النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
١٦ - بَبُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ
كتاب الجمعة
والعجبُ ممن ينصر هذا القولَ ، ويحتجُّ له ، مع أنه لا يُعرف العملُ به إلا
عن ظَلَمَةِ بني أميََّ وأعوانِهم ، وهو مما ابتدعُوه في الإسلامِ ، ثم ينكرُ على مَن
قدم الجمعةَ على الزوال متابعةً لأصحاب النبيِ بََّ، ولكثيرٍ مِنَ التابعين لهم
بإحسان !
فإن قيل : فقد كانَ الصحابةُ يصلونَ مع مَن يؤخرُ الجمعة إلى بعد العصرِ ،
وإلى قريبٍ مِن غروبِ الشمسِ ؟
قيلَ : كانوا يصلُّون الظهر والعصرَ في بيوتِهم قبلَ مجيئِهم ، ثم يجيئون اتقاءً
شرِّ الظلمة، كما أمرَهم النبيُّ وَّر بذلك، ومنهم من كان يُومئ بالصلاة وهو
جالسٌ في المسجد إذا خاف فوتَ الوقتِ.
وسنذكر ذلك في البابِ الآتي - إنْ شاءَ اللّهُ تعالَى.

٤٢٢
حديث : ٩٠٦
كتاب الجمعة
١٧ - بَابٌ
إِذَا اشْتَدَّالْحَرِّيَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩٠٦ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ : ثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عِمَارَةَ : ثَنَا
أَبُو خَلْدَةَ - هُوَ : خَالدُ بْنُ دِينَار - ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالك يَقُولُ: كَانَ
النَّبِيّ ◌َةِ، إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاَةِ، وَ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ - يَعْنِي:
و و .
الجُمُعَةِ .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرِ : أَنَا أَبُو خَلْدَةَ، وَقَالَ: (( بِالصَّلاَةِ))، وَلَمْ يَذْكُرٍ:
((الْجُمُعَةَ)).
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: ثَنَا أَبُو خَلْدَةَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ قَالَ
لأَنَسٍ: كَّفَ كَانَ النَِّيُّوَ يُّصَلِّي الظُّهْرَ؟
خرج الإسماعيليُّ في ((صحيحه)) (١) - وهو (( المستخرجُ على صحيح
البخاريِّ)) - مِن طريق هارونَ بنِ عبدِ اللّهِ، عن حرميٍّ بن عمارةَ : حدثني
أبو خَلْدَةَ ، قال : سمعتُ أنسَ بنَ مالك - وناداهُ يزيدُ الضَّبيُّ : يا أبا حمزةَ ، قد
شهدتَ الصلاةَ مع رسولِ اللّهِ وَله، وشهدتَ الصلاةَ معنَا، فكيف كانَ
رسولُ اللّهِ وَ له يصلّي الجمعةَ؟ -فقالَ: كَانَ إِذَا اشتدَّ البردُ بكَّر بالصلاة ، وإذا
اشتدَّ الحرُّ أبردَ بالصلاة.
وخرجه - أيضًا - من رواية محمدٍ بنِ المثنَّى ، عن حرميٍّ ، ولم يذكرْ في
حديثه: (( الجمعة )).
وخرج - أيضًا - روايةَ يونسَ بنِ بكيرِ التي علَّقها البخاريُّ ، ولفظُ حديثه :
(١) وعنه البيهقي (٣/ ١٩١).
١

٤٢٣
١٧ - بَابُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّيَوْمَ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
كانَ النبيِّ وَ﴿ إذا كان الحرُّ أبردَ بالصلاة، وإذا كان البردُ بكَّر بها - يعني :
الظهرَ.
وخرج - أيضًا - حديثَ بشرِ بنِ ثابتِ الذي علَّقَه البخاريُّ - أيضًا - ، ولفظُ
حديثه: كان رسولُ اللّهِ وَّهِ إذا كان الشتاءُ يبكِّرُ بالظهرِ، وإذا كانَ الصيفُ أبردَ
بها ، ولكن(١) يصلّي العصرَ والشمسُ بيضاءُ.
وخرجه البيهقيُّ (٢) من روايةِ بشرِ بنِ ثابتٍ - بهذا المعنى .
وخرج - أيضًا (٣) - روايةَ يونسَ بنِ بكيرِ : ثنا أبو خَلْدَةَ : سمعتُ أنسَ بنَ
مالكٍ - وهو جالسٌ مع الحكمِ أميرِ البصرةِ على السريرِ - يقول : كان رسولُ اللّه
وَ﴿ إذا كان الحرُّ أبردَ بالصلاة، وإذا كان البردُ بكَّرَ بالصلاة.
وروى هذا الحديثَ - أيضًا - خالدُ بن الحارثِ: ثنا أبو خَلْدَةَ ، أن الحكمَ
ابنَ أيوبَ أخَّر الجمعةَ يومًا، فتكلم يزيدُ الضبيُّ . قال : دخلنا الدار وأنسُ معه
على السريرِ، فقال له يزيدُ: يا أبا حمزةَ، قد صليتَ مع النبيِّ وَّهِ وحضرتَ
صلاتَنا، فأين صلاتُنا من صلاةٍ رسولِ اللّه وَليه؟ فقال: إذا كانَ الحرُّ بَرَّدَ
بالصلاة ، وإذا كان البردُ يبكِّرُ بالصلاة . ولم يسمعْه ، ولكنه قد شهدَ الأمر.
خرجه النسائيُّ في (( كتاب الجمعة )).
وهذ الروايةُ تخالفُ روايةَ البخاريِّ التي فيها التصريحُ بالسماعِ.
وقد رواه سهلُ بنُ حمادٍ ، عن أبي خلدةَ ، قال : بينا الحكمُ بنُ أيوبَ
يخطبُ في البصرةِ إذ قام يزيدُ الضبيُّ ، فناداه ، فقال : أيها الأميرُ ، إنك لا
تملك الشمسَ. فقال : خُذَاه ، فأُخذ ، فلما قضى الصلاةَ أُدْخِل عليه ، ودخل
الناسُ ، وثمَّ أنسُ بنُ مالكِ ، فأقبل على أنسٍ ، فقال : كيف كنتم تصلُّون مع
(١) فى ((البيهقى)): ((وكان)) وهو أشبه.
(٢) (١٩٢/٣).
(٣) (١٩١/٣).

٤٢٤
حديث : ٩٠٦
كتاب الجمعة
رسول اللّهِ وَالّ؟ فقال: كان رسولُ اللّه وَّله يبردُ بالصلاة في الحرِّ، ويبكِّرُ بها
في الشتاء.
خرجه المروزي في (( كتاب الجمعة)).
فقد تبيَّن بهذه الروايات أن سببَ سؤالِ أنسٍ إنما كان تأخيرُ الحكمِ بنِ أيوبَ.
وقضيةُ يزيدَ الضبيِّ مع الحكمِ بنِ أيوبَ في إنكارِه عليه تأخيرَ الجمعة وهو
يخطبُ معروفةٌ ، وكان أنسُ بنُ مالك حاضرًا.
وقد خرَّجها بتمامها ابنُ أبي الدنيا في (( كتاب الأمرِ بالمعروف )»(١) من رواية
جعفرَ بنِ سليمانَ : حدثني المعلَّى بنُ زيادٍ ، قال: حدثني يزيدُ الضبيُّ ، قال:
أتيت الحسنَ ثلاثَ مراتٍ ، فقلتُ: يا أبا سعيدٍ ، غُلِبْنا على كلِّ شيءٍ ، وعلى
صلاتنا نغلبُ؟! فقال الحسنُ : إنك لم تصنع شيئًا ، إنما تعرض نفسَك لهم .
قال : فقمتُ والحكمُ بنُ أيوبَ ابنُ عمِّ الحجاجِ يخطُب ، فقلتُ : الصلاةَ
يرحمُك اللّهُ. قال: فجاءتنى الزبانيةُ ، فسعَوْا إليَّ من كل جانب ، فأخذوا بِبْتَي،
وأخذوا بلحيتي ويدي وكلِّ شيء ، وجعلوا يضربوني بنعالهم وسيوفهم . قال :
وسكتَ الحكمُ بنُ أيوبَ ، وكدتُ أن أُقْتلَ دونَه ، ففُتَح بابُ المقصورةِ ،
فأُدخلت عليه ، فقال : أمجنونٌ أنت ؟! قلتْ : ما بي من جنون . قال : أَوَمَا
كنا في صلاة ؟ قلت: أصلحَك اللّهُ، هل مِن كلامٍ أفضل مِن كتابِ اللّه ؟ قال :
لا . قلتُ : لو أن رجلاً نشر مصحفَه فقرأه غدوةً حتى يمسي ، ولا يصلِّي فيما
بين ذلك ، كانَ ذلكَ قاضيًا عنه صلاته؟ قال الحكمُ : إني لأحسِبُك مجنونًا :
قال : وأنسُ بنُ مالكِ جالسٌ قريبًا من المنبرِ ، على وجهِه خرقةٌ خضراءُ ،
فقلت: يا أبا حمزةَ، أذكركَ اللّهَ؛ فإنك صحبتَ رسولَ اللّهِ بَّهِ وخدمْتَه، أحقٌّ
أقولُ أم باطلٌ ؟ قال : فواللّهِ ما أجابني بكلمةٍ. فقال له الحكمُ: يا أنسُ . قال
لبيكَ، أصلَحَكَ اللّهُ - قال: وقد كانَ فاتَ ميقاتُ الصلاة - قال : يقولُ له
(١) وأبو يعلى في ((مسنده)) (٥٣٦/٢ - ٥٣٩).
١

٤٢٥
١٧ - بَابُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
أنسَ : قد كان بقي من الشمس بقيةٌ ؟ فقال : احبسَاه . قال: فحُبستُ ، فشهدُوا
أني مجنونٌ.
قال جعفرُ : فإنما نَجَا من القتلِ بذلك - وذكرَ بقيةَ القصة .
فقد تبين بهذا السياقِ أن الصحابة والتابعينَ كانوا كلُّهم خائفينَ من ولاةِ السوءِ
الظالمين ، وأنهم غيرُ قادرينَ على الإنكارِ عليهم، وأنه غيرُ نافعٍ بالكليةِ ؛ فإنهم
يقتلونَ مَنْ أنكر ، ولا يرجعون عن تأخيرِ الصلاةِ على عوائدهم الفاسدةِ .
وقد تكلم بعضُ علماءِ أهلِ الشامِ في زمن الوليدِ بن عبدِ الملكِ في ذلك ،
وقال : أَبُعِثَ نبيٌّ بعد محمدٍ يعلِّمكم هذا - أو نحْوَ ذلك؟ فأُخذَ فأُدخلَ
الخضراء ، فكان آخر العهد به .
ولهذا لم يستطع أنس أن يجيبَ يزيدَ الضبيَّ بشيءٍ حين تكلمَ يزيدُ ، وإنما قال
للحكمِ لما سأله : قد بقي من الشمسِ بقيةٌ - يريدُ : قد بقي من ميقاتِ العصرِ
بقيةٌ - ، وهو كما قال ، لكنَّ وقت الجمعة كان قد فاتَ ، ولم يستطعْ أن يتكلّم
بذلك ، فلما دخل الحكمُ دارَه ، وأَدْخَلَ معه أنسًا ويزيدَ الضبيَّ ، فسئِلَ أنسٌ في
ذلك الوقت عن وقت صلاة النبيِّ بَّهِ، فأخبر أنه كان يعجلُ في البرْدِ ، ويُبْرِدُ
في الحرِّ ، ومرادُه - واللهُ أعلمُ - : صلاةُ الظهرِ ، وهذا هو الذي أمكنَ أنسًا أن
يقولَه في ذلك الوقت ، ولم يمكنْه الزيادةُ على ذلك.
وأكثرُ العلماءِ على أن الجمعةَ لا يُبردُ بها بعدَ الزوالِ ، بل تُعجّل في أولِ
الوقت ، وللشافعية في ذلك وجهان.
وقد كان الصحابةُ والتابعونَ مع أولئكَ الظلمةِ في جَهدٍ جهيدٍ ، لا سيما في
تأخير الصلاة عن ميقاتِها ، وكانوا يصلون الجمعةَ في آخر وقتِ العصر ، فكان
أكثرُ مَنْ يجيءُ إلى الجمعةِ يصلِّ الظهر والعصرَ في بيته ، ثم يجيء إلى المسجدِ
تقيةً لهم ، ومنهم من كان إذا ضاقَ وقتُ الصلاة وهو في المسجد أوماً بالصلاة
خشيةَ القتلِ .

٤٢٦
حديث : ٩٠٦
كتاب الجمعة
وكانوا يُحلِّفون مَن دخلَ المسجدَ أنه ما صلَّى في بيتِه قبل أن يجيءَ.
قال إبراهيمُ بن مهاجرٍ : كنت أنا وسعيدُ بنُ جبيرٍ وإبراهيمُ نصِّي الظهرَ ، ثم
نجلسُ فتتحدثُ والحجاجُ يخطبُ يومَ الجمعةِ .
خرجه أبو نعيمِ الفضلُ بنُ دُكَينٍ في (( كتاب الصلاة )).
وخرج - أيضًا - بإسنادِهِ ، عن أبي بكر بنِ عتبةَ ، قال صليتُ إلى جنب
أبي جحيفةَ ، فتمسَّ الحجاج بالصلاة ، فقام يصلِّي الجمعةَ ، ثم قام فصلّى
ركعتين ، ثم قال : يا أبا بكرِ ، أُشهدُك أنها الجمعةُ.
وهذا غريبٌ ، يدل على أنه يصح أن يصلِّيَ الرجلُ الجمعةَ وحده.
وبإسناده : عن الأعمشِ ، عن إبراهيمَ وخيثمةَ ، أنهما كانا يصليان الظهرَ
والعصرَ ، ثم يأتيان الحجاجَ يومَ الجمعةِ ، فیصلیان معه.
وعن أبي وائلٍ ، أنه كان يأمرُهم أن يصلُّوا في بيوتهم ، ثم يأتوا الحجّاج
فيصلونَ معه الجمعةَ .
وعن محمدِ بنِ أبي إسماعيلَ ، قال: كنتُ في مسجد مِنَّى، وصحفٌ تقرأُ
للوليد، فأخَّروا الصلاةَ. قال : فنظرتُ إلى سعيد بن جبيرٍ وعطاءٍ يُومئان ، وهما
قاعدان .
وقد ذكر أبو زيد عمرُ بنُ شبةَ النميريُّ البصريُّ في (( كتاب أدب السلطان )) بابًا
في تأخيرِ الأمراءِ الصلاةَ ، خرَّج فيه الأحاديثَ المرفوعةَ ، والآثارَ الموقوفةَ في
ذلك، وقد سبق ذكرُ بعضِها في ((أبواب: المواقيتِ)).
ورَوَى فيه بإسنادِهِ : أن أبا عبيدةَ بنَ عبدِ اللّهِ بنِ مسعودٍ كان يروحُ إلى
المسجد وقد صلَّى الظهر والعصرَ، فيجلسُ فينتظرُ ، فيقولُ : مالَه قاتلَه اللّهُ ؟!
يصيحُ على منبرِهِ صياحًا ، وقد فاتتَه العصرُ ، ولم يصلِّ الظهرَ بعدُ.

٤٢٧
١٧ - بَابُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّيَوْمَ الجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
وبإسناده: عن عمرو بنِ هَرِمِ ، قال : كان أنسُ بنُ مالكِ يصلِّي الظهرَ
والعصرَ في بيته ، ثم يأتي الحجاجَ فيصلي معه الجمعةَ .
وبإسناده : عن عبد اللّهِ بن أبي زكريا، أنه كان يجمِّعُ معَ الوليدِ بنِ
عبد الملك ما صلَّى الوليدُ في وقتِ الظهرِ الجمعةَ ، ويعتدُّ بها جمعةً ، فإن أخَّرَها
عن وقتِ الظهرِ صلَّى الظهرَ في آخرِ وقت الظهرِ أربعًا إيماءً ، ثمَّ صلى الجمعةَ
معه ، وجعلَها تطوعًا، فإنْ أخرَ العصرَ حتى يخرجَ وقتُها صلاها في آخرِ وقتِها
إيماءً.
وبإسناده : عن حصينِ ، قال : كان أبو وائلٍ إذا أخَّر الحجاجُ الجمعةَ
استقبلَ القبلةَ ، يومِئُ إيماءً ، يتناعسُ .
وبإسناده : عن جريرِ ، قال: شهدتُ الجمعةَ مع ابنِ هبيرةَ ، فأخَّر الصلاةَ
إلى قريبٍ من العصرِ ، فرأيتُ الناسَ يخرجونَ ، فرأيتُ أبا حنيفةَ خرجَ ، فكان
شيخٌ يصيح في المسجدِ : لو كان الحجاجُ ما خرجوا ، وجعل فضيلُ بنُ غزوانَ
و(١) يقول: إنهم ، إنهم.
وبإسناده : عن ابن سيرينَ ، أنه حضرَ الجمعةَ ، فأخرَ الأميرُ الصلاةَ ،
فأَدْمَى ظفرَهُ، ثمَّ قامَ فخرجَ ، وأخذتُه السياطُ حتى خرجَ منَ المسجد.
وعن عطاءِ بنِ السائبِ ، قال: رأيتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ وأبا البختريِّ وأصحابَه
يُومِئون يومَ الجمعةِ ، والحجاجُ يخطبُ ، وهم جلوسٌ.
وعن محمدِ بنِ إسماعيلَ ، قال : رأيتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ وعطاءً ، وأخَّرَ الوليدُ
الجمعةَ والعصرَ ، فصلاهما جميعاً . قال: فأومَئًا إيماءً ، ثم صلَّيا معه بمنّی.
وبإسناده : عن حميدٍ ، أنَّ الوليدَ بنَ عبدِ الملكِ خرج بمنّى بعدَ العصرِ ،
فخطبَ حتى صارتِ الشمسُ على رءوسِ الجبالِ ، فنزل فصلَّى الظهرَ، ثم صلَّى
(١) كذا ولعلها زائدة .

٤٢٨
حديث : ٩٠٦
كتاب الجمعة
العصرَ ، ثم صلَّى المغربَ.
وروى بإسنادٍ له : عن سالم ، أنَّ ذكر أنَّ الوليدَ قدِم عليهم المدينةَ ، فما
زال يخطبُ ويقرأُ الليث حتى مضَى وقتُ الجمعةِ ، ثم مضى وقتُ العصرِ ، فقال
القاسمُ بنُ محمدٍ لسالم : أما قمتَ فصليتَ ؟ قال : لا . قال : أفما أومأتَ ؟
قال: لا . وقال: خشيتُ أن يُقال: رجلٌ مِنْ آلِ عمرَ.
وروى بإسناده: عن عمارةَ بنِ رَاذَانَ (١) : حدثني مكحولٌ ، قال : خطب
الحجاجُ بمكةَ ، وأنا إلى جنبِ ابنِ عمرَ ، يحبس الناسَ بالصلاةِ ، فرفع ابنُ عمرَ
رأسَه، ونهضَ ، وقالَ : يا معشرَ المسلمينَ ، انهضُوا إلى صلاتِكم ، ونهضَ
الناسُ، ونزلَ الحجاجُ ، فلما صلَّى قال: ويُحكم ، مَنْ هذا؟ قالوا: ابنُ عُمرَ.
قال : أمَا واللّهِ لولا أنَّ به لَمَمَّا لعاقبتُه.
وروى أبو نعيمٍ في ((كتاب الصلاة)»: ثنا زهيرٌ ، عن جابرٍ - وهو :
الجعفيَّ- ، عن نافعٍ ، قال : كان ابنُ عمرَ يصلِّي خلفَ الحجاجِ ، فلما أخَّرها
تركَ الصلاةَ معَه.
وكان الحسنُ يأمر بالكفِّ عن الإنكارِ عليهِم، ثُم غلَبه الأمرُ فأنكرَ على
الحجاجِ ، وكان سببَ اختفائه منه حتى ماتَ الحجاجُ ، والحسنُ متوارٍ عنه
بالبصرةَ.
وقد روى أبو الفرجِ ابنُ الجوزيِّ في كتاب (( مناقبِ الحسنِ )) بإسنادِ له ، أن
الحسنَ شهدِ الجمعةَ مع الحجاجِ ، فرقى الحجاجُ المنبرَ ، فأطال الخطبةَ حتى
دخلَ في وقت العصرِ ، فقال الحسنُ : أما مِنْ رجلٍ يقول: الصلاةُ جامعةٌ ؟
فقال رجلٌ : يا أبا سعيدٍ ، تأمرُنا أن نتكلّم والإمامُ يخطبُ؟ فقال : إنما أُمِرْنا أن
نُّنْصِت لهم فيما أخذوا مِن (٢) أمرِ ديننا، فإذا أخذُوا في أمرٍ دنياهم أخذنا في أمر
(١) في الأصل ((م)): ((عمارة وزاذان)) خطأ.
(٢) لعل الأشبه: ((في)).

٤٢٩
١٧ - بَابُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّيَوْمَ الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
ديننا ، قوموا ، فقام الحسنُ وقام الناسُ لقيامِ الحسن ، فقطع الحجاجُ خطبتَه ،
ونزل فصلى بهِم ، فطلب الحجاجُ الحسنَ فلم يقدِرْ عليه.
وهذا كلُّه مما يدل على اجتماع السلفِ الصالحِ على أن تأخيرَ الجمعة إلى
دخولِ وقت العصرِ حرامٌ لامساغَ له في الإسلام
ولما ولي عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ الخلافةَ صلى الجمعةَ في أولِ وقتِها على ما
كانتْ عليه السنةُ .
فروى إسماعيلُ بنُ عياشٍ ، عن عمرو بنِ مهاجٍ ، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان
يصلّ الجمعة في أولِ وقتِها حين يفيءُ الفيءُ ذراعًا ونحوَه ، وذلك في الساعةِ
السابعة .
وقال ابنُ عون : كانوا يصلُّون الجمعةَ في خلافة عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والظُّلِّ
هُنَّةً .

٤٣٠
١٨ - بَابُ الْمَشِي إِلَى الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
١٨ - بَابُ
الْمَثِي إِلَى الْجُمُعَةِ
وَقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَمَنْ قَالَ : السَّعْيُ
الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ؛ لِقَوْله: ﴿وَسَعَىْ لَهَا سَعَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٩].
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ : يَحْرُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : تَحْرُمُ الصَّاعَاتُ كُلُّهَا .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهُوَ
مُسَافِرٌ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ.
اشتمل کلامه -هاهنا- علی مسائلَ :
إحداها :
المشيُّ إلي الجمعةَ ، وله فضل .
وفي حديث أوسِ بنِ أوسٍ، عنِ النبيِّ وَِّ: (( من بَكَّر وابتَكَرَ ، وغسَّل
واغتسلَ ، ومشی ولم یرکَبْ))(١) . وقد سبق.
وفي حديث اختصام الملأ الأعلى، ((إنهم يختصمونَ في الكفاراتِ
والدرجات، والكفاراتُ إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ ، والمشيُ على الأقدامِ إلى
الجمُعات)).
وقد خرجه الإمامُ أحمدُ والترمذيُ (٢) من حديث معاذٍ.
وله طرقٌّ كثيرةٌ ، ذكرتُها مستوفاةً في ((شرح الترمذيِّ )).
(١) أخرجه أحمد (٩/٤-١٠-١٠٤) وأبو داود (٣٤٥/١) والنسائي (٩٥/٣-٩٧) والترمذي
(٤٩٦) وابن ماجه (١٠٨٧) وابن خزيمة (١٧٥٨).
(٢) أحمد (٢٤٣/٥) والترمذي (٣٢٣٥) وكذا في ((العلل الكبير)) (ص ٣٥٦).
١

٤٣١
١٨ - بَبُ الْمَشِي إِلَى الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
وروى ابنُ أبي شيبةً (١) بإسنادٍ فيه انقطاعٌ ، أن عبدَ اللّهِ بنَ رواحةَ كان يأتي
الجمعةَ ماشيًا، فإذا رجعَ رجعَ كيف شاءَ ماشيًا ، وإن شاء راكبًا .
وفي روايةٍ : وكان بين منزِلِه وبين الجمعةِ ميلانٍ .
وعن أبي هريرةَ ، أنه كان يأتى الجمعةَ من ذي الحليفةِ ماشيًا(٣).
وذكر ابنُ سعدٍ في (( طبقاته )»(٣) بإسناده ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه كتب
ينهَى أن يركبَ أحدٌ إلى الجمعةِ والعيديْنِ .
وقال النخعيُّ : لا يُركبُ إلى الجمعةِ.
المسألةُ الثانيةُ:
أنه يستحبُّ المشيُ بالسكينةِ مع مقاربةِ الخُطَا ، كما في سائر الصلواتِ ،
على ما سبق ذکرُه في موضعه.
فأما قولُ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىْ
ذِكْرِ الله﴾ [الجمعة: ٩]، فقد حملَه قومٌ من المتقدمين على ظاهره، وأنكرَ ذلك
عليهم الصحابةُ.
فروى البيهقيُّ (٤) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ الصامتِ، قال: خرجتُ إلى
المسجدِ يومَ الجمعةِ ، فلقيتُ أبا ذرٍّ، فبينا أنا أمشِي إذ سمعتُ النداءَ ، فرفعتُ
في المشي؛ لقولِ اللّهِ عزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا
إِلَى ذِكْرِ اللّهِ﴾، فجذبني جذبة [كدت] أن ألاقيَه، ثم قال: أو لسنا في سعي ؟
فقد أنكرَ أبو ذرٍّ على مَن فسر السعي بشدة الجري والعدْوِ ، وبيَّنَ أنَّ المشيَ
إليها سعيٌ ؛ لأنه عملٌ، والعمل يُسمَّى سعيًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ
(١) (١ / ٤٦٧)
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٤٦٧/١).
(٣) (٣٦٧/٥).
(٤) (٢٢٧/٣).

٤٣٢
١٨ - بَابُ الْمَشِي إِلَى الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
لشتّى﴾ [الليل: ٤]، وقال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَها سعيها﴾ [الإسراء: ١٩]
ومثلُ هذا كثير في القرآن.
وبهذا فسَّرَ السعيَ في هذه الآية التابعونَ فمَن بعدَهم، منهم : عطاءٌ ،
ومجاهدٌ ، وعكرمةُ ، وقتادةُ، ومحمدُ بنُ كعبٍ ، وزيدُ بنُ أسلمَ ، ومالكٌ ،
والثوريُّ ، والشافعيُّ وغيرُهم
وروي عن ابنِ عباسٍ -أيضًا- من وجهٍ منقطع.
ومنهم مَن فسَّرِ السعيَ بالجري والمسابقةِ ، لكنه حملَه على سعي القلوبِ
والمقاصدِ والنياتِ دون الأقدامِ ، هذا قولُ الحسنِ .
وجمع قتادةُ بين القولينِ - في روايةٍ - ، فقال : السعيُ بالقلبِ والعملِ .
وكان عثمانُ وابن مسعودٍ وجماعةٌ من الصحابة يقرءونَها : ((فَامْضُوا إِلى
ذكر اللَّه)).
وقال النخعيُّ: لو قرأْتُها ﴿ فَاسْعَوْا﴾ لسعيتُ حتى يسقط ردائي.
ورُوي هذا الكلامُ عن ابنِ مسعودٍ من وجهٍ منقطعٍ.
المسألةُ الثالثةُ :
في تحريمِ البيعِ وغيرِهِ مما يشتغلُ به عن السعي بعدَ النداءِ .
وقد حكى عن ابنِ عباسٍ تحريم البيعِ وغيرِهِ.
وروى القاضي إسماعيلُ في كتابه ((أحكامِ القرآنِ)) من روايةِ سليمانَ بنِ
معاذ(١)، عن سماكِ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: لا يصلح البيعُ يومَ
الجمعةِ حين ينادَى بالصلاة ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ فاشترِ وبِعْ .
وبإسناده : عن ميمونِ بنِ مِهرانَ ، قال: كانَ بالمدينةِ إذا نوديَ بالصلاة من
(١) هو : سليمان بن قرم.
١

٤٣٣
١٨ - بَبُ الْمَشِي إِلَى الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
يوم الجمعةِ نادَوْا : حَرُمَ البيعُ ، حَرُمَ البيعُ.
وعن أيوبَ ، قال: لأهلِ المدينةِ ساعةٌ ، وذلك عند خروجِ الإمامِ ،
يقولون: حرُم البيعُ ، حُرُم البيعُ.
وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، أنه كان يمنعُ الناسَ منَ البيعِ يومَ الجمعةِ إذا
نودِي بالصلاةِ .
وعن الحسنِ وعطاء والضحاكِ : تحريمُ البيعِ إذا زالتِ الشمسُ من يومٍ
الجمعة .
وعن الشعبيِّ ، أنه محرَّمٌ.
وكذا قال مكحولٌ .
وحكى إسحاقُ بن راهويه الإجماعَ على تحريم البيعِ بعد النداء.
وحكى القاضي إسماعيلُ، عمَّن لم يسمِّه، أن البيعَ مكرُوهُ ، وأنه استدل
بقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الجمعة: ٩].
وردَّ عليه : بأن مَنْ فعل ما وجَب عليه وتركَ ما نُهي عنه فهو خيرٌ له ، كما
قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدَ﴾ [النساء: ١٧١].
وحُكي القولُ بأن البيعَ مردودٌ عن القاسمِ بنِ محمدٍ وربيعةً ومالك.
ورواه ابنُ عيينةَ ، عن(١) عبدِ الكريمِ ، عن مجاهدٍ أو غيرِهِ.
وهو مذهبُ الليثِ والثوريِّ وإسحاقَ وأحمدَ وغيرِهم من فقهاءِ أهلِ
الحدیث.
وخالف فيه أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأصحابُهما وعبيدُ اللّه العنبريُّ، وقالوا:
البيعُ غيرُ مردودٍ ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهيًا عنه لذاتِه بل لوقتِه.
(١) في الأصل ((م): ((وعن)) خطأ.

٤٣٤
١٨ - بَابُ الْمَشِي إِلَى الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
والأولون يقولون: النهي يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه، سواءٌ كان لذاتِ المنهيِّ
عنه أو لوقتِه ، كالصوم يومَ العيدِ ، والصلاةِ وقتَ النهِي ، فكذلك العقودُ .
وقال الثوريُّ - فيما إذا تصارفا ذهبًا بفضة وقبضا البعضَ ، ثم دخل وقتُ
النداءِ يوم الجمعةِ - : فإنهما يترادَّان البيعَ.
وهذا يدلُّ على أن القبضَ عنده شرطٌ لانعقاد الصرفِ ، فلا يتمَّ العقدُ إلا به،
وهو الصحيحُ عند المحققين من أصحابنا - أيضًا.
وأما ما ذكره عن عطاء ، أنه تحرُم الصناعاتُ حينئذٍ ، فإنه يرجع إلى أنه إنَّما
حُرُمَ البيع؛ لأنه شاغلٌ عن السعي إلى ذكرِ اللّهِ والصلاة، فكلُّ ما قطعَ عن ذلكَ
فهو محرَّمٌ من صناعةِ أو غيرِها ، حتى الأكلُ والشربُ والنومُ والتحدثُ وغيرُ
ذلك ، وهذا قولُ الشافعيةِ وغيرهم - أيضًا.
لكن لأصحابنا في بطلان غيرِ البيعِ منَ العقودِ وجهانِ ، فإنَّ وقوعَها بعد
النداء نادرٌ، بخلافِ البيعِ ، فإنَّه غالبٌ ، فلو لم يبطلْ لأدَّى إلى الاشتغالِ عنِ
الجمعةَ بهِ ، فتفوت الجمعةُ غالبًا .
وأكثرُ أصحابنا حكَوُا الخلافَ في جواز ذلك، وفيه نظرٌ ؛ فإنه إذا وجبَ
السعيُ إلى الجمعةِ حرُمَ كل ما قطعَ عنْه .
وقد رُوي عن زيدِ بنِ أسلمَ ، قال : لم يأمرُهُمُ اللّهُ أن يذرُوا شيئًا غيرَه ،
حرم البيع ، ثم أذنَ لهم فيه إذا فرغُوا .
وهذا ضعيفٌ جدًا؛ فإن البيعَ إنما خُصَّ بالذكرِ لأنَّه أكثرُ ما يقعُ حينئذ مما
يُلهي عنِ السعي ، فيشارِكُه في المعنى كلُّ شاغل.
واستدلَّ بعضُ أصحابنا على جوازِ غيرِ البيع منَ العقود بالصدقة ، وقال : قد
أمرَ بها النبيُّ ◌َِّلَه وهو يخطبُ .
وهذا لا يصحُّ ؛ فإن الصدقةَ قربةٌ وطاعةٌ ، وإذا وقعت في المسجدِ حيث

٤٣٥
١٨ - بَابُ الْمَشِي إِلَى الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
لا يُكرَه السؤالُ فيه فلا وجْهَ لمنعها .
فإن ألحقَ بذلك عقدُ النكاحِ في المسجدِ قبل خروجِ الإمامِ كان متوجهًا ، مع
أن بعضَ أصحابِنا قد خصَّ الخلاف بالنكاحِ ، وهو ابن عقيلٍ .
وعن أحمدَ روايةٌ : إنه يحرم البيعُ بدخول وقت الوجوب ، وهو زوالُ
الشمسِ .
وقد سبق مثلُه عن الحسنِ ، وعطاء ، والضحاكِ ، وهو - أيضًا - قولُ
مسروقٍ ، ومسلمٍ بنِ يسارٍ ، والثوريِّ ، وإسحاقَ.
وقياسُ قولِهم: إنه يجبُ السعيُ بالزوالِ ، ويحرمُ حينئذٍ كلٌّ شاغلٍ يشغلَ
عنه .
والجمهورُ : على أنه لا يحرُمُ بدونِ النداءِ.
ثم الأكثرونَ منهم على أنه النداءُ الثاني الذي بَيْن يدي الإمامِ ؛ لأنه النداءُ
الذي كان في عهد النبيِّ وَِّ، فلا ينصرفُ النداءُ عند إطلاقه إلا إليه.
وفي «صحيح الإسماعيليِّ)) من حديثِ الزهريِّ ، عن السائبِ بنِ يزيدَ ،
قال : كان النداءُ الذي ذكرَ اللّهُ في القرآن يومَ الجمعةَ إذا خرجَ الإمامُ، وإذَا
قامتِ الصلاةُ في زمنِ النبيِّ نَِّ وأبي بكر وعمرَ.
وعن أحمدَ روايةٌ : أنه يحرمُ البيعُ ويجبُ السعيُ بالنداءِ الأولِ.
وهو قولُ مقاتلٍ بنٍ حَيَّنَ ، قَالَ : وقد كانَ النداءُ الأولُ قبلَ زوالِ الشمسِ .
ونقله ابنُ منصورٍ ، عن إسحاقَ بنِ راهويه - صريحًا .
وعن أحمدَ ، أنه قال: أخافُ أن يحرم البيعُ ، وإن أذن قبل الوقت.
ومجرد الشروعِ في الأذانِ يحرمُ به البيع عند أصحابنا والشافعية ؛ لأنه صار
نداءً مشروعًا مسنونًا من سنةِ الخلفاءِ الراشدين.
قال أصحابُنا : ولو اقتصر عليه أجزأ ، وسقطَ فرضُ الأذان.

٤٣٦
حديث : ٩٠٧
كتاب الجمعة
وعند أصحابِ الشافعيِّ : يحرم البيعُ بمجرد الشروعِ في النداء الثاني بين يدي
الإمامِ ، إذا كان قاطعًا عن السعي ، فأما إن فعلَه وهو ماشٍ في الطريق ولم
يقفْ ، أو هو قاعدٌ في المسجد كُرُه ولم يَحرمُ .
وهذا بعيدٌ ، والتبايعُ في المسجد بعدَ الأذانِ يجتمع فيه نهيانِ ؛ لزمانه
ومكانه ، فهو أولى بالتحريم.
المسألةُ الرابعةُ (١):
حَكَى عن الزهريِّ : أن المسافرَ إذا سمعَ النداءَ للجمعة ، فعليه أن
يشهدَها، وقد سبق ذكرُ ذلك عنه، وعن النخعيِّ والأوزاعيِّ وعن عطاء : أن
عليه شهودَها ، سمعَ الأذَان أو لم يسمعْه ، وأَن الجمهورَ على خلاف ذلك.
وهل للمسافرِ أن يبيعَ ويشتريَ في المصِرِ بعدَ سماعِ النداءِ ؟ فيه اختلافٌ بين
أصحابِنا ، يرجع إلى أنَّ من سقطتْ عنه الجمعةُ لعذر ، كالمريض : هل له أن
يبيع بعد النداءِ ، أم لا ؟ فيه روايتانِ عن أحمدَ.
وأما من ليس من أهلِ الجمعةِ بالكلِّيّة ، كالمرأةِ ، فلها البيعُ والشراءُ بغيرِ
خلاف ، وكذا العبدُ ، إذا قلنا : لا يجبُ عليه الجمعةُ.
خرج البخاريُّ في هذا البابِ ثلاثةَ أحاديثَ :
الأولُ :
٩٠٧ - ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : ثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ : ثَنا
عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ، قَالَ : أَدْرَكَتِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَّى الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ
النَِّيَّ ◌َ يَقُولُ: (( مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرََّهُ اللهُ عَلَى النَّار)).
(( يزيدُ بنُ أبي مريم »، هو: الأنصاريَّ الشاميُّ ، وهو بالياءِ المثنَّةِ من
تحت ، وبالزاي.
(١) في الأصل ((م)): ((الثالثة)) خطأ، فقد سبق ثلاث مسائل وهذه الرابعة، فلا أدري الخطأ من
الناسخ أم سهو من المؤلف ؟

٤٣٧
١٨ - بَبُ الْمَشِي إِلَى الْجُمُعَةِ
كتاب الجمعة
وأما : بُرَيْدُ بنُ أبي مريمَ - بالباء الموحدةِ ، والراءِ المهملة - ، فبصريَّ ، لم
يخرِّج له البخاريُّ في ((صحيحه)) شيئًا .
وخرج الإسماعيليَّ في ((صحيحه)) هذا الحديث بسياقٍ تامٍّ ، ولفظُه : عن
يزيدَ بنِ أبي مَرْيْمَ : بينما أنا رائحٌ إلى الجمعةِ إذ لحقَنِي عبايةُ بنُ رِفاعةَ بنِ رافعٍ
ابنِ خَدِيجِ الأنصاريُّ ، وهو راكبٌ وأنا ماشٍ ، فقال : احتسبْ خطاكَ هذه في
سبيلِ اللَّهِ؛ فإني سمعتُ أبا عَبْسِ بنِ جبرٍ (١) الأنصاريَّ يقولُ: قالَ رسولُ اللَّه
وَِّ : ((منَ اغبرَّتْ قدماهُ في سبيلِ الله حرمَهُما اللّهُ على النار)).
وخرجه الترمذيُّ والنسائيّ (٣) - بمعناه.
ففي هذه الرواية أنَّ هذه القصة جرت ليزيدَ مع عبايةَ ، وفي رواية البخاري
أنها جرت لعبايةَ مع أبي عَبْسٍ ، وقد يكونُ كلاهما محفوظًا . والله أعلم.
وليس عن النبيِّ وَّهِ في هذا الحديث ذكرُ المشي إلى الجمعةِ ، إنما فيه
فضلُ المشي في سبيل اللّه ، فأدخل الراوي المشي إلي الجمعة في عموم
السبيل ، وجعلَه شاملاً له وللجهاد .
والأظهرُ في إطلاق سبيل اللّه: الجهادُ ، وقد يؤخذ بعموم اللفظ، كما أذنَ
النبيَّ وَّ لمن جعل بعيرَه في سبيلِ اللّه أن يحج عليه، وقال: ((الحجّ منْ
ءِ
سبيلِ اللهِ))، وقد ذكرناه في موضعٍ آخرَ.
وقد كان كثيرٌ من السلفِ يختارونَ المشيَ إلى الجمعةَ ، كما سبق عن غيرِ
واحدٍ من الصحابةِ .
وقد رُوي عن عبدِ اللّهِ بنِ رواحةَ - رضي اللّه عنه - ، أنه كانَ يبكِّرُ إلى
الجمعةَ ، ويخلَعِ نعلَيه ، ويمشي حافيًا ، ويُقَصِّر في مشيه .
(١) في الأصل: ((جبير)) خطأ.
(٢) الترمذي (١٦٣٢) والنسائي (١٤/٦) وكذا أحمد (٤٧٩/٣).

٤٣٨
حديث : ٩٠٨ - ٩٠٩
كتاب الجمعة
خرجه الأثرمُ بإسنادٍ منقطعٍ.
الحديثُ الثاني :
٩٠٨ - حديثُ: أَبِي هُرِيرةَ، عَنِ النَِّّ ◌ََّ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا
تَسْعَوْنَ ، وَأَنُوهَا تَمْشُونَ ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ
فَأَتْمُّوا )) .
وقد تقدمَ في (( كتاب : الصلاة )) (١) باختلاف أسانيده وألفاظه.
الحديثُ الثالثُ :
٩٠٩ - حديثُ: يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبي قَتَادَةَ - قَالَ
أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَلاَ أَعْلَمُهُ إِلَّ عَنْ أَبِهِ -، عَنِ النَِّّنَّهُ، قَالَ: ((لاَ تَقُومُوا حَتَّى
تَرَوِي ، وَعَلَّكُمُ السَّكِينَةُ » .
وقد تقدمَ - أيضًا(٢) باختلاف ألفاظه.
وليس في هذا - والذي قبلَه- ذكرُ الجمعة ، إنما فيه ذكرُ الصلاة ، وهي تعمُّ
الجمعةَ وغيرها.
وحديث أبي هريرةَ إنما يدلُّ على النهي عن السعي عند سماعِ الإقامةِ ،
وحديثُ أبي قتادةَ إنما فيه الأمرُ بالسكينةِ في القيامِ إلى الصلاةِ ، لا في
المشي إليها .
(١) برقم (٦٣٦) .
(٢) برقم (٦٣٧).

٤٣٩
١٩ - بابُ لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة
كتاب الجمعة
١٩ - بَابٌ
لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩١٠ - ثَنَا عَبْدَانُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ: أَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ، [عَنْ
أَبِيه](١) ، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ
اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ دَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ
رَحَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنٍ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَلَهُ مَا
بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى)).
التفريقُ بين اثنينٍ يدخلُ فيه شيئان :
أحدهما :
أن يتخطاهُما ويتجاوزَهما إلى صفّ متقدمٍ.
وقد خرَّج أبو داودَ (٢) نحْوَ هذا الحديثِ من حديث أبي هريرةَ وحديثٍ
أبي سعيد، عن النبيِّ نَّهِ، وفيه: ((ولم يتخطَّ رقابَ الناسِ)).
ومن حديثِ عبدِ اللّه بن عَمرو(٣) - أيضًا -، عن النبيِّ ◌َِّ.
وخرجه الإمامُ أحمدُ (٤) من حديث أبي أيوبَ ، ومِنْ حديثِ نبيشةَ الهذليِّ ،
عن النبيِّ وَّر، وفي حديثهما: ((ولم يُؤْذِ أحدًا)).
ومن حديث(٥) أبي الدرداءِ، عن النبيِّ ◌َِّ، وفي حديثه(٦): ((ولم يتخطَّ
(١) ساقط من الأصل .
(٢) (٣٤٣).
(٣) أبو داود (٣٤٧).
(٤) ((المسند)) (٥/ ٤٢٠) من حديث أبي أيوب.
و (٧٥/٥) من حديث نبيشة الهذلي .
(٥) (١٩٨/٥) من حديث أبي الدرداء.
(٦) في الأصل: ((وفيه حديثها)) خطأ.

٤٤٠
حديث : ٩١٠
كتاب الجمعة
أحدًا، ولم يؤذه )) .
وقد تقدمَ حديثُ عبدِ اللّهِ بنِ بُسْرٍ، قال : جاء رجلٌ يتخطَّ رقابَ الناسِ
يومَ الجمعةِ، والنبيُّ ◌ِ لَ يخطبُ، فقال له النبيّ وَّ: «اجلسْ؛ فقد
آذيْتَ )».
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ (١).
وخرجه ابنُ ماجه (٢) من حديث جابرٍ .
وخرج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ (٣) من حديث زبان بن فائد ، من حديث سهلٍ
ابن معاذِ بنِ أنسٍ، عن أبيه، عن النبيِّ بَّهِ، قال: ((مَنْ تَخطى رقابَ الناسِ
يوم الجمعة اتخذَ جسراً إلى جهنّم )).
وزبان ، مختلَف في أمرِه .
ورواه عنه ابنُ لَهِيعَةَ ورِشْدِين بنُ سعدٍ .
وخرج الإمامُ أحمدُ (٤) من حديثِ أرقمٍ بنِ الأرقمِ المخزوميِّ ، أن النبيّ
وَّ قال: ((الذي يتخطى الناسَ يومَ الجمعة ويفرقُ بينَ الاثنين بعدَ خروجِ الإمامِ
کالجارِّ قُصُبُه إلى النارِ )) .
وفي إسناده : هشامُ بنُ زياد أبو المقدام ، ضعَّفوه ، وقد اختُلِف عليه في
إسناده .
وأكثر العلماءِ على كراهةٍ تخطّ الناس يوم الجمعة ، سواءٌ كان الإمامُ قد
خرجَ أو لم يخرجُ بعدُ.
(١) أحمد (١٨٨/٤، ١٩٠) وأبو داود (١١١٨) والنسائي (١٠٣/٣).
(٢) ((السنن)) (١١١٥)
(٣) أحمد (٤٣٧/٣) والترمذي (٥١٣).
(٤) (٣ / ٤١٧).