النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
٢٥ - باب التأذين عند الخطبة
كتاب الجمعة
٢٥ - بَابُ
التَّذِينِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ
٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ: أَنَّا عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَانَ أَوَّهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْرِ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وَأَبِي بَكْرٍ وَهُمَرَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي
خلاَفَةٍ عُثْمَانَ وَكَثُرُوا أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ فَأَذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ،
فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ .
المقصودُ بهذا البابِ : أن الأذانَ يومَ الجمعةِ يكون عند جلوسِ الإمامِ على
المنبرِ للخطبة، فهذا هو الأذانُ الذي كان في عهد النبيِّ وَّهِ وأبي بكرٍ وعمرَ،
وهو المجتمعُ على مشروعيتِه .
وهل يكون بين يدي المنبر في المسجد ، أو على المنارة ؟ فيه كلامُ سبق
ذكره ، وأن الشافعي نص في ((كتاب البويطيِ) على أنه يكون على المنارة .
وكذا مذهبُ مالك ، قال في ((تهذيب المدوَّنَةِ)): يجلس الإمامُ في أولٍ
خطبته حتى يؤذِّن المؤذنون على المنارِ ، ثم يخطُب .
ونقل مثنى الأنباريُّ عن أحمدَ ، أنه سئل عن الأذانِ الذي يجبُ علَى مَنْ
كانَ خارجًا من المصرِ ، أَنْ يَشْهَدَ الجمعةَ ؟ قالَ : هُو الأَذانُ الذي في المنارة .
وهذا يحتمل أنه يريد به ما قاله الشافعي : إن أذان الجمعة بين يدي الإمام
عند جلوسه على المنبر يكون على المنارة .
ويُحتمل أنه يريد به : أنه يجب السعي بالأذان الأوَّل ، كما يحرم البيعُ به ،
على رواية عنه ؛ فإن قوله : ((الذي على المنارة)) إخبارٌ عن الواقع في زمانه ،
ولم يُعهد في زمانه الأذان علىَ المنارةِ سوى الذي زادَه عثمانُ .

٤٦٢
حديث : ٩١٦
كتاب الجمعة
ويحتمل أنه إنما قال ذلكَ فيمن كانَ خارجَ المصرِ ؛ لأنَّ الأذانَ الأولَ يكون
الإعلامهم ، فيلزمُهم السعيُ به ، بخلاف أهل المصرِ ، فإنهم يلزمُهم السعيُ من
غير سماعٍ أذانٍ ، فلا يجب عليهم السعيُ بالأذان الأولِ ، بل بالثاني . واللَّه
أعلم .
وقد تقدم في رواية ابن إسحاقَ ، عن الزهريِّ ، عن السائبِ بنِ يزيدَ لهذا
الحديث: أن هذا الأذان على عهد النبيِّ وَِّ، وأبي بكرٍ وعمرَ كان على بابِ
المسجد .
وقولُهُ في هذه الرواية التي خرجها البخاري هنا : ((فثبتَ الأمرُ على ذلكَ ))،
يدلُّ على أن هذا من حين حدَّده عثمانُ استمرَّ ، ولم يُترك بعدَه .
وهذا يدل على أن عليًا أقرَّ عليه، ولم يبطلْه ، فقد اجتمع على فعله خليفتان
من الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم أجمعين .

٤٦٣
٢٦ - باب الخطبة على المنبر
كتاب الجمعة
٢٦ - بَابُ
الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْرِ
وَقَالَ أَنَسٌ: خَطَبَ النَِّيُّعَ﴿ عَلَى الْمِنْرِ.
حديثُ أنسِ هذا : الظاهرُ أنه يريد به حديثَه في دعاءِ النبيِّ وَّهِ بالاستسقاء
يوم الجمعةِ على المنبرِ ، وسيأتي في مواضعَ أخرَ من الكتابِ(١) - إن شاءَ اللَّه
سبحانه وتعالى .
فيه ثلاثةُ أحاديث :
الأولُ :
٩١٧ - نَ قُتِيَةُ: نَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَارِيُّ
الإِسْكنّدَرَنِيُّ: نَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ رِجَالاً أَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ، وَقَدِ
امْثَرَوْا فِي الْمِثْبَرِ: مِمَّ عُودُهُ؟ فَسَأُوَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ، لأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ،
وَقَدْ رَيْتُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ بَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِعَهَ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّه
تَ﴿ إِلَى غُلاَثَةَ - امْرَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ -: ((مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَدَاً
أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ،، فَأَمَرَتَهُ، فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا،
فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِوَّهِ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَاهُنَا، ثُمَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَّ
صَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَّلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ فِي
أَصْلِ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقَبْلَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالَ: ((يا أَيُّهَا (٢) النَّاسُ، إِنَّمَا
صَنَعْتُ هَذَ لِنََّمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي)) .
(١) برقم (١٠١٣) (١٠٣٣).
(٢) في ((اليونينية)) بدون: ((ياء)).

٤٦٤
حديث : ٩١٧
كتاب الجمعة
قد خرجهُ فيما تقدم (١) من حديث ابن عيينةَ عنْ أبي حازمٍ ، وهذا السياقُ
أتمُّ .
وفي رواية ابن عيينة: ((مِن أَثْلِ الغابةِ))، و((الأثلُ) و((الطَّرْفاءُ»: يشبه بعضُهُ
بعضًا . و((الغابةُ)): خارجَ المدينةِ مشهورةٌ .
وخرجه البخاريَّ - أيضًا - مختصرًا في ((أبواب المساجدِ))، في ((باب:
الاستعانةِ بالصناعِ والنجارِ فِي عمل المسجد والمنبرِ»(٢) من حديث عبد العزيزِ بنِ
أبي حازمٍ ، وذكرنا الاختلافَ في رسم الذي عملَ المنبرَ .
وخرجه مسلمٌ (٣) من حديث عبدِ العزيزِ بتمامه، [وفي] حديثه: أن المنبرَ
کان ثلاث درجات .
وقد رُوي هذا الحديثُ عن سهلٍ من وجه آخرَ ، وفيه : حنينُ الخشبةِ .
خرجه ابنُ سعدٍ في ((طبقاته)(٤): ثنا أبو بكرِ بنُ أبي أويسٍ : حدثني سليمانٌ
ابنُ بلال ، عن سعدِ بنِ سعيدِ بنِ قيسٍ ، عن عباسِ بنِ سهلِ بنِ سعدٍ ، عن
أبيه، أن النبيَّ وَّ﴿ كان يقومُ يوم الجمعة إذا خطبَ إلى خشبةٍ ذاتِ فرضتينٍ -
قال : أُراه كانت من دومة كانت في مصلاهُ - ، فكان يتكئُّ عليها ، فقال له
أصحابهُ : يا رسولَ اللَّه، إنَّ الناس قد كثروا ، فلو اتخذت شيئًا تقوم عليه إذا
خطبت نراكَ (٥) ؟ فقال : ((ما شئتُمْ)) .
قال سهلٌ : ولم يكن بالمدينة إلا نجارٌ واحدٌ ، فذهبت أنا وذلك النجارُ إلى
الخَانقَيْن، فقطعنَا هذا المنبرَ من أَثْلِه. قال: فقام عليه النبيَّ ◌َِّهِ، فحنت
الخشبةُ، فقال النبيُّ وَّهِ: ((ألا تعجبونَ لحنين هذه الخشبة؟)) فأقبل الناس
(١) (٣٧٧) .
(٢) برقم (٤٤٨) .
(٣) (٢/ ٧٤) .
(٤) (١ / ٢ / ٠ ١) .
(٥) في ((الطبقات)): ((يراك الناس)).

٤٦٥
٢٦ - باب الخطبة على المنبر
كتاب الجمعة
وفرقُوا من حنينها حتى كثرَ بكاؤهم ، فنزل النبيِّ وَّ حتى أتاها، فوضع يده
عليها ، فسكنتْ، فأمر بها رسول اللّه وَّ فِدُفنت تحت منبره - أو جُعلت في
السقف .
ورواه أبو إسماعيلَ الترمذيَّ، عن أيوبَ بنِ سليمانَ بنِ بلالٍ (١)، عن أبي بكر
ابن أبي أويسٍ ، به .
وهذا إسنادُ جيدٌ ، ورجالُه كلُّهم يخرِّج لهم البخاريُّ، إلا سعد بنَ سعيدِ بنِ
قيسٍ - وهو : أخو يحيى بن سعيد - ؛ فإن البخاريَّ استشهد به ، وخرج له
مسلمٌ ، وتكلم بعضُهم في [حفظه](٢).
الحديثُ الثاني :
٩١٨ - نَاسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَنَا(٣) مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ بْنِ أَبِي كَثِيرِ : أَخْبَرَنِي
يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنَسٍ: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَان جِذْعٌ يَقُومُ
إِلَيْهِ النَِّيُّ ◌َهِ، فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثَلَ أَصْوَاتِ الْعِشَارِ، حَتَّى نَزَلَ
ءِ
النَِّّ ◌َِّ فَوَضَعَ يَدَّهُ عَلَيْهِ .
قَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ يَخَْى : أَخْبَرَنِي خَقْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ
عَبْد اللَّه .
روايةُ سليمانَ بنِ بلالٍ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ : قد أسندَها البخاريُّ فى
((أعلامِ النبوة))(٤).
والمقصودُ من ذكرِها هاهنا : أن فيها تسميةَ ابنِ أنسِ الذي أُبهم في رواية
محمدِ بنِ جعفرَ ، وأنه حفصُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ بنِ أنسٍ .
(١) في (م): ((أيوب بن سليمان عن ابن بلال)) خطأ.
(٢) مشتبهة في الأصل (م)).
(٣) في ((اليونينية)): ((حدثنا)).
(٤) برقم (٣٥٨٥) .

٤٦٦
حديث : ٩١٨
كتاب الجمعة
والظاهرُ : أن البخاريَّ أبهمَه في رواية محمدِ بنِ جعفر ؛ لأَن محمد بنَ
جعفر سماه : ((عبيدَ اللَّهِ بنَ حفصِ بن أنسٍ))، ووهم في ذلك - : قاله
الدار قطنيُّ .
وقد خرجه الإسماعيليَّ من طريقِ سعيدِ بن أبي مريمَ ، عن محمدِ بنِ
جعفر ، عن حفصِ بنِ عبيدِ اللَّهِ بنِ أنسٍ على الصواب .
وخرجه من طريق يعقوبَ بنِ محمدٍ : نا عبدُ اللَّهِ بنُ يعقوبَ (١) بنِ إسحاقَ:
ثنا يحيى بنُ سعيدٍ : حدثني عبيدُ اللَّهِ بنُ حفصِ بنِ أنسٍ .
قال يعقوبُ : وإنما هو : حفصُ بنُ عبيدِ اللَّهِ ، ولكن هكذا ثنا .
وفي روايةِ البخاريِّ : التصريحُ بسماعٍ حفصٍ لهذا الحديثِ من جابرٍ ، وهذا
يردُّ ما قاله أبو حاتم الرازيَّ (٢): إنه لا يدري : هل سمع مِن جابرٍ ، أم لا ؟
قال : ولا يثبت له السماعُ إلا مِنْ جدِّ أنسٍ .
ورواه سليمانُ بنُ كثيرٍ ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن سعيدٍ بنِ المسيبِ ، عن
جابرٍ ، ووَهِمَ فِي قولِهِ : ((سعيدِ بنِ المسيبِ)) - : قاله أبو حاتمٍ وأبو زرعةَ (٣)
والدار قطنيٌّ .
و((العشَارُ» : النوقُ الحوامِلُ ، واحدتها : عشرَاء ، وهي التي أتى عليها في
الحمل عشرةُ أشهرٍ ، فتسمَّى بذلك حتى تضعَ ، وبعد أن تضعَ .
(١) في الأصل بعد ((يعقوب)) كلمة مضروب عليها قبلها ((واو)) عاطفة، لم يظهر عليها الضرب ،
فقد يشتبه بأنه من رواية ابن يعقوب وابن إسحاق كلاهما عن يحيى بن سعيد وإن كان جد
عبد الله بن يعقوب يسمى ((إسحاق))، لكن يؤيد كون ((الواو)) مضروبًا عليها أيضًا، أن
يعقوب بن محمد قال: (( ... ولكن هكذا [حداثنا)) ولم يقل: ((حدثانا))، ثم إن الحافظ
ذكر في ((الفتح)) هذا القول عن عبد اللَّه ابن يعقوب فقط، ولم يذكر ابن إسحاق (٢/ ٤٠٠).
(٢) ((الجرح والتعديل)) (١٧٦/٢/١).
(٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٢٧٣).

٤٦٧
٢٦ - باب الخطبة على المنبر
كتاب الجمعة
وقد خرج البخاريُّ هذا الحديثَ في ((الأعلام)» (١) من روايةِ عبدِ الواحدِ بنِ
أيمنَ ، عن أبيه ، عن جابرٍ - بنحوه .
الحديثُ الثالثُ :
٩١٩ - نَا آدَمُ: نَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ :
سَمِعْتُ النَِّّ: ﴿ يَقُولُ عَلَى الْمِنْرِ(٢): ((مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلَغْتَسِلْ)) .
والمقصودُ من هذا: أن النبيَّ وَّهِ كان يخطبُ على المنبرِ ، ويعلِّم الناسَ
دينهم عليه .
ولو جُمعَت الأحاديثُ التي فيها ذكرُ خطبِ النبيِّ ◌َِّ على المنبرِ وكلامِه عليه
لكانت كثيرةً جدًا ، وكذلك أحاديثُ اتخاذِ المنبرِ كثيرةٌ - أيضًا .
وقد خرج منها البخاريُّ في ((دلائل النبوة))(٣) من حديث ابنِ عمرَ ، قال:
كان النبيُّ ◌َ﴿ يخطب إلى الجذعِ، فلمَّا اتخذ المنبرَ تحوَّل إليه ، فحنَّ الجذعُ ،
فأتاه فمسحَ يدَه عليه .
خرجه عن محمد بنِ المثنى : نا يحيى بنُ كثيرٍ أبو غسانَ : نا أبو حفصٍ -
واسمُهُ : عمرُ بنُ العلاءِ ، أخو أبي عمرِو بنِ العلاءِ - ، قال : سمعتُ نافعًا ،
عن ابنِ عمرَ - فذكره .
ثم قال :
وقال عبدُ الحميد : أنا عثمانُ بنُ عمرَ : أنا معاذُ بنُ العلاءِ ، عن نافعٍ ، عن
ابنِ عمرَ - بهذا .
ورواه أبو عاصم ، عن ابن أبي رَوَّادِ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمر ، عن النبيِّ
(١) (٣٥٨٤) .
(٢) في ((اليونينية)): ((يخطب على المنبر فقال)).
(٣) (٣٥٨٣) .

٤٦٨
حديث : ٩١٩
كتاب الجمعة
وَداخله . انتهى.
وعبدُ الحميد هذا ، قيل : إنه عبدُ بنُ حميدٍ .
وقد خرجه الترمذيُ (١) عن أبي حفصِ الفلاَّسِ ، عن عثمانَ بنِ عُمر ويحيى
ابنِ كثيرٍ - كلاهما - ، عن معاذِ بنِ العلاءِ ، عن نافعٍ .
وخرجه البيهقيّ (٢) من رواية عباسِ الدوريِّ، عن عثمانَ بنِ عمرَ ، عن
معاذ .
وكذا رواه غيرُ واحدٍ عن عثمانَ بنِ عِمرَ .
وخرجه ابنُ حبانَ في ((صحيحه))(٣) من رواية أبي عبيدةَ الحدادِ ، عن معاذ
ابنِ العلاء - أيضًا .
وكذا رواه وكيعٌ ويحيى بنُ سعيدٍ ومعتمرُ بنُ سليمانَ ، عن معاذِ بنِ العلاءِ .
وليس لأبي حفصٍ عُمرَ بنِ العلاءِ ذكرٌ في غير روايةِ البخاريِّ المسندة ، وقد
قيل إنها وهمٌ من محمدِ بنِ المثَّى .
ولكن خرَّجه أبو أحمدَ الحاكمُ من رواية عبدِ اللَّهِ بنِ رجاءِ الغدانيُّ ، عن
أبي حفصِ [بنِ] العلاءِ - أيضًا .
وقد رواه يحيى بنُ سعيدٍ ومعتمرُ بنُ سليمانَ عن معاذِ بنِ العلاءِ ، وكنّيَاه :
«أبا غسَّانَ).
قال أبو أحمدَ الحاكمُ: واللَّهُ أعلمُ ؛ أهُما أخوان : أحدُهما يُسمَّى : عمرَ ،
والآخرُ : معاذًا، وحدثا بحديثٍ واحدٍ ؟ أو أحدُهما محفوظٌ، والآخرُ غيرُ
محفوظ ؟
(١) (٥٠٥) .
(٢) (١٩٦/٣).
(٣) (٦٥٠٦) .

٤٦٩
٢٦ - باب الخطبة على المنبر
كتاب الجمعة
وذكر : أن معاذَ بنَ العلاءِ أخا أبي عمرٍو مشهورٌ ، وأن أبا حفصٍ لا يعرفه
إلا في هاتين الروايتين . قال: واللهُ أعلمُ بصحةِ ذلك . انتهى .
والصحيحُ في هذا الحديثِ : معاذُ بنُ العلاء - : قاله أحمدُ والدار قطنيّ
وغيرُهما .
وأما روايةُ أبي عاصمٍ ، عن ابنِ أبي روَّادِ التي علقها البخاريُّ ، فخرجها
أبو داودَ (١)، ولفظُ حديثه: أنَّ النبيَّ نَِّ لما بَدَّنَ ، قال له تميمٌ الداريُّ: ألا
أتخذُ لك مِنْبَرًا يا رسولَ اللَّهِ ، يجمعُ عظامَك ، أو يحملُ عظامَك ؟ قال :
(بلى))، فاتخذ له منبراً مرقاتينِ .
ولم يزدْ على هذا .
وخرجه البيهقيُّ (٢)، وزاد : ((فاتخذ له مِرْقَاتِينٍ - أو ثلاثةً - ، فجلس عليها .
قال: فصعدَ النبيِّ نَّ فَحَنَّ جذعٌ في المسجد كان النبيُّ نَّهِ إذا خطبَ يستندُ
إليه، فنزلَ النبيِّ وَّ فاحتضنَه، فقال شيئًا لا أدري ما هو ؟ ثم صعد المنبرَ،
وكانت أساطينُ المسجدِ جذوعًا ، وسقائفُه جرائدَ» .
وعنده - في أوله - : ((لمَّا أسنَّ وثقلَ)).
ورواه عامرُ بنُ مدركِ ، عن ابن أبي رَوَّادٍ ، عن نافعٍ، عن تميم الداريِّ -
بنحوه، وفي حديثه: ((فصنع له منبرًاً مرقاتين، والثالثة مَجْلس النبيِّ وَّر ،
فكان النبيُّ وَّ يخطب قائمًا، فإذا عَيَّ قعد فاستراحَ ، ثم قام فخطب - وذكر
الحديثَ .
ورواية أبي عاصمٍ أصحُ .
ومن أغْرَبِ سياقاتِ أحاديثِ اتخاذِ المنبرِ : ما رواه عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ
(١) (١٠٨١).
(٢) (١٩٥/٣ - ١٩٦) .

٤٧٠
حديث : ٩١٩
كتاب الجمعة
عقيلٍ، عن الطفيلِ بنِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ، [عن أبيه](١)، قال: كان النبيِّ وَلَه يصلِّي
إلى جذعٍ ، إذْ كان المسجدُ عريشًا، وكان يخطب إلى ذلك الجذعِ ، فقال رجلٌ
من أصحابه : يا رسولَ اللَّهِ ، هل لك أن نجعلَ لك شيئًا تقوم عليه يومَ الجمعةِ
حتى يراك الناسُ وتُسمِعَهم ؟ قال: ((نعم))، فصنع له ثلاث درجاتٍ التي على
المنبر - ثم ذكر حنينَه إليه وسكونه بمسحِه بيده - ، ثم قال: وكان إذا صلَّى صلى
إليه ، فلما هُدِم المسجدُ وغيِّرِ أَخَذ ذلك الجذعَ أُبَيُّ بنُ كعبٍ ، فكان عنده حتى
بليَ وأكلته الأرضةُ ، وعاد رُفَاتًا .
خرجه الإمامُ أحمدُ (٢) .
وفي رواية له(٣): أن القائل: ((فلما هُدمَ المسجدُ» - إلى آخره ، هو الطفيلُ
ابنُ أُبي بنِ كعبٍ .
وخرجه ابنُ ماجه(٤) - بمعناه .
وخرجه عبدُ اللَّهِ بنُ الإمامِ أحمدَ في ((زياداتَ المسند))(٥)، وعنده : أن النبيّ
وَجَّه قال له : ((إن تشأ غرستُك في الجنة فيأكلُ منك الصالحون، وإن تشأ أعيدُك
كما كنت حَطَبًا)) فاختار الآخرةَ على الدنيا، فلما قُبض النبيُّ وَلَ دُفع إلى أَبِيِّ ،
فلم يزلْ عنده حتى أكلته الأرضة .
وقد خرجه الطبرانيّ (٦) بنحو هذه الزيادة ، بإسناد ضعيف ، عن عائشة ،
وفيه : أن المنبرَ كان أربعَ مراقٍ . وفي آخره : أن الجذعَ غار فذهبَ .
(١) من ((المسند)).
(٢) (١٣٧/٥).
(٣) (١٣٨/٥).
(٤) (١٤/٤) .
(٥) (١٣٩/٥) .
(٦) في ((الأوسط)) (٢٢٥٠) .

٤٧١
٢٦ - باب الخطبة على المنبر
كتاب الجمعة
وفي ((مسند البزار))(١)، بإسناد لا يصح، عن [ ... ](٢) معاذ، عن النبيُّ
وَّه، قال: ((إنْ أتخذ المنبرَ فقد اتخذَه أبي إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد
اتخذَها أبي إبراهيم) .
وقد أنكره أبو حاتم الرازيُ وغيرُه .
وقد قال بعضُ السلف : إن إبراهيمَ - عليه السلام - هو أولُ مَنْ خطبَ على
المنابرِ .
والصحيحُ : أن المنبرَ كان ثلاثَ مراقٍ ، ولم يزلْ على ذلك في عهد خلفائه
الراشدينَ ، ثم زاد فيه معاويةٌ .
وقد عدَّ طائفةٌ من العلماءِ : تطويلَ المنابرِ من البدعِ المحدثةِ ، منهم : ابن
بطةَ من أصحابِنا وغيرُه .
وقد رُوي في حديثٍ مرفوعٍ : أن ذلك من أشراطِ الساعة ، ولا يثبتُ
إسنادُه .
وكره (٣) بعضُ الشافعية المنبرَ الكبيرَ جدّاً، إذا كان يضيق به المسجد.
(١) (٦٣٣ - كشف الأستار).
(٢) بياض في (م)) .
(٣) في الأصل: ((ذكره)) تصحيف.

٤٧٢
حديث : ٩٢٠
كتاب الجمعة
٢٧ - بَابُ
الْخُطَبَة قَائمًا
وَقَالَ أَنَسِّ : بَيْنَ النَِّيُّ ◌َّ يَخْطُبُ قَائِمًا .
حديثُ أنسٍ، هو الذي فيه ذكرُ الاستسقاءِ في الجمعةِ، وسيأتي - إن شاء اللَّهُ
سبحانه وتعالى - فيما بعدُ (١).
٩٢٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ الْقَوَاريريُّ: نَا خَالِدُ بْنُ الْحَارث: نَا عُبَيْدُ اللَّه
ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ النَِّيُّمَ ا يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّيَقْعُدُ، ثُمَّ
يَقُومُ كَمَا يَفْعَلُونَ الآنَ .
وفي الخطبةِ قائمًا أحاديثُ أُخَرَ .
وخرج مسلمٌ (٢) من حديثِ سماكِ ، عن جابرِ بنِ سمُرَةَ ، قال : كانَ
رسولُ اللّهِ وَهِ يخطبُ قائمًا، ثم يجلسُ، ثم يقومُ فيخطبُ قائمًا، فمن نبَّأَكَ
أنه كان يخطبُ جالسًا فقد كذبَ ، فقد - واللَّهِ - صليتُ معهُ أكثرَ من ألفَيْ صلاةٍ.
وخرج مسلمٌ (٣) بإسنادِهِ من حديث كعب بن عجرةَ ، أنه دخلَ المسجدَ
وعبدُ الرحمنِ بنُ أمِّ الحكمِ يخطبُ قاعدًا ، فقالَ : انظرُوا الخبيثَ ، يخطبُ
قاعداً، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهُوَّا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ
قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] .
وخرجَ ابنُ ماجه(٤) من حديثِ إبراهيمَ ، عن علقمةَ ، عن ابنِ مسعودٍ ، أنه
(١) برقم (١٠١٣) (١٠٣٣).
(٢) (٩/٣).
(٣) (١٠/٣) .
(٤) (١١٠٨) .

٤٧٣
٢٧ - باب الخطبة قائمًا
كتاب الجمعة
سُئِلَ: أكانَ رسولُ اللَّهُ وَلَهِ يخطبُ قائمًا أو قاعدًا؟ قال: أمَا تقرأْ ﴿وَتَرَكُوكَ
قَائِمًا ﴾ [الجمعة: ١١]؟
وهذا إسنادُ جيدٌ .
لكن رُوي ، عن إبراهيمَ ، عن علقمةَ من قولِه . وعن إبراهيمَ ، عن
عبد اللَّه منقطعًا .
واستدَلَّ بهذه الآيةِ على القيامِ في الخطبة جماعةٌ ، منهم : ابنُ سيرينَ ،
وأبو عبيدةَ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ .
وإنما احتاجوا إلى السؤالِ عن ذلك ؛ لأنه كان في زمن بني أميةَ من يخطبُ
جالسًا ، وقد قيلَ : إن أولَ منَ جلسَ معاويةُ - : قاله الشعبيُّ والحسنُ وطاوُسُ.
وقال طاوسٌ : الجلوسُ على المنبرِ يومَ الجمعةِ بدعةٌ .
وقال الحسنُ: كان النبيُّ وَّهِ وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ يخطبون قيامًا ، ثم إن
عثمانَ لما رقَّ وكبرَ كان يخطبُ ، فيدركُه ما يدركُ الكبيرَ فيستريحُ ولا يتكلَّمُ ، ثم
يقومُ فيتمُّ خطبتَه .
خرجه القاضي إسماعيلُ .
وخرج - أيضًا - من رواية ابن جريجٍ ، عن عطاء ، أنه قال : أولُ من جعلَ
في الخطبة جلوسًا عثمانُ ، حين كبرَ وأخذته الرعدةُ جلس هنيَّةً . قيل له : هل
كان يخطبُ عمرُ إذا جلسَ ؟ قال : لا أدري .
وقد روي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه كان يخطبُ الخطبةَ الأولَى جالسًا ،
ويقوم في الثانية .
خرجه ابنُ سعدٍ (١).
والظنُّ به أنه لم تبلغُه السنةُ في ذلك ، ولو بلغتْه كان أتبعَ الناسِ لها .
(١) (٥/ ٢٦٦) .

٤٧٤
حديث : ٩٢٠
كتاب الجمعة
وقد قيل : إن ذلكَ لم يصحَّ عنه ؛ فإن الأثرمَ حكَى : أن الهيثمَ بنَ خارجةَ
قال لأحمدَ : كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يجلسُ في خطبته ؟ قال : فظهر منه إنكارٌ
لذلك .
وروايةُ ابنِ سعدٍ له عن الواقديِّ ، وهو لا يعتمدُ .
وقد رُوي عن ابنِ الزبير - أيضًا - الجلوسُ في الخطبةِ الأولى - أيضًا .
خرجه القاضي إسماعيلُ .
واختلف العلماءُ في الخطبة جالسًا : فمنهم من قالَ : لا يصحُّ ، وهو قولُ
الشافعيِّ ، وحكى روايته عن مالك وأحمدَ .
وقال ابنُ عبد البرِّ : أجمعوا على أن الخطبةَ لا تكونُ إلا قائمًا لِمَن قدرَ على
القيامِ .
ولعلَّه أراد إجماعهم على استحبابِ ذلك ؛ فإن الأكثرينَ على أنها تصحٌّ من
الجالسِ ، مع القدرةِ على القيامِ ، مع الكراهةِ . وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالك ،
والمشهورُ عن أحمدَ ، وعليه أصحابُهُ ، وقولُ إسحاقَ - أيضًا .

٤٧٥
٢٨ - باب استقبال الناس الإمام إذا خطب
كتاب الجمعة
٢٨ - بَابُ
يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ [الْقَوْمَ)(١)
واسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإِمَامَ إِذَا خَطَبَ
وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسِّ الإِمَامَ .
٩٢١ - حَدَّثْنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: نَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْتَى، عَنْ هِلَاَلِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ:
نَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارِ : سَمِعَ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ: إِنَّالنَّبِيَّ ◌َ﴿ُ جَلَسَ ذَتَ يَوْمٍ عَلَى
الْمِنْبَرِ ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ.
هذا أولُ حديثٍ طويلٍ ، ذكرَ فيه قولَ النبيِّ وَّهِ: ((إنّما أخاف عليكم بعدي
ما يفتحُ عليكمْ مِن زهرة الدنيا وزينتها)) ، وضربَ مثلَ الدنيا بنباتِ الربيعِ .
وهو حديثٌ عظيمٌ، قد خرجاهُ بتمامِه في ((الصحيحين)) (٢) من حديثِ هشامٍ
الدستوائيِّ .
وهذا لم يكن في خطبة الجمعة؛ لأن النبيَّ وَّ لم يكن يجلسُ في خطبةٍ
الجمعة(٣).
وأما ما ذكرَه عن ابنِ عمرَ وأنسٍ .
فمن طريق ابنِ عجلانَ ، عن نافعٍ ، أن ابنَ عمرَ كان يفرغُ من سبحتِه يومَ
الجمعةِ قبلَ خروجِ الإمامِ ، فإذا خرجَ لم يقعدِ (٤) الإمامُ حتَّى يستقبله .
(١) سقط من الأصل، وجملة: ((يستقبل الإمام القوم)) ليست في أكثر نسخ البخاري .
(٢) البخاري (١٤٦٥) ومسلم (١٠١/٣ - ١٠٢).
(٣) قال الحافظ (٤٠٢/٢): ((وجه الدلالة منه: أن جلوسهم حوله لسماع كلامه يقتضي نظرهم
إليه - غالبًا - ، وإذا كان ذلك فى غير حال الخطبة كان حال الخطبة أولى ؛ لورود الأمر
بالاستماع لها ، والإنصات عندها . والله أعلم)».
(٤) في الأصل ((يقصد)) تصحيف.

٤٧٦
حديث : ٩٢١
كتاب الجمعة
ومن طريق ابنِ المباركِ ، قالَ : قالَ أبو الجويريةَ : رأيتُ أنسَ بنَ مالكِ إذا
أخذَ الإمامُ يومَ الجمعةِ في الخطبةِ يستقبلُه بوجهِه حتى يفرغَ الإمامُ من الخطبةِ .
وقال يحيى بنُ سعيدِ الأنصاريُّ : هو السنةُ .
وقال الزهريُّ: كان النبيِّ وَّ إذا أخذَ في خطبةِ استقبلُوه بوجوهِهم.
' (١)
خرجها البيهقيّ (١).
وخرج الأثرمُ من حديث الضحاكِ بنِ عثمانَ ، عن نافعٍ ، أن ابنَ عمرَ كان
يتهيأُ للإمامٍ قبلَ أن يخرجَ ، يجلسُ له ، ويتوجَّه قِبَل المنبرِ .
وروى وكيعٌ ، عن العُمريِّ، عن نافعٍ ، أن ابنَ عمرَ كانَ يستقبلُ الإمامَ يومَ
الجمعة إذا خطبَ .
وفي البابِ أحاديثُ مرفوعةٌ متصلةٌ ، لا تصحُّ أسانيدها -: قاله الترمذيُّ (٢).
وقد ذكرتها بعللِها في ((شرح الترمذيِّ).
وذكر الترمذيُّ : أن العملَ على ذلك عند أهلِ العلمِ من الصحابةِ وغيرِهم :
يستحبونَ استقبالَ الإمامِ إذا خطبَ ، قال : وهو قولُ سفيانَ والشافعيِّ وأحمدَ
وإسحاقَ .
وقال ابنُ المنذرِ : هو كالإجماعِ .
وروي عن الشعبيِّ ، قال : هو السنةُ .
وقد تقدمَ مثلُه عن يحيى بن سعيدٍ . وكذا قالَ مالكٌ .
وقال ابنُ عبدِ البرِّ : لا أعلمُهم يختلفُون فيه .
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ : كلُّ واعظ قبلةٌ .
يعني : أنه يُستقبلُ كما تستقبَلُ القبلةُ .
(١) البيهقي (١٩٩/٣) وانظر: ((التغليق)) (٣٦٤/٢).
(٢) (٥٠٩) .

٤٧٧
٢٨ - باب استقبال الناس الإمام إذا خطب
کتاب الجمعة
وقد رُوي عن بعضِ التابعينَ : أنه يستقبلُ القبلةَ حالَ الخطبةِ . وهو محمولٌ
على أنهم كانوا يفعلونَه مع أميرٍ ظالمٍ يسبُّ السلفَ ، ويقولُ ما لا يجوزُ استماعُهُ،
وكانوا قد ابتُلُوا بذلك في زمن بني أميةً .
والأكثرونَ على أنهم إنما يستقبلُوه في حالِ الخطبةِ ، وهو قولُ أحمدَ .
وقال إسحاقُ : يستقبلونَه إذا خرجَ ، وهو قولُ أبي بكر بنِ جعفر من
أصحابنا .
وقال الأوزاعيُّ: يغضُّ بصرَه ، ويُلقي السمعَ ، فإنْ نظرَ إلى الإمامِ فلا
خرجَ .
وخرج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (١) من حديثٍ عليٍّ: سمعَ النبيَّ ◌َله يقولُ -
وذكرَ يومَ الجمعة - : ((إذا جلسَ الرجلُ مجلسًا يستمكنُ فيه من الاستماعِ والنظرِ،
فأنصَتَ ولم يَلْغُ كانَ لە کفلانٍ من الأجر)» .
وفي إسناده مَنْ ليس بمشهورٍ .
وخرَّجَ ابنُ سعدٍ (٢) بأسانيدَ له متعددة حديثًا طويلاً، فيه: أن النبيّ وَّ كان
إذا خطبَ استقبلَه الناسُ بوجوهِهِم ، وأصغَوْا بأسماعِهِم ، ورمقُوه بأبصارِهم .
وهذا لا يصحُّ . واللهُ أعلمُ .
أما استقبالُ الإمامِ أهلَ المسجدِ واستدبارُه القبلةَ فمُجمعٌ (٣) عليه - أيضًا -،
والنصوصُ تدلُّ عليه - أيضًا - ؛ فإنه يخاطبهُم ليفهمُوا عنه - أيضًا .
وذلك كلُّه سنةٌ ، فلو خالفَها الإمامُ فقدْ خالفَ السنةَ ، وصحتْ جمعتُه .
ولأصحابِ الشافعيِّ وجهٌ ضعيفٌ : أنها لا تصحُّ . والله أعلم .
(١) أحمد (٩٣/١) وأبو داود (١٠٥١).
(٢) (١ / ٢ / ١٠) .
(٣) في ((م)): ((مجمع)).

٤٧٨
حديث : ٩٢٢
كتاب الجمعة
٢٩ - بَابُ
مَنْ قَالَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّاءِ: «أَمَّا بَعْدُ» .
رَوَهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عِبَّاسٍ، عَنِ النَِّّ ◌ِ﴾.
حديثُ عكرمة ، عن ابنِ عباسٍ قد أسندَه في آخر البابِ ، فلا أدري لأيِّ
معنّی علَّقه في أولِه ؟
وقد ذكرَ أبو نعيمٍ في ((مستخرجِه)) هذا في الباب الذي قبلَه .
قالَ :
٩٢٢ - وقالَ محمودٌ: نَا أَبُو أُسَامَةَ: نَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : أَخْبرِتْنِي فَاطِمَةُ ابْنَةُ
المنذر، عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ .
فذكرت حدیث الكسوف ، وفيه :
قَالَتْ: ثُمَّ انصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَثْنَى
عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ : ((أَمَّا بَعْدُ) - وذكرَ بقيةَ الحديثِ .
هكذا ذكره هنا تعليقًا عن محمودٍ - وهوَ : ابْنُ غيلانَ - ، عن أبي أسامةَ .
وذكر بعضَه في ((الكسوفِ)) (١) تعليقًا - أيضًا - عن أبي أسامة .
وأسندَ الحديثَ في ((كتاب: العلمِ)» (٢) من حديثٍ وهيبٍ. وفي ((الكسوف))(٣)
وغيرهِ من حديث مالك - كلاهما - ، عن هشامٍ ، وليس في حديثهما : ذكرُ :
((أما بعدُ)).
وخرج مسلمٌ الحديثَ بهذه اللفظةِ من طريقِ ابن نميرٍ وأبي أسامةَ - كلاهما -
(١) (١٠٦١) .
(٢) (٨٦) .
(٣) (١٠٥٣).
(٤) (٣/ ٣٢ - ٣٣) .

٤٧٩
٢٩ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد
كتاب الجمعة
عن هشامٍ ، به .
ثم قالَ البخاريُّ :
٩٢٣ - نَامُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ: نَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ
الْحَسَنَ : نَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أُنِيَ بِمَالِ - أَوْ سَبْي -، فَقَسَّمَهُ،
فَأَعْطَى رِجَالاً وَتَرَكَ رِجَلاً . فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمْدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ
قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ ، فَوَاللَّهِ، إِّي لِأُعْطِي الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِينَ
أُعْطِي)) . وذِكر الحديثَ .
سماعُ الحسنِ من عَمرِو بنِ تَغْلِبَ مختلفٌ فيه ، فأثبته أبو حاتمٍ والبخاريّ ،
ونفاهُ علي بنُّ المدينيِّ شيخُ البخاريِّ .
وكذلك يحيى بنُ معينٍ - فيما نقلَه عنه جعفرُ بنُ محمدٍ بنِ أبان الحرانيِّ - ،
قالَ : لم يسمعْ منه ، ولم يروِ حديثَه إلا جريرُ بنُ حازمٍ ، وليس بشيءٍ .
واختُلفَ عن أحمدَ :
فنقلَ عنه ابنُه صالِحٌ ، قال : سمعَ الحسنُ من عَمرِو بنِ تَغْلِبَ أحاديثَ .
ونقلَ عنه ابنُهُ عبدُ اللَّهِ(١)، قال : كانتْ سجَّةٌ في جريرِ بنِ حازمٍ : نا الحسنُ
نا عمرو بنُ تَغْلِبَ، وأبو الأشهبِ يقولُ : عنِ الحسنِ ، قال : بلغني أنَّ النبيَّ
بَِّ قال لعمرو بنِ تَغْلِبَ (٢).
يريد : أن قولَ جريرِ بنِ حازمٍ : نا الحسنُ : نا عَمرو بنُ تَغْلِبَ كانتْ عادةً
له ، لا يرجعُ فيها إلى تحقيقٍ .
وقد ذكرَ أبو حاتمٍ نحوَ هذا في أصحابِ بقيةَ بنِ الوليدِ ، أنهم يروُون عنه ،
(١) («العلل)) (٣٩٨).
(٢) يعني : أن الصواب ما يرويه أبو الأشهب عن الحسن ، بغير ذكر السماع.

٤٨٠
حديث : ٩٢٣ - ٩٢٤
كتاب الجمعة
عن شيوخه ، ويصرِّحون بتحديثِه عنهم ، من غيرِ سماعٍ له منهم .
وكذلكَ قال يحيى بنُ سعيد القطانُ في فِطْرِ بنِ خليفةَ: إنه كان يقولُ: ((ثنا
فلانٌ بحديث))، ثم يُدْخِل بينَه وبينَه رجلاً آخرَ ، كان ذلك سجيةً منه .
ذكره العقيليُّ في (كتابه)(١) .
وكذا ذكر الإسماعيليُّ : أن أهلَ الشامِ ومصرَ يتسامحُون في قولهم : ((ثنا))
من غيرِ صحةِ السماعِ ، منهم : يحيى بنُ أيوبَ المصريُّ .
وقالَ :
٩٢٤ - نَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ: نَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَبٍ : أَخْبَرَ بِي
عُرْوَةُ، أنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَخْبَرَتَهُ، أنَّ رَّسُولَ اللَّهِ وَهُ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ
جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ .
فَذَكَرهُ ، وفيه :
فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقَبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: ([أَمَّا بَعْدُ](٢)؛ إِنَّهُ لَمْ
يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ نَتَعْجَزُوا عَنَّهَا)) .
تَابَعَهُ : يُونُسُ .
يَعْنِي: عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي لَفْظَةِ: ((أَمَّا بَعْدُ)، وهو من روايةِ ابنِ وهبٍ ،
عن يونُسَ .
ورواه مالكٌ(٣) عن الزهريِّ، لم يذكرْ فيه هذه اللفظةَ .
وخرجِ البخاريُّ حديثَه فِي موضعٍ آخرَ .
(١) (٣ /٤٦٥) .
(٢) سقط من ((م)).
(٣) ((الموطأ)) (ص ٩١).
١