النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
١٤٨ - بَابُ الََّهُدِ فِي الآخِرَةِ
کتاب الأذان
والأفضلُ عند مالكِ تشهدُ عمرَ بنِ الخطابِ، وقد ذكرَه في ((الموطإ )»(١)
موقوفًا على عمرَ، أنه كان يعلِّمه الناسَ على المنبرِ، يقولُ: قولُوا: ((التحياتُ للّه،
الزَّاكيات للّهِ، الصلواتُ للّهِ » وباقيه كتشهدِ ابنِ مسعودٍ .
وإليه ذهبَ الزهريُّ ومعمرٌ .
وقد رُوي عن عمرَ مرفوعًا (٢) من وجوهِ لا تثبتُ . واللهُ أعلمُ .
وطائفةٌ من علماءِ الأندلسِ اختاروا تشهدَ ابنِ مسعودٍ(٣)، وكان يقالُ عنه : إنه
لم يكنْ بالأندلسِ مَنِ اجتمعَ له علمُ الحديثِ والفقهِ أحدٌ قبله مثلَه .
وقد رُوي من حديثٍ سلمانَ الفارسيِّ، أن النبيَّ ◌َِّ علَّمه التشهدَ حرقًا
حرفًا - فذكرَ مثلَ حديثِ تشهدِ ابنِ مسعودٍ سواءً، قال: ثم قال: (( قلها
يا سلمانُ في صلاتك، ولا تزد فيها حرفًا ، ولا تنتقصْ منها حرفًا )).
خرجه البزارُ في (( مسنده »(٤).
وفي إسناده ضَعفٌ . والله أعلم.
(١) (ص ٧٧) .
(٢) خرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١٢٨) وإسناده مسلسل بالضعفاء.
(٣) الظاهر أن سقطًا وقع هاهنا، وقد يكون اسم أحد علماء الأندلس . واللَّه أعلم .
(٤) ((البحر الزخار)) (٢٥٣٥).

١٨٢
حديث : ٨٣٢ - ٨٣٣
کتاب الأذان
١٤٩ - بَابُ
الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلاَمِ
فيه حديثان :
الأولُ :
٨٣٢ - حَدِّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَا عُرْوَةُ، عَنْ عَائشَةَ
أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ كَانَ يَدْعُو في الصَّلاَة: ((اللَّهُمَّ، إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا
وَفَْةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ، إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المِأَنَمِ والمَغْرَمِ))، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَمَا
تَسْتَعِيدُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّالرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ )) .
٨٣٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةٌ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَِّيَّ
وَ يَسْتَعِدُ فِي صَلاَتِهِ مِنْ فِئَةِ الدَّجَّالِ.
إنما في هذا الحديثِ أنه كان يدعُو بذلكَ في صلاته ، وليس فيه أنه كان
يَدعُو به في تشهدِهِ قبلَ السلامِ ، كما بوَّب عليه .
وقد روَى مسروقٌ، عن عائشةَ في ذكر عذابِ القبرِ ، أن النبيِّ نَّ لم يصلِّ
صلاةٌ بعد ذلك إلا تعوَّذَ مِن عذابِ القبرِ .
وقد خرجه البخاريُ (١) في موضعٍ آخرَ .
وخرَّجه النسائيُّ (٢) من روايةٍ جَسْرَةَ بنتِ دَجَاجةَ، عن عائشةَ ، وفي
حديثها : أنه كان يقولُ ذلكَ في دبرِ كلِّ صلاةٍ .
وهذا يدلُّ على أنه كان يقولُه في تشهده .
(١) (٦٣٦٦) .
(٢) (٧٢/٣) .

١٨٣
١٤٩ - بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلاَمِ
كتاب الأذان
ويستدلُّ على ذلك - أيضًا - بحديثٍ آخرَ ، خرجه مسلمٌ (١) من رواية
الأوزاعيِّ ، عن حسانِ بنِ عطيةَ ، عن محمدِ بنِ أبي عائشةَ ، عن أبي هريرةَ -
وعن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ -، عن النبيِّ الَّر،
قالَ : ((إذا تشهدَ أحدُكم فليستعذ باللهِ منْ أربعٍ ، يقولُ: اللَّهم ، إني أعوذُ بكَ من
عذابٍ جهنّمَ ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيحِ
الدجال )) .
وفي روايةٍ له (٢) بالطريق الأول خاصةً: ((إذا فرغَ أحدُكم منَ التشهد
فليقلْ)).
وفي روايةِ أخرَى(٣) له - أيضًا -: ((التشهد الأخيرِ)).
وخرج - أيضًا (٤) - من رواية هشامٍ ، عن يحيى ، عن أبي سلمةَ ، عن
أبي هريرةَ، أن النبيَّ وَّ كان يتعوذ من ذلك - ولم يذكرِ: الصلاةَ.
وكذلك خرَّجه البخاريُّ في (( الجنائزِ ))(٥) من رواية هشامٍ .
وهذا يدلُّ على أن روايةَ الأوزاعيِّ حملَ فيها حديثَ يحيى ، عن أبي سلمةَ
على لفظِ حديثِ حسانٍ ، عن ابنِ أبي عائشةً ، ولعلَّ البخاريَّ لم يخرِّجه لذلك؛
فإن المعروفَ ذكرُ الصلاةِ في روايةِ ابنِ أبي عائشةَ خاصةً ، ولم يخرجْ له
البخاريِّ .
وخرج أبو داودَ (٦) من رواية عُمر بنِ يونُس اليماميِّ : حدثني ابنُعبدِ اللهِ
(١) (٩٣/٢) .
(٢) ((الصحيح)) (٢/ ٩٣).
(٣) ((الصحيح)) (٢/ ٩٣).
(٤) ((الصحيح)) (٢/ ٩٣ - ٩٤).
(٥) (١٣٧٧) .
(٦) ((السنن)) (٩٨٤).

١٨٤
حديث : ٨٣٢ - ٨٣٤
كتاب الأذان
ابنِ طاوسٍ، عن أبيه ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ وَّ، أنه كانَ
يقولُ بعدَ التشهدِ : ((اللهمَّ ، إنِّي أعوذُ بكَ منْ عذابِ جهنّم ، ومن عذابِ القبرِ ،
وأعوذُ بكَ من فتنة المحيا والممات ، وأعوذُ بك من فتنة الدجال)) .
وروى مالكٌ(١)، عن أبي الزبير، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيّ وَجّ
كانَ يعلِّمُهم الدعاءَ كما يعلمُهم السورةَ منَ القرآنِ - فذكرَه ، ولم يذكرِ: الصلاةَ .
وخرَّجه من طريقهِ مسلمٌ (٢).
وكذلك خرَّج - أيضًا - من طريقِ ابنِ عيينةً ، عن ابنِ طاوسٍ ، عن أبيه ،
عن أبي هريرةَ - ومن طريقِ عَمرو بنِ دينارٍ ، عن طاوُسٍ ، عن أبي هريرةَ - ،
عنِ النبيِّ وَّةِ، أنه كانَ يأمرُ بهذا التعوذِ، ولم يذكرِ : الصلاةَ - أيضًا.
وذكر مسلمٌ ، أن طاوُسًا كان يَروي هذا الحديثَ عن ثلاثة ، أو عن أربعة ،
وأنه أمر ابنَه أن يعيدَ الصلاةَ حيثُ لم يتعوذْ فيها من ذلك .
وخرجه الحاكمُ (٣) من طريق ابنِ جريجٍ ، عن ابنِ طاوسٍ ، عن أبيه ، عن
عائشةَ، عن النبيِّ وَلِّ .
وذكر الدار قطنيُّ أن ابنَ طاوُسٍ كان يرويه ، عن أبيه - مرسلاً .
وسماعُ عائشةَ دعاءَ النبيِّ وََّ في صلاتِه يدلُّ على أنه كان أحيانًا يُسمِعُ من
يليه دعاءَه ، كما كان أحيانًا يُسمعُ من يليه الآيةَ مِنَ القرآن.
الحديثُ الثانِي :
٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَةُ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ
(١) مالك في ((الموطإ)) (ص ١٥٠) وأبو داود (١٥٤٢).
(٢) مسلم (٢/ ٩٤).
(٣) ((المستدرك)) (٥٤١/١) من غير هذا الطريق من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة به .

١٨٥
١٤٩ - بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلامِ
کتاب الأذان
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيْقِ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهُ: عِلِّمْنِي دُعَاءٌ
أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَِّي. قَالَ: ((قُلْ: اللَّهُمَّ، إِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلِمَا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ إِلَّ أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَأَرْحَمْنِي ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ )).
وهذا الحديثُ - أيضًا - إنما فيه : ذكرُ الدعاءِ في الصلاةِ من غيرِ تخصيصٍ
بالتشهد ، وقد سبقَ ذكرُ الدعاءِ في الركوعِ والسجودِ والاختلافِ فيه .
والكلامُ على الاختلافِ في إسنادِ هذا الحديثِ ، وفِي بعضِ ألفاظِه وفي
معانيه يأتي في موضعٍ آخرَ - إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى .

١٨٦
حديث : ٨٣٥
كتاب الأذان
١٥٠ - بَابُ
مَا يَتَخَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُّدِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبِ
٨٣٥ - حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَخْتَى، عَنِ الأَعْمَشِ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ،
قَالَ : كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَِّّ ◌َ فِي الصَّلاَةِ، قُلْنَا: السَّلَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ
عَلَى فُلاَنِ وفُلاَنٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ : ((لاَ تَقُولُوا السَّلَمُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّاللَّهَ هُوَ
السَّلاَمُ، وَكِنْ قُولُوا: التَّحْيَاتُ للَّهِ وَالصَّلَوَتُ وَالطََّاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا
النَِّيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَانُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلُمْ
ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحِ(١) فِي السَّمَاءِ - أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ -، أَشْهَدُ أَلَّ
إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لَيَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ
إِلَيِّهِ ، فَيَدْعُو )) .
وقد سبقَ في روايةٍ للإمامِ أحمدَ التصريحُ بأنَّ هذا الدعاءَ إنما هو في التشهدِ
الأخيرِ خاصةً ، فأما التشهدُ الأولُ فلا يدعو بعده عندَ جمهورِ العلماءِ ، ولا يزادُ
و
عليه عند أكثرِهم ، حتى قالَ الثوريُّ - في روايةٍ عنه - : إنْ فعلَ ذلك عمدًا
بطلتْ صلاتُه .
إلا أنَّ الشافعيَّ - في الجديدِ - قالَ: يصلِّي فيه علَى النبيِّ نَّهِ وحدَه دونَ
آله .
وقال مالكٌ : يُدعى فيه كالتشهدِ الأخيرِ .
ورُوي عن ابنِ عِمرَ .
وخرج النسائيُّ (٢) من حديث سعدِ بنِ هشامٍ، عن عائشةَ، أن النبيّ اَل
(١) ((صالح)) ليست في ((اليونينية)).
(٢) ((السنن)) (٢٤١/٣).

١٨٧
١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُد
كتاب الأذان
كان يصلّي من الليل تسعَ ركعاتٍ ، لا يجلسُ فيهنَّ إلا عند الثامنة ، فيحمدُ اللهَ
ويثني على نبيِّهِ وََّ، ويدعُو بينهُنَّ، ولا يسلِّمُ، ثم يصلِّي التاسعةَ ويقعدُ ،
ويحمدُ اللهَ ويصلّي على نبيِّهِوََّ، ويدعو، ثم يسلّمُ تسليمًا يُسْمِعُنَا .
وحمل بعضُ أصحابنا هذا على أنه وَِّ كان يفعلُه أحيانًا في صلاة النفلِ ؛
لبيان الجوازِ دونَ الاستحبابِ .
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ (١) من حديث أبي عبيدةً ،
عن أبيه عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، أن النبيَّ وَّ كان في الركعتينِ كأنَّه على الرضفِ
حتى يقومَ .
وحسَّنَّه(٢).
وأبو عبيدةً ، وإن لم يسمعْ من أبيه ، إلا أن أحاديثَه عنه صحيحةٌ ، تلقَّاها
عن أهلِ بيتِه الثقاتِ العارفينَ بحديث أبيه - : قالهُ ابنُ المدينيِّ وغيرُه .
ورُوي عن أبي بكرِ الصديقِ نحوُ ذلكَ (٣).
فأما الدعاءُ قَبَل السلامِ في التشهدِ الأخير ، فإنه مشروعٌ بغير خلاف .
وحكى ابنُ المنذرِ ، عن الحسنِ ، أنه كَرِهِ الدعاءَ في المكتوبةِ ، وأباحَه في
(٤)
التطوعِ(٤).
ولعلَّه أراد في غير التشهدِ .
وقد دلَّ عليه حديثُ ابنُ مُسعودِ هذا ، وليس هو بواجب كما ذكره البخاريّ،
ومنَ العلماءِ مَن حكى الإجماعَ على ذلك .
(١) أحمد (٣٨٦/١، ٤١٠، ٤٢٨، ٤٣٦، ٤٦٠) وأبو داود (٩٩٥) والترمذي (٣٦٦)
والنسائي (٢٤٣/٢).
(٢) يعني : الترمذي .
(٣) خرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٣/١).
(٤) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٤٥/٣).

١٨٨
حديث : ٨٣٥
كتاب الأذان
وقد يستدلُّ له بما روى الحسنُ بنُ الحُرِّ ، عن القاسمِ بنِ مخيمرةَ ، قال :
أخذ علقمةُ بيدي، فحدثني أن ابنَ مسعودٍ أخذ بيدهٍ(١)، وأن رسولَ اللهِ وَلِ أخذَ
بيده (١)، فعلَّمه التشهدَ في الصلاةِ - فذكرَه إلى آخرِه ، ثم قَال : إذا قلتَ هذا -
أو قضيتُ هذا - فقد قضيتَ صلاتَك ، فإن شئتَ أن تقوم فقُمْ ، وإن شئتَ أن
تقعدَ فاقعدْ .
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (٢).
وقال إسحاقُ بنُ راهويه: صحَّ هذا عن النبيِّ ◌ِلآ
وهذا ظاهرٌ في أن ما بعدَ التشهدِ ليس بواجبٍ ، ولكن قد قيلَ : إن القائلَ :
((إذا قلتَ هذَا)) إلى آخره، هو ابنُ مسعودٍ ، وليس مرفوعًا - ؛ كذلك قاله
الدار قطنيُّ وأبو عليٍّ النيسابوريُّ والبيهقيُّ وأبو بكرِ الخطيبُ وغيرُهم من الحفاظِ.
وعلي هذا التقديرِ ، فإذا قال ابنُ مسعودٍ هذا ، وهو راوي الحديث الذي
فيه: (( ثم ليتخيرْ منَ الدعاء)) دلَّ على أنه فهِمَ من ذلك الاستحبابَ دونَ
الوجوبِ ؛ ولهذا ردَّه إلى اختيارِهِ ومشيئته وإعجابِه ، وراوي الحديثِ أعلمُ بمعنَى
ما روَى ، فيرجعُ إليه في فهمٍ ذلك .
وقد سبق عن طاوسٍ : ما حكاه عنه مسلمٌ ، أنه بلغَه عنه ، أنه أمرَ ابنَه
بالإعادةِ إذا لم يتعوذْ في صلاتِه من تلك الأربع(٣).
وحكَي بعضُ أصحابِنا وجّها لهم بمثلِ ذلك .
وحُكي عن أبي طالبٍ ، عن أحمدَ ، أنه قال : من ترك شيئًا من الدعاءِ في
الصلاة عمدًا يعيدُ .
وقولُهُ : (( ثم ليتخير من الدعاء أعجبَه إليه فيدعو ))، يستدلُّ به على أنه يجوزُ
(١) في الأصلين: ((بيديه))، والمثبت من ((المسند)) و(السنن)).
(٢) أحمد (٤٢٢/١) وأبو داود (٩٧٠) .
(٣) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٤).

١٨٩
١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ الَّشَهُد
كتاب الأذان
الدعاءُ في الصلاة بما لا يوافقُ لفظُه لفظَ القرآن ، وعامةُ الأدعيةِ المروية عن
النبيِّ وَِّ في صلاته كذلكَ، وقد سبقَ في الباب الماضي بعضُ ذلك.
وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ ، خلافًا لأبي حنيفةَ والثوريٌّ في قولِهما : لا يدعُو
في صلاته إلا بما يوافقُ لفظَ القرآنِ ، فإن خالفَ بطلتْ صلاتُه .
وحكى أصحابُ سفيانَ الثوريِّ مذهبَه كذلكَ .
والصحيحُ - المنصوصُ عنْ أحمدَ - : أنه يجوزُ الدعاءُ بما يعودُ بمصلحة
الدينِ بكل حالٍ ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ .
وفي ((سنن أبي دوادَ )) (١) أن النبيَّ ◌ِ ◌ّ قال لرجلٍ: ((كيفَ تقولُ في
الصلاة ؟)) قال : أتشهَّدُ، ثم أقولُ: اللهمَّ، إني أسألُكَ الجنةَ، وأعوذُ بكَ
من النارِ، أمَا إنِّي لا أحسنُ دِنْدَنَتَكَ ولا دندنةَ معاذ، قال النبيُّ وَّ: ((حَوْلَها
نُدَنّدنُ )).
وهذا يشعر بأنه يجوزُ الدعاءُ بمصالح الآخرةِ بأي لفظٍ كان .
واختلفوا : هل يجوزُ الدعاءُ في الصلاة بالمصالحِ الدنيويةِ خاصةً ؟
فقالتْ طائفةٌ : يجوزُ ، منهم : عروةُ ومالكٌ والشافعيُّ ، وحُكي روايةٌ عن
أحمدَ ، واستدلُّوا بعمومٍ حديثِ ابنِ مسعودٍ .
وقالت طائفةٌ: لا يجوزُ ذلكَ ، وهو المشهورُ عن أحمدَ ، واختارَه أبو محمد
الجوينيُّ من الشافعيةِ .
وإنما هذا فيما لم يردِ النصَّ بمثلِه كالرزقِ والعافيةِ والصحةِ ونحو ذلك مما
وردَ الدعاءُ به في الأخبار في الصلاةِ وغيرِها ، فإنه يجوزُ الدعاءُ به في الصلاة ،
وإنما الممنوعُ طلبُ تفاصيلِ حوائجِ الدنيا ؛ كالطعامِ الطيبِ والجاريةِ الوضيئةِ
(١) (٧٩٢، ٧٩٣) .

١٫٩٠
حديث : ٨٣٥
کتاب الأذان
والثوبِ الحسنِ ونحو ذلك ، فإن هذا عندهم من جنسٍ كلامِ الآدميينَ الذي قال
فيه النبي ◌ُّ: ((إن صلاتنا هذهِ لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلامِ الناسِ)).
ولا فرقَ في استحبابِ الدعاءِ بينَ الإمامِ والمأمومِ والمنفردِ عندَ جمهورِ
العلماء .
واستحبَّ إسحاقُ للإِمامِ أن يدعوَ في هذا الموضعِ بصيغةِ الجمعِ ؛ ليشملَ
المأمومينَ معَه، وكرِهِ أن يخصَّ نفْسَه ؛ للحديث المرويِّ في النهي عن
ذلكَ (١) .
وللشافعية وجهٌ ضعيفٌ : أن الإمامَ لا يدعُو ، وهو خلافُ نصِّ الشافعيِّ ؛
فإنه قال في كتاب ((الأمّ )) (٢): أحبُّ لكلِّ مصلٍّ أن يزيدَ على التشهدِ والصلاةِ على
النبيِّ وَّ ذكرَ اللهِ عزَّ وجلَّ وتحميدَ، ودعاءً في الركعتين الأخيرتين ، وأرَى أن
تكون زيادتُهُ ذلكَ إن كانَ إمامًا أقلَّ من قدرِ التشهدِ، والصلاة على النبيِّ ◌َّ فيها
قليلاً ؛ للتخفيف عمَّنْ خلفَه ، وأرى أن يكون جلوسُه إذا كان وحدَه أكثر من
ذلك ، ولا أكرَهُ ما طالَ ما لم يخرجْه ذلك إلى سهوٍ أو خافَ فيه سهوًا ، وإن لم
(١) روي من حديث ثوبان مرفوعًا وفيه: ((ولا يَؤُم قومًا فيخصَّ نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل
فقد خانهم)) .
أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٠) وأبو داود (٩٠) والترمذي (٣٥٧) وابن ماجه (٩٢٣) والبخاري في
((الأدب المفرد)) (١٠٩٣) جميعهم من حديث أبي حيّ الموذن ، عن ثوبان مرفوعًا .
وروي من حديث أبي هريرة مرفوعًا وفيه: (( ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم
قومًا إلا بإذنهم ولا يختص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم)) .
أخرجه أبو داود (٩١) من حديث أبي حيّ المؤذن ، عن أبي هريرة مرفوعًا .
وروي من حديث أبي أمامة مرفوعًا وفيه: (( ولا يؤمن أحدكم فيخص نفسه بالدعاء دونهم
فمن فعل فقد خانهم )) .
أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٠، ٢٦٠، ٢٦١) وابن ماجه (٦١٧) مختصرًا من حديث يزيد بن
شريح ، عن أبي أمامة مرفوعًا .
(٢) (١٠٥/١).

١٩١
١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّهَاءِ بَعْدَ الََّهُد
کتاب الأذان
يزدْ على التشهدِ والصلاة على النبيِّ وَّهِ كرهتُ ذلك، ولا إعادةَ عليه ، ولا
سجودَ سهوٍ (١). انتهى كلامه .
وقد تضمن: أنه بعد التشهدِ والصلاة على النبيِّ وَّهِ يُشرَع له ذكرُ اللهِ وتحميدُه،
وهو خلافُ نصِّ أحمدَ ؛ فإنه نصَّ على أنه يدعُو بعد التشهدِ من غير ثناءٍ وحمدٍ.
وسُئل أحمدُ - أيضًا -: هل يحمدُ اللَّهَ قبلَ الصلاةِ على النبيِّ وَّ؟ فقالَ:
لا أعرفُه .
وقال القاضي أبو يَعلى : وظاهرُ هذا : أنه لم يستحبَّ ذلك .
ولا يستحبُّ للإمام أن يدعوَ أكثرَ مِن قدر التشهدِ خشيةَ الإطالةِ على
المأمومين ، فأما المنفردُ فإنه يطيلُ ما لم يخفِ السهوَ فيكرَه له الزيادةُ .
وقد بوَّب النسائيُّ في ((سنته)): ((بابُ: الذكرِ بعدَ التشهدِ »(٢)، وخرَّج
فيه حديثَ عكرمةَ بنِ عمارِ : ثنا إسحاقُ بنُ أبي طلحةَ ، عن أنسٍ ، قال :
جاءتْ أُمُّ سليمٍ إلى النبيُّ بِّهِ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، علّمني كلماتٍ أدعُو
بهنَّ في صلاتِي، قال: ((سبِّحي اللهَ عشراً، واحمديه عشرًاً، وكبِّرِيه عشراً ،
ثم سليه حاجتَك ، يقولُ: نعمْ، نعمْ )) .
وخرَّج - أيضًا (٣) - بعد ذلك من حديث جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، عن
جابرٍ، أن رسولَ اللهِ وَله كان يقولُ في صلاته بعدَ التشهد: ((أحسنُ الكلام
كلامُ الله ، وأحسنُ الهدي هدي محمد)) .
وهذا الحديثُ إنما يعرف(٤) فيه أن النبيَّ وَِّ كانَ يقولُه في تشهدِهِ في الخطبةِ،
(١) في ((م): ((وهذا سجود سهو)، وفي هامشه: ((لعله: ولا)). وهو كذلك في((الأم)).
(٢) (٥١/٣) .
(٣) ((السنن)) (٥٨/٣).
(٤) في الأصل: ((يعرب)) بالباء ، خطأ واضح.

١٩٢
حديث : ٨٣٥
كتاب الأذان
كما في ((صحيح مسلمٍ )) وغيرِه (١)، فلعلَّ ذكرَ الصلاة فيه مما توهَّمَه بعضُ
الرواةِ ، حيث سمعَ أنه كان يقولُه في تشهدِه ، فظنَّ أنه تشهدُ الصلاة .
وحديثُ أنسِ المتقدمُ، خرَّجه الترمذيُّ والحاكمُ (٢) في ((بابِ : صلاةٍ
التسبيحٍ )) .
وحسَّنْه الترمذيُّ، وصحَّحه الحاكمُ ، وجعلاه مِن جملةِ أحاديثِ صلاةِ
التسبيحِ .
وخرّجه الإمامُ أحمدُ (٣)، ولم يذكر فيه: ((في صلاتي)).
وقد رُوي الحديثُ بلفظ آخر بإسناد آخر ، وهو: (( إذا صليت الصلاةَ
المكتوبةَ فسبِّحي ))(٤).
وهذا اللفظُ يحملُ على أنها تقولُ ذلكَ إذا فرغتْ من صلاتها ، فيستدلّ به
حينئذٍ على فضلِ الذكرِ والدعاءِ عقبَ الصلاة المكتوبةِ ، وعلى ذلك حملَه ابنُ
حبانَ وغيرُه .
وقد رُوي عن عائشةَ، أن النبيَّ ◌ََّ كان يفتتحُ قيام الليلِ، يكبِّرُ عشرًا،
ويسبِّح عشرًا، ويُحَمِّد عشرًا، ويهلِّلُ عشرًا، ويستغفِرُ عشرًا، ويقولُ :
((اللهمَّ، اغفرْ لِي واهدني وارزُقَني)) - عشرًا، ويقولُ: ((اللهمَّ ، إني أعوذ
بك من ضيقِ المقامِ يومَ الحسابِ )) - عشرًاً .
(١) مسلم (١١/٣) وأحمد (٣١٠/٣، ٣١٩، ٣٣٧، ٣٧١) وأبو داود (٢٩٥٤) مختصرًاً
والنسائي (١٨٨/٣) وابن ماجه (٢٤١٦) مختصرًا، وابن خزيمة (١٧٨٥).
(٢) الترمذي في ((جامعه)) (٤٨١) والحاكم في ((مستدركه)) (٣١٧/١-٣١٨).
(٣) ((المسند)) (١٢٠/٣).
(٤) أورده الحافظ في ((اللسان)) (٢٨٥/٢) والذهبي في ((الميزان)) (٥٣٦/١) من حديث
عبد الرحمن بن إسحاق ، عن حسين بن أبي سفيان، عن أنس أن النبي ◌َّ دخل على
أم سليم وهي تصلي صلاة التطوع فقال لها : ((إذا صليت المكتوبة فاحمدي الله .. )).
وفيه: الحسين بن أبي سفيان ، قال فيه البخاري : حديثه ليس بالمستقيم .

١٩٣
١٥٠ - بَبُ مَا يَتَخَيَُّ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُد
كتاب الأذان
2 (١)
.
خرجه النسائي
وخرَّجه من وجوهِ متعددة بألفاظِ متقاربة ، وفي بعضها: ثم يستفتحُ الصلاةَ.
وهذه الروايةُ تَشْهدُ لأنه كان يقولُ ذلك قبلَ دخوله في الصلاةِ. والله أعلم.
وروَى جعفرٌ الفريابيَّ في (( كتابِ الذكرِ )) بإسنادٍ صحيحٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه
رأى رجلاً دخلَ في الصلاةِ، فكَبَّر، ثم قالَ : اللهمَّ اغفر لي وارحمني ،
فضربَ ابنُ عمرَ منكِبِيه وقالَ : ابدأْ بحمدِ اللهِ عزَّ وجلَّ والثناءِ عليه .
وهذا يدلُّ على استحبابِ ذلك عندَ افتتاحِ الصلاةِ .
ومما يستدلُّ به على استحبابِ الثناءِ على اللّهِ عزَّ وجلَّ في التشهدِ قبلَ
الدعاء: ما روَى أنسٌ قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ وَّه، ورجلٌ قائمٌ يصلّي ،
فلما ركعَ وسجدَ وتشهَّدَ دعا ، فقال في دعائه : اللهمَّ إني أسألُك بأن لك
الحمدَ، لا إله إلا أنتَ المنانُ، بديعُ السمواتِ والأرضِ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ ،
يا حيُّ يا قيومُ، إني أسألُك. فقال النبيُّ وَ ◌ّ لأصحابِه: ((هل تدرون بما
دعَا ؟)) قالوا: اللّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: (( والذي نفسي بيده، لقد دعا باسمه
العظيمِ ، الَّذِي إذا دُعيَ به أجابَ، وإذا سُئِل به أَعطَى)) .
خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وابنُ حبانَ في ((صحيحه)) والحاكمُ (٢)
وقال : صحيحٌ على شرطِهما .
وعن محجن بنِ الأَدْرَعِ، أن النبيَّ نَّهِ دخلَ المسجدَ ، فإذا رجلٌ قد قضى
صلاتَه وهو يتشهَّدُ ، فقال : اللهمَّ، إني أسألُكَ يا اللهُ الواحدُ الأحدُ الصمدُ ،
(١) ((السنن)) (٢٠٨/٣ - ٢٠٩) (٢٨٤/٨) من حديث عاصم بن حميد ، عن عائشة.
وفي (( عمل اليوم والليلة)) (٨٧٦) من حديث ربيعة الجرشي، عن عائشة و (٨٧٧) من
حديث شريق الهوزني ، عن عائشة .
(٢) أحمد (١٥٨/٣، ٢٤٥) وأبو داود (١٤٩٥) والنسائي (٥٢/٣) وابن حبان (٨٩٣) والحاكم
(٥٠٣/١-٥٠٤) .

١٩٤
حديث : ٨٣٥
کتاب الأذان
الذي لم يلدْ ، ولم يولدْ ، ولم يكن له كفواً أحدٌ أن تغفر لي ذنوبي ، إنكَ أنتَ
الغفورُ الرحيمُ، فقال رسولُ اللهِوَ لَه: ((قد غُفْرَ له)) - ثلاثًا .
خَرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ والحاكمُ (١)، وقال: على شرطِهما .
وخرَّج الترمذيُّ (٢) من حديثِ ابنِ مسعودٍ، قال كنتُ أصليٍّ والنبيُّ وَّ
وأبو بكرٍ وعمرُ معه ، فلما جلستُ بدأتُ بالثناء على اللّه تعالى، ثم الصلاة على
النبيِّ ◌َِّهِ، ثمَّ دعوتُ لنفسِي، فقال النبيُّ وَّةِ: ((سلْ تعطَهْ، سلْ تعطَه)).
وقال : حسنٌ صحيحٌ .
وعن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ ، قال: سمعَ النبيُّ ◌َّه رجلاً يدعُو في صلاته ، فلم
يصلِّ على النبيِّ ◌َِّ، فقال: ((عجلَ هذا))، ثم دعَاه، فقال له - أو لغيره - :
((إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتحميد اللّهِ والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبيِّ ◌َله، ثم
لیدعُ بما شاءَ)) .
خرجه الترمذيُّ (٣)، وقال : حسنٌ .
وخرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (٤) وعنده: (( فليبدأ بتمجيد ربِّه والثناء عليه )).
وخرَّجه النسائيُّ (٥)، وزاد: فسمع رسول الله وَّه رجلاً يصلى فمجد اللهَ
وحمدَه، وصلَّى على النبيِ وَله، فقالَ رسولُ اللهِ بَّ: ((ادعُ تُجبْ، وسلْ
تُعْطَه )) .
وخَرَّجه الترمذيُّ(٦) بهذا المعنى - أيضًا -،وعنده: فقال: ((عَجلْتَ أيها
(١) أحمد (٣٣٨/٤) وأبو داود (٩٨٥) والنسائي (٥٢/٣) والحاكم (٢٦٧/١).
(٢) في (( جامعه)) (٥٩٣) .
(٣) في (( جامعه)) (٣٤٧٧).
(٤) أحمد (١٨/٦) وأبو داود (١٤٨١).
(٥) في ((السنن)) (٤٤/٣-٤٥).
(٦) فى ((جامعه)) (٣٤٧٦).

١٩٥
١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ الَّشَهُد
کتاب الأذان
المصلِّي ، إذا صليت فقعدتَ فاحمد اللهَ بما هو أهلُهُ وصلِّ عليَّ، ثم ادْعُه )) -
وذكر باقيه بمعناه .
وفي هذا الحديثِ وحديثِ ابنِ مسعودٍ : استحبابُ تقديم الثناءِ على اللهِ على
الصلاة على نبيِّهِ نَّهِ، وهذا قد يصدقُ بالدعاءِ بعدَ التشهدِ والصلاة على النبيِّ
وَّه ؛ لأنَّ التشهدَ فيه ثناءٌ على الله عزَّ وجلَّ، فلا يحتاجُ إلى إعادةِ الثناءِ.
وقال إسحاقُ: يحمدُ اللهَ بعدَ التشهدِ وقبلَ الصلاةِ علَى النبيِّ وَّهِ -: نقلَه
عنه حربٌ .
واستحبَّ إسحاقُ وبعضُ الشافعيةِ أن يبتدئَ التشهدَ بـ ((بسم الله))، وفيه
حديثٌ مرفوعٌ ضعَّفَه غيرُ واحدٍ (١).
وقد رُوي عن ابنِ عمرَ ، أنه كان إذا تشهَد التشهدَ الأخيرَ دعا فيه ، ثم أخَّر
السلامَ على النبيِّ وَّ وعلى نفسِهِ وعبادِ اللهِ الصالحينَ إلى بعد الدعاءِ، ثم يختمُ
دعاءَهُ بالسلامِ ، ثم يسلّم عن يمينه .
ولم يذكرِ البخاريَّ الصلاةَ على النبيِّ وَّ في التشهد، وقد دل هذان
الحديثان - أعنى: حديث ابن مسعود وفضالة - عليها ، ولكن ليسا على شرطه.
وقد روى ابنُ إسحاقَ : حدثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ ، عن محمدِ بنِ
(١) روي من حديث جابر - رضي الله عنه- مرفوعًا، خرجه النسائي (٢٤٣/٢) و (٤٣/٣)
وابن ماجه (٩٠٢) والبيهقي (١٤١/٢) والحاكم (٢٦٧/١) والطحاوي (٢٦٤/١) جميعهم من
حديث أيمن بن نابل ، عن أبي الزبير ، عن جابر مرفوعًا، وفيه: (( بسم الله ، وبالله
التحيات لله .. )) .
قال النووي في (( الخلاصة)): وهو مردود . فقد ضعفه جماعة من الحفاظ ، هم أجلّ من
الحاكم وأتقن ، وممن ضعفه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي ، قال الترمذي : سألت
البخاري عنه؟ فقال: هو خطأ. نصب الراية (٤٢١/١) .
قلت : وقد رويت البداءة بـ ((بسم اللّه)) من حديث عُمر، وعليّ، وابن عمر، وعائشة موقوفًا
عليهم أخرجها البيهقي (٢/ ١٤٢، ١٤٣) وغيره .

١٩٦
حديث : ٨٣٥
كتاب الأذان
عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، عن عقبةَ بنِ عَمرو ، قال : قالوا : يا رسولَ اللهِ ، أما السلامُ
عليك فقد عرفناه ، فكيف نصلّي عليك إذا نحن صليْنا عليكَ في صلاتنا ؟ قال :
(( قولُوا : اللهمَّ، صلِّ على محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آل محمد، كما صليتَ علَى
إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آل محمد، كما باركتَ
على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ ، إنك حميدٌ مجيدٌ)) .
خرَّجه ابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ في (( صحيحيهما )) والدار قطنيّ - وقال : إسنادٌ
حسنٌ متصلٌ - والحاكمُ(١) - وقال: صحيحُ الإسنادِ .
ويشهدُ لذلكَ: قولُ الصحابة للنبيِّ وَِّ: (( هذا السلامُ عليكَ قد عرفناهُ » ،
وإنما عرفوا السلامَ عليه في التشهدِ في الصلاةِ، وهوَ: (( السلامُ على النبيِّ
ورحمةُ اللهِ وبركاتُه )» ، فيكونُ سؤالُهم عن الصلاةِ عليه في الصلاةِ - أيضًا .
وقد خرج ابن عدى(٢) من حديث طلحة ، قال قلت : يا رسول الله ، هذا
التشهد قد عرفناه ، فكيف الصلاةُ عليك - فذكره .
وفي إسناده : سليمانُ بنُ أيوبَ الطلحيُّ ، وقد وثَّقه يعقوبُ بنُ شيبةَ وغيرُهُ
وقال ابنُ عديٍّ: عامةُ أحاديثه أفرادٌ لا يتابعُهُ عليها أجدٌ .
وخرَّج الحاكمُ والبيهقيُّ (٣) من حديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ◌ِّرِ ، قالَ:
((إذا تشهَّدَ أحدُكم في الصلاة ، فليقلْ: اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد ،
وبارك على محمد وعلى آل محمد ، وارحَمْ محمدًا وآلَ محمد ، كما صليتَ
وباركتَ وترحَّمتَّ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ)) .
وفي إسناده : رجلٌ غيرُ مسمّى .
(١) ابن خزيمة (٧١١) وابن حبان (١٩٥٩) والدارقطني (٣٥٤/١-٣٥٥) والحاكم (٢٦٨/١).
(٢) ((الكامل)) (١١٣٢/٣).
(٣) الحاكم (٢٦٩/١) والبيهقي (٣٧٩/٢).

١٩٧
١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُد
كتاب الأذان
وخرج الدارقطنيٌّ(١) من حديث عبد الوهَّبِ بنِ مجاهدٍ ، عن مجاهد ،
قال : أخذ بيدي ابنُ أبي ليلى - أو أبو معمرٍ - ، قال : علَّمني ابنُ مسعودٍ
التشهدَ، وقال: علمنيه رسولُ اللهِ وَ لّهِ: ((التحياتُ لله)) - فذكره إلى آخرِه ،
وزاد بعدَه: الصلاةُ على النبيِّ ◌ِيهِ.
وقال : ابنُ مجاهد هذا ، ضعيفُ الحديثِ .
وخرَّج البيهقيُّ (٢) من روايةِ إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوصِ،
عن عبدِ اللهِ، عنِ النبيِّ ◌َِّ، أنه قالَ: ((إذا جلستُم بينَ الركعتينِ فقولُوا :
التحياتُ لله )) - إلى آخر التشهد. قال عبدُ اللهِ: وإذا قالَ : السلامُ علينا وعلَى
عباد الله الصالحينَ أصابتْ كلَّ عبدٍ صالحٍ أو نبيِّ مرسلٍ ، ثم يبدأ بالثناءِ على اللهِ
والمُدحة له بما هو أهلُهُ، وبالصلاة على النبيِّ وَِّ ، ثم يسألُ بعدَ ذلكَ.
والظاهرُ : أن آخرَه مِن قول ابن مسعودٍ .
وفيه : استحبابُ الثناءِ على اللهِ بعدَ التشهدِ قبل الصلاة على النبيِّ وَّ
ولا نعلمُ خلافًا بين العلماءِ في أن الصلاةَ على النبيِّ بَّ في التشهد الأخيرِ
مشروعةٌ ، واختلفوا : هل تصحُّ الصلاةُ بدونِها ؟ على ثلاثةِ أقوالٍ :
أحدُها : لا تصِحُّ الصلاةُ بدونها بكلِّ حالٍ ، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ -
في رواية عنه .
ورُوي عن أبي مسعودِ الأنصاريِّ ، قال : ما أرى أن لي صلاةً تمت
لا أصلي فيها على محمدٍّ وآله .
وخرج ابنُ ماجه (٣) من روايةٍ عبد المهيمنِ بنِ عباسِ بنِ سهلٍ بن سعدٍ ، عن
(١) ((السنن)) (٣٥٤/١).
(٢) ((السنن الكبرى)) (١٤٨/٢).
(٣) ((السنن)) (٤٠٠) .

١٩٨
حديث : ٨٣٥
كتاب الأذان
أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّنَلَّ: ((لا صلاة لمن لم يصلِّ عَلَى نِبِّهِِّ)).
وعبدُ المهيمنِ ، تكلَّموا فيه .
والثاني : تصحّ الصلاة بدونِها مع السهوِ دون العمد ، وهو روايةٌ أخرى عن
أحمدَ وإسحاقَ .
ورُوي معناه عن ابنِ عمرَ من قولِه .
خرجه المعمريَّ في كتاب ((عملٍ يومٍ وليلةٍ )) .
واستدلَّ بعضُ مَن قال ذلك بحديثٍ فَضَالةَ بنِ عُبيدِ المتقدمِ ذِكرُه ؛ فإن النبيّ
مَاخيّه لم يأمرْ من صلَّى ولم يصلِّ عليه بالإعادة حيث لم يكن يعلم ذلك ، وإنما
علَّمه أن يقولَها فيما بعدُ .
والثالثُ : تصح الصلاةُ بدونِها بكلِّ حالٍ ، وهوقولُ أكثرِ العلماءِ ، منهم :
أبو حنيفةَ ومالكٌ والثوريُّ والأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ - في روايةٍ عنهما - وداودُ
وابنُ جريرٍ وغيرُهم .
وقال النخعيُّ: كانوا يكتفونَ بالتشهد من الصلاة على النبيِّ ◌َادِ
.
خرجه سعيدُ بنُ منصورٍ .
ولعله أراد : أن التسليمَ عليه والشهادةَ له بالرسالة تكفي منَ الصلاةِ عليه .
وقد رُوي عنه ما يدلُّ على أن ذلك مرادُه ، وعن منصورِ والثوريِّ نحوُه -
أيضًا .
واستدلَّ لذلك بأن النبيَّ وَّهِ لم يعلِّم المسيءَ في صلاته الصلاةَ عليه ،
ولا صحَّ عنه أنه علَّمها أصحابَه مع التشهدِ ، مع أنه علَّمهم الدعاءَ بعدَه ، وليس
بواجب كما سبقَ .
والأمرُ بها في حديث ابنِ إسحاقَ لا يدلُّ على الوجوبِ ؛ فإنه إنما أمرَهُم
عند سؤالهم عنه ، وهذه قرينةٌ تخرجُ الأمرَ عن الوجوبِ ، على ما ذكرَهُ طائفةٌ من

١٩٩
١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُد
کتاب الأذان
الأصوليِّين ؛ فإنه لو كانَ أمرُه للوجوبِ لابتدأهُم به ، ولم يؤخره إلى سؤالهم،
مع حاجتهم إلى بيانِ ما يجبُ في صلاتِهم ؛ فإن تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ
لا يجوزُ ، فدلَّ على أنه اكتفى بالسلامِ عليه عن الصلاةِ
يدلُّ على ذلك : أن عمرَ كان يعلمُ الناسَ التشهد على المنبرِ(١)، ولم يذكر
فيه الصلاةَ على النبيِّ وَّهِ، وكذلك رُوي صفةُ التشهدِ عن طائفةٍ منَ الصحابةِ ،
منهمُ : ابنُ عمرَ وعائشةُ (٢) وغيرُهما، ولم يذكروا فيه الصلاةَ على(٣) النبيُّ
(١) تقدم تخريجه .
(٢) تقدم تخريجه .
(٣) في الأصلين: ((عن)).

٢٠٠
حديث : ٨٣٦
کتاب الأذان
١٥١ - بَابٌ
مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبَهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَأيْتُ الحُمَيْدِيَّ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَن لَّ يَمْسَحَ الْجَبَّهَةَ
فِي الصََّةَ .
٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلَمُ بْنُ إِبْرَاهيمَ: ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ :
سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَِّيَّوَهِ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى
رَآَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبَّهَتِهِ .
هذا مختصرٌ من الحديثِ الذي فيه ذكرُ طلبٍ ليلةِ القدرِ ، وقد سبقَ بتمامه
في ((أبوابِ السجودِ))، وسيأتي في آخر (( الصيام)) - إن شاء الله سبحانه
وتعالى - بألفاظِ أخرَ ، وفي بعضِها (١): أنه قال : فبصرت عيني [ رسول الله
وَّو ]، فنظرت إليه انصرفَ من الصبحِ ووجهُهُ ممتلئٌّ .
ولا شكَّ أنه لم ينظر إلي وجهِه إلا بعد انصرافِه منَ الصلاةِ ، فدلَّ على أنه
وَّه لم يمسح أثرَ الطينِ من جبهتِه وأنفه في الصلاة ، وهذا هو الذي أشارَ إليه
الحميدي .
وقد اتفقوا على أنَّ ترْكَه في الصلاة أفضلُ ؛ فإنه يشبه العبثَ ، واختلَفوا :
هل هو مكروهٌ ، أم لا ؟
قال ابنُ المنذرِ(٢): رُوِّينا عن ابنِ مسعودٍ ، أنه قال : مِن الجفاءِ مسحُ الرجلِ
أثرَ سجودِه في الصلاة .
وكرِه ذلك الأوزاعيّ وأحمدُ ومالكٌ .
(١) (٢٠١٨) والزيادة منه.
(١) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٧٦/٣).