النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
١٥٦ - بَابٌ يستقبلُ الإمامُ الناسَ إذا سلمَ
كتاب الأذان
قال : ((قبل أن يتكلمَ)) ، وذكرَ في صلاةِ العصرِ مثلَ ذلك .
وخرجه الإمامُ أحمدُ (١) من حديثِ شهرٍ ، عن ابن غنمٍ - مرسلاً ، وعنده :
(( مَنْ قالَ مِن قبلِ أن ينصرفَ ويثني رجلَه من صلاة المغرب والصبحِ )) -
وذكرَ الحديثَ .
وشهرُ بنُ حوشبٍ ، مختلَفٌ فيه ، وهو كثيرُ الاضطرابِ ، وقد اختُلِفَ عليه
في إسنادٍ هذا الحديثِ كما ترى .
وقيل : عنه ، عن ابنٍ غنمٍ ، عن أبي هريرةَ .
وقيل : عن شهرٍ ، عن أبي أمامة .
قال الدارقطنيُّ : الاضطرابُ فيه مِن قبل شهرٍ ..
وقد رُويَ نحوُهُ عن النبيِّ بَّهِ من وجوهِ أخرَ ، كلُّها ضعيفةٌ .
وحكى بعضُ أصحابٍ سفيان الثوريِّ ، عنه، أنه قالَ : يستحبُّ للإمامِ إذا
صلَّى أن لا يجلسَ مستقبلَ القبلةِ ، بل يتحولُ من مكانه أو ينحرفُ ، إلا في
العصرِ والفجرِ .
ولم يأخذِ الإمام أحمدُ بحديثٍ أبي ذرٍّ ؛ فإنه ذُكرَ له هذا الحديثُ ، فقالَ :
أعجبُ إليَّ أن لا يجلسَ؛ لأن النبيَّ وَ﴿ه كانَ إذا صلَّى الغداةَ أقبلَ عليهم
بوجهه .
يعني : أن هذا أصحَّ من حديثِ شهرِ بنِ حوشبٍ هذا ، مع أنه ليس في
جميع رواياته : ((قبل أن يثِيَ رجلَه))، بل في بعضِها .
(١) ((المسند)) (٢٢٧/٤).

٢٦٢
حديث : ٨٤٨
كتاب الأذان
١٥٧ - بَابُ
مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّهُ بَعْدَ السَّلاَمِ
٨٤٨ - وَقَالَ لَنَا آدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ
يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ.
وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ.
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيّرَةَ - رَفَعَهُ -: ((لاَ يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ)) . وَلَمْ يَصِحَّ .
هذا الذي ذكرَ أنه لا يصحُّ ، خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه(١) من
روايةٍ ليثٍ ، عن حجاجٍ بنِ عُبيدٍ ، عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ ، عن أبي هريرةَ ،
عنِ النبيِّ وَّهِ، قال: ((أيعجزُ أحدُكم أن يتقدمَ أو يتأخرَ، أو عن يمينه أو شماله
في الصلاة)) - يعني : في السِّبْحَةِ .
وليس في هذا ذكرُ الإمامِ ، كما أوردَه البخاريُّ .
وضعف إسنادِهِ من جهةٍ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ ، وفيه ضعفٌ مشهورٌ . ومن
جهة إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ ، ويقال فيه : إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ ، وهو حجازيٌّ ،
روى عنه عَمرو بنُ دينارٍ وغيرُهُ . قال أبو حاتم الرازيُّ: مجهولٌ .
وكذا قال في حجاجٍ بنِ عبيدٍ ، وقد اختُلِفَ في اسمٍ أبيه .
واختُلِف في إسنادِ الحديثِ على ليثٍ - أيضًا .
وخرج أبو داودَ وابنُ ماجه(٢) - أيضًا - من حديث عطاء الخراسانيِّ ، عن
المغيرة بن شعبةَ، أن رسولَ اللهِ نَّه قال: ((لا يصلّي الإمامُ في مقامِه الذي
(١) أحمد (٤٢٥/٢) وأبو داود (١٠٠٦) وابن ماجه (١٤٢٧).
(٢) أبو داود (٦١٦) وفيه: ((حتى يتحول))، وابن ماجه (١٤٢٨) بهذا اللفظ.

٢٦٣
١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّهُ بَعْدَ السَّلاَمِ
کتاب الأذان
صلَّی فیه المکتوبةَ حتی یتنحّی عنه )) .
وقال أبو داودُ : وعطاءٌ الخراسانيُّ لم يدركِ المغيرةَ .
وقد اختلفَ العلماءُ في تطوعِ الإمامِ في مكانٍ صلاتِهِ بعدَ الصلاة ، فأما قبلَها
فيجوزُ بالاتفاق - : قاله بعضُ أصحابنا - :
فكرهت طائفةٌ تطوعَه في مكانه بعد صلاته ، وبه قال الأوزاعيّ والثوري
ءِ
وأبو حنيفةً ومالكٌ وأحمدُ وإسحاقُ .
ورُوي عن عليٍّ - رضي الله عنه - ، أنه كرِهَه .
وقال النَّخَعِيُّ : كانوا يكرهونَه .
ورخَّص فيه ابنُ عقيلِ من أصحابنا ، كما رجَّحه البخاريِّ ، ونقلَه عن ابنِ
عمرَ والقاسمِ بنِ محمدٍ .
فأما المرويَّ عن ابنِ عمرَ ، فإنه لم يفعلْه وهو إمامٌ ، بل كان مأمومًا ،
كذلك قال الإمامُ أحمدُ .
وأكثرُ العلماءِ لا يكرهونَ للمأمومِ ذلك ، وهو قولُ مالك وأحمدَ .
وقد خرَّج أبو داود (١) حديثًا يقتضي كراهته من حديث أبي رِمْثَةَ ، قال :
صلَّى بنا رسولُ اللهِ نَّهِ، وكانَ أبو بكرٍ وعمرُ يقومانِ في الصفِّ المقدَّمِ عن
يمينه، وكان رجلٌ قد شهدَ التكبيرةَ الأولَى من الصلاةِ، فصلَّى نبيُّ الله وَلِهِ ،
ثم سلَّم عن يمينه وعن يساره ، حتى رأيتُ بياضُ خديْه ، ثم انفتلَ ، فقامَ الرجلُ
الذي أدركَ التكبيرةَ الأولَى منَ الصلاةِ ليشفعَ ، فوثَبَ إليه عمرُ ، فأخذ بمَنْكِبِيهِ
فهزَّه ، ثم قالَ : اجلسْ ؛ فإنه لم يهلكْ أهلُ الكتابِ إلا أنه لم يكنْ بينَ صلاتِهم
فصلٌ، فرفعَ النبيُّ نَّهِ بصرَه، فقالَ: ((أصابَ اللهُ بكَ يا بن الخطاب)).
وهذا الحديثُ يدلُّ على كراهةٍ أن يَصِلَ المكتوبةَ بالتطوعِ بعدها من غيرِ
(١) (١٠٠٧).

٢٦٤
حديث : ٨٤٨
كتاب الأذان
فصلٍ ، وإن فصلً بالتسليمِ .
ويدلُّ عليه - أيضًا - : ما رَوى السائبُ بنُ يزيدَ ، قال : صليتُ مع معاويةً
الجمعة في المقصورةِ ، فلما سلمَ قمتُ في مقامي فصليتُ ، فلما دخلَ أرسلَ
إليَّ ، فقالَ : لا تعدْ لما فعلتَ ، إذا صليتَ الجمعة فلا تَصلُها بصلاةٍ حتى تتكلَّمَ
أو تخرجَ؛ فإن رسولَ اللهِ وَ لَه أمرَنَا بذلك، أن لا تُوصَلَ صلاةٌ بصلاةٍ حتى
نتكلم أو نخرجَ .
خرجه مسلمٌ (١) - بمعناه .
وروى حربٌ بإسناده ، عن عطاء ، أنه قالَ فيمن صلَّى المكتوبةَ : لا يصلّي
مكانَه نافلةً إلا أن يقطعَ بحديثٍ ، أو يتقدَّم أو يتأخرَ .
وعن الأوزاعيِّ ، قال: إنما يجبُ ذلك على الإمامِ ، أن يتحولَ من مُصَلاَّهُ.
قيل له : فما يجزئُ من ذلك ؟ قال : أدناه أن يُزيلَ قدمَيْه من مكانه . قيل له :
١
فإن ضاقَ مكانُه ؟ قال : فليتربَّع بعدَ سلامه ؛ فإنه يجزئُه .
وروى - أيضًا - بإسنادِهِ ، عن ابن مسعودٍ ، أنه كانَ إذا سلَّم قامَ وتحولَ
من مكانه غیرَ بعید .
قال حربٌ : وثنا محمدُ بنُ آدَمَ : ثنا أبو المليحِ الرقيُّ ، عن حبيبٍ ، قالَ :
كان ابنُ عمرَ يكرهُ أن يصلِّيَ النافلةَ في المكانِ الذي يصلّي فيه المكتوبةَ ، حتى
يتقدمَ أو يتأخرَ أو يتكلمَ .
وهذه الروايةُ تخالفُ روايةَ نافعٍ التي خرجها البخاريِّ .
وقد ذكر قتادةُ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه رأى رجلاً صلى في مقامِه الذي صلَّى
فيه الجمعة ، فنهاه عنه ، وقال : لا أراكَ تصلّ في مقامِك .
(١) ((الصحيح)) (١٧/٣).

٢٦٥
١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلاَهُ بَعْدَ السَّلَامِ
كتاب الأذان
قال سعيدٌ : فذكرتُه لابنِ المسيبِ ، فَقال : إنما يُكرَه ذلك للإمامِ يومَ
الجمعة .
وعن عكرمةَ ، قال : إذا صليتَ الجمعةَ فلا تَصِلْها بركعتينٍ حتى تفصلَ
بينهما بتحولٍ أو كلامٍ .
خرَّجهما عبدُ الرزاقِ(١) .
ومذهبُ مالك : أنه يُكرَه في الجمعة أن يتنفَّلَ في مكانِه من المسجد ، ولا
ينتقلُ منه وإن كان مأمومًا، وأما الإمامُ فيكرَه أن يصلَّيَ بعدَ الجمعةِ في المسجدِ
بكلِّ حالٍ .
وقد قالَ الشافعيُّ في ((سننِ حرملةَ)) : حديثُ السائبِ بنِ يزيدَ ، عن
معاويةَ في هذا ثابتٌ عندنا ، وبه نأخذُ . قالَ : وهذا مثلُ قوله لمن صلَّى وقد
أقيمتِ الصلاةُ: ((أصلاتَان معًا؟!)) كأنه أحبَّ أن يفصلَها منها حتى تكونَ
المكتوباتُ منفرداتٍ مع السلامِ بفصلٍ بعد السلامِ .
وقد رُوَيَّ أن النبيَّ ◌َِّ اضطجعَ بعدَ ركعتِي الفجرِ (٣).
وروى الشافعيَّ ، عن ابنٍ عيينةَ ، عن عَمْرٍو ، عن عطاءٍ ، عن ابنِ عباسٍ ،
أنه كان يأمرُ إذا صلى المكتوبةَ ، فأرادَ أن يتنفلَ بعدها أن لا يتنفلَ حتى يتكلمَ أو
يتقدمَ .
(١) ((المصنف)) (٢٤٩/٣ - ٢٥٠).
(٢) روى من طريقين عن عائشة .
الأول : من حديث عروة ، عن عائشة .
أخرجه أحمد (٤٨/٦، ٨٥، ١١٧، ١٢١، ١٣٢، ٢٠٤، ٢٥٤).
والبخاري (٦٢٦) ومسلم (١٥٩/٢) وليس فيه ذكر: ((الضجعة)).
الثاني : من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة .
أخرجه أحمد (٣٥/٦) والبخاري (١١٦١) ومسلم (١٦٨/٢).

٢٦٦
حديث : ٨٤٩ - ٨٥٠
كتاب الأذان
قال ابنُ عبد البرِّ : هذا حديثٌ صحيحٌ .
قال: وقال الشعبيَّ: إذا صليتَ المكتوبةَ ، ثم أردتَ أن تتطوعَ ، فاخطُ
خطوةً .
وخالف ابنُ عمرَ ابنَ عباسٍ في هذا، وقالَ : وأي فَصْلِ أفصَلُ منَ
السلام ؟
وقد ذكر الفقهاءُ من أصحابنا والشافعية : أن هذا كلَّه خلافُ الأولَى من غيرِ
كراهة فيه ، وحديثُ معاويةَ يدلُّ على الكراهةِ
قال البخاريُّ - رحمه الله - :
٨٤٩ - حَدَّثنا أبو الوليد: ثنا إبْرَاهيمُ بْنُ سَعْد: ثَنَا الزَّهْرِيَّ، عَنْ هنْدَ بَنْت
الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ كَانَ إِذَا سَلَّمَ مَكَثَ (١) فِي مَكَانِهِ
يَسِيراً .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنُرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِكِيْ يَتْفُدَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ .
٨٥٠ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَنَّا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ : حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَنَّ
ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنْنِي هِنْهُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
زَوْجِ النَِّّ ◌َ - وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا - ، قَالَتْ: كَانَ يُسَلِّمُ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ،
وو
فَيَدْخُلْنَ فِي (٢) بُيُوتِهِنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّه ◌ِله .
ثم ذكرَ رواياتٍ أخرَ عن الزهريِّ ، حاصلُها يرجعُ إلى قولينٍ في نسبةِ هندَ
بنت الحارثِ :
منهم مَن قال: ((الفراسيَّةُ)).
(١) في ((اليونينية)): ((يمكث)).
(٢) ((في)) ليست في ((اليونينية)).

٢٦٧
١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّهُ بَعْدَ السَّلاَمِ
كتاب الأذان
ومنهم مَن قال: ((القُرَشِيَّةُ)).
وقيل : إنها فراسيَّةٌ بالنسب ، قرشيَّةُ بالحلف ، كانت تحت معبدِ بنِ المقدادِ
بنِ الأسودِ .
وفي الحديثِ: دليلٌ على أن النبيَّ وَّ كان يمكثُ في المسجد بعد تسليمه
منَ الصلاةِ يسيراً ، وإنما كان يمكثُ بعدَ إقباله على الناس بوجهِه ، لا يمكثُ
مستقبلاً للقبلة ، وبهذا يجمعُ بين هذا الحديثِ والأحاديثِ المذكورةِ في البابِ
الماضي .
ويدلُّ على أنه كان يجلسُ قبلَ انصرافِه يسيرًا: ما خرَّجه مسلمٌ (١) من
حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ، قال: رمقتُ الصلاةَ معَ النبيِّ بِّهِ، فوجدتُ قيامَه ،
فركْعتَه ، فاعتدالَه بعدَ ركوعِه ، فسجدَتَه ، فجلستَه بينَ السجدتَين ، فسجدتَه ،
فجلستَه (٢) ما بينَ التسليمِ والانصرافِ قريبًا مِنَ السواءِ .
فهذا الحديثُ : صريحٌ في أنه كان يجلسُ بعدَ تسليمِه قريبًا من قدرِ ركوعِه أو
سجودِه أو جلوسِهِ بينَ السجدتينِ ، ثم ينصرِفُ بعدَ ذلك .
وخرج مسلمٌ - أيضًا (٣) - من حديث عائشةَ، قالتْ: كانَ النبيُّ وَّ إذا
سلَّم لم يقعدْ إلا مقدارَ ما يقولُ: ((اللهمَّ، أنتَ السلامُ، ومنكَ السلامُ، تباركتَ
ذَا الجلال والإكرامِ».
وقد سألَ أبو داودَ الإمامَ أحمدَ عن تفسيرِ حديث عائشةَ ، وهلِ المعنَى : أنه
يجلِسُ في مقعدِه حتى ينحرفَ ؟ قال : لا أدري .
فتوقَّف : هل المرادُ جلوسُهُ مستقبلَ القبلةِ يسيرًاً ؟
(١) (٢ / ٤٤ -٤٥) .
(٢) في الأصلين: ((فجلسته وجلسته))، وهو تكرار خطأ .
(٣) (٩٥/٢) .

٢٦٨
حديث : ٨٤٩ - ٨٥٠
كتاب الأذان
قال: وقال أبو يحيى الناقدُ: صليتُ خلفَ أبي عبدِ اللهِ - يعني: أحمدَ - ،
فكانَ إذا سلَّم منَ الصلاةِ لبثَ هُنَّةً ، ثم ينحرفُ . قال : فظننتُه يقولُ ما رُوي
عَنِ النبيِّ ◌َّدِ .
فحكى القاضي في كراهةِ جلوسِ الإمامِ مستقبل القبلةِ بعدَ سلامه يسيرًاً
روايتين عن أحمدَ .
والمنصوصُ عن أحمدَ في تكبير أيام التشريقِ : أن الإمامَ يكبِّرُ مستقبل القبلة
قبل أن ينحرفَ ، وحكاه عن النخَعيِّ .
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرِ : والعملُ على ذلكَ .
وهذا يدلُّ على أنه يستحبُّ الذكرُ اليسيرُ للإمام قبل انحرافه .
ومن المتأخرين من أصحابنا مَن قال: إنما يكبِّرُ الإمامُ بعد استقبالِه للناسِ ،
واستدلُّوا فيه بحديثٍ مرفوعٍ ، لا يصحُّ إسنادُه .
والمنقولُ عن السلفِ يدلُّ على أن الإمامَ ينحرِفُ عقبَ سلامه ، ثم يجلسُ
إن شاءَ .
روى عبدُ الرزاقِ في (( كتابه »(١) عن معمرٍ ، عن أبي إسحاقَ ، عن
أبي الأحوصِ، عنِ ابنِ مسعودٍ، قال: إذا سلَّم الإمامُ فليقمْ ولينحرِفْ (٢) عن
مجلسه . قلتُ : يجزتُه ينحرفُ عن مجلسه ويستقبلُ القبلةَ ؟ قال : الانحرافُ
يغرِّب أو يشرِّقُ ، عن غيرِ واحدٍ .
وكأن المسئولُ معمرًا . واللهُ أعلمُ .
وروى - أيضًا (٣) - بإسناده ، عن مجاهد، قال: ليس من السنة أن يقعدَ
(١) (٢/ ٢٤٢) .
(٢) في ((المصنف)): ((وإلا فلينحرف)).
(٣) (٢٤٣/٢) .

٢٦٩
١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلاَّهُ بَعْدَ السَّلاَمِ
کتاب الأذان
حتى يقومَ ، ثم يقعدُ بعدُ إن شاءَ .
وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، أنه كان يفعلُه .
وعن عطاءِ (١)، قال : قد كان يجلسُ الإمامُ بعدَ ما يسلُمُ - وأقولُ أنا :
[ التسليمُ: الانصراف ] (٢) - قدر ما ينتعل نَعْليه .
وعن عَبيدة ، أنه قال لما سمع مصعبًا يكبِّر ويهلِّلُ بعد صلاتِه مستقبل القبلة:
مالَه ، قاتَلَه اللهُ، نعار بالبدع (٣).
ويستثنى من ذلك : الجلوسُ بعدَ الفجرِ ؛ فإنه لو جلسَ الإمامُ بعدَ استقباله
الناسَ إلى أن تطلعَ الشمسُ كان حسنًا .
ففي ((صحيح مسلمٍ))(٤) عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ، أن النبيَّ وَّ كان لا يقومُ مِن
مصلاّهُ الذي يصلّي فيه الصبحَ أو الغداةَ حتى تطلُعَ الشمسُ ، فإذا طلعتْ قامَ .
وروى وكيعٌ بإسنادِهِ ، عن النخعيِّ، أنه كان إذا سلَّم قامَ ، إلا الفجرَ
والعصرَ . فقيل له في ذلك ؟ فقال : ليس بعدَهما صلاةٌ .
قال أحمدُ - في الإمامِ إِذا صلَّى يقومُ الفجرَ أو العصرَ - : أعجبُ إليَّ أن
ينحرفَ ، ولا يقومُ من موضعِهِ .
وكان أحمدُ إذا صلَّى بالناسِ الصبحَ جلسَ حتى تطلع الشمسُ .
فأما جلوسُهُ بعدَ الظهرِ ، فقال أحمدُ : لا يعجبني .
قال القاضي أبو يعلى : ظاهرُ كلامِه : أنه يستحبُّ بعد الصلاةِ التي لا يتطوَّع
بعدَها ، ولا يستحبُّ بعد غيرِها .
(١) (٢٤٦/٢) .
(٢) زيادة من ((المصنَّف)).
(٣) ابن أبي شيبة (١/ ٢٧٠) وقد تقدم .
(٤) (١٣٢/٢) .

٢٧٠
حديث : ٨٤٩ - ٨٥٠
کتاب الأذان
قال : وروى الخلالُ بإسناده ، عن عابدِ الطائيِّ ، قال : كانوا يكرهونَ
جلوسَ الإمامِ في مصلاهُ بعد صلاةٍ يصلَّى بعدها ، فإذا كانتْ صلاةٌ لا يصلَّى
بعدَها فإن شاءَ قامَ ، وإن شاءَ جلسَ .
وَحكي عن أصحابِ الشافعيِّ: أن المستحبُ للإمامِ أن يقومَ ولا يجلسَ في
كلِّ الصلواتِ .
وقد نصَّ الشافعيِّ في ((المختصر)) على أنه يستحبُّ للإمامِ أن يقومَ عقبَ
سلامِه إذا لم يكن خلفه نساءٌ .
فأما المأمومُ فلا يُكرَه له الجلوسُ بعدَ الصلاة في مكانه ، يذكرُ اللهَ ،
خصوصًا بعد الصبحِ والعصرِ ، ولا نعلمُ في ذلك خلافًا .
وقد صحَّ الحديثُ في أن الملائكةَ تصلِّي على العبدِ ما دامَ في مصلاه ، ما
لم يحدثْ، وقد سبقَ ذكرُهُ ، ووردت أحاديثُ في الجلوسِ بعدِ الصبحِ والعصرِ ،
وكان السلفُ الصالحُ يحافظونَ عليه .
ومتى أَطالَ الإمامُ الجلوسَ في مصلاهُ ، فإن للمأمومِ أن ينصرفَ ويترُكَه ،
وسواءٌ كان جلوسُه مكروهًا أو غيرَ مكروه .
قال ابنُ مسعودٍ : إذا فرغَ الإمامُ ولم يقمْ ولم ينحرِفْ، وكانت لك حاجةٌ
فاذهبْ ودَعْهُ ، فقد تمَّت صلاتُك .
خرَّجه عبدُ الرزاقِ (١) .
وذكر(٢) بإسناده (٣) عن عطاء ، قال : كلامُهُ بمنزلة قيامه ، فإن تكلَّم فليقمٍ
المأمومُ إن شاءَ .
(١) (٢٤٣/٢-٢٤٤) .
(٢) (٢٤٦/٢) .
(٣) في (( م)): ((بإسناد)).

٢٧١
١٥٧ - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَهُ بَعْدَ السَّلاَمِ
کتاب الأذان
وإن لم يطلِ الإمامُ الجلوسَ ، فالسنةُ أن لا يقومَ المأمومُ حتَّى يقومَ الإمامُ ،
كذا قال الزهريُّ والحسنُ وقتادةُ وغيرُهم .
وقال الزهريُّ (١): إنما جُعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به.
يشير إلى أن مشروعيةَ الاقتداءِ به لا تنقطعُ إلا بانصرافِه .
وفي «صحيحٍ مسلمٍ))(٢) عن أنسٍ، عنِ النبيِّ وَّ، قال: ((أيها الناسُ،
إني إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوعٍ ولا بالسجودِ ولا بالقيامِ ولا بالانصراف » .
وحديثُ أمِّ سلمةَ المخرجُ في هذا البابِ يدلُّ عليه؛ فإنَّ النبيَّ وَّ كان
يجلسُ يسيرًا حتى ينصرفَ النساءُ ، فلا يختلطُ بهنَّ الرجالُ ، وهذا يدلُّ على أن
الرجال كانوا يجلسونَ معه ، فلا ينصرفونَ إلا مع انصرافِه .
وقد رُوي ذلك صريحًا في هذا الحديث :
خرَّجه البخاريُّ(٣) فيما بعدُ من رواية يونُسَ ، عن ابنٍ شهابٍ ، ولفظُه : إن
النساءَ كنَّ إذا سلَّمن منَ الصلاة قُمْنَ وثبتَ رسولُ اللهِ إِ لّهِ وَمَنْ معَه(٤) من
الرجالِ ما شاءَ اللهُ، فإذا قامَ رسولُ اللهِوَّ قَامَ الرجالُ.
وفي هذا الحديث : دليلٌ على أن النبيَّ وَّ لم يكن يدعُو بعد فراغٍ صلاتِه
دعاءً عامًّا للمأمومينَ ؛ فإنه لو كان كذلك لاشتركَ في حضورِه الرجالُ والنساءُ ،
كما أمرَ بشهودِ النساءِ العيدينِ حتَّى الحُيَّضِ، وقال: ((يشهدنَ الخيرَ ودعوة
المسلمينَ))، فلو كان عقبَ الصلاةِ دعاءٌ عامٌّ لشهده النساءُ مع الرجالِ - أيضًا .
وقال الشافعيُّ في ((الأم))(٥) : فإنْ قامَ الإمامُ قبلَ ذلك ، أو جلسَ أطولَ من
(١) عبد الرزاق (٢٤٤/٢) .
(٢) (٢٨/٢) .
(٣) (٨٦٦) .
(٤) في البخاري: ((ومن صلى)).
(٥) (١١١/١).

٢٧٢
حديث : ٨٤٩ - ٨٥٠
کتاب الأذان
ذلك ، فلا شيءَ عليه . قال : وللمأمومِ أن ينصرفَ إذا قضى الإمامُ السلامَ قبلَ
قيامِ الإمامِ ، وتأخيرُه حتى ينصرفَ بعدَ انصرافِ الإمامِ أو معه أحبُّ إليَّ .
وظاهرُ كلامٍ كثيرٍ منَ السلفِ : كراهةُ ذلك ، كما تقدَّمَ .
وفي ((تهذيب المدونة )) للمالكيةِ : ولا يقيمُ الإمامُ في مصلاه إذا سلَّم ،
إلا أن يكون في سفرٍ أو فنائه ، وإن شاء تنحِّى وأقام .

٢٧٣
١٥٨ - بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةٌ فَتَخَطَّهُمْ
کتاب الأذان
١٥٨ - بَابٌ
مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ
٨٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ: ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ :
أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِوَهَ بِالْمَدِينَةِ
الْعَصْرَ ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَغَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ
النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجٍ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: (( ذَكَرْتُ
شَيْئًا مِنْ تِبْرِ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ)).
فيه : دليلٌ على أن الإسراعَ بالقيامِ عقبَ السلامِ من غير تمهُّلٍ لم يكن من
عادة النبيِّ ◌َّهِ، ولهذا تعجّبُوا من سرعتِه في هذه المرةِ ، وعِلِمَ منهم ذلك ،
فلذلك أعلمهم بعذرِه .
وفيه : دليلٌ على أن التخطّيَ للإمامِ لحاجةٍ جائزٌ ، وإن كان بعد فراغِه من
الصلاة ، كما له أن يتخطَّى الصفوفَ في حال دخوله - أيضًا - ، وأما غيره ،
فيگره له ذلك .
وظاهرُ كلامِ أحمدَ أنه يُكرَه للإمام - أيضًا :
قال إسحاقُ بنُ هانئٍ : سألتُ أبا عبدِ اللهِ عنِ الرجلِ يصلّي بالقوم ، فإذا
فرغَ من الصلاةِ خرجَ من بينِ رَجُلَيْن ، أفهو مُتَخَطُّ ؟ قال : نعم ، وأحبُّ إلىُّ أن
يتنحَّى عن القبلةِ قليلاً حتى ينصرفَ النساءُ ، فإنْ خرجَ معَ الحائطِ فهذا ليس
بمُتَخَطِّ .
وظاهرُ هذا : كراهةُ تخطّيهم للإمامِ ، وقد يكون مرادُه : إذا لم يكن له
حاجةٌ تدعوه إلى ذلك .

٢٧٤
حديث : ٨٥١
كتاب الأذان
والتِبْر : هو قِطَعُ الذهبِ قبل أن يُضْرَب .
والظاهرُ : أنه كان مِن مال الصدقةِ أو غيرِها من الأموالِ التي يجبُ قسمتها
على المساكينِ ونحوِهم .
وقد خرَّجه البخاريُّ في موضعٍ آخر (١)، وذكر فيه : أنه كانَ تِبرًا من
الصدقة، وقال : ((كرهتُ أن أبيته، فقسمتُهُ )).
(١) (١٢٢١) (١٤٣٠) (٦٢٧٥) .

٢٧٥
١٥٩ - بَابُ الانْفِتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ
كتاب الأذان
١٥٩ - بَابُ
الانْتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالسِّمَالِ
وَكَانَ أَنَسٌ يَتْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ ، وَيَعِيِبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى - أَوْ يَعْمَدُ -
الانْفَالَ عَنْ يَمِينِهِ .
الانفتالُ : هو الانحراف عن جهة القبلةِ إلى الجهةِ التي يجلسُ إليها الإمامُ
بعد انحرافه ، كما سبق ذكره .
وحكمُهُ : حكمُ الانصرافِ بالقيامِ من محلِّ الصلاةِ .
وقد نصَّ عليه إسحاقُ وغيرُه .
وقد ذكرَ البخاريُّ ، عن أنسٍ ، أنه كان ينفتِلُ عن يمينه ويَسارِهِ ، ويعيبُ
على من يتوخَّى الانفتالَ عن يمينِهِ - يعني : يتحرََّه ويقصدُه .
وفي ((مسند الإمامِ أحمدَ )) (١) من روايةٍ أبي الأوبرِ الحارثيِّ، عن أبي هريرةَ،
قال: كانَ النبيُّ وَِّ ينفتلُ عن يمينِه [ وشماله .
وخرج الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه(٢) من حديث عمرو بنِ شعيبٍ ، عن أبيه ،
عن جدِّه، قال: رأيتُ النبيَّ وَهِ ينفتلُ عن يمينِهِ ](٣) وعن يسارِه في الصلاةِ.
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: ((ينصرِفُ)) بدلَ: ((ينفتِلُ)).
وخرَّج مسلمٌ (6) في هذا الباب حديثَ البراءِ بنِ عازبٍ ، قال : كنَّا إذا صليْنَا
خلفَ رسولِ اللهِ وََّ أحْبَيْنا أن نكونَ عن يمينه فيقبلُ علينا بوجهِهِ.
(١) (٢/ ٢٤٨) .
(٢) أحمد (١٧٤/٢ -١٧٨ - ١٧٩ -١٩٠-٢٠٦-١٢٥) وابن ماجه (٩٣١).
(٣) سقط من (( هـ)).
(٤) (٢ / ١٥٣) وتقدم.

٢٧٦
١٥٩ - بَابُ الانْتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ
كتاب الأذان
وخرَّجه من رواية أخرى ليس فيها : ((ثم يقبل علينا بوجهه)) .
ولكن رُوي تفسيرُ هذه اللفظةِ بالبداءةِ بالتفاتِه إلى جهةِ اليمينِ بالسلامِ .
خرجه الإسماعيليُّ في ((حديث مسعرٍ من جَمْعِه))، ولفظُه : كان يعجبُنَا أن
نُصليَ مما يلي يمينَ رسولِ اللهِ وَّهِ، لأنَّه كان يبدأُ بالسلامِ عن يمينه .
وفي روايةٍ أخرَى له : أنه كانَ يبدأُ بمَنْ على يمينِهِ ، فيسلِّمُ عليه .
قال أبو داودَ : كان أبو عبدِ اللهِ - يعنى: أحمدَ - ينحرفُ عن يمينه .
وقال ابنُ منصورٍ : كان أحمدُ يقعدُ ناحيةَ اليسرَى ، ويتساندُ .
قال القاضي أبو يعلَى: وهما متفقان ؛ لأنه إذا انحرفَ عن يمينِه حصلَ
جلوسُهُ ناحيةَ يسارِهِ .
قال : وقال ابنُ أبي حاتم: سمعتُ يقولُ(١): تدَبَّرتُ الأحاديثَ التي رُويتْ
في استقبالِ النبيِّ وَِّ الناسَ بوجهِه، فوجدتُ انحرافَه عن يمينه أثبتَ .
وقال ابنُ بطةَ من أصحابِنا : يجلسُ عن يسرةٍ (٢) القبلةِ .
ونقل حربٌ ، عن إسحاقَ ، أنه كان يُخَيِّرُ في ذلك كالانصرافِ .
والشافعيةِ وجهانِ : أحدُهما : التخييرُ كقولِ إسحاقَ . والثاني : أن الانفتالَ
عن يمينه أفضلُ .
ثم لهم في كيفيَّتَه وجهانِ :
أحدهما - وحكَوْه عن أبي حنيفةَ - : أنه يدخل يمينَه في المحرابِ ويسارَه
إلى الناسِ ، ويجلسُ على يمينِ المحرابِ .
والثاني - وهو أصحُّ عند البغويِّ وغيرِه - : بالعكسِ .
(١) كذا، ولعل الصواب: ((سمعت أبي يقول)).
(٢) في الأصلين: ((سيرة)).

٢٧٧
١٥٩ - بَابُ الانْفِتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ
كتاب الأذان
واستدلُّوا له بحديث البراءِ بنِ عازبِ الَّذي خرجه مسلمٌ (١).
وأما الانصرافُ : فهو قيامُ المصلِّي وذَهابُهُ من موضعٍ صلاتِه إلى حاجتِه ،
فيذهبُ حيثُ كانت حاجتُهُ ، سواءٌ كانت من جهة اليمين أو اليسارِ ، ولا يستحبّ
له أن يقصدَ جهةَ اليمينِ مع حاجتِهِ إلى غيرِها ، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ ، ورُوي
عن عليٌّ وابنٍ مسعودٍ وابنِ عمرٍ(٢) والنخَعيِّ وعطاءٍ والشافعيِّ وأحمد وإسحاقَ .
وإنما كان أكثرُ انصرافِ النبيِّ وَِّ عن يسارِهِ ؛ لأن بيوتَه كانتْ مِن جهة
اليسارِ .
وقد خرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣) مصرحًا بذلك من رواية [ ابن ] إسحاقَ ، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ ، عن أبيه، أن ابنَ مسعودٍ حدثَه، أن النبيِّ وَّ كان
عامةَ ما ينصرفُ من الصلاةِ على يسارِهِ إلى الحجراتِ .
فإن لم يكن له حاجةٌ في جهةٍ من الجهاتِ ، فقال الشافعي وكثيرٌ من
أصحابنا : انصرافُه إلى اليمينِ أفضلُ؛ فإن النبيَّ وَّ كان يعجبُه التيمنُ في شأنه
كلّه .
وحمل بعضُهم على ذلك حديثَ السُّدِيِّ ، قال : سألتُ أنسًا : كيف أَنْصَرِفُ
إذا صليتُ عن يميني أو عن يساري؟ فقال: أمَّا أنا فأكثرُ ما رأيتُ النبيَّ وَله
ينصرفُ عن يمينه .
خرجه مسلمٌ (٤).
* (٤)
والسدِّيُّ ، هو : إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، وقد تكلّم فيه غيرُ واحدٍ ،
(١) (٢ / ١٥٣) .
(٢) أخرجه عنهم عبد الرزاق (٢٤١/٢) .
(٣) (٤٠٨/١ - ٤٥٩) .
(٤) (٢ / ١٥٣) .

٢٧٨
١٥٩ - بَابُ الانْفَتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ
کتاب الأذان
ووثَّقه أحمدُ وغيرُه . وعن يحيى فيه روايتانِ .
ولم يخرجْ له البخاريُّ ، وأظنه ذكرَ هاهنا الأثرَ الذي علَّقه عن أنسٍ ليعلِّل به
هذَا الذي رواه عنه السدِّيُّ . واللهُ أعلمُ .
وحكى ابنُ عبدِ البرِّ ، عن الحسنِ وطائفة من العلماءِ : أن الانصرافَ عن
اليمينِ أفضلُ .
وقد حكاه ابنُ عمرَ عن فلان ، وأنكرَه عليه ، ولعلَّه يريدُ به ابنَ عباسٍ -
ے
رضي الله عنهما .
وسئل عطاءٌ (١): أيهما يستحبُّ ؟ قال : سواءٌ ، ولم يفرِّق بينَ أن يكونَ له
حاجةٌ ، أوْ لاَ .
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والنسائي(٢) من حديث عائشةَ، أن النبيَّ وَِّ كانَ
ينصرفُ عن يمينه وشماله .
وهوَ من روايةٍ بقيةً، عن الزبيديِّ ، أن مكحولاً حدَّثْه ، أن مسروقَ بنَ
الأجدعِ حدَّثْه ، عن عائشةَ .
وهذا إسنادٌ جيدٌ .
لكن رواه عبدُ اللهِ بنُ سالمِ الحمصيُّ - وهوثقةٌ ثبتٌ - ، عن الزبيديِّ ، عن
سليمانَ بنِ موسَى ، عن محكولٍ بهذا الإسنادِ .
قال الدار قطنيُّ : وقولُه أشبهُ بالصوابِ .
وسليمانُ بنُ موسى ، مختلَفٌ في أمرِه .
وروى قبيصةُ بنُ الهُلْبِ(٣)، عن أبيه، قال: كان رسولُ اللهِ وَهِ يَؤُمُّنَا،
(١) عبد الرزاق (٢٤١/٢).
(٢) أحمد (٨٧/٦) والنسائي (٨١/٣-٨٢).
(٣) في الأصلين: ((المهلب)) خطأ.

٢٧٩
١٥٩ - بَبُ الانْفِتَالِ وَ الانْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَالِ
کتاب الأذان
فينصرفُ على جانبيه جميعًا ، عن يمينه وشماله .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه والترمذيُّ (١).
وقال : حديثٌ حسنٌ ، وعليه العملُ عندَ أهلِ العلمِ .
قال: وصحَّ الأمرانِ عنِ النبيِّ وَّهِ .
،
(١) أحمد (٢٢٦/٥-٢٢٧) وأبو داود (١٠٤١) وابن ماجه (٩٢٩) والترمذي (٣٠١).

٢٨٠
حديث : ٨٥٣
كتاب الأذان
١٦٠ - بَابٌ
:
مَا جَاءَ فِي الُّومِ النَّيِّءٍ وَالْبَصَلِ وَالْكُرََّثِ
وَقَوْلِ النَّبِّنَِّ: (( مَنْ أَكَلَ الثَّوْمَ وَالْبَصَلَ، مِنَ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ
مَسْجِدَنَا )) .
خرَّج فيه : عن ابنِ عُمر ، وجابرٍ ، وأنسٍ :
فأما حدیثُ ابن عُمر :
فقالَ :
٨٥٣ - ثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللّه: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ
الَِّيَّ ◌ِ﴿ قَالَ - فِي غَزْوَةٍ خَيْيَرَ - : ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي : الثُّمَ - قَلاَ
يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا )) .
وخرَّجه مسلمٌ(١)، ولفظُهُ: ((فلا يقربنَّ المساجدَ ».
وهذا صريحٌ بعمومِ المساجدِ ، والسياقُ [ يدلُّ ] (٢) عليه ؛ فإنه لم يكنْ
بخييرَ مسجدٌ بُنِي للنبيِّ ◌َِّ، إنما كانَ يصلِّي بالناسِ في موضعٍ نزولِهِ منْها .
وقد رُوي ، أنه اتخذَ بها مسجدًا ، والظاهرُ : أنه نصبَ أحجارًا في مكانٍ ،
فكان يصلّي بالناسِ فيه ، ثم قد نهَى مَن أكل الثومَ عن قربانِ موضعٍ صلاتِهم .
يدل عليه: ما خرَّجه مسلمٌ (٣) من حديث أبي نضرةَ ، عن أبي سعيدٍ ، قال:
لم نعدُ أن فُتحتْ خيبرُ، فوقعنا أصحابَ رسولِ اللهِ بَّه في تلكَ البقلةِ الثُّومِ ،
(١) ((الصحيح)) (٧٩/٢) بغير هذا اللفظ، وفيه: ((فلا يأتينَّ المساجد ».
وفيه أيضاً: ((فلا يقربنَّ مساجدنا))، وفيه من حديث أبي هريرة (( فلا يقربنَّ مسجدنا)).
(٢) زيادة مني .
(٣) (٢/ ٨٠).