النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
١٤ - بَابُ الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الجُمُعَةَ فِي الْمَطَرِ
كتاب الجمعة
١٤ - بَابُ
الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَخْضُرِ الجُمُعَةَ فِي الْمَطَرِ
٩٠١ - حَدَثْنَا مُسَلَّدٌ: نَا إِسْمَاعِيلُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ - صَاحِبُ الزّيَادِيِّ -:
نَا عَبّدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ - ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ -: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ لِمُؤَذِنِهِ يَوْمًا
مَطِيرً(١): إِذَا قُلْتَ:((أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) فَلاَ تَقُلْ: ((حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ»،
قُلْ: ((صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ)، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَئِكَرُوا، فَقَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي؛ إِنَّ
الجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِّي كَرَهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ، فَتَمْثُونَ(٢) فِ الطِّينِ وَالدُّحَضِ.
قد سبقَ هذا الحديثُ في موضعين: في (( بابِ: الكلامِ في الأذانِ)) (٣)،
وفي (( أبوابِ الجماعةِ)) في (( بابِ: هَلْ يصَلِّي لمن حضرَ، وهل يخطُبُ يومَ
الجمعةِ في المطرِ ))(٤).
وفي هذه الروايةِ: زيادةٌ، وهي قولُه: ((إن الجمعةَ عزْمَةٌ))، ولم يذكرْ فيما
تقدمَ لفظَ الجمعةِ .
وقد قال الإسماعيليَّ في ((صحيحه)): هذه اللفظةُ ما إخالُها صحيحةٌ ، فإنَّ
في هذا الحديثِ بيانَ أن العزمةَ قولُهُ : ((حيَّ على الصلاة)) فكأنَّ الدعاءَ إليها
يوجبُ على السامعِ الإجابةَ ، ولا أدري هذا في الجمعةِ أو غيرِها ، فلو كانَ
المعنَى: الجمعةُ عزمةٌ ، لكانتِ العزمةُ لا تزولُ بترك بقية الأذان ؛ لأن الجمعةَ
قائمةٌ، وإن لَمْ يُدْعَ إليها الناسُ ، والعزمةُ - إن شاءَ اللّهُ - هي الدعاءُ إلى
(١) في ((اليونينية)): ((في يوم مطير)).
(٢) في الأصل: ((فتمشوا)).
(٣) (٦١٦)
(٤) (٦٦٨)

٤٠٢
حديث : ٩٠١
كتاب الجمعة
الصلاة. والله أعلمُ. انتهي ما ذكره.
ولكنَّ ذكرَ الخطبةِ يشهدُ لأنه كان في يومٍ جمعَةٍ .
وقد وردَ التصريحُ بأن ذلك كانَ يومَ جمعةٍ في رواياتٍ أخرَ:
فخرج مسلمٌ (١) ذِكْر الجمعةِ في هذا الحديثِ ، من طريقِ شعبة ، عن
عبد الحميدِ .
قال البيهقيُّ (٢): ورواه - أيضًا - معمرٌ ، عن عاصم الأحولِ ، عن عبدِ اللّهِ
ابنِ الحارثِ. وذكره - أيضًا - وهيبٌ ، عن أيوبَ ، عن عبدِ اللّهِ بنِ الحارثِ.
والظاهرُ : أن المرادَ : أن الجمعةَ فرضُ عينٍ حتمٌ ، لا رخصةَ لأحدٍ في
تركِهِ ، إلا بإذنِ الإمامِ للناسِ في التخلفِ في الأذان ؛ فإن الأذانَ الذي بينَ يدي
الإمامِ هو الموجِبُ للسعِي إليها على الناسِ ، فلذلك احتاجَ أن يرخِّص للناسِ فيهِ
في التخلفِ.
وقد ذكرْنا فيما تقدمَ ، عن أحمدَ ، أنه قال : إذا قالَ المؤذنُ في أذانِه :
((صلُّوا في الرحالِ )) فلك أن تتخلفَ ، وإن لم يقلْ ، فقد وجَب عليكَ إذا قال:
((حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاحِ)).
ولم يفرقْ بينَ جمعةٍ وغيرِها .
وسبقَ ذكرُ حكمِ التخلفِ عن حضورِ الجمعة للمطرِ والوحلِ بما فيه كفايةٌ.
واللّهُ أعلمُ.
(١) (١٤٨/٢).
(٢) (١٨٦/٣).
١

٤٠٣
١٥ - بَابُ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ
كتاب الجمعة
١٥ - بَابٌ
مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ ؟
لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىْ
ذِكْرِ اللَّه ﴾ [الجمعة: ٩].
وَقَالَ عَطَاءٌ : إِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ ، فَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَحَقٌّ
عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا، سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ.
وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالك فِي قَصْرِهِ، أَحْيَانًا يُجَمِّعُ، وَأَحْيَانًا لاَ يُجَمِّعُ، وَهُوَ بِالزَّاوِيَة
عَلَى فَرْسَخَيْنِ.
تضمنَ هذا الذي ذكره مسألتين:
إحداهما :
أنَّ مَن هو في قريةٍ تقامُ فيها الجمعةُ ، فإنه إذا نودِيَ فيها بالصلاةِ للجمعةِ
وجبَ عليه السعيُ إلى الجمعة ، وشهودُها ، سواءٌ سمعَ النداءَ أو لم يسمعهُ ،
وقد حكاه عن عطاء.
وهذا الذي في القرية ، إن كان مِن أهلِها المستوطنينَ بها ، فلا خلافَ في
لزوم السعي إلى الجمعةِ له ، وسواءٌ سمع النداءَ أو لم يسمعْ ، وقد نصَّ على
ذلك الشافعيُّ وأحمدُ ، ونقل بعضُهمُ الاتفاقَ عليهِ
وإن كان من غيرِ أهلِها، فإن كانَ مسافرًا يباحُ له القصرُ، فأكثرُ العلماء على أنه
لا يلزمه الجمعةُ مع أهلِ القريةِ ، وقد ذكرْنَا فيما تقدَّم أن المسافرَ لا جمعةَ عليه.
وحُكيَ عنِ الزهريِّ والنخَعيِّ ، أنه يلزمه تبعًا لأهلِ القريةِ .
ورُوي عن عطاء - أيضًا - ، أنه يلزمُه .
وكذا قال الأوزاعيَّ : إنْ أدركه الأذانُ قبلَ أن يرتحلَ فليُجِبْ .

٤٠٤
١٥ - بَابُ مِنْ أَيْنَ تُؤْثَى الْجُمُعَةُ
كتاب الجمعة
وإن كانَ المسافرُ قد نوى إقامةً بالقريةِ تمنعُه من قصرِ الصلاة ، فهلْ يلزمُه
الجمعة ؟ فیه وجهان لأصحابنا.
وأوجبَ عليه الجمعةَ في هذه الحالِ : مالكٌ وأبو حنيفةَ ، ولم يوجبها عليه
الشافعيُّ وأصحابُه.
المسألةُ الثانيةُ :
أنَّ مَن كان خارجَ القريةِ أو المصرِ الذي تقامُ فيه الجمعةُ ، هل تلزمُه الجمعةُ
مع أهلِ القريةِ أو المصرِ ، أم لا؟ هذا مما اختلف فيه العلماءُ :
فقالت طائفةٌ : لا تلزمُ مَن كانَ خارجَ المصرِ أو القريةِ الجمعةُ مع أهلِه
بحالٍ ، إذا كان بينَهم وبينَ المصرِ فرجٌ ، ولو كانوا من رِبْضِ المصرِ(١).
وهذا قولُ الثوريِّ وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ ، إلحاقًا لهم بأهلِ القرَى ؛ فإنَّ
الجمعة لا تقامُ عندَهم في القرَى.
وقالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: تلزمُهم الجمعةُ مع أهلِ المصرِ أو القريةِ ، مع القربِ
دونَ البعد.
ثم اختلفُوا في حدٍّ ذلك :
فقالتْ طائفةٌ : المعتبرُ : إمكانُ سماع النداءِ ، فمنْ كان من موضعِ الجمعةِ
بحيثُ يمكنُه سماعُ النداءِ لزمَه ، وإلا فَلا. هذا قولُ الشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ.
واستدلُّوا: بظاهرِ قولِ اللّه تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمْعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَىْ ذِكْرِ اللّهِ ﴾ [الجمعة: ٩].
ورُوي عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو بنِ العاصِ وسعيدِ بنِ المسيبِ وعَمِرو بنِ
شعیب(٢).
ورُوي عن أبي أمامةَ الباهليِّ - معناه.
(١) أي : من جماعتهم.
(٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٦٢/٣ - ١٦٣).

٤٠٥
١٥ - بَابُ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ
كتاب الجمعة
وخرج أبو داودَ (١) من حديثِ عبدِ اللّهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ ، عنِ النبي
حَله : ((الجمعةُ عَلَى مَن سمعَ النداءَ)).
ورُوي موقوفًا ، وهو أشبهُ.
وروَى إسماعيلُ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن محمدِ بنِ عَمرو بنِ
عطاء ، عن عُبيدِ اللّهِ(٢) بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيه - يرفعُه -، قال: ((لينتهين
أقوامٌ يسمعونَ النداءَ يومَ الجمعة، ثم لا يَشْهِدُونَها ، أو ليطبعنَّ اللَّهُ على قلوبهم،
وليكونُنَّ (٣) منَ الغافلين، أو ليكونُنَّ من أهلِ النار))(1).
عبدُ العزيزِ هذا ، شاميٌّ تكلَّموا فيه.
وقالت طائفةٌ : تجبُ الجمُعةُ على مَن بينَه وبينَ الجمعةِ فرسخٌ ، وهو ثلاثةُ
أميال ، وهو قولُ ابنِ المسيبِ والليثِ ومالكِ ومحمدِ بنِ الحسنٍ، وهو روايةٌ عن
أحمدَ .
ومِن أصحابِنا مَن قال: لا فرقَ بينَ هذا القول والذي قبلَه ؛ لأن الفرسخَ هو
منتهَى ما يسمع فيه النداء - غالبًا - ؛ فإن أحمد قال: الجمعة على من سمع
النداء ، والنداء يسمع من فرسخ ، وكذلك رواه جماعة عن مالك ، فيكون هذا
القول والذى قبله واحدًا.
وخرج الخلال من رواية مندل ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن محمد بن
عقيل، عن جابر، عن النبي ◌َّ قال: ((عَسَى أحدكم أن يتخذ الصّبّة(٥) على
رأسٍ ميلين أو ثلاثة ، تأتي عَليه الجمعةُ لا يشهدُها ، ثم تأتي الجمعةُ لا يشهدُها
(١) (١٠٥٦) .
(٢) في الأصل: ((عبد الله)).
(٣) في الأصل: ((وليكنن)).
(٤) أخرجه الطبراني (١٩ / ٩٩).
(٥) في هامش الأصل :
(( الصبة من الغنم ، قيل: ما بين العشرين إلى الأربعين)).

٤٠٦
١٥ - بَابُ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ
كتاب الجمعة
- ثلاثًا - ، فيطبع على قلبه)).
مندل ، فيه ضعف .
وخرج الطبراني(١) نحوه من حديث ابن عمر - مرفوعًا.
وفي إسناده : إبراهيم بن يزيد الخوزي ، وهو ضعيف.
وروى مَعْدي بن سليمان ، عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ،
عن النبي بَّ قال: ((ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصّبة من الغنم على رأس ميل
أو ميلين ، فيتعذَّر عليه الكلأُ ، فيرتفع، ثم تَجيءُ الجمعة ، فلا يجيءُ ولا يشهدها ،
وتجيءُ الجمعة ، فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة ، [فلا يشهدها] حتى يطبع على
قلبه)) .
خرجه ابن ماجه(٢) .
وخرجه أبو بكر النجاد وابن عبد البر ، وفي روايتهما : ((ميلين أو ثلاثة)).
ومَعْدي هذا ، تكلم فيه أبو زرعة وغيره. وقال أبو حاتم : شيخ .
وقالت طائفة : تجب الجمعة على من بينه وبينها أربعة أميال ، وروي عن
ابن المنكدر والزهري وعكرمة وربيعة.
وروي عن الزهري - أيضًا - تحديده بستة أميال ، وهي فرسخان.
وروي عن أبي هريرة ، قال: تؤتى الجمعة من فرسخين.
خرجه ابن أبى شيبة(٣) بإسناد ضعيف
وروى عبد الرزاق (٤) بإسناد منقطع ، عن معاذ ، أنه كان يقوم على منبره ،
فيقول لقوم بينهم وبين دمشق أربع فراسخ وخمس فراسخ: إن الجمعة لزمتكم ،
(١) في ((الأوسط)) (٣٣٦).
(٢) (١١٢٧).
(٣) (٤٤١/١).
(٤) (٣ / ١٦٤).
١

٤٠٧
١٥ - بَبُ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ
كتاب الجمعة
وأن لا جمعة إلا معنا.
وبإسناد منقطع ، عن معاويةَ ، أنه كان يأمر بشهود الجمعة مَنْ بينه وبين
دمشق أربعة عشر ميلاً.
وقال بقية ، عن محمد بن زياد : أدركت الناس بحمص تبعث الخيل نهار
الخميس إلى جُوسِيَةَ وحَماة والرَّسْتَن يجلبون الناس إلي الجمعة ، ولم يكن يجمع
إلا بحمص.
وعن عطاء ، أنه سئل : من كم تؤتى الجمعة ؟ قال : من سبعة أميال(١).
وعنه ، قال: يقال : من عشرة أميال إلي بريد(٢).
وعن النخعي ، قال : تؤتى الجمعة من فرسخين .
وعن أبي بكر [ بن ] محمد بن عمرو بن حزم ، أنه أمر أهل قباء ، وأهل
ذي الحليفة ، وأهل القرى الصغار حوله: لا يجمعوا، وأن يشهدوا الجمعة
بالمدينة .
وعن ربيعة - أيضًا - ، أنه قال : تجب الجمعة على من إذا نودي بصلاة
الجمعة خرج من بيته ماشيًا أدرك الجمعة .
وقالت طائفةً : تجب الجمعة على من آواه الليل إلى منزله.
قال ابن المنذر : روي ذلك عن ابن عمر وأبى هريرة وأنس والحسن ونافع
مولى ابن عمر ، وكذلك قال عكرمة والحكم وعطاء والأوزاعي وأبو ثور .
انتھی .
وهو قول أبى خيثمةَ زهر بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي.
وحكى إسماعيل بن سعيد الشالنجي، عن أحمد نحوه، واختاره الجوزجاني.
وفيه حديث مرفوع ، من حديث أبى هريرة .
(١) ابن أبى شيبة (٤٤١/١).
(٢) عبد الرزاق (١٦٢/٣).

٤٠٨
حديث : ٩٠٢
كتاب الجمعة
وقد ذكره الترمذى(١)، وبيَّن ضعف إسناده، وأن أحمد أنكره أشدَّ الإنكار.
وفيه - أيضاً - ، عن عائشة ، وإسناده ضعيف.
وفيه -أيضًا- من مراسيل أبي قلابة ، وفي إسناده ضعف .
وقالت طائفة : تؤتى الجمعة من فرسخين ، قاله النخعي وإسحاق -: نقله
عنه حرب.
لكنهما لم يصرحا بوجوب ذلك ، وقد تقدم نحوه عن غير واحد .
وخرج حرب من طريق ابن أبى عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أنه كان
يجمع من الزاوية ، وهي فرسخان .
وروى عبد الرزاق(٢)، عن معمر ، عن ثابت ، عن أنس ، أنه كان يكون بينه
وبين البصرة ثلاثة أميال ، فيشهد الجمعة بالبصرة.
وقد ذكر البخارى ، عنه ، أنه كان أحيانًا لا يجمع .
وكذلك روي عن أبي هريرة ، أنه كان بالشجرة - وهي ذو الحليفة - ، فكان
أحيانًا يجمع ، وأحيانًا لا يجمع .
وقد روي عنه الأمران جميعًا .
وكذلك سعد بن أبى وقاص ، كان في قصره بالعقيق ، فكان أحيانًا يجمع ،
وأحيانًا لا يجمع ، وكان بينه وبين المدينة سبعة أميال أو ثمانية.
وكذلك روي عن عائشة بنت سعد ، أن أباها كان يفعل(٣).
٩٠٢ - نَا أَحْمَدُ: نا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ
قال البخاری:
(١) (٥٠١).
(٢) (١٦٣/٣).
(٣) ابن أبى شيبة (١/ ٤٤٠).

٤٠٩
١٥ - بَبُ مِنْ أَيْنَ تُؤْثَى الْجُمُعَةُ
كتاب الجمعة
عُيّدِ اللّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرُوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ،
عَنْ عَائِشَةَ - زَوْجِ النَِّّ ◌َ -، قالتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَبُونَ الجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ
وَالْعَوَلِي، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ، يُصِيُّهُمُ (١) الغُبَارُ وَالْعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُّ،
فَأَتَى إِنْسَانُ مِنْهُمُ رَسُولَ اللّهِ بِهَ - وَهُوَ عِنْدِي -، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَوْ أَنَّكُمْ
تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هذَا».
((أحمد)) هذا ، قد سبق الاختلاف فيه: هل هو ابن أخي ابن وهب ، أو
ابن صالح ، أو ابن عيسى التُّستري ؟
وذكر أبو نعيم فى (( مستخرجه)) : أنه ابن عبد اللّه.
كذا قال ، ولم يبين من هو ؟
وفى أكثر النسخ: ((فيأتون في الغبار))، وفى بعضها: ((فى العباء))، وهو
الأشبه .
وفي النسخ: ((فيخرج منهم العرق))، وفي ((صحيح مسلم) (٢): (( فيخرج
منهم الريح )).
وفيه - أيضًا -: ((العباء)).
وهذا من أوضح الأدلة على أن غسل الجمعة ليس بواجب ، حتى ولا على
من له ريح تخرج منه ، وإنما يؤمر به ندبًا واستحبابًا ؛ لقوله : ((لو أنكم تطهرتم
لیومکم هذا » .
ومقصود البخاري من هذا الحديث : أن أهل العوالي كانوا يشهدون الجمعة
مع النبي ◌َّل، وليس في هذا ما يدل على وجوب الجمعة على من كان خارج
(١) في الأصل: (( ويصيبهم)).
(٢) (٣/٣) .

٤١٠
حديث : ٩٠٢
كتاب الجمعة
المصر، فإنه ليس فيه أمر النبي بَخلّ لهم بشهود الجمعة.
وكذا ؛ ما خرجه ابن ماجه(١) من حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: إن أهل قباء كانوا يجمعون مع رسول اللّه وَالجهل.
لكن قد روي عنه ، أنه أمرهم بذلك .
خرجه الترمذي (٢) من رواية إسرائيل ، عن ثُوير - هو : ابن أبي فاختة - ،
عن رجل من أهل قباء، عن أبيه - وكان من أصحاب النبي وَلّ - ، قال: أمرنا
النبي وَلّ أن نشهد الجمعة من قباء.
وقال : لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قال: ولا يصح فى هذا الباب شيء. انتهى.
وثویر ، ضعيف الحديث. وشيخه مجهول.
وقد خرجه وكيع في (( كتابه )) عن إسرائيل ، به ، ولفظه : كنا نجمع من
قباء - ولم يذكر : أمرهم بذلك .
وقال الزهري : كانوا يشهدون الجمعة مع النبى وَل# من ذي الحليفة.
خرجه ابن أبي شيبة وغيره(٣).
ومراسيل الزهري ضعيفة .
وقد ذكر الإمام أحمد أن بين ذى الحليفة والمدينة فرسخين ، وقال: كانوا
يتطوعون بذلك من غير أن يجب عليهم .
ويشهد لقوله : أن أبا هريرة كان بذي الحليفة ، وكان أحيانًا يأتي الجمعة ،
وأحيانًا لا يأتيها .
(١) (١١٢٤) .
(٢) (٥٠١).
(٣) ابن أبى شيبة (٤٤١/١) وعبد الرزاق (٣/ ١٦١).
١

٤١١
١٥ - بَبُ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْجُمُعَةُ
كتاب الجمعة
وكذلك ذكر عمرو بن شعيبٍ ، أنَّ عبدَ اللّهِ بنَ عمرو بنِ العاص كانَ يكونُ
بالرهط ، فلا يشهدُ الجمعةَ مع الناسِ بالطائفِ ، وإنما بينه وبينَ الطائف أربعةُ
أميال أو ثلاثةُ.
خرجه عبدُ الرزاقِ(١).
وروى عطاءُ بنُ السائبِ ، عن أبيهِ ، عن عبدِ اللّهِ بنِ عمرو ، أنه كانَ يشهدُ
الجمعةَ بالطائفِ من الرهطِ(٢) .
وهذا يدلُّ على أنه كان يشهدُها أحيانًا ، ويتركها أحيانًا ، كما فعل غيرُه من
الصحابةَ - رضي اللّه عنهم.
(١) (٣/ ١٦٣).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٤١ - الثقافية ).

٤١٢
١٦ - بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ
٠٠
كتاب الجمعة
١٦ - بَابُ
وَقْتِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ
وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشٍِ، وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ.
أمَّا المرويُّ عن عمرَ: فروى مالكٌ في ((الموطإ)»(١)، عن عمِّه أبي سُهيلٍ ،
عن أبيه ، قال : كنتُ أرى طنفسةً لعقيل بنِ أبي طالبٍ يوم الجمعة تُطرح إلى
جدارِ المسجدِ الغربيِّ ، فإذا غشي الطنفسةَ كلَّها ظِلُّ الجدارِ خرجَ عمرُ بنُ الخطابِ
فصلَّى الجمعةَ . قال: ثم نرجعُ بعدَ الجمعةِ فَتَقِيل قائلةَ الضحى.
وأما المرويُّ عن عليٌّ : فمن طريقِ إسماعيلَ بنِ سميعٍ ، عن أبي رزينٍ ،
قال: صليتُ خلفَ عليّ بنِ أبي طالبٍ الجمعةَ حين زالتِ الشمسُ (٢).
وأما المرويُّ عن النعمانِ بنِ بشيرٍ وعمرو بنِ حُريثٍ : فخرَّجه ابنُ
أبي شيبةَ (٣) من طريقِ سماكِ، قال: كان النعمانُ بنُ بشيرٍ يصلّي بنا الجمعةَ بعدما
تزولُ الشمسُ.
ومن طريقِ الوليدِ بنِ العيزارِ ، قال : ما رأيتُ إمامًا كان أحسنَ صلاةً للجمعة
من عمرٍو بن حريثٍ ، وكانَ يصلّيْها إذا زالت الشمسُ.
ے
وقد رُوي هذا - أيضًا- عن معاذِ بنِ جبلٍ ، لكن من وجهٍ منقطعٍ (٤).
(١) (ص ٣٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٧٦/٣) وابن أبي شيبة (٤٤٥/١ - الثقافية) بهذا الإسناد، بلفظ :
(( كنا نصلي مع علي الجمعة، فأحيانًا نجد فيئًا، وأحيانًا لا نجده)).
وأما لفظ المؤلف ، فهو عند ابن أبي شيبة من طريق وكيع ، عن أبي العنبس عمرو بن
مروان ، عن أبيه ، قال : كنا نجمع مع علي - فذكره.
وانظر «التغليق)) (٣٥٧/٢).
(٣) (٤٤٥/١).
(٤) هو عند ابن أبي شيبة .

٤١٣
١٦ - بَبُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَلَتِ الشَّمْسُ
كتاب الجمعة
وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ ، منهم: الحسنُ ، والنخعيَّ، والثوريُّ، وأبو حنيفةَ،
ومالكٌ ، والشافعيّ.
وذهب كثيرٌ منَ العلماء إلى أنه يجوزُ إقامتُها قبلَ الزوال ، وسنذكر ذلكَ فيما
بعدُ - إن شاءَ اللّهُ تعالى.
خرج البخاريُّ في هذا البابِ ثلاثةَ أحاديثَ :
الحديثُ الأولُ :
٩٠٣ - ثَنَا عَبْدَانُ: أَنَا عَبْدُ الله - هُوَ: ابْنُ الْمُبَارَك -: أَنَا يَحْيِىَ بْنُ سَعيد، أَنَّهُ
سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الْفُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ
أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ : (( لَوِ
اغْتَسَلْتُمْ )».
هذا مما يُستدلُّ به على أن الغسلَ للجمعةِ غيرُ واجبٍ ، كما سبقَ .
والمرادُ بالمَهَنَةِ : الخدمةُ، وقضاءُ الحوائج والأشغال ، وذلك يوجبُ
الوسخَ والشعثَ.
ووجهُ احتجاج البخاريِّ به في هذا البابِ : أن فيه ذكرَ رواحِ الناسِ إلى
الجمعة ، والرواحُ إنما يكون بعد الزوال ، فدلَّ على أن الجمعة إنما كانت تقامُ
في عهد النبي بَّه بعد الزوالِ.
وقد يقالُ : ذِكرُ الرواح في هذا الحديثِ كِذكرِ الرَّواحِ في قوله: (( مَنْ راحَ
في الساعة الأولَى فكأنما قرَّب بدنةً )) - الحديثُ، ولم يحملْه أكثرُ العلماءِ على
ما بعدَ الزوال ، كما سبق ، فالقولُ في هذا كالقول في ذاك.
الحديثُ الثانِي :
٩٠٤ - ثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ: ثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمِنِ بْنِ عُثْمَانَ النَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ كَانَ يصلِّي

٤١٤
حديث : ٩٠٣ - ٩٠٥
كتاب الجمعة
الجمعةَ حين تميلُ الشمسُ.
ومعنى ((تميلُ»: أي تزولُ عن كبد السماءِ ، بعد استوائِها في قائمِ الظهيرةِ .
وهذا يدلُّ على أنَّ هذه كانت عادةَ النبيِّ وَِّ الغالبةَ، ولا يدلَّ على أنه لم
يكنْ يُخلُّ بذلك.
وقد قال أنسٌ: كان النبيُّ نَّهِ يصلِّى العصرَ والشمسُ مرتفعةٌ.
وقالت عائشةُ: كان النبيُّنَّهِ يصليِّ العصرَ والشمسُ في حُجرتي.
وقال أبو بَرْزَةً: كان النبيِّ وَِّ يصلِّي الهجيرَ حين تدحضُ الشمسُ - الحديثُ
بطوله.
وإنما أرادُوا : أن ذلك كانَ الغالبَ عليه ، وإلا فقد يؤخرُها عن ذلك أحيانًا،
كما أخَّرها لمَّا سأله السائلُ عن مواقيت الصلاةِ ، وأخَّرها يوم الخندقِ ، وغير
ذلك.
الحديثُ الثالثُ :
٩٠٥ - ثَنَا عَبْدَانُ: أَنَا عَبْدُ اللّه: أَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّ نُبِكِّرُ بِالجُمَعَةِ،
وَنَقِيلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ .
هذا مما يَسْتْدِلُّ به مَنْ يقول بجواز إقامةِ الجمعةِ قبل الزوالِ ؛ لأن التبكيرَ
والقائلَة لا يكونُ إلا قبلَ الزوالِ .
وقد تقدَّم أنهم كانوا في عهد عمرَ يصلون معه الجمعةَ ، ثم يرجعون فيقيلون
قائلةَ الضحَى ، وهذا يدل على أن وقتَ الضحَى كان باقيًا.
وكل ما استدلَّ به مَن قال : تمنعُ إقامةُ الجمعةِ قبل الزوالِ ليس نصًا صريحًا
في قوله ، وإنما يدلُّ على جوازِ إقامةِ الجمعةِ بعدَ الزوالِ أو على استحبابِه ، أما
منعُ إقامتِها قبلَه فلا ، فالقائلُ بإقامتها قبلَ الزوالِ يقولُ بجميع الأدلةِ ، ويجمع
بينها كلِّها ، ولا يرد منها شيئًا.
1

٤١٥
١٦ - بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ
كتاب الجمعة
فروى جعفرُ بنُ بُرقانَ ، عن ثابتِ بنِ الحجاجِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ سيدان ،
قال: شهدتُ الجمعةَ مع أبي بكر الصديقِ ، فكانت خطبتُه وصلاتُه قبل نصف
النهارِ ، ثم شهدتُها مع عمرَ ، فكانت صلاتُه وخطبتُه إلى أن نقول : انتصفَ
النهارُ ، ثم شهدتُها مع عثمانَ ، فكانت صلاتُه وخطبتُه إلى أن نقول : مالَ
النهارُ ، فما رأيت أحداً عابَ ذلك ولا أنكرَه.
خرجه وکیعٌ في (( كتابه )) عن جعفر ، به.
وخرجه عنه ابن أبي شيبة في (( كتابه))(١) .
وخرجه عبد الرزاق في (( كتابه )»(٢) عن معمر ، عن جعفر ، به.
وخرجه الأثرمُ والدارقطنيُّ (٣).
ورواه الإمامُ أحمدُ - في رواية ابنِهِ عبدِ اللّهِ(٤) - ، عن وكيع ، عن جعفر ،
واستدلَّ به .
وهذا إسنادُ جيدٌ :
وجعفر : حديثُه عن غيرِ الزهريِّ حجةٌ يحتجُّ به -: قاله الإمامُ أحمدُ
والدار قطنيُّ وغيرهما.
وثابتُ بنُ الحجاج : جزريٌّ تابعيٌّ معروفٌ ، لا نعلمَ أحدًا تكلم فيه ، وقد
خرَّج له أبو داودَ.
وعبدُ اللّهِ بنُ سيدان السلميُّ المطروديُّ ، قيل : إنه من الربذة . وقيل : إنه
جزريٌّ ، يروي عن أبي بكرٍ وحذيفةَ وأبي ذرٍّ ، وثقه العجليُّ ، وذكره ابن سعد
(١) (١ / ٤٤٤).
(٢) (١٧٥/٣).
(٣) (١٧/٢).
(٤) في هامش الأصل: زعم صاحب ((شرح المهذب)) أن [أحمد] رواه في ((مسنده)) فوهم والله
أعلم) .
وما بين معتوفين غير واضح ، وإنما استدركته بالسياق.

٤١٦
حديث : ٩٠٣ - ٩٠٥
كتاب الجمعة
في ((طبقة الصحابة)) (١) ممن نزل الشامَ، وقال: ذكروا أنه رأى النبيَّ مَه.
وقال القشيريُّ في ((تاريخ الرقّةِ)): ذكروا أنه أدركَ النبيّ ◌ِله .
وأما البخاريُّ (٢)، فقال: لا يتابعُ على حديثه - كأنه یشیر إلی حديثه هذا.
وقولُ ابن المنذرِ : إن هذا الحديثَ لا يثبتُ . هو متابعةٌ لقولِ البخاريِّ ،
وأحمدُ أعرفُ بالرجالِ من كلٍّ من تكلّم في هذا الحديث ، وقد استدل به واعتمد
عليه .
وقد عضّدَ هذا الحديث : أنه قد صحَّ من غير وجهِ أن القائلةَ في زمنٍ عمرَ
وعثمانَ كانت بعدَ صلاة الجمعةَ ، وصح عن عثمانَ أنه صلى الجمعة بالمدينة
وصلى العصرَ بِمَلَلٍ (٣). خرجه مالكٌ في ((الموطأ )» (٤)، وبين المدينة ومَلَلِ اثنان
وعشرون ميلاً، وقيل : ثمانيةَ عشرَ ميلاً ، ويبعد أن يلحق هذا السائرُ (٥) بعد
زوالِ الشمسِ.
وروى شعبةُ، عن عمرو بنِ مُرَّةَ ، عن عبدِ اللّهِ بنِ سلمةَ ، قال: صلَّى بنا
عبدُ اللّهِ بنُ مسعودِ الجمعةَ ضحَّى ، وقال : خشيتُ عليكمُ الحرَّ.
وروى الأعمش ، عن عمرو بنِ مرةً ، عن سعيدِ بنِ سويدٍ ، قال : صلَّى بنا
معاويةُ الجمعةَ ضحِّى .
وروى إسماعيلُ بْنُ سميعٍ، عن بلالِ العبسيِّ، أن عمارًا صلى للناسِ الجمعةَ،
والناسُ فريقانِ ، بعضُهم يقول : زالتِ الشمسُ، وبعضُهم يقول : لم تزُلْ .
خرَّج ذلك كلَّه ابنُ أبي شيبة (٦) .
(١) (٧ /٢ / ١٥٠).
(٢) في ((التاريخ الكبير)) (١١٠/١/٣).
(٣) في هامش الأصل: (( ملَلَ - بلامين - على وزن جمل)).
(٤) (ص ٣٣).
(٥) في الأصل تشتبه بـ ((السير)).
(٦) (٤٤٤/١ - ٤٤٥).

٤١٧
١٦- بَبُ وَقْت الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ
كتاب الجمعة
وخرج - أيضًا - مِن طريقِ الأعمشِ ، عن مجاهدِ ، قالَ : ما كان للناس
عيدٌ إلا أولَ النهارِ .
ومنْ طريقِ يزيدَ بنِ أبي زياد ، عن عطاء ، قال : كان مَن كان قبلَكم يصلُّون
الجمعةَ وإنَّ ظلَّ الكعبةِ كما هُوَ .
وروى عبدُ الرزاقِ في (( كتابه »(١) عن ابنِ جريجٍ ، عن عطاء ، قال: كلّ عيد
حينَ يمتْدُّ الضحَى : الجمعةُ ، والأَضَحَى ، والفطرُ ، كذلك بلغَنا.
وروى وكيعٌ في (( كتابه )) عن جعفرَ بنِ بُرْقَانَ ، عن حبيبِ بنِ أبي مرزوقٍ ،
عن عطاء ، قال : كلُّ عيدٍ في صدرِ النهارِ .
وعن شعبةَ ، عن الحكم ، عن حمادٍ ، قال : كلُّ عيدٍ قبلَ نصفِ النهارِ .
وروى أبو سعد البقالُ ، عن أبي عبيدةَ ، عن ابنِ مسعودٍ ، قال : ما كانَ
عيدٌ قطُّ إلا في صدرِ النهارِ، ولقد رأيتُنا وإنَّا لنجمِّعُ مع رسولِ اللّهِ وَجُلّ في ظلِّ
.(٢)
الخطبة(٣).
أبو سعد ، فيه ضعفٌ.
وحكى الماورديَّ في كتابه «الحاوي )) عن ابنِ عباسِ ، أنه يجوزُ صلاة
الجمعةِ قبلَ الزوالِ .
وهو مذهبُ أحمدَ وإسحاقَ - : نقلَه عنهما ابنُ منصورٍ ، وهو مشهورٌ عن
أحمدَ ، حتى نقل أنه لا يختلف قوله في جواز إقامةِ الجمعةِ قبلَ الزوال ، كذا
قاله غيرُ واحدٍ من أصحابه ، ومنهمُ : ابنُ شاقلا وغيرُه.
وقد روى حنبلُ ، عن أحمدَ ، قال: صلاةُ الجمعةَ تعجَّلُ ، يؤذِّنُ المؤذِّنُ
قبلَ أن تزولَ الشمسُ ، وإلى أن يخطبَ الإمامُ، وتقامُ الصلاةُ ، قد قامَ قائِمُ
(١) (٣/ ١٧٤) .
(٢) الأشبه: ((الكعبة)).

٤١٨
كتاب الجمعة
الظهيرةِ ، ووجبتِ الصلاةِ ، ويقال : إن يومَ الجمعة صلاةٌ كلُّه لا تحرى فيها
الصلاة، وكان أصحابُ رسول اللّهِ وَ لَّه يتحرَّون بصلاة الجمعة ، إلا أنه لا ينبغي
أن تصلَّى حتى تزولَ الشمسُ لأولِ الوقتِ ، هذه السنةُ التي لم يزلِ الناسُ يعملُون
عليها بالمدينةِ والحجازِ، ورسولُ اللّهِ رَ له وأصحابُه على ذلكَ.
وظاهرُ هذه الروايةِ : أنه إنما يقدِّم على الزوالِ الأذانَ والخطبةَ خاصةً،
وظاهرُها : أنه يجوِّز الصلاةَ في وقتِ الزوالِ يومَ الجمعةِ خاصةً.
وقال صالحُ بنُ أحمدُ : سألتُ أبي عن وقتِ الجمعةِ ؟ فقال : إذا زالت
الشمسُ .
ونقل صالحٌ - أيضًا - ، عن أبيه - في موضع آخر -، أنه قال : إنْ فعلَ
ذلك قبلَ الزوالِ فلا أعيبُهُ ، فأَما بعدَه فليس فيه شكٌّ.
ونحوَهَ نقَل ابنُ منصورٍ ، عن أحمدَ وإسحاقَ .
ونقل أبو طالب ، عنه ، قالَ : ما ينبغي أن يُصلِّي قبلَ الزوالِ ، وقد صلى
ابنُ مسعودٍ .
ونقل عنه جماعةٌ ما يقتضي التوقفَ.
ونقل عنه عبدُ اللّه، أنه قال: لا بأسَ أن يصلِّي قبل الزوال، قد صلَّى ابنُ
مسعود.
وقد نَقلَ عنه ابنِ القاسمِ ، قال: وقتُ الجمعةِ قبل الزوالِ وبعدَ الزوالِ ، أيُّ
ذلكَ فعلَ جازَ .
ونقلَ عنهُ أحمدُ بن الحسن التِّرمذي ، أنه قال: على ما جاء من فعل أبي بكرٍ
وعمرَ : لا أرى به بأسًا ، لأنها عيدٌ ، والأعياد كلُّها في أول النهارِ .
وكذا نقل عبدُ اللّه، عن أبيه ، قال : يجوزُ أن تُصلَّى الجمعةُ قبل الزوالِ ،
يذهب إلى أنها كصلاة العيد.

٤١٩
١٦ - بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَلَتِ الشَّمْسُ
كتاب الجمعة
قال أبو بكرِ (١): وعلى هذا استقرت الرواياتُ عنه ، وعليه العملُ.
واختلفَ أصحابِنا في الوقت الذي يجوز فعلُها فيه:
فقال الخِرَقَيُّ : في الساعة السادسَةِ -وفي بعض النسخ : الخامسةِ .
وقال القاضي وكثيرٌ من أصحابِهِ : يجوزُ فعلُها في وقتِ جوازِ صلاةِ العيدِ ،
وهو إذا ارتفعتِ الشمسُ بعدَ طلوعها ، وزال وقتُ النهي .
وهو ظاهرُ روایةِ عبدِ اللّهِ ، عن أبيه.
ومن أصحابِنا من قالَ : يجوزُ فعلُها مِن وقت طلوعِ الفجرِ يومَ الجمعةِ ، إذا
دخل وقتُ الفجرِ، حكاه ابنُ عقيلٍ في (( مفرداته)) و ((عُمُد الأدلة)).
وهذا القولُ غلوٍّ من قائله ، وكيف يجوزُ إقامةُ الجمعةِ في وقتٍ صلاةٍ
الفجرِ ؟! وهل فعل هذا أحدٌ سلفًا أو خلفًا ؟! وإذا كانت صلاةٌ لا تُفْعل قبلَ
طلوعِ الشمسِ، ووقتُها قبلَ الزوالِ دون ما بعدَه ، فكيف تصلَّي الجمعةُ قبلَ طلوعِ
الشمسِ ، وإنما جازَ تقديمُها علي الزوالِ إلحاقًا لها بالعيد ، وتشبيهًا لها بها .
وبكلِّ حال ؛ فلا يجبُ فعلُها إلا بعدَ الزوالِ ، على الصحيحِ من المذهبِ ،
وعليه جمهورُ الأصحابِ.
وإنما يجوزُ تقديمُها قبلَه وتعجيلُها كما تُعجَّل الصلاة المجموعَةُ ؛ فإنَّ صلاةَ
الجمعةِ سببُها : اليومُ ؛ ولهذا تضافُ إليه ، فيقالُ : صلاةُ الجمعة ، وشرطُها :
الزوالُ ، فيجوزُ تقديمُها على شرطِها بعد وجودِ سببها ، وهو اليومُ ، كما يجوزُ
تعجيلُ الزكاة بعد كمالِ النصابِ ، وهو سببُ الوجوبِ ، وقيل : الحول ، وهو
شرطُه .
وهذا هو الذي تخيلَه من قال مَن الأصحابِ : يجوزُ فعلُها في وقت صلاةٍ
الفجرِ ، لكنِ الصحيحُ : أنه غيرُ جائزٍ ، ما دامَ وقتُ الفجرِ باقيًا ؛ لئلاً يتداخلَ
(١) يعني : الخلال.

٤٢٠
حديث : ٩٠٣ - ٩٠٥
کتاب الجمعة
وقتُ الصلاتين ، فإذا خرجَ وقتُ صلاة الفجرِ ، وزالَ وقتُ النهي ، ودخلَ وقتُ
صلاة العيدِ والضحَى جازَ تقديمُ صلاة الجمعةِ حينئذٍ .
ومع هذا ، فلا تصلَّى في حال استواءِ الشمسِ في السماء ، ويجوز قبلَه ،
نصَّ عليه أحمدُ ، وقال: ما يعجبني ، وأتوقَّه في صلاتها في قائمِ الظهيرةِ ، مع
قولِه : يجوزُ صلاتُها قبلَ الزوال .
وأما آخرُ وقتِ الجمعةِ : فهو آخرُ وقتِ الظهرِ ، هذا هو قولُ جمهورِ
العلماءِ ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ، والثوريِّ، والحسنِ بنِ حَيٍّ ، ومالكٍ - في
رواية - ، والشافعيِّ ، وأحمدَ ، وعبدِ العزيزِ بنِ الماجشونَ .
واتفقوا : على أنه متى خرجَ وقتُ الظهرِ ، ولم يصلِّ الجمعةَ فقد فاتتْ
ويصلّي الظهرَ .
وأما إنْ صلى الجمعةَ ، ثم خرجَ الوقتُ وهم فى الصلاة ، فقال أبو حنيفةً
والشافعيُّ : تبطلُ الصلاةُ ، إلا أن يخرج قبلَ السلامِ - على رأي أبي حنيفةَ
وحده.
والمنصوصُ عن أحمدَ : أنه إنْ خرجَ الوقتُ وهم في التشهدِ أتموا الجمعةَ .
واعتبر الخِرَقَيُّ مِنْ أصحابِنا أن يكونَ قد أدركَ في الوقت ركعةً فصاعدًا ، فإن
خرج الوقتُ قبلَ إِدراك ركعةٍ صلَّوْا ظهراً .
وحُكِيَ روايةٍ عن مالكِ كذلكَ.
ومِن أصحابِنا مَن قال : تلحقُ الجمعةُ بتكبيرة الإحرامِ في الوقتِ كسائرِ
الصلواتِ .
ونقل ابنُ القاسمِ ، عن مالكٍ ، أن آخرَ وقتِها : غروبُ الشمسِ . ...
قال ابنُ القاسمِ : مَن صلَّى مِن الجمعةِ ركعةً، ثمَّ غربتِ الشمسُ صلَّى
الركعةَ الثانيةَ بعد غروبِ الشمسِ ، وكانت جمعةً.