النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ ١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّثِ كتاب الأذان والناسُ جياعٌ، فأكلْنَا منها أكلاً شديدًاً، فوجدَ رسولُ اللهِ وَِّ الريحَ، فقالَ : ((مَن أكلَ من هذه الشجرةِ الخبيثة شيئًا فلا يقربْنا في المسجد ))، فقال الناسُ : حُرِّمْت، حُرِّمت. فبلغَ ذلكَ النّبِيَّ وَّةِ، فقال: ((يأَيُّها الناسُ، إنه ليسَ بِي تحريمُ ما أحلَّ اللهُ ، ولكنها شجرةٌ أكرَه ريحَها )) . وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) من حديث معقلِ بنِ يسارٍ، قال: كنَّا مع النبيِّ لَه في مسيرٍ له ، فنزلْنَا في مكانٍ كثيرِ الثومِ ، وإن أُناسًا منَ المسلمين أصابوا منه ، ثم جاءُوا إلى المصلَّى يصلُّون مع النبيِّ نَّهِ، فنهاهُمْ عنها، ثم جاءُوا بعد ذلكَ إلى المصلَّى ، فوجدَ ريحَها منهم ، فقالَ: (( مَن أكلَ من هذه الشجرة فلا يقربْنا في مسجدنا )) . وأما حديثُ جابرٍ ، فمنْ طريقين : أحدُهما : ٨٥٤ - حَدَّثَنَا عَبّدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ: أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: سَمَعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِّ ◌َ: (( مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ : الثُّومَ - فَلاَ يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا)) . قُلْتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَهُ يَعْنِي إِلَّنَهُ. وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: إِلَّ نَتَهُ. وهذه الروايةُ - أيضًا - صريحةٌ بعمومِ المساجد ، والمسئولُ والمجيبُ لعلّه عطاءٌ [ وفي أبي عاصمٍ ) (٢). ((نيئَهُ))، بالهمزِ، ويقالُ بالتشديدِ بدون همزة ، والمرادُ به : ما ليس بمطبوخٍ ؛ فإنه قد وردَ في المطبوخِ رخصةٌ ؛ لزوالِ بعضِ ريحِهِ بالطبخِ. (١) ((المسند)) (٢٦/٥). (٢) كذا بالأصلين . ٢٨٢ حديث : ٨٥٤ كتاب الأذان وقد قالَ عُمر - رضي الله عنه - في خطبته - : إنكم تأكلونَ شجرتَينِ ، لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصلُ والثومُ؛ لقدْ رأيتُ رسولَ اللهِ وَلّ إذا وجدَ ريحَها مِنَ الرجلِ في المسجدِ أمرَ به وأُخرج إلى البقيعِ ، فمنْ أكلَهما فليُمِتْهُما طبخًا . (١) خرَّجه مسلمٌ (١) . وخرَّج أبو داود والنسائيُّ (٢) من حديثِ معاويةَ بنِ قرةَ ، عن أبيهِ ، أن رسولَ اللهِ نَّهُ نهَى عن هاتينِ الشجرتينِ، وقال: ((مَن أكلَهما فلا يقربنّ مسجدَنَا)) وقال: ((إن كنتم لابدَّآكلُوهما، فأميتُوهُما طبخًا )). قال : يعني : البصلَ والثُّومَ . وقال البخاريُّ - فيما نقلَه عنه الترمذيُّ في ((علله))(٣) -: حديثٌ حسنٌ . وخرَّج الطبرانيُّ (٤) معناه من حديث أنس، عنِ النبيِّ وَّ، وقال فيه : ((فإن كنتمْ لابدَّ آكلوهُما فاقتلُوهما بالنَّارِ قْلاً )). وخرَّج أبو داودَ (٥) من حديث عليٌّ ، قال : نُهي عن أكلِ الثومِ ، إلا مطبوخًا . خرجه الترمذيُّ (٦) ثم خرجه (٧) - موقوفًا - عن عليٍّ، أنه كره أكلَه إلا مطبوخًا . (١) ((الصحيح)) (٨١/٢-٨٢). (٢) أبو داود (٣٨٢٧) والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٢٨١/٨). (٣) (( العلل الكبير)) للترمذي (رقم: ٥٥٨). (٤) ((الأوسط)) (٣٦٥٥) . (٥) ((السنن)) (٣٨٢٨). (٦) ((الجامع)) (١٨٠٨). (٧) (١٨٠٩) . ٢٨٣ ١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاتِ كتاب الأذان وخرَّج ابنُ ماجه(١) من حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ، أن النبيِّ بَّ قال لأصحابه : (لا تأكلُوا البصلَ))، ثم قال كلمة خفية: ((النَّيَِّ)). وأما روايةُ مخلدِ بنِ يزيدَ الحرانيِّ ، عن ابنِ جريجٍ ، التي ذكرَها البخاريُّ - تعليقًا - ، فمعناها : نتنُ ريحِهِ ؛ ولأجلِها كَرِهِ دخولُ المسجد لآكله . وخرَّج مسلمٌ (٢) حديثَ جابرِ هذا من روايةِ يحيى بنِ سعيدٍ ، عن ابن جريجٍ، ولفظُه: ((مَن أكلَ من هذه البقلة: الثوم)) - وقال مرةً -: ((من أكلَ من البصلِ والثومِ والكراث فلا يقربنَّ مسجدَنَا ؛ فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى به بنُوآدَمَ )). وخرَّج معناه من حديث أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ - أيضًا(٣). وخرَّج مسلمٌ (٤) - أيضًا - من حديث الزُّهْرِيِّ، عن ابنِ المسيبِ ، عنِ أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلّ قالَ: ((من أكلَ من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدَنَا ، ولا يؤذينَا بريحِ النُّومِ » . فدلّ هذا الحديثُ - مع الذي قبلَه - على أن علَّة المنعِ مِنْ قُربان المسجد تأذِّي مَن يشهدُه من المؤمنينَ والملائكةِ بالرائحةِ الكريهةِ . وفي عامة هذه الأحاديث: تسميةُ الثومِ شجرةً . قال الخطابيُّ (٥): فيه أنه جعلَ الثومَ من جملةِ الشجرِ ، والعامة إنما يُسمُّون(٦) الشجرَ ماكان له ساقٌ يحمل أغصانه دون غيرِهِ . (١) ((السنن)) (٣٣٦٦). (٢) ((الصحيح)) (٢/ ٨٠). (٣) ((الصحيح)) (٧٩/٢ - ٨٠). (٤) (( الصحيح)) (٧٩/٢). (٥) ((أعلام الحديث)) (٥٥٦/١-٥٥٧). (٦) في الأصلين: ((سمى)) خطأ. ٢٨٤ حديث : ٨٥٥ کتاب الأذان وعند العربِ : أن كلَّ ما بقيتْ له أرومةٌ في الأرضِ تخلفُ ما قطعَ فهو شجرٌ، وما لا أرومةَ له فهو نجمٌ ، فالقطنُ شجرٌ ، يبقى في كثيرٍ من البلدانِ سنينَ ، وكذلك الباذنجانُ ، فأما اليقطينُ والريحانُ ونحوُهما فليس بشجرٍ ، فلو حلف رجلٌ على شيءٍ من الأشجارِ فالاعتبارُ من جهةِ الاسمِ والحقيقةِ علي ما ءَ ذكرتُ ، وفي العُرفِ ما تعارفَه الناسُ . انتهى . وأما قولُه تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةَ مِّن يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]، فلا يرد على ما ذكره ؛ فإنها شجرةٌ مقيدةٌ بكونها من يقطينِ ، وكلامُه إنما هو في إطلاقِ اسم الشجرِ .. وقد اختلفَ أصحابُنا الفقهاءُ فيما يتكرَّرُ حملهُ من أصولِ الخضرواتِ ونحوِها : هل هو ملتحقٌ بالشجرِ ، أو بالزرعِ ؟ وفيه وجهانِ ، ينبني عليهما مسائلُ متعددةٌ ، قد ذكرناها في ((كتاب القواعدِ في الفقهِ)). الطريقُ الثاني : ٨٥٥ - ثَّنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْر : ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : زَعَمَ عَطَاءٌ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ، أَنَّ النَِّيِّ ◌َ قَالَ: (( مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ قَالَ: فَلَيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا - ، وَلَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ)) . وأَنّ النََِّّ ◌َ﴿ أُنِيَ بِقِدْرِ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولِ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا ، فَسَأَلَ ، فَأُخْبِرَ بِمَا فيهَا مِنَ الْبُقُولِ ، فَقَالَ: ((قَرَّبُوهَا)) - إلَى بَعْض أَصْحَابِه كَانَ مَعَهُ - ، فَلَمَّا رَأَهُ كَرِهَ أَكْلَهَا. قَالَ: «كُلْ؛ فَإِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَجِي)). وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ : (( أُنِيَ بِبَدْرِ)). قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَعْنِي : طَقًّا فِيهِ خَضِرَاتٌ . وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وَأَبُوُ صَفْوَانَ ، عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ الْقِدْرِ ، فَلاَ أَدْرِي: هُوَ مِنْ ٢٨٥ ١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرََّثِ کتاب الأذان قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ؟ قال الخطابيُ (١): قولُ ابنُ شهابٍ: ((زعمَ عطاءٌ، أن جابرًا زعمَ )) ليس على معنى التهمة لهما ، ولكن لما كانَ أمرًا مختلفًا فيه حكى عنهم بالزعمِ ، وقد يستعملُ فيما يُختَلَفُ فيه كما يستعملُ فيما يرتَابُ به ، ويقالُ : في قولِ فلانٍ مزاعمٌ ، إذا لم يكنْ موثوقاً به . وذكر: أن روايةَ ((القدْرِ)) تصحيفٌ، إنما الصوابُ ((بَدْرِ)) وهو الطبقُ، كما قالَه ابنُ وهبٍ ، وسمِّي بدرًا لاستدراتِه وحسنِ اتساقِه ، تشبيهاً بالقمرِ . قال: وإن لم يكنِ ((القدرُ)) تصحيفًا، فلعلَّه كان مطبوخًا ، ولذلك لم يكره أكلَه لأصحابِهِ ، ثم بينَ أن كراهتَه لا تبلغُ التحريمَ لقوله: ((أُناجي من لا تناجي)) ، يريدُ : المَلَكَ . انتهى . وخرجَ ابنُ جرير الطبريُّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ من حديث أبي أيوب الأنصاريِّ ، أن النبيَّ وَِّ قال - لما امتنعَ من أكلِ الطعامِ الذي أرسلَه إليه -: ((إن فيها هذه البقلةَ : الثومَ، وأنَا رجلٌ أقربُ الناسَ وأناجيهم ، فأكرَه أن يجدُوا مِنِّي ريحَهُ ، ولكن مُر أهلَك أن يأكلُوها » . وهذه الرواية : تدلُّ على أنه كرِه أكلَها لكثرةِ مخالطتِه للناسِ وتعليمِهِمُ القرآنَ والعلمَ ، فيُستفادُ من ذلك : أنَّ مَن كان على هذه الصفة ، فإنه يُكْرَه ذلك من ذلك ما لا یکره لمن لم یکن مثلَ حالِه . ولكن ؛ [ روى ](٣) مالكٌ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن سليمانَ بنِ يسارِ ، قالَ : كان رسولُ اللهِ وَ لَ لا يأكلُ الثُّومَ ولا البصلَ ولا الكراثَ من أجلِ أنَّ الملائكةَ تأتيه ، مِن أجل أنه يكلِّم جبريل عليه السلام . وهذا مرسلٌ . (١) في (( شرح البخاري)) (٥٥٩/١). (٢) زيادة مني للسياق . ٢٨٦ حديث : ٨٥٦ كتاب الأذان ولا ينافي التعليلُ بمناجاتِ المَلَك التعليلَ بمناجاةٍ بني آدمَ ، كما وردَ تعليلُ النهي عن قربانِ آكلِ الثومٍ للمساجدِ بالعلتين جميعًا ، كما سبقَ ذكرُه . وقد ذكر البخاريَّ : أن قصة إتيانِه بقدرٍ أو بدرٍ لم يذكرْها في هذا إلا ابنُ وهبٍ عن يونُسَ ، وأن الليثَ بنَ سعدٍ وأبا صفوانٍ - وهو : عبدُ اللهِ بنُ سعيد ابنِ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ - رويا عن يونُسَ أوَّلَ الحديثِ دون هذه القصةِ الآخرة ، وأن ذلك يوجِبُ التوقفَ في أن هذه القصةَ : هل هي من تمامِ حديثٍ جابرٍ ، أو مدرجةٌ من كلامِ الزهريِّ ؛ فإنَّ الزهريَّ كان كثيرًا يروي الحديثَ ، ثم يُدْرِجُ فيه أشياءَ ، بعضُها مراسيلُ ، وبعضُها من رأيه وكلامِه . وقد خرَّج البخاريُّ في ((الأطعمة)) (١) الحديثَ من رواية أبي صفوانَ ، عن يونُسَ ، مقتصرًا على أولِ الحديثِ . وخرَّج البخاريُّ في (( الأطعمةِ )) (٢) الحديثَ عن أحمدَ بنِ صالحٍ ، عن ابنٍ وهب ، وفي حديثه: ((ببدرِ ))، وذكرَ مخالفةَ سعيدِ بنِ عُفَيْرٍ له ، وأنه قالَ : (بِقَدْرٍ )). وأما حديثُ أنسٍ : فقالَ : ٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَارِث، عَنْ عَبْد الْعَزِيزِ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أنَسّا: مَا سَمِعْتَ نَبِيَّاللَّهِبَّهِ فِيِ الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَِّيُّ : ﴿َ: (( مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبْنَا، وَلاَ(٣) يُصَلِينَّ مَعَنَا)). وخرَّجه في موضع آخر (٤)، وقال (( فلا يقربَنَّ مسجدَنَا )). (١) (٤٥٢ ٥) . (٢) (٧٣٥٩) وليس هو في ((الأطعمة)). (٣) في ((اليونينية)): ((أَوْ لا)). (٤) (٤٥١ ٥ ) . ٢٨٧ ١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرََّثِ كتاب الأذان وفي النهي لمَنْ أَكلَهما عن قربانِ الناسِ : دليلٌ على أنه يُكرَه له أن يغْشَى الناسَ حتى يذهبَ ريحها ، ولكنَّ حضورَهَ مجامعَ الناسِ للصلاةِ والذكرِ ومجالستَه لأهلِ العلمِ والديِّن أشدُّ كراهةً من حضورِه الأسواقَ ومجالسته الفساق. ولهذا في حديث جابرٍ المتقدمِ : ((وليقعدْ في بيته)). وفي ((صحيح مسلمٍ)) (١) من حديث أبي سعيد الخدريِّ، أن رسولَ اللهِ وَلَيه مرَّ على زراعةِ بصلٍ هو وأصحابُه (٢)، فنزلَ ناسٌ منهم ، فأكلُوا منه ، ولم يأكلْ آخرون، فرُحْنا إليه ، فدعا الذينَ لم يأكلُوا البصلَ ، وأخَّر الآخرينَ ، حتى ذهبَ ريحُها . وقد رُوي عن عمرَ ، أنه قالَ : مَن أكلَ البصلَ والكراتَ فلا يأكلْه عند قراءة القرآنِ ، ولا عندَ حضورِ المساجدِ . خرجه عثمانُ الدارميُّ في (( كتاب الأطعمةِ)). ومن أغربِ ما رُوي في هذا البابِ : ما خرَّجه أبو داودَ وابنُ حبانَ في ((صحيحه))(٣) من حديث حذيفةً - بالشكِّ في رفعه(٤) -: ((من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربنَّ مسجدَنَا ثلاثًا )). وهذا مكشوكٌ في رفعه . وقد رواه جماعةٌ من الثقاتِ، فوقفُوه على حذيفةَ بغيرِ شكِّ ، وهو الأظهرُ. واللهُ أعلمُ . ويحتملُ أن في الكلام حذفًا ، تقديره : قالها ثلاثًا . يعني : أنه أعادَ هذه (١) (٨١/٢). (٢) من هنا سقط كبير في ((م)) يمتد إلى آخر ((الأذان))، والعمدة على ((هـ)). (٣) أبو داود (٣٨٢٤) وابن حبان (١٦٤٣). (٤) الشك في رواية أبي داود فقط . ٢٨٨ حديث : ٨٥٦ كتاب الأذان الكلمةَ ثلاثَ مراتٍ . وقد دلَّتْ أحاديثُ هذا البابِ على أن أكلَ الثُّومِ غيرُ محرمٍ في الجملة ، وإنما يُنْهَى من أَكَلَهُ عن دخول المسجد حتى يذهبَ ريحُه، وعلى هذا جمهورٌ العلماء . وذهبَ إلى تحريم أكلِه طائفةٌ قليلةٌ من أهلِ الظاهرِ ، ورُوي عن بعض المتقدمين - أيضاً - ، والنصوصُ الصحيحةُ صريحةٌ بردِّ هذا الكلامِ . وأما كراهةُ أكلِ ذلك ، فمن العلماءِ مَن كرِه أكله نيئًا حَتَّى يُطْبَخ ، منهم : عُمرَ وَابْنُ عُمَرَ وَالنَّخَعِيُّ ، وهو قولُ أحمدَ ، وقال : الثُّومُ أشدُّ . ورُوي عنه روايةٌ ، أنه قال : لا أحبُّ أكل الثُّومِ خاصةً ، وإن طُبخ ؛ لأنه لا يذهبُ ريحُهُ إذا طُبخَ . قال : وإن أكلَه من علةٍ فلا بأسَ . وقال : الذي يأكلُها يتجنبُ المسجدَ ، وكلُّ ما له ريحٌ ، مثلُ البصلِ والثُّومِ والكراثِ والفجلِ فإنما أكرمُه لمكان الصلاة . وسئلَ عن أكلِ ذلك بالليلِ ؟ فقال : أليس يتأذَّى به الملَكُ . وظاهرُ هذا : يدلُّ على كراهةٍ أكلِ ما له ريحٌ كريهةٌ ، وإن كان وحدَه . وقد رُوي عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ ، أنه كانَ إذا أرادَ أن يأكلَ الثُّومَ بدا - يعني : خرج إلى البادية . وعن عكرمةَ ، قال : كنا نأكلُهُ ونخرجُ من الكعبةِ . خرجه ابنُ جريرِ الطبريُّ . ولو أکله ، ثم دخل المسجدَ ◌ُرِه له ذلكَ . وظاهرُ كلامِ أحمدَ : أنه يحرمُ ؛ فإنه قالَ في روايةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ : إنْ أكلَ وحضرَ المسجدَ أثمَ . ٢٨٩ ١٦٠ - بَبُ مَا جَاءَ فِي النُّومِ النَّيِّءِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاتِ كتاب الأذان وهو قولُ ابنِ جريرٍ - أيضًا - وأهلِ الظاهرِ وغيرِهم . قال ابنُ جريرٍ : وإذا وجد منه ريحةً في المسجدِ ، فإن السلطانَ يتقدَّم إليه بالنهي عن معاودة ذلك، فإن خالفَ وعادَ، أَمَر بإخراجه من البلدِ (١) إلى أن تذهبَ منه الرائحةُ . واستدلَّ بحديث عمرَ - رضي اللهُ عنه - ، وقد سبقَ ذكرُه. وقد استدل قومٌ منَ العلماءِ بأحاديثِ هذا البابِ على أن حضورَ الجماعةِ في المساجدِ ليست فرضًا ؛ لأنها لو كانتْ فرضًا لم يرخصْ في أكلِ الثُّوم وينهَى من أُكَلَه عن حضورِ المسجدِ ، وجعلُوا أكلَ هذهِ البقولِ الَّتي لها ريحٌ خبيئةٌ عذرًاً يبيحُ تركَ الجماعةِ . وردًّ عليهمْ آخرونَ : قال الخطابي : قد توهَّم هذا بعضُ الناس . قال : وإنما هو - يعني : النهي عن دخولِ المسجدِ - توبيخٌ له وعقوبةٌ على فعله إذا حُرِم فضيلةَ الجماعةِ . ونقلَ ابنُ منصورٍ ، عن إسحاقَ ، قال : إن أكلَ الثُّومَ من علةٍ حادثةٍ به فإن ذلك مباحٌ ، وإن لم يكن علةٌ لا يسعُه أكلُه ، لكي لا يتركَ الجماعةَ . وهذا محمولٌ على ما إذا أكلَه بقربِ حضورِ الصلاةِ ويعلم [ ... ] فريضة. ودخولُ المسجدِ مع بقاءِ ريحِ الثُّوم محرمٌ ، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابِنا وابنِ جريرٍ وغيرِهم منَ العلماءِ . ويشهدُ لهذا : أن الخمرَ قبلَ أن تحرَّمَ بالكلية كانت محرمةً عند حضور الصلاةِ ، كيلا يمنعَ منَ الصلاةِ ، حيث كانَ اللهُ قد أنزلَ فيها ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فكان منادي النبيِّ وَّ ينادي: ((لا يَقْرَبُ الصلاةَ سَكْرَانٌ )) . وفي ضمن ذلك ؛ النهيُ عن السكرِ بقربِ وقتِ الصلاة ، ثم حُرِّمتْ بعدَ ذلك على الإطلاقِ بالآية التي في سورة المائدةِ . (١) لعل الصواب: ((من المسجد)). ٢٩٠ حديث : ٨٥٦ كتاب الأذان وقد تقدَّم نصُّ أحمدَ بأنه قالَ : أكرهُه في وقتِ الصلاةِ ؛ لمكانِ المسجدِ . وهذا يحتملُ كراهةَ التنزيهِ ، وكراهةَ التحريمِ . وروى ابنُ وهبٍ ، عن مالك ، أنه سُئِلَ عن أكلِ القُّومِ يوم الجمعةِ ؟ فقال: بئسما صنعَ حين أكلَ الثُّومَ وهو مِمَّن يجبُ عليه حضورُ الجمعةِ . وقد ذكرنا : أن هذا الحكمَ يتعدَّى إلى كلِّ مأكول له رائحةٌ كريهةٌ ، كالفجل وغيرِه ، وأن أحمدَ نصَّ عليه . وكذلك قالَ مالكٌ : الكراثُ كَالثُّومِ ، إذا وجدت ريحهما يؤذي . وألحق أصحابُ مالك به : كلَّ من له رائحةٌ كريهةٌ يُتَأَذَّي بها ، كالحراث والحوات . وفيه نظرٌ ؛ فإن هذا إثر عملٍ مباحٍ ، وصاحبُه محتاجٌ إليه، فينبغي أن يُؤْمَرَ إذا شهدَ الصلاةَ في جماعته بالغسلِ وإزالةِ ما يُتَأذى برائحته منه ، كما أمرَ النبيّ ءُ وَه مَن كانَ يشهدُ الجمعةَ مِن الأنصارِ الذينَ كانوا يعملونَ في نخلِهِم ويلبسونَ الصوفَ ويفوحُ ريحُهم بالغسلِ ، وأمرَهم بشهودِ الجمعةِ في ثوبينِ غيرِ ثوبي المهنةِ(١). وذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ(٣) عن بعضِ شيوخِهِ ، أنه ألحقَ بأكلِ القُّومِ مَن كان أهلُ المسجدِ يتأذونَ بشهودِه معهم من أذَاه لهم بلسانه ويده ؛ لسفهه عليهم وإضراره(٣) بهم ، وأنه يُمنع مِن دخولِ المسجدِ ما دام كذلك . وهذا حسنٌ . وكذلك يمنعُ المجذومُ مِن مخالطةِ الناسِ في مساجدِهم وغيرِه ؛ لما رُوي من الأمرِ بالفِرَارِ منه . واللهُ أعلمُ . (١) راجع ((المعجم الكبير)) - جزء العبادلة الذي حققته منه رقم (١٣٩) (٢) راجع: ((التمهيد)) (٤٢٣/٦). (٣) فى الأصل: ((هـ)): ((واضرراه)). ٢٩١ ١٦٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّيِّءٍ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاتِ كتاب الأذان وفي ((تهذيبِ المدونة )) : ويقامُ الذي يقعدُ في المساجدِ يومَ الخميسِ وغيرِه لقراءة القرآنَ . ولعلَّ مرَادَه : إذا كان يقرأُ جهرًا، ويحصلُ بقراءته أدَّى لأهلِ المسجدِ ، ويشوشُ عليهم . واللهُ أعلمُ . ٢٩٢ ١٦١ - بَبُ وُضُوءِ الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغُسْلُ کتاب الأذان ١٦١ - بَابُ وُضُوء الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغُسْلُ وَالطُّهُورُ وَحُضُوَرِهِمُ الجَمَاعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَنَائِزَ، وَصُفُوفِهِمْ لمَّا أن تعيّن ذكر صفة الصلاة ، وكانَ الغالبُ على أحكامها يختصُّ بالرجال المكلفينَ ، أفردَ لحكمِ الصبيانِ بابًا مفردًا ، ذكر فيه حكمُ طهارتِهم منَ الوضوء والغسلِ ، وذكر صلاتَهم وحضوَرَهم الجماعاتِ معَ الرجالِ في الصلواتِ المفروضاتِ وفي العيدينِ والجنائزِ ، وصفوفَهم معَ الرجالِ . وذكر في البابِ أحاديثَ ستةً ، يُستنبطُ منها هذه الأحكامُ التي بُوَّب عليها . ولم يبوبْ على وقتِ وجوبِ الصلاةِ عليهم ؛ لأن الأحاديثَ في ذلك ليست على شرطِه . وهي نوعانِ : أحاديثُ: ((مرُوهم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم علَى تركِها لعشر)) . وقد رُويتْ من وجوهِ متعددة ، أجودُها : من حديث سبرة بن معبد الجهنيٌّ، عنِ النبيِّ وَِّ، قال: ((مرُوا الصبيَّ بالصلاةِ إذا بلغَ سبعَ سنينَ، وإذا بلغَ عشر سنينَ فاضربُوه عليها)). خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ - وهذا لفظُه - والترمذيُّ - وقال : حسنٌ صحيحٌ - وابنُ خزيمة في (( صحيحه)) والحاكمُ (١) - وقال : على شرطِ مسلمٍ . وقد ذهبَ إلى هذا الحديثِ جماعةٌ منَ العَماءِ ، وقالوا : يُؤُمر بها الصبيّ السبعٍ، ويُضْرَبُ على تركِها لعشرٍ، وهو قولُ مكحولِ والأوزاعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ. (١) أحمد (٤٠٤/٣) وأبود داود (٤٩٤) والترمذي (٤٠٧) والحاكم (٢٠١/١). ٢٩٣ ١٦١ - بَبُ وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغُسْلُ كتاب الأذان ونقل ابنُ منصور ، عنهما ، أنهما قالاً : إذا تركَ الصلاةَ بعدَ العشرِ يعيدُ . واختلفَ أصحابنا : هل هي واجبةٌ عليه في هذه الحالِ ، أم لا ؟ فأكثرُهم على أنها لا تجبُ على الصبيِّ ، لكن يجبُ على الوليِّ أمرُه بها لسبعٍ ، وضربُه إذا تركها لعشرٍ(١). ومنهم مَن قال : هي واجبةٌ عليه إذا بلغ عشرًا ، يضربُه علي تركِها . وقد قيلَ: إن الضربَ على الترك، تارةً يكون في الدنيا والآخرةِ [كالوضوء](٢) على المسلمِ البالغِ العاقلِ ، وتارة يكونُ في الآخرةِ دونَ الدنيا كوجوبِ فروعٍ الإسلامِ على [الكفَّارِ](٢)، وتارةً يكون في الدنيا خاصةً كضربِ الصبيِّ إذا تركَ الصلاةَ لعشرٍ ، ولا يلزمُ من ذلك أن يعاقبَ عليها في الآخرةِ . ومن العلماءِ مَن قالَ : يؤمَر الصبيُّ بالصلاةِ إذا عرفَ يمينَه من شماله ، رُوي عن ابنِ سيرينَ والزهريِّ ، ورُوي عن الحسنِ وابنِ عمرَ ، وفيه حديثٌ مرفوعٌ ، خرجه أبو داودَ (٣)، وفي إسناده جهالةٌ ، وهو اختيارُ الجوزجانيٌّ . ورُوي عن عمر ، أنه مر على امرأةٍ توقظ ابنَها لصلاة الصبحِ وهو يَتَلَكَّأَ ، فقال: دَعِيه لا يَعْنِيه ، فإنها ليست عليه حتى يعقلَها (٤). وعن عروةً ، وميمونِ بنِ مِهرانٍ ، قالاً : يؤمَرُ بها إذا عقلَها . وعن بعضِ التابعينَ : يؤمرُ بها إذا أحْصَى عددَ عشرين . وعن النخَعيِّ ومالكِ : يؤمر بها إذا ثَغَر - يعني : تبدلت أسنانُه . النوعُ الثاني: أحاديثُ: ((رُفع القلمُ عن ثلاث))، منهم: (( الصبي حتى يحتلِمَ )) . (١) من قوله: ((وهو قول مكحولٍ)) إلي هذا الموضع تكررّ في الأصل. (٢) مشتبهة بالأصل ، والمثبت أقرب الصور لرسمها . (٣) (٤٩٧). (٤) ابن أبي شيبة (٣٠٥/١). ٢٩٤ ١٦١ - بَابُ وُضُوء الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغُسْلُ كتاب الأذان وفي ذلك أحاديثُ متعددةٌ : منها: [عن عُمَر وعليٍّ](١)، عن النبيِّ ◌َِّه. خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ (٢). وقد اختُلِفَ في رفعه ووقِفِه ، ورجَّح الترمذيُّ والنسائيُّ والدارقطنيُّ وغيرُهم وقفَه على عمرَ ، وعَلَى عليٍّ من قولِهما . وله طرقٌ عن عليٌّ . ومنها: عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّهِ، وقالَ: ((وعن الصبيِّ حتى يكبرَ)). خرجه أبو داودَ وابنُ حبانَ في «صحيحه » (٣) من روايةِ حمادِ بنِ سلمةَ، عن حمادِ بنِ أبي سليمانَ ، عنْ إبراهيمَ ، عن الأسودِ ، عن عائشةَ . وقال النسائيُّ: ليس في هذا الباب صحيحٌ إلا حديثَ عائشةَ ؛ فإنه حسنٌ . ونقل الترمذيَّ في ((علله)) (٤) عن البخاريِّ ، أنه قال : أرجو أن يكون محفوظًا . قيل له : رواه غيرُ حماد ؟ قال : لا أعلَمُهُ . وقال ابنُ معينٍ : ليس يرويه أحدٌ ، إلا حمادُ بنُ سلمةَ ، عن حماد . وقال ابنُ المنذرِ : هو ثابتٌ عن النبيِّ ◌َِّةِ. وإلى هذا الحديث ذهبَ أكثرُ العلماء ، وقالوا : لا تجبُ الصلاةُ على الصبيِّ حتى يبلغَ . واللهُ أعلمُ . وقد تقدَّمَ : أن البخاريَّ خرج في هذا الباب ستةَ أحاديثَ : (١) زيادة منى ، الظاهر أنها سقطت من الناسخ . (٢) أحمد (١٥٨/١) وأبو داود (٤٤٠١) والترمذي (١٤٢٣). والنسائي في ((الكبرى)). (٣) أبو داود (٤٣٩٨) وابن حبان (١٤٢). (٤) (ص ٢٢٥) . ٢٩٥ ١٦١ - بَابُ وُضُوء الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغُسْلُ کتاب الأذان الأولُ : ٨٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّى: ثَنَا غُنْدَرٌ: ثَنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشََّانِيَّ: سَمِعْتُ الشَّعِْيَّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَِّّبَ عَلَى قَبْرِ مَنْبُوذٍ، فَمَّهُمْ وَصَفُوا عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍوٍ : مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَالَ : ابْنُ عَّاسٍ . مرادُ البخاريِّ من هذا الحديثِ في هذا البابِ : أن ابنَ عباسٍ صلَّى خلفَ النبيُّ بِِّ مع أصحابِهِ على القبرِ ، وابنُ عباسٍ كان صغيرًا لم يبلغِ الحلمَ ، وقد سبقَ ذكرُ الاختلافِ في سنِّه عند وفاةِ النبيِّ وَّ في ((كتابِ العلمِ)) ، فدلَّ على أن الصبيَّ يشهدُ صلاةَ الجنائزِ معَ الرجالِ ، ويصلِّي معهم عليها ، ويصفُّ معهم. وقد خرَّجه البخاريُّ في موضعٍ آخرَ من (( كتابِهِ)) هذا بلفْظِ آخرَ ، وفيه : (( فقامَ فَصَفَفْنَا خلفَه ، قال ابنُ عباسٍ : وأنا فيهم ، فصلَّى عليه )). وقد خرَّجه الدار قطنيُّ (١) من طريق شريكٍ، عن الشيبانيِّ بهذا الإسنادِ ، وقال في حديثه: ((فقامَ فصلَّى عليه، فقمتُ عن يسارِهِ ، فجعلني عن يمينه)). وهذه زيادةٌ غريبةٌ ، لا أعلمُ ذكرَها غيرُ شريكٍ، وليس بالحافظ (٢)، فإن كانتْ محفوظةً استدلَ بها على أن صفوفَ الجنائزِ كصفوفِ سائرِ الصلواتِ . وقد اختلفَ أصحابنا في ذلك : فمنهم مَن قالَ : كذلك ، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ ؛ لأنه نص على كراهةٍ صلاة الفذِّ وَحْدَه في صلاة الجنازةِ . ومنهم مَن قال : يصلِّي على الجنازةِ الرجلُ وحدَه ، منفردًا خلفَ الصفوفِ ، منهم : القاضي أبو يعلَى في ((خلافه )) وابنُ عقيلٍ . وقالُوا : إذا لم يكنْ جَعْلُ الصفوفِ في صلاة الجنازةِ ثلاثةً إلا بقيامٍ واحدٍ (١) (٧٨/٢) . (٢) الظاهر أنه دخل عليه قصةُ ابن عباس في صلاته بجانب النبي بَّ في قيام الليل، وقد تقدم حديثها ، وتوسع المؤلف في شرحه وذكر طرقه والفاظة . وسيأتي أيضًا في هذا الباب . ٢٩٦ حديث : ٨٥٧ - ٨٥٨ كتاب الأذان صفًّا وَحْدَه كان أفضلَ . واستدلَّ بما رَوى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ العمريُّ ، قال : سمعتُ أَمَّ يحيى قالت : سمعتُ أنسَ بنَ مالكِ يقولُ: ماتَ ابنُ أبي طلحةَ ، فصلَّى عليه رسولُ الله وَّه، فقام أبو طلحة خلف النبي وَّهُ وأمُّ سليمٍ خلفَ أبي طلحة كأنهم عَرْفُ ديك ، وأشار بيده . خرجه الإمامُ أحمدُ (١) وخرج أبو حفصِ العكبريُّ - من أصحابنا - بإسنادِهِ ، عن خَيْر بنِ نعيمٍ الحضرميِّ، أن أبا الزبيرِ - أو عطاءَ بنَ أبي رباحٍ - أخبره، أن رسولَ اللهِ وَليقول صلَّى على جنازة، ورسولُ اللهِ ◌ِّله سابعُهم، فجعلَهم ثلاثةَ صفوف، الصفُّ الأولُ ثلاثةً، والصفُّ الثاني رجلينِ، والصفُّ الثالثُ رجلاً، والنبيِّ وَّهِ بِينَ أیدیھم. وهذا مرسلٌ . وقد نصَّ أحمدُ على أنه يستحبُّ جعلُهم في صلاةِ الجنائزِ ثلاثةَ صفوفٍ ، إذا أمكنَ أن يكونَ في كلِّ صفِّ اثنانِ فصاعدًا ، واستدلَّ بحديث مالكِ بنِ هبيرةً ، أنه كان إذا صلَّى على جنازة فتقالَّ الناسُ عليها جَزَّأَهم ثلاثةَ أجزاءٍ ، ثم قال : قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( مَن صلَّي عليه ثلاثةُ صفوف فقدْ أوجبَ)) خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه والترمذيُّ (٢) :. وقال : حديثٌ حسنٌ . الحديثُ الثاني : ٨٥٨ - ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ثَنَا سُفْيَانُ: حَدَثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ (١) (٣ / ٢١٧) . (٢) أحمد (٧٩/٤) وأبو داود (٣١٦٦) وابن ماجه (١٤٩٠) والترمذي (١٠٢٨). ٢٩٧ ١٦١ - بَابُ وُضُوءِ الصِّيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغُسْلُ کتاب الأذان ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَِّيِّهِ، قَالَ: (( الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَة وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)) . مرادُه بهذا الحديث هاهنا : الاستدلالُ به على أن الغسلَ الواجبَ لا يجبُ إلا على مَن بلغَ الحلُمَ ، وهو المرادُ بالمحتلمٍ في هذا الحديثِ ، كما أن قولَه : ((لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائض إلا بخمار)) (١)، إنما أراد به من بلغتِ المحيضَ . وقد اختلفَ العلماءُ في معنى الوجوبِ في هذا الحديثِ : هلْ هو علَى ظاهره ، أم المرادُ به [التأكيد](٢)؟ وفيه خلافٌ يأتى في موضع آخر - إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى . فإن قيلَ : إنه علي ظاهرِه ، وإنه يأثم بتركِه ، فإن هذا الوجوبَ يختصُّ بالبالغ ولا يدخلُ فيه الصبيُّ ، اللهمَّ ، إلا على رأي من أوجبَ الصلاةَ على مَن بلغَ [عشرًا منَ ](٢) الصبيانِ، كما هو قولُ طائفةٍ من أصحابِنا ، فإنهمُ اختلفُوا ءِ في وجوب الجمعةِ عليه ، ولهم فيه وجهانِ ، أصحَّهما : لا يجبُ . فإن قيلَ بوجوبِها عليه توجّه وجوبُ الغسلِ عليه - أيضاً - ، وهو ضعيفٌ ؛ لأنه مبطلٌ فائدةَ تخصيصِ الوجوبِ في هذا الحديثِ بالمحتلمِ . وإنْ قيلَ : إنّ الوجوب في الحديثِ إنما أُريدَ به تأكيدُ الاستحبابِ ، فهل يدخلُ فيه الصبيُّ ؟ لا يخلو الصبيّ ، إما أن لا يريد حضورَ الجمعةَ ، فلا يؤمَرُ بالغسلِ لها ، وإما أن يريد حضورَها معَ الرجالِ ، ففي استحبابِ الغسلِ له وجهانِ لأصحابِنا . (١) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم. واختلف في وصله وإرساله ، ورجح الدارقطني إرساله . وراجع: ((إرواء الغليل)) (١٩٦). (٢) في الأصل مشتبهة . ٢٩٨ حديث : ٨٥٨ كتاب الأذان وينبغي أن لا يتأكدَ الاستحبابُ في حقه كتأكيده على الرجال ؛ لئلاً تبطلَ فائدةُ تخصيصِ الوجوبِ بالمحتلمِ في الحديثِ . ومذهبُ مالك ؛ أنه يغتسلُ إذا أرادَ شهودَ الجمعةِ . وأما وجوبُ الغسلِ على الصبيِّ إذا وُجِدَ منه ما يوجبُ الغسلَ على البالغِ ، مثلُ أن يطأَ ويولجَ في فرجِ امرأةٍ ، أو تكون الزوجةُ الموطأةُ صغيرةً لم تبلغْ ، فيطؤُها الرجلُ ، فهل يجبُ عليها وعلى الصبيِّ الواطءِ - بغير إنزالِ - الغسلُ ؟ فيه قولان مشهوران للفقهاء : أحدُهما : يجبُ ، وهو نصُّ أحمدَ ، واختيارُ ابنٍ شاقلا وغيرِه من أصحابِنا، وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهوَيَه . وقالت الشافعيةُ : يصير بذلك جُنْبًا ، ويُمنع مما يُمنع منه الجنبُ حتى يغتسلَ ، ويلزمُ ولَّه أن لا يمكنَه مما يمنعُ منه الجنب حتَّى يغتسلَ . ولم يقولُوا: إن غسله واجبٌ ؛ لئلاً يُتُوهَّم أنه مكلفٌ به . والثاني : لا يجبُ ، بل يستحبُّ ، وهو قولُ أبي حنيفة وأصحابه ، وأبي ثورٍ ، وأصحابِنا ؛ لأن الغسلَ عبادةٌ بدنيةٌ ، فلا تلزمُ الصبيّ ، كالصومِ والصلاة . قال المحققونَ من أصحابنا : وهذا لا يصحُّ ؛ لأنه ليس المَعْنيّ بوجوبه تأثيمه بتركِه لينافيه الصِّغَرُ ، بل فائدتُه اشتراطُه لصحةٍ صلاتِه وطوافِه ، وتمكينِه من مسِّ المصحفِ ، وقراءةِ القرآنِ ، واللُّبثِ في المسجدِ ، وإلزامهِ به إذا بلغَ ، وتغسيلُنا له يُشْبِه ما لو قُتْلَ شهيدًا قبلَ أن يغتسلَ ، وغير ذلكَ منَ الأحكامِ ، والصِّغَرِ لا ينافي ذلك ، كما لم ينافِ إيجابِ الوضوءِ عليه بموجباتِه بهذا المعنى - أيضًا . ولا نعلم خلافًا أن الصبيَّ المميِّزَ تصحُّ طهارتُهُ ويرتفعُ حدثُه ، ولو بلغَ بعد ٢٩٩ ١٦١ - بَابُ وُضُوءِ الصََّانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْفُسْلُ کتاب الأذان أن توضأ لجاز أن يصلِّيَ بذلك الوضوءِ الفرضَ ، ولا نعلمُ في ذلك خلافًا ، إلا وجهًا شاذًا للشافعيةِ ، لا تعويلَ عليه . ولكن ؛ هلْ يُوصَف وضوؤُهُ قبلَ بلوغِه بالوجوب ؟ فيه لأصحابِنا وجهان . وهذا الخلافُ يشبه الخلافَ في تسمية(١) غسلِه واجبًا ، على ما سبقَ . ويشبه تخريجَ هذا الخلافِ في تسميته واجبًا عليه بدون إرادة الصلاة ، على الخلافِ في أن الموجبَ للطهارةِ ، هلْ هو الحدثُ ، أو إرادةُ الصلاة ؟ وفيه وَ اختلافٌ مشهورٌ . ويمكن أخذُهُ مِنَ اختلافِ الروايتينِ عن أحمدَ في غسلِ الحائضِ للجنابةِ في حال حيضها . وأما أن الصبيَّ ممنوعٌ من الصلاةِ بدون الطهارةِ ، فمتفقٌ عليه . نعم ؛ في جواز تمكينِ الصبيِّ من مسٌّ لَوْحِهِ الذي يكتبُ فيه القرآنَ روايتان عن أحمدَ ، ومِن أصحابنا من حكى الخلافَ في مسِّهم لمصَاحِفهم(٢). وُ ووجهُ عدمِ اشتراطِهِ : أن حاجتهم إلى ذلك داعيةٌ ، ويشقّ منعهم منه بدون طهارة ؛ لتكرُّرِهِ ، ووضوؤُهم لا يتحفظُ غالبًا . وهو - أيضًا - قولُ الحنفيةِ ، وأصحُّ الوجهين للشافعيةِ ؛ لهذا المعنَى . وهذا كلُّه في حقِّ الصبيِّ المميزِ ، فأما من لا تميزَ له فلا طهارة له ولا صلاةَ ، ولو توضَّأَ لم يؤثرِ استعمالُه في الماءِ شيئًا . وأما المميزُ إذا توضأً بالماءِ ، فهل يصيرُ مستعملاً ؟ فيه لأصحابِنا وجهانِ . ويحسنُ بناؤُها على أن وضوءَهَ : هلْ يوصَف بالوجوبِ ، أو بالاستحبابِ ؟ (١) في الأصل: ((تسميته)). (٢) في الأصل: ((لمضاجعهم)) تصحيف . ٣٠٠ حديث : ٨٥٩ كتاب الأذان والأظهرُ : أنه يصير مستعملاً ؛ لأنه قد رفعَ حدثه ، وأزال (١) منعه من الصلاة . وهو - أيضًا - أصحّ الوجهين للشافعيةِ . والثاني لهم : ليس بمستعملٍ ؛ لأنه لم يؤدِّ به فرضًا . قالُوا : والصحيحُ : أنه مستعملٌ ؛ لأن المرادَ بفرضِ الطهارةِ ما لا تجوزُ الصلاةُ ونحوُها إلا به ، لا ما يأثمُ بتركِهِ . الحديث الثالثُ : ٨٥٩ - حديثُ ابنِ عباسٍ: بِتُّ عِنْدَ خَالِي مَّمُونَ لَيْلَةٌ، فَقَمَ النَّبِيَُّ﴿﴿ فَلَمّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ] (٢) فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنَّ مُعَلَّق، وُضُوءًا خَفيفًا، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ نَحْوَا مِمَّ تَوَضَاً، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى - وذكرَ الحديثَ . وقد تقدَّم في أوائلِ (( كتابِ الوضوءِ » بهذا الإسنادِ والسياقِ الذي خرَّجه في هذا البابِ . والمقصودُ منه هاهنا: أن ابنَ عباسٍ توضأ كما توضأَ النبيِّ بَّه، ثم قامَ إلى جانبِ النبيِّ ◌َّهِ يصلِّي معه، وأنه لما قامَ عن يسارِهِ ولم يكن مَوقفًا للمأمومِ حوَّلَه عن يمينه إلى موقفِ المأمومِ ، فهذا يدلُّ على صحةِ طهارةِ الصبيِّ وصلاتِه، وائتمامِه بالإمامِ ، ومصافّته للإمامِ ؛ فإن ابنَ عباسٍ كان إذْ ذاك صبيًا ، كما سبقَ ذكرُه . وقد تقدمَ الكلامُ على انعقادِ الجماعةِ بالصبيِّ ، وعلى أن من وقفَ مع صبيّ ، فهل هو فَذٌّ ، أم لا ؟ (١) في الأصل: ((ولا زال)). (٢) زيادة من ((اليونينية)).