النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
٣٧ - باب الساعة التي في يوم الجمعة
كتاب الجمعة
وصلاةُ الجمعة إلى انقضائها .
وليس في سائرِ الأوقات التي قالها أهلُ القولِ الأولِ وقتُ صلاة ؛ فإن بعدَ
العصرِ إلى غروبِ الشمسِ ، وبعدَ الفجرِ إلى طلوعِ الشمسِ وقتُ نهيِ عنِ الصلاةِ
فيه ، اللهمَّ إلا أن يُرادَ بقولِهم : بعدَ العصرِ : دخولُ وقتِ العصرِ والتطوعِ قبلَها.
ومرسلُ يحيى بنُ إسحاقَ بنِ أبي طلحة(١) يشهدُ له .
وقولُ من قال : إن منتظرَ الصلاةِ في صلاةٍ صحيحٌ ، لكنْ لا يقالُ فيه :
قائمٌ يصلّي ؛ فإن ظاهرَ هذا اللفظِ حملُه على القيامِ الحقيقيِّ في الصلاةِ الحقيقة.
وقد روى عبدُ الرزاقِ في ((كتابه))(٢) نا يحيى بنُ زمعةً (٣): سمعتُ عطاءً
يقولُ: سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قالَ رسولُ اللَّهِ وََّ: ((في يوم الجمعة ساعةٌ ،
لا يوافقُها عبدٌ وهو يصلِّي، أو ينتظرُ الصلاةَ ، يدعُو اللَّهَ فيها بشيء إلا استجابَ
له)» .
وهذا غريبٌ .
ويحيى بنُ زمعةَ هذا (٣)، غيرُ مشهورِ ، ولم يعرِفْه ابنُ أبي حاتمٍ بأكثرَ من
روايته عن عطاءِ ، وروايةِ عبدِ الرزاقِ عنه .
وهذه الروايةُ تدلُّ على أن المرادَ بالصلاة حقيقةُ الصلاة ؛ لأنه فرقَ بينَ
المصلِّي ومنتظرِ الصلاةِ ، وجعلَهُمَا قسمينِ .
وتدلُّ على أن ساعةَ الجمُعَةِ يمكنُ فيها وقوعُ الصلاةِ و[انتظارها](٤)، وهذا بما
(١) تقدم تخريجه عن عبد الرزاق (٢٦٢/٣).
(٢) (٢٦٦/٣) .
(٣) ترجمه البخاري وابن أبي حاتم، واسم أبيه عندهما: ((ربيعة))، وكذا هو في ((المصنف))،
وفي إحدى نسخ ((الجرح)): ((زمعة)) كما هنا .
وراجع : ((الميزان)» (٤/ ٣٧٤) .
(٤) في الأصل مشتبهة .

٥٢٢
حديث : ٩٣٥
كتاب الجمعة
بعدَ الزوال أشبهُ ؛ لأنَّ أولَ تلكَ الساعة ينتظرُ فيها الصلاةُ ويتنفلُ فيها بالصلاة ،
وآخرَها يصلَّى فيه الجمعةُ .
وخرَّج ابنُ أبي شيبةً (١) بإسنادِه ، عن هلال بن يَسَافِ، قال: قال رسولُ اللَّه
وَلَّهُ : ((إن في الجمعة لساعةً، لا يوافقُها رجلٌ مسلمٌ، يسألُ اللَّهَ فيها خيرًا، إلا
أعطاه)) فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّه، فماذا أسألُ ؟ فقال: ((سل اللَّهَ العافيةَ في
الدنيا والآخرة)» .
وهذا مرسلٌ .
(١) ((المصنف)) (٢٤/٦) من كتاب الدعاء .

٥٢٣
٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام فى صلاة الجمعة
كتاب الجمعة
٣٨ - بَابٌ
إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمَامِ فِي صَلَةِ الْجُمُعَةِ
فَصَةُ الإِمَامِ وَمَنْ(١) بَقِيَ تَمَّةٌ
٩٣٦ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرو: ثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنِ ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ
أَبِي الْجَعْدِ: ثَنَا جَائِرُ بْنُ عَبِّدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَِّّ: ﴿ إِذْ أَقْبَتْ
عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَِّّن ◌َّهِ إِلَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً،
فَنَزَلَتْ هَذه الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تجَارَةً أَوْ لَهُوَّا انفَضُوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا
[الجمعة: ١١] .
وخرجه في ((التفسير))(٢)، عن حفصِ بنِ عمرَ ، قال : ثنا خالدُ بنُ عبد اللَّه :
أبنا حصينٌ ، عن سالمٍ بنِ أبي الجعْدِ - وعن أبي سفيانَ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ -
فذكره بمعناه .
وفي هذه الروايةِ : متابعةُ أبي سفيانَ لسالمٍ بنِ أبي الجعدِ على روايته عن
جابرٍ ، وإنما خرَّج لأبي سفيان متابعةً .
وقد خرجه مسلمٌ (٣) بالوجهين - أيضًا.
وفي أكثرِ رواياتِهِ: أن النبيَّ ◌َ لَّ كَانَ يخطبُ يومَ الجمُعَةِ.
وفي روايةٍ له: أنَّ النبيَّ وَِّ كانَ يخطبُ قائمًا يومَ الجمُعَة - فذكرَه بمعناه.
وفي رواية له : فلم يبقَ إلا اثنا عشرَ رجلاً ، أنا فيهم .
وفي روايةٍ له - أيضًا - : فيهم أبو بكرٍ وعمرُ - رضي اللَّه عنهما .
(١) في الأصل: ((ما))، والمثبت متفق عليه في ((اليونينية)).
(٢) (٤٨٩٩) .
(٣) (١٠/٣) .

٥٢٤
حديث : ٩٣٦
كتاب الجمعة
وقولُهُ في الرواية التي خرَّجها البخاريُّ: ((بيْنَا نحنُ نصلِّي معَ النبيِّ نَّ)) لم
يُرِدْ به أنهمُ انفضُّوا عنه في نفسِ الصلاةِ، إنما أرادَ - واللَّهُ أعلمُ - أنهم كانوا
مجتمعينَ للصلاةِ ، فانغضُوا وتركُوه .
ويدلُّ عليه : حديثُ كعب بن عجرةَ (١) ، لما قال : انظُروا إلى هذا
الخبيثِ يخطبُ قاعدًا، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾
[الجمعة: ١١] .
وكذلك استدلالُ ابنِ مسعودٍ وخلقٍ من التابعينَ بالآيةِ على القيامِ في الخطبةِ .
وروى عليّ بنُ عاصمِ هذا الحديثَ عن حصينٍ ، فقال فيه : فلم يبقَ معه إلا
أربعونَ رجلاً ، أنا فِيهِمْ .
خرجه الدارقطنيّ والبيهقيّ (٢).
وعليّ بنُ عاصمٍ ، ليس بالحافظ ، فلا يُقبلُ تفردُه بما يخالفُ الثقاتِ .
وقد استدلَّ البخاريُّ وخلقٌ من العلماء على أن الناسَ إذا نَفَروا عن الإمامِ
وهو يخطبُ للجمعَةِ ، وصلَّى الجمعةَ بِمَن بَقي ، جازَ ذلك ، وصحَّت جمعتُهم.
وهذا يرجع إلى أصلٍ مختلَفٍ فيه ، وهو : العددُ الذي تنعقدُ به الجمعةُ ،
وقد اختلفَ في ذلك :
فقالت طائفةٌ : لا تنعقدُ الجمعةُ بدونِ أربعينَ رجلاً ، رُوي ذلك عن
عُبيدِ اللَّهِ (٣) بنِ عبد اللَّهِ بنِ عتبةَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو قولُ الشافعيِّ
وأحمدَ - في المشهورِ عنه - وإسحاقَ ، وروايةٌ عن مالكٍ .
وقالت طائفةٌ : تنعقد بخمسينَ ، رُويَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - أيضًا - وهو
روايةٌ عن أحمدَ .
(١) مسلم (٣/ ١٠).
(٢) الدار قطني (٤/٢) والبيهقي (١٨٢/٣).
(٣) في الأصل : ((عبيد)» بدون إضافة.

٥٢٥
٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
کتاب الجمعة
وقالت طائفةٌ تنعقد بثلاثة ، منهم : ابنُ المباركِ والأوزاعيُّ والثوريُّ
وأبو ثورٍ ، ورُوي عن أبي يوسفَ ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ .
وقالت طائفةٌ : تنعقد بأربعة ، وهو قولُ أبي حنيفة وصاحبَيه - في المشهور
عنهما - والأوزاعيِّ ومالكِ والثوريِّ - في رواية عنهما - والليثِ بنِ سعدٍ .
وحُكي قولاً قديمًا للشافعيِّ ، ومنهم مَن حكاه أنها تنعقدُ بثلاثة .
وقالت طائفةٌ : يعتبر أربعونَ في الأمصارِ وثلاثةٌ في القرى ، وحُكِيَ روايةٌ
عن أحمدَ ، صحَّحَها بعضُ المتأخرينَ مِنْ أصحابِهِ .
وقالت طائفةٌ ": تنعقدُ بسبعةٍ، وحُكيَ عن عكرمةَ، وروايةً عن أحمدَ .
وقالت طائفةٌ : تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً ، حُكيَ عن ربيعةَ .
وقد قالَ الزهريُّ (١): إن مصعبَ بنَ عميرٍ أولَ ما جمَّعَ بهم بالمدينةِ كانوا
اثني عشرَ رجلاً .
وتعلَّق بعضُهَم لهذا [الحديثِ](٣) بحديثِ جابرِ المخرجِ في هذا البابِ .
"وقال طائفةٌ: تنعقدُ الجمعةُ بما تنعقدُ به الجماعةُ ، وهو رجلانِ ، وهو قولُ
الحسنِ بنِ صالحٍ وأبي [ثورٍ](٣)- في روايةٍ - وداودَ ، وحُكيَ عن مكحولٍ .
وتعلَّق القائلونَ بالأربعينَ بحديثٍ كعبِ بنِ مالكٍ ، أنَّ أولَ جمُعةٍ جمَّع بهم
أسعدُ بنُ زرارةَ ، كانوا أربعينَ ، وقد سبقَ ذكرُهُ في أولِ ((كتابِ الجمُعةِ» .
وقد ذكرَ القاضي أبو يعلَي وغيرُهُ وجهَ الاستدلال به : أنَّ الجمعة فُرضت
بمكةَ ، وكان بالمدينة من المسلمينَ أربعةٌ وأكثرُ ممَّن هاجر إليها وممَّن أسلمَ
بها ، ثم لم يصلُّوا [ .... ](٤) كذلك حتى كملَ العددُ أربعينَ ، فدلَّ على أنها لا
(١) ((المراسيل)) لأبي داود (٥٣).
(٢) كذا، فإما أن تكون مقحمة، أو محرفة من ((القول)).
(٣) في الأصل غير واضحة.
(٤) كلمة غيرُ واضحة، ويمكن أن تقرأ: ((سنين)).

٥٢٦
حديث : ٩٣٦
كتاب الجمعة
تجبُ على أقل منهم ، ولم يُثبتْ أبو بكرِ الخلالُ خلافَه عن أحمد في اشتراط
الأربعينَ .
قال : وإنما يُحْكَى عن غيرِه ، أنه قال بثلاثة ، وبأربعة ، وبسبعة ، ولم
يذهبْ إلى شيءٍ من ذلك، وهذا الذي قاله الخلالُ هوَ الأظهرُ . واللَّهُ أعلمُ .
وفي عددِ الجمُعةِ أحاديثُ مرفوعةٌ ، لا يصحُّ فيها شيءٌ ، فلا معنى لذكرِها .
وإذا تقرَّر هذا الأصلُ ، فمَن قالَ : إن الجمعةَ تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً أو
بدونِهم ، فلا إشكالَ عنده في معنى حديث جابرٍ ؛ فإنه يحملُه على أن النبيَّ :
صَلىالله
وَمـ
صلَّى الجمُعَة بمَن بقي معَه ، وصحتْ جمعتُهم .
ومَن قال : لا تصحُّ الجمعةُ بدون أربعينَ ، فإنه يشكلُ عليه حديثُ جابرٍ .
وقد أجاب بعضُهم : بأن الصحيحَ أنهم انفضُّوا وهو في الخطبَةِ . قال :
فيحتملُ أنهم رجعُوا قبلَ الصلاةِ ، أو رجعَ مَن تَمَّ به الأربعونَ ، فجمَّع بهم
قال : والظاهرُ أنهم انفضَّوا ابتداءً سوى اثني عشرَ رجلاً، ثم رجعَ منهم تمامُ
أربعينَ ، فجمَّع بهم ، وبذلك يُجْمَعُ بين روايةٍ عليٍّ بنِ عاصمٍ وسائرِ الروايات.
وهذا الذي قاله بعيدٌ ، وروايةُ عليٍّ بنِ عاصمٍ غلطٌ محضٌ ، لا يُلتَفَتُ
إليها .
وسلكَ طائفةٌ مسلكًا آخرَ ، وظاهرُ كلامِ البخاريِّ هاهنا وتبويبه يدلُّ عليه ،
وهو : أن انفضاضَهم عن النبيِّ وََّ كان في نفسِ الصلاةِ ، وكان قد افتتحَ بهم
الجمعةَ بالعددِ المعتبرِ ، ثم تفرَّقُوا في أثناءِ الصلاةِ ، فأتمَّ بهم صلاةَ الجمُعة ؛
فإن الاستدامة يغتَفَرُ فيها ما لا يُغتفرُ في الابتداءِ .
وهذا قولُ جماعةٍ منَ العلماءِ ، منهم : أبو حنيفةَ وأصحابُه والثوريُّ ومالكٌ
والشافعيّ - في القديم - وإسحاقُ ، وهو وجهٌ لأصحابنا .
وعلى هذا ؛ فمنهم مَن اعتبرَ أن يبقى معه واحدٌ فأكثرُ ؛ لأن أصلَ الجماعة
هے

٥٢٧
كتاب الجمعة ٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
تنعقدُ بذلك ، ومنهم مَن شرطَ أن يبقى معه اثنانِ ، وهو قولُ الثوريِّ وابنِ
المباركِ ، وحُكيَ قولاً للشافعيِّ .
وقال إسحاقُ: إن بَقِيَ معه اثنا عشرَ رجلاً جَمَّع بهم وإلاَّ فلاَ ؛ لظاهرٍ
حدیثٍ جابرٍ .
وهو وجهٌ لأصحابنا .
ولأصحابنا وجهٌ آخرُ : يتمُّها الإمامُ جمُعةً ، ولو بقيَ وحدَه .
وهذا بعيدٌ جدًا .
وفرَّق مالكٌ بينَ أن يكون انفضاضُهم قبلَ تمامٍ ركعةٍ فلا تصحّ جمُعتُهم
ويصلُّون ظهرًا ، وبينَ أن يكونَ بعد تمامٍ ركعةٍ فيتمُّونَها جمعةٌ .
ووافقَه المُزْنَيُّ ، وهو وجهً لأصحابِنا .
وقالَ أبو حنيفةَ : إن انفَضُّوا قبلَ أن يسجدَ في الأولى فلا جمُعَةَ لهم ، وإن
كان قد سجَدَ فيها سجدةً أتمُّوها جمعةٌ .
وقال صاحباه : بل يتمونَها جمعةً بكلِّ حال ، ولو انفضُّوا عقبَ تكبيرةٍ
الإحرامِ .
ومذهبُ الشافعيِّ - في الجديد - وأحمدَ والحسنِ بنِ زيادٍ : أنه لا جمعةَ
لهم ، حتى يكملَ العددُ في مجموعِ الصلاةِ .
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بْنُ جعفرٍ : لم يختلفْ قولُ أحمدَ في ذلك .
وقد وجدتُ جوابًا آخرَ عن حديث جابرٍ، وهو: أن النبيَّ وَِّ كانَ قد صلَّى
بأصحابه الجمعةَ ، ثم خطبَهم فانفضُّوا عنه في خطبتِهِ بعدَ صلاةِ الجمُعةِ ، ثم إنَّ
النبيَّ نَّهِ بعدَ ذلكَ قدَّم خطبةَ الجمُعَةِ على صلاتِها .
فخرج أبو داودَ في ((مراسيلِهِ)) بإسنادِهِ ، عن مقاتلِ بنِ حيانَ ، قال : كان
(١) (٦٢) .

٥٢٨
حديث : ٩٣٦
كتاب الجمعة
رسولُ اللهِ وَ له يصلِّي الجمُعَةَ قبل الخطبةِ مثلَ العيد، حتَّى إذا كان يومُ جمُعة
والنبيُّ بَ لَهِ يخطبُ، وقد صلَّى الجمعةَ، فدخلَ رجلٌ، فقالَ: إن دِحْيَةَ بنَ خليفةَ
قد قدمَ بتجارتِه - وكان دحيةُ إذا قدمَ تلقَّه أهلُه بالدفافِ - ، فخرجَ الناسُ ، لم
يظنُّوا إلا أنه ليس في تركِ الخطبَةِ شيءٌ، فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تجَارَةً
أَوْ لَهُوَا﴾ [الجمعة: ١١]، فقدَّمَ النبيُّ نَّهِ الخطبةَ يومَ الجمُعةِ، وأخرَ الصلاةَ.
وهذا الجوابُ أحسنُ مما قبلَه .
ومن ظنَّ بالصحابةِ أنهم تركوا صلاةَ الجمُعَةِ خلفَ النبيِّ وَِّ بعد دخولِهم
معه فيها ، ثم خرَجُوا مِنَ المسجدِ حتى لم يبقَ معه إلا اثنا عشرَ رجلاً، فقد أساءَ
بهم الظنَّ ، ولم يقعْ ذلك بحمدِ اللَّهِ تعالى .
وأصلُ هذه المسائلِ : أن الجمُعَةَ يشترطُ لها الجماعةُ ، فلا تصحُ مع
الانفرادِ ، وهذا إجماعٌ لا نعلَمُ فيه خلافًا ، إلا ما تقدَّم حكايتُه عن أبي جحيفة ،
أنه صلى ركعتينِ عندَ تأخيرِ بعضِ الأمراءِ للجمعةِ ، وقال : أشهدُكم أنها جمعةٌ .
وحُكي مثلُه عن الفاشانِيِّ ، والفاشانيُّ ليس مِمَّنْ يُعتدُّ بقولِهِ بينَ الفقهاءِ .
وذهب عطاءٌ إلى أن مَن حضرَ الخطبةَ فقد أدركَ الجمعةَ ، فلو أحدثَ بعدَ
حضورِه الخطبةَ ، فذهبَ فتوضأ ثمَّ رجَعَ وقد فرغَ الإمامُ مِنْ صلاةِ الجمُعةِ ، أنه
يصلّي ركعتينٍ ؛ لأنه قد حضر الخطبةَ - : نقلَه عبدُ الرزاقِ(١)، عن ابن جريجٍ،
عنه .
وخالفَه جمهورُ العلماءِ ، فقالوا : يصلي أربعًا .
وفي مراسيلٍ يحيى بنِ أبي كثيرٍ : منَ أدركَ الخطبةَ فقدْ أدركَ الصلاةَ .
خرَّجه عبدُ الرزاقِ(٢) .
(١) (٢٣٨/٣) .
(٢) عبد الرزاق (٢٣٧/٣) .

٥٢٩
كتاب الجمعة ٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
ومراسيلُ يحيى ضعيفةٌ جداً .
واختلفُوا فيمن جاءَ والإمامُ يخطبُ(١)، قد فرغَ منَ الخطبَةِ .
فقالتْ طائفةٌ: لم يدركِ الجمعةَ ، ويصلِّي أربعًا ، رُوي ذلك عن عُمرَ ،
وعن طاوُسٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ ومكحولٍ ، وقالوا : الخطبةُ بدلٌ عن(٢) الركعتينِ .
قال عطاءٌ : إنْ جلسَ قبلَ أن ينزلَ الإمامُ منَ المنبرِ فقد أدركَ الخطبةَ ،
فيصلِّي جمُعَةً ، وإلا صلَّى أربعًا .
وظاهرُ كلامِ عطاءِ : أن الجمعةَ ظهرٌ مقصورةٌ ؛ فإنه(٣) يقولُ: إِنْ أدرَك
الخطبةَ قصرَ ، وإلا لم يقصرُ .
وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: كانتِ الجمُعَةُ أربعًا ، فجعلتِ الخطبَةُ مكانَ الركعتينِ .
وذهب طائفةٌ : إلى أن مَن أدركهم في التشهدِ قبلَ السلامِ فقد أدركَ الجمُعَة،
وهو قولُ الحكمِ وحمادٍ وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ ، وحُكِيَ روايةً عن النَخعيِّ ،
وروايةً عن أحمدَ ، ولا تكاد تصحُّ عنه .
ورُوي عن ابنِ مسعودٍ ، أنه قال لأصحابه - وقد أدركَ الناسَ جلوسًا في
الجمعَةِ - : قد أدركتمْ ، إن شاءَ اللَّهُ .
قال قتادةُ إنما أرادَ : أدركتمُ الأجرَ .
وذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى أنه إنْ أدركَ ركعةٌ مِنَ الجمعةِ مع الإمامِ فقد أدركَ
الجمعةَ، ويتمُّها جمعةً ، وإن فانّتْه الركعةُ الثانيةُ صلَّى أربعًا .
ورُوي ذلك عنِ ابنِ عمرَ وابنِ مسعودٍ وأنسٍ ، وهو قولُ علقمةَ والأسود
والحسنِ والنخَعيِّ والزهريِّ والأوزاعيِّ والليثِ والثوريِّ ومالك والشافعيِّ وأحمدَ
وإسحاقَ .
(١) كأن ((يخطب)) مقحمة.
(٢) في الأصل: ((على))، والأشبهُ ما أثبتُّه. والله أعلم.
(٣) لعل الأشبه بالسياق: ((كأنه)). واللَّه أعلم.

٥٣٠
حديث : ٩٣٦
کتاب الجمعة
واستدلُّوا بحديث : ((مَنْ أدركَ ركعةٌ منَ الصلاة)).
ثم إنَّ أكثرَهم قالُوا: يصلِّي منَ أدركَ التشهدَ مع الإمامِ الظهرَ خلفَه أربعًا .
وهذا يتوجَّه على قول من يقولُ : يصحُّ اقتداءُ من يصلي فرضًا خلفَ مَن
يصلّي فرضًا آخر . فأما من قال : لا يجوز ذلك ، فهو مشكَلٌ على أصولِهم .
فلهذا قال طائفةٌ : لا يجزتُه أن يصلِّيَ الظهر خلفَ مَن يصلِّي الجمعةَ ، بل
يستأنفُ الظهرَ ، وهو اختيارُ بعضِ أصحابِنا في المسبوقِ ، وفيما إذا نقص العددُ
في أثناءِ الجمُعَةِ .
وهو قولُ بعضِ فقهاءِ أهلِ المدينةِ ، إلا على قولِ مَن يقولُ : الجمعةُ ظهرٌ
مقصورةٌ ، فيكونُ كمقيمٍ صلَّى خلفَ مسافرٍ .
فلهذا قال بعضُهم : ينَوْىِ في دخولِه معَه الجمعةَ ، ثم يصلِّي ظهرًا إذا
فارقَهُ ، وهو بعيدٌ .
وحُكي ذلك عن ابنٍ شاقلا مِنْ أصحابِنا .
وقد صنَّف ابنُ شاقلا في المسألة جزءًا مفردًا، وقد تأمَّلْته ، فوجدتُه يقولُ :
إنَّ مَن أدركَ التشهدَ خلفَ الإمامِ في يوم الجمعةِ ، فإنه يصلِّي جمعةً أربعَ
ركعاتٍ . قالَ : وإنما كانت جمعةُ هذا أربعًا لاتفاقِ الصحابةِ عليه ، على خلاف
القياسِ ، وكان القياسُ : أن يصلّيَ الركعتينِ .
وأخذ ذاك مِن قولِ أحمدَ - في روايةِ حنبلٍ - : لولا الحديثُ الذي في
الجمُعَةِ ، لكان ينبغي أن يصلِّيَ ركعتينِ إذا أدركَهُمْ جلوسًا .
حتَّى قالَ ابنُ شاقلا : لو كان الإمامُ قد صلَّى الجمُعَةَ قبلَ زوالِ الشمسِ ،
فأدركَهُ في التشهدِ صلى أربعًا ، وأجزأَه ، وكانت جمُعَةً .
وقد قالَ سفيانُ الثوريُّ : إذا نوى الجمعةَ ، وصلَّى أربعًا أجزأتْه جمعتُه ،
وإن لم ينوِ الجمعةَ فلا أراه يجزِئُه .

٥٣١
٣٨ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة
كتاب الجمعة
ءِ
وللشافعية فيما إذا نوَى بصلاة الجمعة صلاةَ الظهرِ المقصورة : هل تصح
جمعتُه ؟ وجهان ، على قولهم : إن الجمعةَ ظهرٌ مقصورةٌ .
وإنْ نوَى الجمعةَ ، فإنْ قالُوا: هِي صلاةٌ مستقلّة أجزأهُ .
وإن قالوا (١): ظهرٌ مقصورةٌ، فهل تشترطُ نِيَّ القصرُ ؟ فيه وجهانٍ لهم ،
أصحهما : لا تشترطُ .
ولو نَوى الظهر مطلقًا ، من غير تعرضِ للقصرِ ، لم يصحّ عندهم بغير
خلاف .
وقال مالكٌ - فيما نقله عنه ابنُ عبدِ الحكمِ - في الإمامِ ينزل بقريةٍ لا تقامُ فيها
الجمعةُ ، فيجمِّعُ فيها : إنه لا يكونُ جمعةً ، بل يكون ظهراً مقصورةً ، فتصحّ له
ولمن معه من المسافرينَ ، ويتم أهلُ تلك القريةِ صلاتَهم إذا سلَّم .
وهو ظاهرُ ما ذكرَه في ((الموطٍ))(٢)، ونقله عنهُ ابنُ نافعٍ - أيضًا .
وظاهرُ هذا : يدلُّ على صحةٍ صلاة الظهرِ المقصورةِ بنيةِ الجمعة .
قال ابنُ القاسم في ((المدونةِ)): لا جمعةَ للإمامِ ولاَ لمن خَلْفه ، ويعيدُ
ويعيدون ؛ لأنه جهرَ عامدًا .
وهذا تعليلٌ عجيبٌ ، وهو يقتضي أنَّ مَن جهرَ في صلاة السرِّ عمدًا بطلتْ (٣)
صلاتُه .
والتعليلُ: بأنه لا تصحُّ صلاةُ الظهرِ بنيةِ الجمَعةِ أظهرُ .
وذكرَ ابنُ الموازِ ، عن ابنِ القاسم : أما هو فصلاتُه تامةٌ ، وأما همّ فعليهِمُ
الإعادةُ .
(١) في الأصل: ((قال)).
(٢) (ص ٨٧) .
(٣) في الأصل : ((يطلب)» !

٥٣٢
حديث : ٩٣٦
كتاب الجمعة
واختلف السلفُ في هذه المسألةِ :
فقال عطاءٌ - فيمن دخلَ قريةً لا ينبغي أن تقامَ فيها الجمعةُ ، وهي القريةُ التي
ليستْ جامعةً عندَه ، فأقامَ أهلُها الجمعةَ، فجمَّع معهم : إنه يُتُمَّ صلاتَه ، فإذا
سلَّم إمامُهم أتمَّ صلاتَهُ بركعتينِ ، ولا يقصرُ معهم .
وقال الزهريُّ : يجَمِّعُ معهم ويقصرُ .
ومذهبُ أصحابِ الشافعيِّ : أن المسبوقَ في صلاةَ الجمعةِ يتمَّ صلاتَه - إذا
سلَّم الإمامُ - ظهرًا .
ثم منهم مَن قطعَ بذلك ، وهُمْ جمهورُ العراقيينَ ، ومِنَ الخراسانينَ مَنْ بناه
على القولِ في أن الجمعةَ : هل هي صلاةٌ مستقلةٌ أو ظهرٌ مقصورةٌ .
فإن قيل : هيَ ظهرٌ مقصورةٌ أتمَّها ظهرًا كالمسافرِ إذا امتنعَ عليه القصرُ
لسببٍ ، وإن قيل : هي صلاةٌ مستقلَّةٌ ، فهلْ يُتْمُّها ظهرًا ؟ فيه وجهانِ ،
أصحُهما : يتمُّها ظهرًا؛ لأنها بدلٌ منها ، أو كالبدلِ .
فعلى هذا : هلْ يُشترَطُ أن ينويَ قبلَها ظهرًا ، أو تنقلب بنفسِها ؟ فيه
وجهانِ - أيضًا .
وهذا كلُّه تفريعٌ على قولِهِم : ينوِي الجمعةَ موافقةً للإمامِ .
ولهم وجهٌ آخرُ : يُنِي الظهرَ ؛ لأنه لا يصحُّ له غَيْرُها .
وهو قولُ الخرقيِّ وأكثرِ أصحابِنا .
ومنهم مَنْ قال : هو ظاهرُ كلامِ أحمدَ .
وحكاه - أيضًا - عن مالك والشافعيِّ، وفي حكايته عن الشافعيِّ نظرٌ .

٥٣٣
٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها
كتاب الجمعة
٣٩ - بَابُ
الصَّلاَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبَلَهَا
٩٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ﴿ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنٍ ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ
رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لاَ يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ
فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ .
وقد خرجهُ في ((أبوابِ صلاةِ التطوع))(١) من طرقٍ أخرى عن نافعٍ ، ومن
طريق سالمٍ ، عن أبيه ، والمعنَى متقاربٌ .
وقد دلَّ هذا الحديثُ على أن النبيَّ ◌ََّ كانَ لا يصلِّي بعدَ الجمعةِ في
المسجد شيئًا ، وأنه كان ينصرفُ إلى بيته ، فيصلِّي ركعتينِ .
فتضمَّن ذلك : استحبابَ شيئيْن : أحدُهما : صلاةُ ركعتينِ بعدَ الجمعةِ .
والثاني : أن تكونَ في البيتِ .
وقد كان ابنُ عمرَ يفعلُه بالمدينةِ ، يرجع إلى بيته فيصلِّي ركعتين ، وكان
ينهَى عن صلاتِهما في المسجد ، ويقولُ لمن يفعلُه : صلَّى الجمعةَ أربعًا ، وكان
إذا كان بمكةَ يتقدَّم من موضعٍ صلاتِهِ ، فيصلّي ركعتينِ ، ثم ينتقلُ عنه فيصلِّي
أربعًا .
وفي ((صحيح مسلمٍ))(٢) عن سهيلٍ ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ ، عن النبيِّ
وََّ ، قال: ((من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصلِّ أربعًا)).
(١) (١١٦٥) (١١٦٩) (١١٧٢).
(٢) (١٦/٣) .

٥٣٤
حديث : ٩٣٧
كتاب الجمعة
وفي رواية له : قال سهيلُ : فإن عجلَ بك شيءٌ فصلٌّ ركعتينِ في المسجدِ
وركعتينٍ إذا رجَعَتَ .
وقد وقعَ في غير مسلمٍ هذا الكلامُ عن سهيلٍ من قولِه .
وقد اختلفَ العلماءُ في الجمعِ بينَ حديثِ ابنِ عمرَ وحديث أبي هريرةَ .
فقالت طائفةٌ : هو مخيرٌ بين أن يصلِّيَ ركعتينٍ وأربعًا ، عملاً بكلِّ واحدٍ من
الحديثين ، وهو قولُ أحمدَ - في روايةٍ عنه .
وظاهرُهُ : أنه لا فضلَ لأحدِهما على الآخرِ .
ورُويَ عنه ، أنه قال : يصلّي ركعتينٍ ولا يعيبُ على مَن صلَّى أربعًا ؛
لحديث أبي هريرةَ .
وظاهره : أن الأفضلَ الأخذُ بحديثِ ابنِ عمرَ ؛ لأنه أثبتُ إسنادًا .
وقالت طائفةٌ : يجمعُ بينهَما، فيصلِّي ستًّا - : نقلَه إبراهيمُ الحربيّ ، عن
أحمدَ ، وقال: يجمعُ بَيْنِهما عَلَى وجهٍ، بَيْنَ أَمْرِ النبيِّ وََّ وِفِعْلِهِ .
ونقل عنه ابنُ هانئٍ (١)، قال: يصلِّي ستًا ؛ لأمرٍ عليِّ بنِ أبي طالبٍ بذلكَ.
وهذا مأخذٌ آخرُ .
وقالت طائفةٌ : يجمعُ بينهما على وجهٍ آخرَ ، فإن صلَّى في المسجد صلَّى
أربعًا، وإن صلَّى في بيته صلَّى ركعتين، وهو قولُ إسحاق ، واستدل ــ أيضًا -
بقول عمر وابن مسعود . ولا يصلى ركعتين بعد مكتوبة مثلها .
قال : فإذا صلَّى في المسجد ركعتين فقد صلى بعد المكتوبة مثلها ، فيصلي
أربعًا ، وأما إذا صلى في بيته ركعتين ؛ فإنَّ المشْيَ إلى بيتهِ فاصلٌ بين المكتوبةِ
وغيرِهَا .
وقالت طائفةٌ : يجمع بينهما على وجه آخر ، وهو أن الإمامَ يصلِّ في بيته
(١) ((مسائله)) (٨٩/١).

٥٣٥
٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها
كتاب الجمعة
ركعتينِ ، والمأمومَ يصلِّي أربعًا في المسجدِ ، وهذا قول أبي خيثمة زهيرِ بنِ
حربٍ وأبي إسحاق الجوزجانيِّ ، وتبويب النسائيِّ يدلُّ عليه - أيضًا .
وكان عليّ بنُ أبي طالبٍ يأمرُ بِصلاةِ ستِّ ركعاتٍ بعدَ الجمعة .
وكانَ ابنُ مسعودٍ يأمرُ بأربعٍ .
قال عطاءُ بنُ السائبِ ، عن أبي عبد الرحمنِ السُّلَميِّ: علَّمَنَا عبدُ اللَّه بنُ
مسعودٍ أن نصلّيَ بعد الجمعةِ أربعًا ، ثم جاء عليٌّ بنُ أبي طالبٍ ، فعلَّمنا أن
نصلِّيَ ستًا .
وكان عمرانُ بنُ حصينٍ يصلّي بعد الجمعةِ أربعًا .
ورُوي عن عليٍّ من وجهٍ آخرَ منقطعٍ .
وعن أبي موسى الأشعري ، أنه كان يصلي سنًا .
وكان الحسنُ يصلّي ركعتين ، ومسروقٌ يصلّي ركعتين ، ثم أربعًا .
ونصَّ الشافعيُّ في ((الأم))(١)، أنه يصلي بعد الجمعة أربعًا .
وحكي الترمذيُّ (٢)، عنه ، أنه يصلي ركعتين .
وقد تقدمَ عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يصلّي في بيته ركعتين ، وفي المسجد ستًا:
ركعتين ، ثمَّ أربعًا ، يفصلُ بينهما .
وقالَ ابن عُبينةَ : يصلِّي ركعتينِ، يُسلِّم فيهمَا ، ثُمَّ يصلّي أربعًا ، لا يسلِّم
إلا في آخرهنِّ .
وقال أحمدُ ـ في روايةٍ عنه - : إن شاءَ صلَّى أربعًا، وإن شاءَ صلَّى ستًا .
ولا يكره تركُ الصلاة بعدَ الجمعةِ أحيانًا - : نصَّ عليه أحمدُ ، واستدلَّ بأن
عمرانَ بنَ حصينٍ تركها مرةً (٣)، حيث كان يصلِّي أربعًا بعد صلاة الجمعة خلفَ
(١) (١/ ١٢٣) .
(٢) (٣٩٩/٢) في («جامعه».
(٣) عبد الرزاق (٢٤٨/٣) .

٥٣٦
حديث : ٩٣٧
كتاب الجمعة
زياد ، فقيلَ عنه: إنه لا يعتد بصلاته خلفَ زياد ، فأنكرَ ذلك، ثم صلَّى
الجمعةَ الثانيةَ ، ولم يصل شيئًا حتى صلَّى العصر .
وأما مكانُ الصلاة بعدَ الجمعةِ ، فالأفضلُ أن يكونَ في البيتِ لمن له بيتٌ
يرجعُ إليه ، كما كانَ ابنُ عمرَ يفعلُه ويأمرُ به .
فإن صلَّى في المسجدِ ، فهل يُكرَهُ ، أم لا ؟
ذهب الأكثرونَ إلى أنه لا يُكرَه ، ولكن يؤمرُ بالفصلِ بينها وبين صلاةِ
الجمعة .
وقد سبقَ حديثُ السائبِ بنِ يزيدَ ، عن معاويةَ في ذلك .
وقال عكرمةُ : إذا صليتَ الجمعةَ ، فلا تَصلُها بركعتينِ حتى تفصل بينهما
بتحوُلِ أو كلامٍ .
وقال قتادةُ : رأى ابنُ عمرَ رجلاً يصلِّي في مقامه الذي صلَّى فيه الجمعةَ ،
فنهاه عنه ، وقال : ألا أراكَ تصلِّي في مقامِك ؟ قال : نعم . قال قتادةُ : فذكرتُ
ذلك لابنِ المسيبِ ، فقال : إنما يكرَه ذلك للإمامِ يومَ الجمعةِ .
ومذهبُ مالك : أنه يُكرَه للإمامِ أن يصلِّيَ بعد الجمعةِ في المسجد ، ولا
يُكرَه للمأمومِ ، إذا انتقلَ من موضعٍ مصلاهُ ، وقد رُوي عن ابنِ عمرَ .
قال عبدُ الرزاقِ (١): أخبرني ابنُ جريجٍ: أخبرني عطاءٌ ، أن عَمْرو بنَ
سَعيدٍ(٢) صلَّى الجمعةَ ، ثم ركعَ على إثرِها ركعتينٍ في المسجدِ ، فنهاه ابنُ عمرَ
عن ذلك ، وقالَ : أما الإمامُ فلاَ ، إذا صلَّيت فانقلبْ فصلِّ في بيتكَ ما بدا لك،
إلا أن تطوفَ ، وأمَّا الناسُ ، فإنهم يصلُّون في المسجدِ .
(١) (٢٤٨/٣) .
(٢) وقع في ((المصنف)): ((عمرو بن شعيب)) وهو تصحيف ظاهر ، فابن شعيب لا يمكن له أن
يدرك ابن عمر ، بل هو يروي عن عطاء نفسه . وهو: ((عمرو بن سعيد بن العاص)). واللَّه
أعلم .
٠

٥٣٧
٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها
كتاب الجمعة
وفي صلاة الإمامِ في الجامعِ بعدَ الجمعةِ حديثٌ ، من روايةِ عاصمٍ بنِ
سويدِ ، عن محمدِ بن موسى بنِ الحارثِ ، عن أبيه ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ،
قال: أتى رسولُ اللَّهِ بِّهِ بني عَمرو بنِ عوفٍ يومَ الأربعاء، فقالَ: ((لو أنكمْ إذا
جئتُم عيدَكم هذا صليتُمْ حتى تَسْمَعُوا من قولي)). قالوا: نعَمْ ، بأَبِينَا أنتَ
يا رسولَ اللَّهِ وأمهاتنا. قال: فلما حضروا الجمعةَ صلَّى لهم رسولُ اللَّهِ وَاهـ
الجمعة ، ثمَّ صلى ركعتين بعدَ الجمعةِ في المسجد ، ولم يُرَ يصلِّ بعدَ الجمعةِ
في المسجد ، وكان ينصرفُ إلى بيته قبلَ ذلك اليومِ .
خرجه ابنُ حبانَ في ((صحيحه)) والحاكمُ (١).
وقال : صحيحُ الإسنادِ .
وقال بعضُ المتأخرين : محمدُ بنُ موسى بنِ الحارثِ لا يُعرَفُ .
وخرجه البزارُ في («مسندِه))، وعندَه : عن موسى بنِ محمدِ بنِ إبراهيم بنِ
الحارثِ ، عن أبيه ، عن جابرٍ .
فإن كانَ ذلك محفوظًا ، فهو موسى بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ التيميُّ ، وهو
منكرُ الحديثِ جدًا .
وخرج النسائيُّ (٢) من رواية شعبةً ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ،
أنه كان يصلِّي بعدَ الجمعةِ ركعتينِ، يطيلُ فيهما، ويقولُ: كان رسولُ اللَّهِ وَهُ
يفعلُه .
وذِكْرُ إطالةِ الركعتينِ بعدَ الجمعةِ غريبٌ .
وقد رَوَى غيرُ واحدٍ ، عن أيوبَ (٣) في هذا الحديث : أن الإطالةَ إنما كانت
في الصلاةِ قبلَ الجمعةِ ، كما سنذكرُه .
(١) ابن حبان (٢٤٨٤) والحاكم (١٣٣/٤)، وكذا ابن خزيمة (١٨٧٢).
(٢) (٣/ ١١٣) .
(٣) في الأصل: ((عن غير أيوب))، و((غير)) مقحمة ، يؤيد هذا ما سيأتي.

٥٣٨
حديث : ٩٣٧
كتاب الجمعة
وقد بوَّبَ البخاريُّ على ((الصلاةِ بعدَ الجمعةِ وقبلَها)) ، كما بوَّب عليه
عبدُ الرزاقِ والترمذيُّ في ((كتابيهما)» ، إلا أنهما ذكرا في الصلاةِ قبلَها آثارًاً موقوفةً
غيرَ مرفوعةٍ ، ولم يذكرِ البخاريُّ فيها شيئًا ، إما لأنَّ المرفوعَ فيها ليس على
شرطِه ، وفيها أحاديثُ مرفوعةٌ في أسانيدِها نظرٌ ، أو لأن الذي فيها كلَّه موقوفٌ،
فلم يذكره لذلك .
أو لأنه اجتزاً عنه بحديث سلمانَ الذي خرَّجه فيما تقدمَ (١) في موضعين ؛
فإن فيه : ((وصلَّى ما كتبَ له، ثم أَنْصَتَ إذا تكلمَ الإمامُ)) ؛ فإن هذا يدلُّ على
فضلِ الصلاةِ قبلَ الجمعةِ ، لا سيما وفيه - في إحدى الروايتين للبخاريِّ -: ((ثم
راحَ»، والرواحُ حقيقةً لا يكون حقيقةً (٢) إلا بعدَ الزوالِ، كما سبقَ ذكرُه .
فعلى هذا ، يكون ترغيبًا في الصلاةِ بعدَ زوالِ الشمسِ يومَ الجمعةِ من غيرِ
تقديرِ للصلاة ، فيكونُ أقلُّ ذلك ركعتينِ ، والزيادةُ عليهما بحسبِ التيسيرِ .
وإن قيلَ : إن الرواحَ هنا بمعنى الذَّهابِ ، فإنه يدلُّ على استحبابِ الصلاةِ
يومَ الجمعةِ قبلَ خروجِ الإمامِ من غيرِ تفضيلٍ بَيْنَ مَا قبلَ زوالِ الشمسِ وبعدَه .
وروى ابنُ عليةَ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ ، قال : كان ابنُ عمرَ يطيلُ الصلاةَ
قبلَ الجمعةِ، ويصلِّي بعدها ركعتينٍ في بيته، ويحدِّثُ أن رسولَ اللَّهِ وَ كانَ
يفعلُ ذلك .
- (٣)
خرجه أبو داودَ (٣).
وخرجه الإمامُ أحمدُ (٤) من طريقِ وُهيبٍ ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ ، أن ابنَ.
عمرَ كان يغدُو إلى المسجدِ يومَ الجمعةِ ، فيصلِّي ركعاتٍ يطيلُ فيهن القيامَ (٥)،
(١) (٨٨٣).
(٢) لعل إحداهما مقحم .
(٣) (١١٢٨) .
(٤) (٢ / ١٠٣) .
(٥) في الأصل: ((المقام)).

٥٣٩
٣٩ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها
كتاب الجمعة
فإذا انصرفَ الإمامُ رجعَ إلى بيته ، فصلَّى ركعتين، وقالَ: هكذا كانَ رسولُ اللَّه
ونَ﴿ يفعلُ.
وظاهرُ هذا: يدل على رفعٍ جميعِ ذلك إلى النبيِّ نَّهِ: صلاتُه قبلَ الجمعةِ
وبعدَها في بيته ؛ فإنَّ اسمَ الإشارةِ يتناولُ كلَّ ما قبلَه مما قربَ وبعدَ ، صرَّح به
غيرُ واحدٍ من الفقهاءِ والأصوليين .
وهذا فيما وُضع للإشارةِ إلى البعيدِ أظهرُ ، مثلُ لفظة: «ذلك)) ؛ فإن
تخصيصَ القريبِ بها دونَ البعيدِ يخالفُ وضعَها لغةً .
وروى عبدُ الرزاق ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ ، قال : كان ابنُ عمرَ
يصلِّي قبلَ الجمعةِ اثنتي عشرةَ ركعةً .
وعن(١) ابنِ جريجٍ ، أنه قالَ لعطاءِ : بلغني أنك تركعُ قبلَ الجمعةِ ثنتي
عشرةَ ركعةً، فما بلغَكَ في ذلك؟ فذكرَ له حديثَ أمٍ حبيبةَ المرفوعَ: (( مَن
ركعَ ثنتي عشرة ركعةً في اليومِ والليلة - سوى المكتوبة - بنى اللَّهُ له بيتًا في
الجنة»(٢).
وقد تقدمَ عن ابنِ مسعودٍ ، أنه كان يأمرُ أن يصلّي قبلَ الجمعةِ أربعًا(٣).
وروى الطحاويّ (٤) بإسناده عن جبلةَ بنِ سحيمٍ قال : كانَ ابنُ عمرَ يصلّي
قبلَ الجمعةِ أربعًا لا يفصلُ بينهن بسلامٍ وبعد الجمعةِ ركعتينٍ ثمَّ أربعًا .
وروى ابنُ سعدٍ في ((طبقاته)) بإسنادِهِ، عن صفيةَ بنتِ حُيٍّ أَمِّ المؤمنينَ ،
أنها صلَّتِ الجمعةَ معَ الإمامِ ، فصلَّتْ قبل خروجهِ أربعًا .
وقال النخَعِيُّ : كانوا يحبُّون أن يصلُّوا قبلَ الجمعةِ أربعًا .
(١) (٢٤٦/٣) .
(٢) وأخرجه مسلم (١٦١/٢) وأحمد (٣٢٦/٦) والترمذي (٤١٥) والنسائي (٢٦٢/٣).
(٣) عبد الرزاق (٢٤٧/٣) .
(٤) ((شرح المعاني)) (٣٣٥/١).

٥٤٠
حديث : ٩٣٧
كتاب الجمعة
خرجه ابنُ أبي الدنيا في ((كتابِ العيدينِ)) بإسنادٍ صحيحٍ .
وقد روى ابنُ أبي خيثمةَ في ((تاريخه)) من طريقِ الأعمشِ ، عن النخَعيِّ ،
قال : ما قلتُ لكم : كانوا يستحبَّون ، فهو الذي أجمعُوا عليه .
وممنْ ذهبَ إلى استحبابِ أربعِ ركعاتٍ قبلَ الجمعةِ : حبيبُ بنُ أبي ثابت
والنخَعِيُّ والثوريُ وابنُ المباركِ وأحمدُ وإسحاقُ .
وروى حربٌ بإسنادِهِ ، عن ابن عباسٍ ، أنه كان يصلِّي يوم الجمعةِ في بيتهِ
أربعَ ركعاتٍ ، ثم يأتي المسجدَ فلا يصلي قبلَها ولا بعدَها .
وهذا يدلُّ على أن سنةَ الجمُعَةِ عند ابنِ عباسٍ قبلَها لا بعدَها .
واعلمْ ؛ أن التطوعَ بالصلاةِ يومَ الجمُعَةِ قبلَ الجمعة له أربعةُ أوقات :
أحدُها : ما قبلَ طلوعِ الشمسِ لمن بكَّرَ إلى الجمعَةِ حينئذٍ ، فهذا الوقتُ
وقت نهي عن التطوعِ فيه بما لا سبَبَ له ، وماله سببٌ كتحية المسجد فيه
اختلافٌ ، سبقَ ذكرُه في ذكرِ أوقاتِ النهِي .
إلا مَن يقولُ : إن يومَ الجمعة كلَّه صلاةٌ ليس فيه وقتٌ يُنْهى عن الصلاة فيه
بالكلية ، كما هو ظاهرُ كلامٍ طاوُسٍ ؛ فإنه قال : يومُ الجمعة كلُّه صلاةٌ .
وقد قيل : إنه إنما أرادَ به وقتَ استواءِ الشمسِ خاصةً .
والثاني : ما بين ارتفاعِ الشمسِ واستوائِها ، فيستحبَّ التطوعُ فيه بما أمكن ،
وخصُوصًا لمَنْ بِكَّرَ إلى الجمُعَةِ .
والثالثُ : وقتُ استواءِ الشمسِ وقيامِها في وسطِ السماءِ .
وقد اختلفوا : هلْ هو وقتُ نهي عن الصلاةِ في يوم الجمعةِ ، أم لا ؟
فمنهم مَن قال : هو وقتُ نهي ، كأبي حنيفةَ وأحمدَ .
ومنهم مَن قال : ليس بوقتِ نهي ، وهو مذهبُ مكحولٍ والأوزاعيِّ
والشافعيِّ .