍ من أصحابنا ، ذكره في
كتابه ((الشافي)).
ونص أحمدُ على أن هذه الصلاةَ تُصلَّى وإن كان العدوّ في جهة القبلةِ .
وقال القاضي أبو يعلَى: إنما تُصَلَّى إذا كان العدوُّ في غير جهة القبلةِ ،
وكذلك حَمَلَ بعضُ أصحابِ سفيانَ قولَه على ذلك .
قال بعضُ أصحابنا : نصُّ أحمدَ محمولٌ على ما إذا لم يمكن صلاةُ عُسْفَانَ
الاستتارِ العدوِّ ، وقولُ القاضي محمولٌ على ما إذا أمكنَ أن يصلُّوا صلاة عُسْفان
لظهور العدوِّ .
وكذا قال أصحابُ الشافعيِّ ؛ لكنهم جعلوا ذلك شرطًا لاستحبابِ صلاة ذاتٍ
الرقاعِ ، لا لجوازِها .

٤٣
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
کتاب صلاة الخوف
قال البخاريُّ (١).
((وقالَ أبو هريرةَ: صَلَّيْتُ مع رسولِ اللَّهِ بِّهِ فِي غَزْوةٍ نَجْدِ صلاةَ الخوف)».
وهذا الحديثُ خَرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُ (٢) من روايةٍ حَيْوَةَ
وابنٍ لَهِيعةَ - إلا أن النسائيَّ كَنَّى عنه برجلٍ آخر - كلاهما، عن أبي الأسودِ ، أنه
سَمِعَ عُروةَ بنَ الزُّبِيرِ يحدثُ ، عن مروانَ بنِ الحكمِ ، أنه سألَ أبا هريرةَ : هلْ
صليتَ مع رسولِ اللَّهِ وَ له صلاةَ الخوفِ ؟ قال أبو هريرةَ : نعم . قال مروانُ :
متى؟ قال أبو هريرةَ: عامَ غَزوةٍ نَجْدٍ، قامَ رسولُ اللَّهِ بَّهَ إلى صلاةِ العصرِ،
فقامت طائفةٌ معه ، وطائفةٌ أخرى مقابلَ العدوِّ ، وظهورُهم إلى الكعبةِ ، فكَبَّر
رسولُ اللَّهِ وَ لَّهِ، فكبروا جميعًا: الذينَ معه والذين مقابلُو العدوِّ، ثم ركعَ
رسولُ اللَّهِ وَ ليهِ ركعة واحدةَ، وركعتِ الطائفةُ الذين معه، ثم سجدَ فسجدتِ
الطائفةُ التي تَليهِ، والآخرون قيامٌ مقابلَ العدوِّ، ثم قام رسولُ اللَّهِ مَلِّ وقامتِ
الطائفةُ التي معه ، فذهبوا إلى العدوِّ فقابلوهم ، وأقبلتِ الطائفةُ التي كانت مقابلَ
العدوِّ فركعوا وسجدُوا، ورسولُ اللَّهِ وَ له قائمٌ كما هو، ثم قامُوا فركعَ
رسولُ اللهِ وَلّ ركعةً أخرى وركعوا معه، وسَجَد وسجدُوا معه، ثم أقبلتِ
الطائفةُ التي كانت مقابلَ العدوِّ، فركعوا وسجدُوا، ورسولُ اللَّهِ وَ لِّ قاعدٌ ،
ومَن كان معه، ثم كان السلامُ، فسلَّمَ رسولُ اللَّهِ وَالَّ وسلَّموا جميعًا ، فكان
الرسُولِ اللّهِ وَلهركعتانِ، ولكلِّ رجلٍ من الطائفتين ركعةٌ ركعةٌ.
واللفظ لأبي داودَ .
ولفظُ النسائيِّ: فكان لرسولِ اللهِ وَّ ركعتانِ، ولكلِّ رجلٍ من الطائفتين
ركعتانِ ركعتانِ .
فتحملُ - حينئذ - روايةُ أبي داودَ على أنه كان لكلِّ واحدٍ من الطائفتين ركعةٌ
(١) (٤١٣٧) .
(٢) أحمد (٣٢٠/٢) وأبو داود (١٢٤٠) والنسائي (١٧٣/٣).

٤٤
حديث : ٩٤٤
کتاب صلاة الخوف
مع النبيِّ بَّهِ، والركعةُ الآخرى هو صلاها لنفسِه، وعلى مثلِ ذلك تحملُ كثيرٌ
من أحاديث صلاةٍ الركعةِ في الخوفِ .
ورواية ابنُ (١) إسحاقَ ، عن أبي الأسودِ ، عن عُروةَ أنه سمعَ أبا هريرةً
ومروانَ بنَ الحكمِ يسألهُ - فذكرَ الحديثَ بمعناه .
خرَّجه ابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ في ((صحيحيهما))(٢) .
وروايةُ مَنْ روى عن عروةَ ، عن مروانَ ، عن أبي هريرةَ أشبهُ بالصوابِ - :
قاله الدار قطنيّ .
ونقل الترمذيُّ في ((علله)»(٣) عن البخاريِّ، أنه قال : حديثُ عروةَ ، عن
أبي هريرةَ ، حسنٌ .
وقد رويَ هذا الحديثُ عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمد بنِ جعفرَ بنِ الزُّيرِ ،
عن عُروةَ ، عن أبي هريرةَ .
خرَّجه الأثرمُ .
وليس في حديثه : أن الطائفتينِ كَبَّرت مع النبيِّ وَّ في أولِ صلاتِه .
ورُوي عن ابن إسحاقَ ، عن محمد بن جعفرَ ، عن عروةَ ، عن عائشةَ .
خرَّجه أبو داودَ (٤).
ولفظُ حديثه: قالت: كبرَّ رسولُ اللَّهِ وَ لَهِ وكَّرت الطائفةُ الذين صَفُّوا معه،
ثم ركعَ فركعُوا، ثم سجدَ فسجدُوا، ثم رفعَ فرفعوا، ثم مَكَثَ رسولُ اللَّهِ وِلهول
جالسًا ، ثم سجدوا هم لأنفسهم الثانيةَ ، ثم قاموا فنَكَصُوا على أعقابهم يمشون
(١) في الأصل: ((أبي)) خطأ.
(٢) ابن خزيمة (١٣٦٢) وابن حبان (٢٨٧٨).
(٣) (ص ٩٨) .
(٤) (١٢٤٢) .

٤٥
٣ - باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف
کتاب صلاة الخوف
القَهْقَرَى حتى قاموا من ورائهم ، وجاءت الطائفة [الأخرى فقاموا] (١) فكبّروا ، ثم
ركعوا لأنفسِهِم، ثم سَجَدَ رسولُ اللَّهِ وَلَّ فسجدوا معَه، ثم قام رسولُ اللَّه وَّل
ثم (٢) سجدوا لأنفسِهِم الثانيةَ، ثم قامت الطائفتانِ جميعًا فصلَّوا مع النبيِّ ◌ِِّ ،
فركعَ فركعوا ، ثم سجدَ فسجدوا جميعًا ، ثم عاد فسجدَ الثانية فسجدوا معه
سريعًا كأسرع الإسراع جاهدًا، لا يألون إسراعًا، ثم سلَّم رسولُ اللَّهِ وَله
فسلَّموا، فقام رسولُ اللَّهِ بِّهِ، وقد شاركَه الناسُ في الصلاة كلّها(٣).
فقد اضطربَ ابنُ إسحاقَ في لفظِ الحديثِ وإسنادِه .
وقد رواه هشامُ بنُ عُروةَ ، عن أبيه - مرسلاً - ، بنحو حديث أبي عَيّاشٍ
الزُّرَقِيِّ .
-
ذكره أبو داود - تعليقًا (٤).
وقد أجاز الإمامُ أحمدُ وإسحاقُ وأبو خيثمةَ وابنُ أبي شيبة وابنُ جريرٍ
وجماعةٌ من الشافعية صلاةَ الخوفِ على كلِّ وجهٍ صحَّ عن النبي ◌َِّ، وإن
رجَّحوا بعضَ الوجوهِ على بعضٍ .
وأما صلاةُ الخوفِ ركعةً، فيأتي الكلامُ عليه فيما بعدُ - إن شاء اللَّه سبحانه
وتعالى .
وظاهرُ كلامِ البخاريِّ : أنه يجوزُ .
وقد نَقَلَ الترمذيُّ عنه في ((العلل)) (٥)، أنه قال: كلُّ الرواياتِ في صلاةٍ
الخوفِ عندي صحيحٌ ، وكلَّ يُستعملُ ، وإنما هو على قدرِ الخوفِ ، إلا حديثَ
(١) ساقط من الأصل .
(٢) في ((السنن)): ((و)).
(٣) في الأصل: ((الناس في الناس)) كذا، والمثبت من ((السنن)).
(٤) (١٢٣٦) .
(٥) (ص ٩٨) .

٤٦
حديث : ٩٤٤
كتاب صلاة الخوف
مجاهدٍ ، عن أبي عَيَّاشٍ ؛ فإني أراه مرسلاً .
وهذا يدلُّ على أنه يستعملُ كلَّ وجه من وجوهِ صلاةِ الخوفِ على قدر ما
تقتضيه حالُ الخوف ، ویکون ذلك الوجهُ أصلح له .
ورُوي نحوُ ذلك عن سليمانَ بنِ داودَ الهاشميِّ ، وحُكي عن إسحاقَ -
أيضًا - ، وقاله بعضُ أصحابِنا .
٠٠١

٤٧
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
كتاب صلاة الخوف
٤ - بَابُ
الصَّلاَةَ عنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ
وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهََّ الفَتْحُ ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ صَلَّوْا إِيماءً،
كُلُّ امْرِىءٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيماءِ أَخَّرُوا [الصَّلاةَ](١) حَتَّى يَتَكَشِفَ
القتالُ أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَينِ ، فَإِنْ لَمْ
يَقْدِرُوا فَلاَ يُجْزِئُهُمُ النَّكْبِرُ، وَيُؤَخِّرُونَهَا حَتَّى يَأْمَنُوا .
وَبَهِ قَالَ مَكْحُولٌ .
إنما يقولُ مكحولٌ بتأخير الصلاةِ للمطلوبِ دونَ الطالبِ .
قال الفزاريُّ ، عن يزيدَ بنِ السِّمْطِ ، عن مكحولٍ ، قال : إذا حضرَ القتالُ
فلزمَ بعضُهم بعضًا ، لم يطيقُوا أن يصلُّوا ، أخروا الصلاةَ حتى يصلُّوا على
الأرضِ ، وقال : صلاةُ الطالبِ : أن ينزلَ فيصلِّيَ، فيؤثر صلاتَه على ما
سواها ، وصلاةُ الهاربِ : أن يصلِّيَ حيث كانَ ركعةٌ .
قال أبو إسحاقَ ، وقال الأوزاعيُّ : الصلاةُ حيث وجهوا على كل حال ؛
لأن الحديثَ جاء أن البصرَ لا يرفعُ ما دام الطلبُ ، وصلاةُ الخوفِ : أن يصلِّيَ
القومُ كما صلَّى النبيُّ ◌َِّ، فإن كان خوفٌ أكثر من ذلك صلَّوْا فُرادَى، مستقبلي
القبلة ، يركعون ويسجدون ، فإن كان خوفٌ أكثر من ذلك أخَّرُوا الصلاةَ حتى
يقدروا ، فيقضوها .
قال: وقال الأوزاعيَّ: إن تُلِمُوا(٢) في الحصنِ(٣) ثُلْمةً، وحضرت الصلاةُ،
(١) سقط من الأصل .
(٢) ثَلَمَ الجدار ثَلما: أحدث فيه شقًّا، وصارت فيه ثُلْمة .
(٣) في الأصل: ((الحص)).

٤٨
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو كتاب صلاة الخوف
فإن قَدَروا أن يصلُّوا جلوسًا أو يومئون (١) إيماءً أو يتعاقبون(١) فعلُوا، وإلا أخَّرُوا
الصلاةَ إن خافوا إن صلَّوا أن يُغلبوا عليه ، وقد طَمِعُوا في فتحه ، صلَّوا حيث
كانت وجوهُهم ، ويُتُمِّموا إن خافوا .
وقد تضمن ما حكاه البخاريُّ عن الأوزاعيِّ مسائلَ .
منها :
أن الطالبَ يصلي صلاةَ شدة الخوفِ راكبًا وماشيًا كالمطلوبِ ، وهو روايةٌ
عن أحمدَ .
وقال إسحاقُ - فيما نقله عنه حربٌ - : يصلي بالأرضِ ويُومِئُ إيماءً .
وفي صلاة الطالبِ ماشيًا بالإيماءِ حديثٌ ، خرَّجه أبو داودَ (٢) من حديث
عبد اللَّهِ بن أُنيسٍ ، وهو مما تفرد به ابنُ إسحاقَ .
وذهب الجمهورُ إلى أن الطالبَ لا يصلّي إلا بالأرضِ صلاةَ الآمنِ ، إلا أن
يخافَ ، منهم : الحسنُ ومكحولٌ ومالكٌ والثوريُّ والشافعيُّ وأحمدُ - في رواية
عنه - ، وقد سبق ذكرُ ذلك .
ومنها :
أن صلاةَ شدة (٣) الخوف لا تكون جماعةً، بل فُرادَى، وقد سبقَ أن
الجمهور على خلاف ذلك .
ومنها :
أنهم إذا لم يقدروا على الإيماءِ في حال شدة الخوفِ أخَّروا الصلاةَ حتى
يَأَمَنُوا .
(١) كذا بالأصل، والجادة: ((يومئوا ... يتعاقبوا)).
(٢) (١٢٤٩) .
(٣) في الأصل: ((شد)).
١

٤٩
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
کتاب صلاة الخوف
وممن قال بتأخير الصلاة مكحولٌ كما سبقَ عنه ، وهو قولُ أبي حنيفةَ
وأصحابه .
وحكى ابنُ عبدِ البرِّ ، عن ابن أبي ليلى وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ أنه لا يصلّي
أحدٌ في الخوف إلا إلى القبلة ، ولا يصلي في حالِ المسايفة ، بل يؤخرُ
الصلاةَ .
وعن أحمدُ روايةٌ : أنه يخيَّرُ بين الصلاةِ بالإيماءِ وبين التأخيرِ .
قال أبو داودَ (١): سألت أبا عبد اللَّهِ عن الصلاة صبيحةَ المغارِ ، فيؤخرون
الصَّلاةَ حتى تطلعَ الشمسُ ، أو يصلُّون على دوابّهم ؟ قال : كلٌّ أرجو .
واستدلَّ أصحابُنا لهذه الرواية بصلاةِ العصرِ في بني قريظةً وفي الطريقِ ، وأنه
لم يُعنَّفْ واحدٌ منهما ، وسيأتي ذكرُهُ والكلامُ على معناه قريبًا - إن شاء الله
سبحانه وتعالى .
وجمهورُ أهلِ العلمِ على أنه لا يجوزُ تأخيرُ الصلاةِ في حالِ القتالِ ، وتُصلَّى
على حسبِ حالِهِ ، فإنه لا يَأمَنُ هجومَ الموتِ في تلك الحالِ .
فكيف يجوزُ لأحدٍ أن يُؤْخِّر فرضًا عن وقتِهِ (٢)، مع أنه يخافُ على نفسِهِ
مُدَاركةَ الموتِ له في الحالِ ، وهذا في تأخيرِ الصلاة عن وقتها التي لا يجوزُ
تأخيرُها للجمعِ . فأما صلاةٌ يجوزُ تأخيرُها للجمعِ فيجوز تأخيرُها للخوفِ ، ولو
كان في الحضرِ عند أصحابِنا وغيرِهم من العلماء .
وقولُ ابنِ عباسٍ: جمَعَ رسولُ اللَّهِ وَ لِّ بالمدينة من غيرِ خوفٍ(٣)، يدل
بمفهومه على جواز الجمعِ للخوفِ ؛ فإن الخَوف عُذْرٌ ظاهرٌ ، فالجمعُ له أولى
من الجمعِ للمطرِ والمرضِ ونحوِهما .
(١) ((المسائل)) (ص ٧٧) .
(٢) في الأصل : ((وفيه)).
(٣) البخاري (٥٤٣) ومسلم (٢/ ١٥١).
١

١٠
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو كتاب صلاة الخوف
فأما قَصْرُ الصلاةِ في حالِ الخوفِ في الحضرِ ، فالجمهورُ على منعه .
وحكى القاضي أبو يعلَى روايةً عن أحمدَ بجوازِهِ ، مُخَرَّجةً عن رواية حنبلٍ،
عنه ، بجواز الفطرِ في رمضانَ لقتالِ العدوِّ .
ورُوي عن عثمانَ بنِ عفانَ ، أنه قال : لا يَقْصُر الصلاةَ إلا مَن كان شاخصًا
[أو](١) بحضرة العدوِّ .
وظاهرُهُ : أنه يجوز القصْرُ بحضرةِ العدوِّ في غيرِ السفرِ - أيضًا - ، وبذلك
فسَّرَه أبو عُبيدٍ في ((غريبه)) .
وذكر ابنُ المنذرِ عن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ مثل قول عثمان - أيضًا .
وقد يُفسَّرِ بأنه لا يجوز القصرُ إلا في حالِ السفرِ أو الإقامةِ في دارِ الحربِ
لقتال العدوِّ، وهذا قولُ كثيرٍ من العلماءِ ، ويأتي بيانُه في ((كتابِ قصرِ الصلاة)) -
إن شاء الله سبحانه وتعالى .
وسيذكر البخاريُّ في هذا البابِ ما يستدلُّ به على جوازِ التأخيرِ في حالِ شدةٍ
الخوف .
ومنها :
أنهم إذا عجزوا عن صلاة ركعتين جازَ لهم أن يصلوا ركعةً واحدةً تامةً ،
وهذا قولُ كثيرٍ من العلماءِ ، منهم : ابنُ عباسٍ .
ففي ((صحيح مسلمٍ))(٢)، عنه، قال: فَرَضَ اللَّهُ الصلاةَ على لسان نبيِّم
وَّ في السفر ركعتين، وفي الحضرِ أربعًا، وفي الخوفِ ركعةً .
وقد رُوي نحوُ ذلك عن جابرٍ وابن عمرَ ، وقد سبق ذكرُ قولِهما .
ورواه الحسنُ، عن حطانَ الرَّقَاشيِّ (٣)، عن أبي موسى - أيضًا - أنه فعلَه.
(١) زيادة لابد منها ، وهي في ((الغريب))، وكلام المؤلف عقبه يدل عليها.
(٢) (٢/ ١٤٣).
(٣) في الأصل: ((عن خطاب وقد روى نحو الرقاشي)) وهو تصحيف وانتقال نظر .

٥١
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
( كتاب صلاة الخوف
وهو مَرْويٌّ - أيضًا - عن الحسنِ وطاوسَ ومجاهدٍ وسعيد بن جُبِيرٍ
والنخعيِّ والضحاكِ والحكم وقتادةً وحمَّادِ ، وقولُ إسحاقَ ومحمدِ بنِ نصرٍ
المروزيِّ .
حتى قالَه في صلاة الصبحِ ، مع أن ابنَ حزمٍ وغيرَه حكَوا الإجماعَ على أن
الفجرَ والمغربَ لا ينقص عن ركعتين وثلاثٍ ، في خوفٍ ولا أَمْنٍ ، في حضرٍ
ولا سفرٍ .
ولم يفرق هؤلاء بين حَضَرٍ ولا سَفَرٍ ، وهذا يدلُّ على أنهم رأوا قَصْرَ الصلاة
في الحضرِ للخوفِ أشدَّ القصرِ وأبلغَه ، وهو عودُ الصلواتِ كلِّها إلى ركعة
واحدة .
وحُكي روايةً عن أحمدَ ، وهو ظاهرُ كلامه في رواية جماعة ، ورجحه
بعضُ المتأخرينَ من أصحابِنا ، والمشهورُ عنه : المنعُ .
وقد نقلَ جماعةٌ عنه ، أنه قالَ : لا يعجبني ذلك .
وهو قول [ ... ] أصحابنا .
والمنعُ منه قولُ النخعيِّ والثوريِّ وأبي حنيفةَ ومالك والشافعيِّ .
وقد تقدم من حديثِ ابنِ عباسٍ ، أن كلَّ طائفةٍ من الناسَ صلَّوا خلفَ النبيِّ
وَّ ركعة ركعةً وأنهم لم يَقْضُوا. ومن حديث حُذيفةَ - أيضًا - وما في ذلك من
التأويل .
وروى يزيدُ الفقيرُ، عن جابرٍ، أن رسولَ اللَّهِ وَلّهِ صلَّى بهم صلاةَ
الخوفِ ، فقامَ صَفٌّ بين يديه ، وصَفٌّ خلفَه ، صلى بالذي خلفه ركعةً
وسجدتينِ ، ثم تقدمَ هؤلاءِ حتى قاموا في مقام أصحابِهم ، وجاء أولئك فقاموا
مقامَ هؤلاء، فصلى لهم رسولُ اللَّهِ وَل﴿ ركعةً وسجدتين، ثم سَلَّم ، فكانت
للنبيّ ◌َِّ ركعتان، ولهم ركعةٌ.

٥٢
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو كتاب صلاة الخوف
خرَّجه الإمام أحمدُ والنسائيُّ وابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ في ((صحيحهما))(١).
وفي رواية للنسائيِّ: ثم إن النبيَّ وَ سَلَّمَ فَسَلَّمَ الذين خلفه، وسَلَّم
أولئك .
وذكر أبو داودَ في («سننه»(٢): أن بعضَهم قالَ في حديث يزيدَ الفقيرِ : أنهم
قَضَوْا ركعةً أخرى .
ورَوَى عبدُ اللَّهِ بنُ شَقِيقِ: نا أبو هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ وَّهُ نزلَ بين
ضَجْنَانَ وعُسْفَانَ ، فقال المشركونَ : إنَّ لهؤلاء صلاةٌ ، هي أحبُّ إليهم من
آبائِهم وأبنائِهم ، وهي العصرُ، فأجمعوا أمركم ، فمِيلُوا عليهم مَيْلَةً واحدةً ،
وأن جبريل أتى النبيَّ ◌ََّ، فأمره أن يقيمَ أصحابَه شطرين، فيصلَّيَ بهم،
وتقومَ طائفةٌ أخرى وراءَهم ، وليأخذوا حِذْرَهم وأسلحتَهم ، ثم يأتي الآخرونَ
ويصلُّون معه ركعةً ، ثم يأخذُ هؤلاء حذرَهم وأسلحتَهم ، فيكون لهم ركعةٌ
ركعةٌ، ولرسول اللّهِ وَ لّ ركعتانِ .
خرَّجه الترمذيُّ والنسائيَّ وابنُ حبانَ في ((صحيحه))(٣).
وقال الترمذيُّ : حسنٌ صحيحٌ .
ونقل الترمذيُّ في ((علله)(٤) عن البخاريِّ ، أنه قال : هو حديثٌ حسنٌ .
وقد حمله بعضُهم على أن كلَّ واحدة من الطائفتين كانت لهم ركعةٌ مع النبي
وَله ، فأما الأخرى فإنها صلتها منفردةً .
وخرَّجه النسائيّ (٥)، وعنده: يكون لهم مع رسولِ اللَّهِ بَله ركعتان.
(١) أحمد (٢٩٨/٣) والنسائي (١٧٤/٣ - ١٧٥) وابن خزيمة (١٣٤٧) وابن حبان (٢٨٦٩).
(٢) (١٢٤٦) .
(٣) الترمذي (٣٠٣٥) والنسائي (١٧٤/٣) وابن حبان (٢٨٧٢).
(٤) (ص ٩٨) .
(٥) (١٧٣/٣ - ١٧٤) .

٥٣
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
کتاب صلاة الخوف
وخرَّج ابنُ حبانَ في ((صحيحه))(١) هذا المعنى من حديث زيد بن ثابت ، عن
النبيِّ ◌ََِّ، وأصلُه في ((سنن النسائيِ)(٢) .
وقد أجاب بعضُهم بأن الرواياتِ إذا اختلفتْ ، وكان في بعضها عدمُ القضاءِ،
وفي بعضها القضاءُ، فالحكم للإثباتِ؛ لأن المُثْبِتَ قد حَفِظَ ما خَفِيَ على الباقي.
وهذا صحيحٌ أن لو كانت الروايات كلُّها حكايةً عن واقعة واحدة ، فأما مع
التعدد فيمكن أن القضاءَ وُجدَ في واقعةٍ ولم يوجدْ في أخرى .
وقد زَعَمَ مجاهدٌ: أن النبيَّ وَّ﴿ لم يصلِّ صلاةَ الخوفِ إلا مرتين، مرةً
بذات الرقاعِ ، ومرة بعُسْفانَ (٣) .
واختلافُ الروايات في صفة صلاة الخوفِ يدل على أن ذلك وقع أكثر من
مرتين .
واستدلَّ بعضُ من رأى أن صلاةَ الخوف ركعةٌ بأن ظاهرَ القرآنِ يدلُّ عليه ؛
فإن اللَّه تعالى ذكرَ أن الطائفةَ الأولى تصلِّي معه حتى يسجدَ ، فتكون من وراء
الناس ، وأن الطائفةَ الثانيةَ التي لم تصلِّ تأتي وتصلِّي معه ، فَظَاهره : أن الطائفةَ
الأولَى تجتزئ بما صلَّت معه من تلك الركعةِ ، وأن الثانيةَ تكتفي بما أدركت
معه ، ولم يذكرْ قضاءً على واحدة من الطائفتين .
ومنها :
أنهم إذا عَجَزُوا عن الصلاةِ بأركانها في حال الخوفِ ، فقال الأوزاعيّ : لا
بجزئهم التکبیرُ بمجردِه .
وإلى هذا ذهبَ الأكثرونَ ، وهو : أنه لا يجزئ في حال شدة الخوفِ
(١) (٢٨٧٠) .
(٢) (١٦٨/٣).
(٣) عبد الرزاق (٥٠٣/٢) .

٥٤
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو كتاب صلاة الخوف
الاقتصارُ على التكبيرِ ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكِ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ .
ونقل ابنُ منصورٍ ، عن أحمدَ وإسحاقَ ، قالا : لا بدَّ من القراءة ، ولا
یجزئھم التكبيرُ .
ونقل جماعةٌ عن أحمد ، أنه قال : لا بدَّ في صلاة الخوفِ من القراءةِ
والتشهدِ والسلامِ .
وذهبَ آخرون إلى أنهم يجزئهم التكبيرُ .
روي عن جابرٍ وابن عمرَ : تجزئهم تكبيرةٌ واحدةٌ ، وعن مجاهدٍ والسُّدِيِّ .
وكذا قال عبدُ الوهابِّ بنُ بَخْت ، وزاد : وإن لم يقدر على التكبيرِ ، فلا
یترکُها في نفسِهِ .
يعني : النيةَ .
ورُوي عن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ ، أنه ارْتُثَّ (١) يومَ الجَملِ قبلَ غروبِ الشمسِ،
فقيل له : الصلاةَ . فقال : لا أستطيعُ أن أصليَ ، ولكني أُكُبِّر .
وعن الضحاكِ : إن لم يستطعْ أن يُومِئَ كبرَّ تكبيرةً أو تكبيرتين (٢).
وقال الثوريُّ : إن لم يستطع أن يقرأ يجزئه التكبيرُ في كلِّ خفضٍ ورفعٍ ،
وإن لم يستطعْ أن يتوضأ تيمَّم بغُبَارِ سَرْجه(٣).
وكذلك مذهبُ الثوريِّ في المريض المُدْفُ : إذا لم يستطعْ أن يصليَ على
جنِهِ ، فإنه يكبرُ لكلِّ ركعةٍ تكبيرةٌ ، مستقبلَ القبلة ، وتجزتُه .
ونَقَلَ حَرْبٌ ، عن إسحاقَ ، قال : إن لم يقدروا على ركعة فسجدةٌ واحدةٌ ،
(١) الارتثاث: أن يُحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح ، ومنه حديث زيد
ابن صُوحَان ((أنه ارْتُثَّ يوم الجمل وبه رمق)). نهاية .
(٢) الطبري (٥٥٤٤) وعبد الرزاق (٥١٤/٢).
(٣) السَّرج : رجل الدابة .

٥٥
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
کتاب صلاة الخوف
٥٥٥٠/٥
فإن لم يقدروا فتكبيرةٌ واحدةٌ، واستدل بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا استَطَعْتم﴾
[التغابن: ١٦] .
فإذا قَدر على الإتيان بشيء من الصلاةِ ، وعَجَزَ عن الباقي لزمَه أن يأتي به
في وقتهِ ويجزئَه ، ولا يجوزُ له تأخيرُه عن الوقتِ .
وذكر ابنُ جريرٍ(١) بإسنادِهِ ، أن هَرِمِ بنَ حيَّن كان معه أصحابُه يقاتلون العدوَّ
مستقبلي(٢) المشرقِ ، فحضرتِ الصلاةُ ، فقالوا : الصلاةَ الصلاةَ، فسجدَ
الرجلُ حيث كان وجهه سجدةً ، وهم مستقبلُو المشرقِ(٣).
ويستدل للجمهورِ بأن ما دون الركعةِ ليس بصلاةٍ ، فلا يكون مأمورًا به مَنْ
عَجَزَ عن الصلاة ، وأقلُّ ما وردَ في صلاة الخوفِ أنها ركعةٌ ، فما دون الركعة
ليس بصلاة ، ولا يُؤْمَر به في خوفٍ ولا غيرهِ ، ولا يسقطُ به فرضُ الصلاة .
ثم قال البخاريُّ - رحمه الله - :
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: حَضَرْتُ مُنَامَضَةَ حِصْنٍ تُسْتَرَ عَنْدَ صَلَةٍ(٤) الْفَجْرِ -
وَاشْتَدَّاشْتِعَالُ الْقِتالِ -، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّ بَعْدَ ارْتِاعِ النَّهار،
فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسى، فَقُتُحَ لَنا .
قَالَ أَنَسٌّ (٥): وَمَا يَسُّنِي بِلْكَ الصَّلاَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيها .
هذه الواقعةُ كانت في زمن عُمرَ - رضي الله عنه - سنةَ عشرينَ .
قال خليفةُ بنُ خَيَّطِ في ((تاريخه)): نا ابنُ زريعٍ(٦)، عن سعيد، عن قتادةَ ،
(١) (٥٥٥٩) (٥٥٦٠) (٥٥٦١) .
(٢) في الأصل: ((ومستقبل))، والمثبت من ابن جرير .
(٣) في الأصل: ((الشرق)).
(٤) في ((اليونينية)): ((إضاءة)).
(٥) في الأصل : ((أبو موسى)) خطأ.
(٦) في الأصل: ((ابن بزيع)) خطأ .

٥٦
حديث : ٩٤٥
كتاب صلاة الخوف
عن أنسٍ ، قال : لم نصلِّ يومئذٍ صلاةَ الغَداة حتى انتصفَ النهارُ ، فما يسرني
بتلك الصلاة الدنيا كلُّها .
قال خليفةُ : وذلك سنةَ عشرين .
ثم قال البخاريُّ :
٩٤٥ - حَدَّثَنَا يَخْتَى: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِّي بْنِ المُبَارَكِ، عَنْ بَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبّدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ
كُفَّارَ فُرَيْشٍ ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا صَلَيْتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ
تَغِيبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِهِ: (وَأَنَا(١) مَا صَلَيْتُهَا بَعْدُ». قَالَ: فَنَزَلَ إِلى بُطْحانَ،
فَتَوَضَّأْ وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَها.
(يحيى)) شيخُ البخاريِّ، قيل: إنه ابنُ جعفرَ بنِ أعين الِيكَنْدِيُّ (٢). وقيل:
إنه ابنُ موسى بنِ عبدِ ربه (٣) ابن حَتِّ البَلْخِيُّ ، وكلاهما يروي عن وكيعِ .
وقد خرَّجه البخاريُّ في آخر ((المواقيت)) (٤) من غير وَجْهِ ، عن يحيى بن
أبي كثيرٍ .
وسبق الكلامُ على وجه تأخيرِ النبيِّ وَّ الصلاةَ في ذلك اليومِ : هل كان
نسيانًا ، أو اشتغالاً بالحربِ ؟
وعلى هذا التقديرِ : فهل هو منسوخٌ بنزولِ آيات صلاة الخوفِ ، كما رُوي
ذلك عن أبي سعيد الخدريِّ، أو هو مُحْكَمٌ باقٍ ؟
والبخاريُّ يشير إلى بَقاءِ حكمِهِ من غير نسخٍ .
(١) في (اليونينية)): ((وأنا والله .... )).
(٢) في الأصل: ((البلخي))، وهو انتقال نظر إلى نسبة الذي بعده ، أو تصحيف .
(٣) في الأصل: ((بن عبد اللَّه)). خطأ.
(٤) (٥٩٨) .
. ٠٪

٥٧
٤ - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
کتاب صلاة الخوف
وقال كثيرٌ من العلماءِ : إنه نسخَ بصلاةِ الخوفِ ، وحديثُ أبي سعيدٍ يدلُّ
عليه ، وقد ذكرناه هنالك ، وممن ذكر ذلك : الشافعيّ ، وكثيرٌ من أصحابنا
وغيرُهم .
وأما قولُ ابنِ إسحاقَ : إن صلاة عُسْفانَ وذاتِ الرَّفَاع كانت قبلَ الخَنْدِقِ ،
ففيه نظرٌ . واللَّهُ سبحانه وتعالى أعلمُ .
وكذلك ذكرَ ابنُ سعد (١) أن غزوةَ ذاتِ الرقاعِ كانت على رأسِ سبعةٍ وأربعينَ
شهرًا من الهجرة، وفيها صلى رسولُ اللّهِ بَّهِ، وهو أولُ ما صلاها.
وقد ردَّ البُخاريُّ في ((المغازي)) من ((صحيحه)) (٢) هذا بوجهين :
أحدُهما : أن أبا موسى شَهِد غزوةَ ذاتِ الرقاع ، وأبو موسى إنما جاء بعد
خَيبر ، وذلك بعد الخندقِ .
والثاني : أن جابرًا ذكر أن صلاةَ الخوفِ إنما كانت في السنةِ السابعةِ ، وقد
ذكرنا حديثَه هذا في الباب الأولِ من ((أبواب صلاةِ الخوفِ)).
وقد استدلَّ الإمامُ أحمدُ بهذا الحديثِ - أعني : حديثَ جابرٍ في تأخيرِ
الصلاةِ يومَ الخندقِ - على جوازِ تأخيرِ الصلاةِ في حالِ الخوفِ لمَنْ لَمْ يَقْدر على
الوضوءِ إلا بعدَ الوقتِ - في رواية جماعةٍ من أصحابِهِ .
وعنه روايةٌ أخرى : أنه يتيمَّم ويصلِّي في الوقتِ ، وقد سبقَ ذلك في
((التيمم)) .
فحملَ الإمامُ أحمدُ تأخيرَ الصلاةِ يومَ الخندقِ على أنه كان للاشتغال
بالحرب ، كما حمله البخاريُّ .
قال الإمامُ أحمدُ : وقد قيلَ : إن ذلك كان قبلَ نزول هذه الآية: ﴿فَإِنْ
(١) (٢/ ٤٣) .
(٢) انظر ((فتح الباري)) لابن حجر (٧/ ٤١٦ - وما بعدها).

٥٨
حديث : ٩٤٥
کتاب صلاة الخوف
خفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانَا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
يعني : حديث أبي سعيدٍ .
وَحديثُ أبي سعيدِ إنما يدلُّ على أن ذلك قبل نزولِ صلاةِ شدةِ الخوفِ
بالإيماءِ رجالاً ورُكْبَانًا ، لَمْ يدلَّ على أن صلاةَ الخوفِ لم تكن نزلتْ .
والبخاريُّ قد قَرَّر في ((كتابِ المغازي)) أن صلاةَ [الخوفِ](١) إنما شُرعت في
السنة السابعة ، وذلك بعد الخندقِ بلا ريبٍ ، ومع هذا فجعَلَ التأخيرَ يومَ الخندقِ
محكمًا غيرَ منسوخٍ بصلاةِ الخوفِ ، ويكون الجمعُ بينهما بأنه مُخَيَّرٌ حالَ شدة
الخوفِ بينَ التأخيرِ وبين الصلاةِ بالإيماءِ، كما يقوله الإمامُ أحمدُ - في روايةٍ عنه.
واجتماعُ الصحابةِ كلِّهم على النسيانِ يوم الخندقِ بعيدٌ جدًا ، إلا أن يقالَ :
إن النبيّ وَّل هو الناسِي، وأن الصحابةَ اتبعُوه على التأخيرِ من غير سؤالٍ له عن
سببهِ .
ويشهدُ له: أنه جاءَ في روايةٍ للإمام أحمدَ (٢): أن النبيَّ وَِّ قال: ((هل
عَلِمَ أحدٌ منكم أني صليتُ العصرَ ؟)) قالوا : لا ، فصلاهما .
وفيه : دليلٌ على رجوعِ الشَّاكِّ في أصلٍ صلاته : هل صلاها ، أو لا ؟ إلى
قول غيرِه ، كما يرجُع إلى قولِه في الشكِّ في عددٍ ما صلَّى .
وقد قال الحسن - في الرجلِ يشكُّ : هل صلَّى ، أم لا؟ - : يعيد ما كانَ
في وقتِ تلكَ الصلاةِ ، فإِذا ذَهَبَ الوقتُ فلا إعادة عليه .
ذكره عبدُ الرزاقِ(٣)، بإسنادِهِ ، عنه .
(١) سقط من الأصل، وقال في هامشه: ((لعله: الخوف)).
(٢) (١٠٦/٤) .
(٣) (٣١٨/٢).

٥٩
٥ - باب الطالب والمطلوب راكبًا وإيماء أو قائمًا
كتاب صلاة الخوف
1
٥ - بَابُ
صَلَةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً أَوْ قَائِمًا
وَقَالَ الْوَلِيدُ : ذَكَرْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ صَلَةَ شُرَخْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ
الدَّابَّةِ، فَقالَ: ذَلِكَ (١) الأَمْرُ عِنْدَنَا، إِذَا تَخَوَّفْتَ (٢) الفَوْتَ.
وَأَحْتَجِّ الْوَلَيْدُ بِقَوْلِ النَِّّ ◌َ﴿: ((لاَ يُصَلِيَنَّ أَحَدُ العَصْرَ إِلَّ فِي بَنِي قُرَيَظَةَ)) .
٩٤٦ - حدَّنا عَبّدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْماءَ : نا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ لَنَا النَِّيُّ: ﴿ لَمََّ رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: ((لاَ يُصَلَّنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّ في
بَنِي قُرَيْظَةَ» . فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ الْعَصْرُ في الطَّريقِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى
نَأَنِيهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ (٣) لِلسَّبِّ ◌َ، فَلَمْ
يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ .
وَقَدْ تقدم أن الأوزاعيَّ وأصحابَه - ومنهم : الوليدُ بنُ مسلمٍ - يَرَوْنَ جوازَ
صلاةِ شدةِ الخوفِ للطالب ، كما يجوزُ للمطلوبِ . وهو روايةٌ عن أحمدَ ،
وأنهم يرون تأخيرَ الصلاة عن وقتها إذا لم يَقْدِرُوا على فعلِها في وقتِها على وجه
تامٍّ ، كما تقدمَ - أيضًا .
وقد استدلَّ الوليدُ بنُ مسلمٍ لذلك بحديثِ ابنِ عمرَ في البعثِ إلى قُرَيْظَةَ .
وأما صلاةُ شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمْطِ التي استدلَّ بها الأوزاعيُّ [
.
.
٢ (٤)
(١) في ((اليونينية)): ((كذلك)).
(٢) في ((اليونينية)): ((تُخُوَّفَ)).
(٣) ((ذلك)) ليت في ((اليونينية)).
(٤) بياض قدر سطر ونصف .
وانظر ((فتح الباري)) لابن حجر (٢/ ٤٣٧).
·

٦٠
حديث : ٩٤٦
كتاب صلاة الخوف
ومما يتفرعُ على جوازِ صلاةِ الطالبِ صلاةَ شدةِ الخوفِ : أن من كان ليلةً
النحرِ قاصدًا لعرفَة ، وخَشِيَ أن تفوته عرفةُ قبلَ طلوعِ الفجرِ ، فإنه يصلِّي صلاةَ
شدةِ الخوفِ وهو ذاهبٌ إلى عرفَة ، وهو أحدُ الوجهين لأصحابِنا ، ولأصحابِ
الشافعيِّ - أيضًا .
وضعَّفَه بعضُ أصحابِهِم ، بأنه ليسَ بخائفٍ بل طالبٌ .
والصحيحُ : أنَّا إن قلنا : تجوز صلاةُ الطالب جازتْ صلاتُه ، وإلا فلا
تجوزُ ، أو یکون فيه وجهان .
وهل يجوزُ تأخيرُ العشاءِ إلى بعد طلوعِ الفجرِ ؟ فيه - أيضًا - وجهان للشافعية
ولأصحابِنا .
وأما استدلالُ الوليد بحديثِ ابنِ عُمرَ في ذكر بني قُريظة ، فإنما يتمُّ ذلك إذا
كان الذين لم يصلُّوا العصرَ حتى بلغوا بني قريظة لم يصلُّوها إلا بعدَ غروبٍ
الشمسِ ، وليس ذلك في هذا الحديثِ ؛ فإن حديثَ ابنِ عُمرَ إنما يدلّ على أن
بعضهم أخَّرِ العصرَ إلي بني قريظةَ ، فقد يكونوا صلَّوها في آخر وقتها ، وهذا لا
إشكال في جوازِه .
وممن ذهبَ إلى ذلك : الخطابيُّ ، ورَدَّ به على مَنِ استدلَّ بالحديث على أن
كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ .
وذهب آخرون إلى أن الذين صلَّوا في بني قريظةَ صلَّوا بعد غروبِ الشمسِ .
واستدلَّوا بأن مسلمًا خَرَّجَ(١) الحديثَ ، ولفظُه: عن ابن عُمرَ ، قال : نادى
[فينا](٢) رسولُ اللَّهِ وَهِ يوم انصرفَ من الأحزابِ: أن ((لا يصلّي(٣) أحدٌ العصرَ
إلا في بني قريظةً)، فتخوف ناسٌ فَوْتَ الوقتِ فصلَّوْا دون بني قريظة ، وقال
(١) (٥/ ١٦٢) .
(٢) في الأصل: ((منادي)) والمثبت من ((الصحيح)) .
(٣) في ((الصحيح)): ((يصلينَّ).