النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ١٤٨ - بَابُ الََّهُدِ فِي الآخِرَةِ کتاب الأذان والأفضلُ عند مالكِ تشهدُ عمرَ بنِ الخطابِ، وقد ذكرَه في ((الموطإ )»(١) موقوفًا على عمرَ، أنه كان يعلِّمه الناسَ على المنبرِ، يقولُ: قولُوا: ((التحياتُ للّه، الزَّاكيات للّهِ، الصلواتُ للّهِ » وباقيه كتشهدِ ابنِ مسعودٍ . وإليه ذهبَ الزهريُّ ومعمرٌ . وقد رُوي عن عمرَ مرفوعًا (٢) من وجوهِ لا تثبتُ . واللهُ أعلمُ . وطائفةٌ من علماءِ الأندلسِ اختاروا تشهدَ ابنِ مسعودٍ(٣)، وكان يقالُ عنه : إنه لم يكنْ بالأندلسِ مَنِ اجتمعَ له علمُ الحديثِ والفقهِ أحدٌ قبله مثلَه . وقد رُوي من حديثٍ سلمانَ الفارسيِّ، أن النبيَّ ◌َِّ علَّمه التشهدَ حرقًا حرفًا - فذكرَ مثلَ حديثِ تشهدِ ابنِ مسعودٍ سواءً، قال: ثم قال: (( قلها يا سلمانُ في صلاتك، ولا تزد فيها حرفًا ، ولا تنتقصْ منها حرفًا )). خرجه البزارُ في (( مسنده »(٤). وفي إسناده ضَعفٌ . والله أعلم. (١) (ص ٧٧) . (٢) خرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١٢٨) وإسناده مسلسل بالضعفاء. (٣) الظاهر أن سقطًا وقع هاهنا، وقد يكون اسم أحد علماء الأندلس . واللَّه أعلم . (٤) ((البحر الزخار)) (٢٥٣٥). ١٨٢ حديث : ٨٣٢ - ٨٣٣ کتاب الأذان ١٤٩ - بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلاَمِ فيه حديثان : الأولُ : ٨٣٢ - حَدِّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَا عُرْوَةُ، عَنْ عَائشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ كَانَ يَدْعُو في الصَّلاَة: ((اللَّهُمَّ، إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفَْةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ، إِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المِأَنَمِ والمَغْرَمِ))، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَمَا تَسْتَعِيدُ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّالرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ )) . ٨٣٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةٌ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَِّيَّ وَ يَسْتَعِدُ فِي صَلاَتِهِ مِنْ فِئَةِ الدَّجَّالِ. إنما في هذا الحديثِ أنه كان يدعُو بذلكَ في صلاته ، وليس فيه أنه كان يَدعُو به في تشهدِهِ قبلَ السلامِ ، كما بوَّب عليه . وقد روَى مسروقٌ، عن عائشةَ في ذكر عذابِ القبرِ ، أن النبيِّ نَّ لم يصلِّ صلاةٌ بعد ذلك إلا تعوَّذَ مِن عذابِ القبرِ . وقد خرجه البخاريُ (١) في موضعٍ آخرَ . وخرَّجه النسائيُّ (٢) من روايةٍ جَسْرَةَ بنتِ دَجَاجةَ، عن عائشةَ ، وفي حديثها : أنه كان يقولُ ذلكَ في دبرِ كلِّ صلاةٍ . وهذا يدلُّ على أنه كان يقولُه في تشهده . (١) (٦٣٦٦) . (٢) (٧٢/٣) . ١٨٣ ١٤٩ - بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلاَمِ كتاب الأذان ويستدلُّ على ذلك - أيضًا - بحديثٍ آخرَ ، خرجه مسلمٌ (١) من رواية الأوزاعيِّ ، عن حسانِ بنِ عطيةَ ، عن محمدِ بنِ أبي عائشةَ ، عن أبي هريرةَ - وعن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ -، عن النبيِّ الَّر، قالَ : ((إذا تشهدَ أحدُكم فليستعذ باللهِ منْ أربعٍ ، يقولُ: اللَّهم ، إني أعوذُ بكَ من عذابٍ جهنّمَ ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيحِ الدجال )) . وفي روايةٍ له (٢) بالطريق الأول خاصةً: ((إذا فرغَ أحدُكم منَ التشهد فليقلْ)). وفي روايةِ أخرَى(٣) له - أيضًا -: ((التشهد الأخيرِ)). وخرج - أيضًا (٤) - من رواية هشامٍ ، عن يحيى ، عن أبي سلمةَ ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ وَّ كان يتعوذ من ذلك - ولم يذكرِ: الصلاةَ. وكذلك خرَّجه البخاريُّ في (( الجنائزِ ))(٥) من رواية هشامٍ . وهذا يدلُّ على أن روايةَ الأوزاعيِّ حملَ فيها حديثَ يحيى ، عن أبي سلمةَ على لفظِ حديثِ حسانٍ ، عن ابنِ أبي عائشةً ، ولعلَّ البخاريَّ لم يخرِّجه لذلك؛ فإن المعروفَ ذكرُ الصلاةِ في روايةِ ابنِ أبي عائشةَ خاصةً ، ولم يخرجْ له البخاريِّ . وخرج أبو داودَ (٦) من رواية عُمر بنِ يونُس اليماميِّ : حدثني ابنُعبدِ اللهِ (١) (٩٣/٢) . (٢) ((الصحيح)) (٢/ ٩٣). (٣) ((الصحيح)) (٢/ ٩٣). (٤) ((الصحيح)) (٢/ ٩٣ - ٩٤). (٥) (١٣٧٧) . (٦) ((السنن)) (٩٨٤). ١٨٤ حديث : ٨٣٢ - ٨٣٤ كتاب الأذان ابنِ طاوسٍ، عن أبيه ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ وَّ، أنه كانَ يقولُ بعدَ التشهدِ : ((اللهمَّ ، إنِّي أعوذُ بكَ منْ عذابِ جهنّم ، ومن عذابِ القبرِ ، وأعوذُ بكَ من فتنة المحيا والممات ، وأعوذُ بك من فتنة الدجال)) . وروى مالكٌ(١)، عن أبي الزبير، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيّ وَجّ كانَ يعلِّمُهم الدعاءَ كما يعلمُهم السورةَ منَ القرآنِ - فذكرَه ، ولم يذكرِ: الصلاةَ . وخرَّجه من طريقهِ مسلمٌ (٢). وكذلك خرَّج - أيضًا - من طريقِ ابنِ عيينةً ، عن ابنِ طاوسٍ ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ - ومن طريقِ عَمرو بنِ دينارٍ ، عن طاوُسٍ ، عن أبي هريرةَ - ، عنِ النبيِّ وَّةِ، أنه كانَ يأمرُ بهذا التعوذِ، ولم يذكرِ : الصلاةَ - أيضًا. وذكر مسلمٌ ، أن طاوُسًا كان يَروي هذا الحديثَ عن ثلاثة ، أو عن أربعة ، وأنه أمر ابنَه أن يعيدَ الصلاةَ حيثُ لم يتعوذْ فيها من ذلك . وخرجه الحاكمُ (٣) من طريق ابنِ جريجٍ ، عن ابنِ طاوسٍ ، عن أبيه ، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَلِّ . وذكر الدار قطنيُّ أن ابنَ طاوُسٍ كان يرويه ، عن أبيه - مرسلاً . وسماعُ عائشةَ دعاءَ النبيِّ وََّ في صلاتِه يدلُّ على أنه كان أحيانًا يُسمِعُ من يليه دعاءَه ، كما كان أحيانًا يُسمعُ من يليه الآيةَ مِنَ القرآن. الحديثُ الثانِي : ٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَةُ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ (١) مالك في ((الموطإ)) (ص ١٥٠) وأبو داود (١٥٤٢). (٢) مسلم (٢/ ٩٤). (٣) ((المستدرك)) (٥٤١/١) من غير هذا الطريق من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به . ١٨٥ ١٤٩ - بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلامِ کتاب الأذان عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيْقِ، أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهُ: عِلِّمْنِي دُعَاءٌ أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَِّي. قَالَ: ((قُلْ: اللَّهُمَّ، إِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلِمَا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَأَرْحَمْنِي ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )). وهذا الحديثُ - أيضًا - إنما فيه : ذكرُ الدعاءِ في الصلاةِ من غيرِ تخصيصٍ بالتشهد ، وقد سبقَ ذكرُ الدعاءِ في الركوعِ والسجودِ والاختلافِ فيه . والكلامُ على الاختلافِ في إسنادِ هذا الحديثِ ، وفِي بعضِ ألفاظِه وفي معانيه يأتي في موضعٍ آخرَ - إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى . ١٨٦ حديث : ٨٣٥ كتاب الأذان ١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُّدِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبِ ٨٣٥ - حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَخْتَى، عَنِ الأَعْمَشِ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ : كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَِّّ ◌َ فِي الصَّلاَةِ، قُلْنَا: السَّلَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلاَنِ وفُلاَنٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ : ((لاَ تَقُولُوا السَّلَمُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّاللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، وَكِنْ قُولُوا: التَّحْيَاتُ للَّهِ وَالصَّلَوَتُ وَالطََّاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَِّيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَانُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلُمْ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحِ(١) فِي السَّمَاءِ - أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ -، أَشْهَدُ أَلَّ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لَيَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيِّهِ ، فَيَدْعُو )) . وقد سبقَ في روايةٍ للإمامِ أحمدَ التصريحُ بأنَّ هذا الدعاءَ إنما هو في التشهدِ الأخيرِ خاصةً ، فأما التشهدُ الأولُ فلا يدعو بعده عندَ جمهورِ العلماءِ ، ولا يزادُ و عليه عند أكثرِهم ، حتى قالَ الثوريُّ - في روايةٍ عنه - : إنْ فعلَ ذلك عمدًا بطلتْ صلاتُه . إلا أنَّ الشافعيَّ - في الجديدِ - قالَ: يصلِّي فيه علَى النبيِّ نَّهِ وحدَه دونَ آله . وقال مالكٌ : يُدعى فيه كالتشهدِ الأخيرِ . ورُوي عن ابنِ عِمرَ . وخرج النسائيُّ (٢) من حديث سعدِ بنِ هشامٍ، عن عائشةَ، أن النبيّ اَل (١) ((صالح)) ليست في ((اليونينية)). (٢) ((السنن)) (٢٤١/٣). ١٨٧ ١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُد كتاب الأذان كان يصلّي من الليل تسعَ ركعاتٍ ، لا يجلسُ فيهنَّ إلا عند الثامنة ، فيحمدُ اللهَ ويثني على نبيِّهِ وََّ، ويدعُو بينهُنَّ، ولا يسلِّمُ، ثم يصلِّي التاسعةَ ويقعدُ ، ويحمدُ اللهَ ويصلّي على نبيِّهِوََّ، ويدعو، ثم يسلّمُ تسليمًا يُسْمِعُنَا . وحمل بعضُ أصحابنا هذا على أنه وَِّ كان يفعلُه أحيانًا في صلاة النفلِ ؛ لبيان الجوازِ دونَ الاستحبابِ . وخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ (١) من حديث أبي عبيدةً ، عن أبيه عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، أن النبيَّ وَّ كان في الركعتينِ كأنَّه على الرضفِ حتى يقومَ . وحسَّنَّه(٢). وأبو عبيدةً ، وإن لم يسمعْ من أبيه ، إلا أن أحاديثَه عنه صحيحةٌ ، تلقَّاها عن أهلِ بيتِه الثقاتِ العارفينَ بحديث أبيه - : قالهُ ابنُ المدينيِّ وغيرُه . ورُوي عن أبي بكرِ الصديقِ نحوُ ذلكَ (٣). فأما الدعاءُ قَبَل السلامِ في التشهدِ الأخير ، فإنه مشروعٌ بغير خلاف . وحكى ابنُ المنذرِ ، عن الحسنِ ، أنه كَرِهِ الدعاءَ في المكتوبةِ ، وأباحَه في (٤) التطوعِ(٤). ولعلَّه أراد في غير التشهدِ . وقد دلَّ عليه حديثُ ابنُ مُسعودِ هذا ، وليس هو بواجب كما ذكره البخاريّ، ومنَ العلماءِ مَن حكى الإجماعَ على ذلك . (١) أحمد (٣٨٦/١، ٤١٠، ٤٢٨، ٤٣٦، ٤٦٠) وأبو داود (٩٩٥) والترمذي (٣٦٦) والنسائي (٢٤٣/٢). (٢) يعني : الترمذي . (٣) خرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٣/١). (٤) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٤٥/٣). ١٨٨ حديث : ٨٣٥ كتاب الأذان وقد يستدلُّ له بما روى الحسنُ بنُ الحُرِّ ، عن القاسمِ بنِ مخيمرةَ ، قال : أخذ علقمةُ بيدي، فحدثني أن ابنَ مسعودٍ أخذ بيدهٍ(١)، وأن رسولَ اللهِ وَلِ أخذَ بيده (١)، فعلَّمه التشهدَ في الصلاةِ - فذكرَه إلى آخرِه ، ثم قَال : إذا قلتَ هذا - أو قضيتُ هذا - فقد قضيتَ صلاتَك ، فإن شئتَ أن تقوم فقُمْ ، وإن شئتَ أن تقعدَ فاقعدْ . خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (٢). وقال إسحاقُ بنُ راهويه: صحَّ هذا عن النبيِّ ◌ِلآ وهذا ظاهرٌ في أن ما بعدَ التشهدِ ليس بواجبٍ ، ولكن قد قيلَ : إن القائلَ : ((إذا قلتَ هذَا)) إلى آخره، هو ابنُ مسعودٍ ، وليس مرفوعًا - ؛ كذلك قاله الدار قطنيُّ وأبو عليٍّ النيسابوريُّ والبيهقيُّ وأبو بكرِ الخطيبُ وغيرُهم من الحفاظِ. وعلي هذا التقديرِ ، فإذا قال ابنُ مسعودٍ هذا ، وهو راوي الحديث الذي فيه: (( ثم ليتخيرْ منَ الدعاء)) دلَّ على أنه فهِمَ من ذلك الاستحبابَ دونَ الوجوبِ ؛ ولهذا ردَّه إلى اختيارِهِ ومشيئته وإعجابِه ، وراوي الحديثِ أعلمُ بمعنَى ما روَى ، فيرجعُ إليه في فهمٍ ذلك . وقد سبق عن طاوسٍ : ما حكاه عنه مسلمٌ ، أنه بلغَه عنه ، أنه أمرَ ابنَه بالإعادةِ إذا لم يتعوذْ في صلاتِه من تلك الأربع(٣). وحكَي بعضُ أصحابِنا وجّها لهم بمثلِ ذلك . وحُكي عن أبي طالبٍ ، عن أحمدَ ، أنه قال : من ترك شيئًا من الدعاءِ في الصلاة عمدًا يعيدُ . وقولُهُ : (( ثم ليتخير من الدعاء أعجبَه إليه فيدعو ))، يستدلُّ به على أنه يجوزُ (١) في الأصلين: ((بيديه))، والمثبت من ((المسند)) و(السنن)). (٢) أحمد (٤٢٢/١) وأبو داود (٩٧٠) . (٣) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٤). ١٨٩ ١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ الَّشَهُد كتاب الأذان الدعاءُ في الصلاة بما لا يوافقُ لفظُه لفظَ القرآن ، وعامةُ الأدعيةِ المروية عن النبيِّ وَِّ في صلاته كذلكَ، وقد سبقَ في الباب الماضي بعضُ ذلك. وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ ، خلافًا لأبي حنيفةَ والثوريٌّ في قولِهما : لا يدعُو في صلاته إلا بما يوافقُ لفظَ القرآنِ ، فإن خالفَ بطلتْ صلاتُه . وحكى أصحابُ سفيانَ الثوريِّ مذهبَه كذلكَ . والصحيحُ - المنصوصُ عنْ أحمدَ - : أنه يجوزُ الدعاءُ بما يعودُ بمصلحة الدينِ بكل حالٍ ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ . وفي ((سنن أبي دوادَ )) (١) أن النبيَّ ◌ِ ◌ّ قال لرجلٍ: ((كيفَ تقولُ في الصلاة ؟)) قال : أتشهَّدُ، ثم أقولُ: اللهمَّ، إني أسألُكَ الجنةَ، وأعوذُ بكَ من النارِ، أمَا إنِّي لا أحسنُ دِنْدَنَتَكَ ولا دندنةَ معاذ، قال النبيُّ وَّ: ((حَوْلَها نُدَنّدنُ )). وهذا يشعر بأنه يجوزُ الدعاءُ بمصالح الآخرةِ بأي لفظٍ كان . واختلفوا : هل يجوزُ الدعاءُ في الصلاة بالمصالحِ الدنيويةِ خاصةً ؟ فقالتْ طائفةٌ : يجوزُ ، منهم : عروةُ ومالكٌ والشافعيُّ ، وحُكي روايةٌ عن أحمدَ ، واستدلُّوا بعمومٍ حديثِ ابنِ مسعودٍ . وقالت طائفةٌ: لا يجوزُ ذلكَ ، وهو المشهورُ عن أحمدَ ، واختارَه أبو محمد الجوينيُّ من الشافعيةِ . وإنما هذا فيما لم يردِ النصَّ بمثلِه كالرزقِ والعافيةِ والصحةِ ونحو ذلك مما وردَ الدعاءُ به في الأخبار في الصلاةِ وغيرِها ، فإنه يجوزُ الدعاءُ به في الصلاة ، وإنما الممنوعُ طلبُ تفاصيلِ حوائجِ الدنيا ؛ كالطعامِ الطيبِ والجاريةِ الوضيئةِ (١) (٧٩٢، ٧٩٣) . ١٫٩٠ حديث : ٨٣٥ کتاب الأذان والثوبِ الحسنِ ونحو ذلك ، فإن هذا عندهم من جنسٍ كلامِ الآدميينَ الذي قال فيه النبي ◌ُّ: ((إن صلاتنا هذهِ لا يصلحُ فيها شيءٌ من كلامِ الناسِ)). ولا فرقَ في استحبابِ الدعاءِ بينَ الإمامِ والمأمومِ والمنفردِ عندَ جمهورِ العلماء . واستحبَّ إسحاقُ للإِمامِ أن يدعوَ في هذا الموضعِ بصيغةِ الجمعِ ؛ ليشملَ المأمومينَ معَه، وكرِهِ أن يخصَّ نفْسَه ؛ للحديث المرويِّ في النهي عن ذلكَ (١) . وللشافعية وجهٌ ضعيفٌ : أن الإمامَ لا يدعُو ، وهو خلافُ نصِّ الشافعيِّ ؛ فإنه قال في كتاب ((الأمّ )) (٢): أحبُّ لكلِّ مصلٍّ أن يزيدَ على التشهدِ والصلاةِ على النبيِّ وَّ ذكرَ اللهِ عزَّ وجلَّ وتحميدَ، ودعاءً في الركعتين الأخيرتين ، وأرَى أن تكون زيادتُهُ ذلكَ إن كانَ إمامًا أقلَّ من قدرِ التشهدِ، والصلاة على النبيِّ ◌َّ فيها قليلاً ؛ للتخفيف عمَّنْ خلفَه ، وأرى أن يكون جلوسُه إذا كان وحدَه أكثر من ذلك ، ولا أكرَهُ ما طالَ ما لم يخرجْه ذلك إلى سهوٍ أو خافَ فيه سهوًا ، وإن لم (١) روي من حديث ثوبان مرفوعًا وفيه: ((ولا يَؤُم قومًا فيخصَّ نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم)) . أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٠) وأبو داود (٩٠) والترمذي (٣٥٧) وابن ماجه (٩٢٣) والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠٩٣) جميعهم من حديث أبي حيّ الموذن ، عن ثوبان مرفوعًا . وروي من حديث أبي هريرة مرفوعًا وفيه: (( ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قومًا إلا بإذنهم ولا يختص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم)) . أخرجه أبو داود (٩١) من حديث أبي حيّ المؤذن ، عن أبي هريرة مرفوعًا . وروي من حديث أبي أمامة مرفوعًا وفيه: (( ولا يؤمن أحدكم فيخص نفسه بالدعاء دونهم فمن فعل فقد خانهم )) . أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٠، ٢٦٠، ٢٦١) وابن ماجه (٦١٧) مختصرًا من حديث يزيد بن شريح ، عن أبي أمامة مرفوعًا . (٢) (١٠٥/١). ١٩١ ١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّهَاءِ بَعْدَ الََّهُد کتاب الأذان يزدْ على التشهدِ والصلاة على النبيِّ وَّهِ كرهتُ ذلك، ولا إعادةَ عليه ، ولا سجودَ سهوٍ (١). انتهى كلامه . وقد تضمن: أنه بعد التشهدِ والصلاة على النبيِّ وَّهِ يُشرَع له ذكرُ اللهِ وتحميدُه، وهو خلافُ نصِّ أحمدَ ؛ فإنه نصَّ على أنه يدعُو بعد التشهدِ من غير ثناءٍ وحمدٍ. وسُئل أحمدُ - أيضًا -: هل يحمدُ اللَّهَ قبلَ الصلاةِ على النبيِّ وَّ؟ فقالَ: لا أعرفُه . وقال القاضي أبو يَعلى : وظاهرُ هذا : أنه لم يستحبَّ ذلك . ولا يستحبُّ للإمام أن يدعوَ أكثرَ مِن قدر التشهدِ خشيةَ الإطالةِ على المأمومين ، فأما المنفردُ فإنه يطيلُ ما لم يخفِ السهوَ فيكرَه له الزيادةُ . وقد بوَّب النسائيُّ في ((سنته)): ((بابُ: الذكرِ بعدَ التشهدِ »(٢)، وخرَّج فيه حديثَ عكرمةَ بنِ عمارِ : ثنا إسحاقُ بنُ أبي طلحةَ ، عن أنسٍ ، قال : جاءتْ أُمُّ سليمٍ إلى النبيُّ بِّهِ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، علّمني كلماتٍ أدعُو بهنَّ في صلاتِي، قال: ((سبِّحي اللهَ عشراً، واحمديه عشرًاً، وكبِّرِيه عشراً ، ثم سليه حاجتَك ، يقولُ: نعمْ، نعمْ )) . وخرَّج - أيضًا (٣) - بعد ذلك من حديث جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، عن جابرٍ، أن رسولَ اللهِ وَله كان يقولُ في صلاته بعدَ التشهد: ((أحسنُ الكلام كلامُ الله ، وأحسنُ الهدي هدي محمد)) . وهذا الحديثُ إنما يعرف(٤) فيه أن النبيَّ وَِّ كانَ يقولُه في تشهدِهِ في الخطبةِ، (١) في ((م): ((وهذا سجود سهو)، وفي هامشه: ((لعله: ولا)). وهو كذلك في((الأم)). (٢) (٥١/٣) . (٣) ((السنن)) (٥٨/٣). (٤) في الأصل: ((يعرب)) بالباء ، خطأ واضح. ١٩٢ حديث : ٨٣٥ كتاب الأذان كما في ((صحيح مسلمٍ )) وغيرِه (١)، فلعلَّ ذكرَ الصلاة فيه مما توهَّمَه بعضُ الرواةِ ، حيث سمعَ أنه كان يقولُه في تشهدِه ، فظنَّ أنه تشهدُ الصلاة . وحديثُ أنسِ المتقدمُ، خرَّجه الترمذيُّ والحاكمُ (٢) في ((بابِ : صلاةٍ التسبيحٍ )) . وحسَّنْه الترمذيُّ، وصحَّحه الحاكمُ ، وجعلاه مِن جملةِ أحاديثِ صلاةِ التسبيحِ . وخرّجه الإمامُ أحمدُ (٣)، ولم يذكر فيه: ((في صلاتي)). وقد رُوي الحديثُ بلفظ آخر بإسناد آخر ، وهو: (( إذا صليت الصلاةَ المكتوبةَ فسبِّحي ))(٤). وهذا اللفظُ يحملُ على أنها تقولُ ذلكَ إذا فرغتْ من صلاتها ، فيستدلّ به حينئذٍ على فضلِ الذكرِ والدعاءِ عقبَ الصلاة المكتوبةِ ، وعلى ذلك حملَه ابنُ حبانَ وغيرُه . وقد رُوي عن عائشةَ، أن النبيَّ ◌ََّ كان يفتتحُ قيام الليلِ، يكبِّرُ عشرًا، ويسبِّح عشرًا، ويُحَمِّد عشرًا، ويهلِّلُ عشرًا، ويستغفِرُ عشرًا، ويقولُ : ((اللهمَّ، اغفرْ لِي واهدني وارزُقَني)) - عشرًا، ويقولُ: ((اللهمَّ ، إني أعوذ بك من ضيقِ المقامِ يومَ الحسابِ )) - عشرًاً . (١) مسلم (١١/٣) وأحمد (٣١٠/٣، ٣١٩، ٣٣٧، ٣٧١) وأبو داود (٢٩٥٤) مختصرًاً والنسائي (١٨٨/٣) وابن ماجه (٢٤١٦) مختصرًا، وابن خزيمة (١٧٨٥). (٢) الترمذي في ((جامعه)) (٤٨١) والحاكم في ((مستدركه)) (٣١٧/١-٣١٨). (٣) ((المسند)) (١٢٠/٣). (٤) أورده الحافظ في ((اللسان)) (٢٨٥/٢) والذهبي في ((الميزان)) (٥٣٦/١) من حديث عبد الرحمن بن إسحاق ، عن حسين بن أبي سفيان، عن أنس أن النبي ◌َّ دخل على أم سليم وهي تصلي صلاة التطوع فقال لها : ((إذا صليت المكتوبة فاحمدي الله .. )). وفيه: الحسين بن أبي سفيان ، قال فيه البخاري : حديثه ليس بالمستقيم . ١٩٣ ١٥٠ - بَبُ مَا يَتَخَيَُّ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُد كتاب الأذان 2 (١) . خرجه النسائي وخرَّجه من وجوهِ متعددة بألفاظِ متقاربة ، وفي بعضها: ثم يستفتحُ الصلاةَ. وهذه الروايةُ تَشْهدُ لأنه كان يقولُ ذلك قبلَ دخوله في الصلاةِ. والله أعلم. وروَى جعفرٌ الفريابيَّ في (( كتابِ الذكرِ )) بإسنادٍ صحيحٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه رأى رجلاً دخلَ في الصلاةِ، فكَبَّر، ثم قالَ : اللهمَّ اغفر لي وارحمني ، فضربَ ابنُ عمرَ منكِبِيه وقالَ : ابدأْ بحمدِ اللهِ عزَّ وجلَّ والثناءِ عليه . وهذا يدلُّ على استحبابِ ذلك عندَ افتتاحِ الصلاةِ . ومما يستدلُّ به على استحبابِ الثناءِ على اللّهِ عزَّ وجلَّ في التشهدِ قبلَ الدعاء: ما روَى أنسٌ قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ وَّه، ورجلٌ قائمٌ يصلّي ، فلما ركعَ وسجدَ وتشهَّدَ دعا ، فقال في دعائه : اللهمَّ إني أسألُك بأن لك الحمدَ، لا إله إلا أنتَ المنانُ، بديعُ السمواتِ والأرضِ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ ، يا حيُّ يا قيومُ، إني أسألُك. فقال النبيُّ وَ ◌ّ لأصحابِه: ((هل تدرون بما دعَا ؟)) قالوا: اللّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: (( والذي نفسي بيده، لقد دعا باسمه العظيمِ ، الَّذِي إذا دُعيَ به أجابَ، وإذا سُئِل به أَعطَى)) . خرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وابنُ حبانَ في ((صحيحه)) والحاكمُ (٢) وقال : صحيحٌ على شرطِهما . وعن محجن بنِ الأَدْرَعِ، أن النبيَّ نَّهِ دخلَ المسجدَ ، فإذا رجلٌ قد قضى صلاتَه وهو يتشهَّدُ ، فقال : اللهمَّ، إني أسألُكَ يا اللهُ الواحدُ الأحدُ الصمدُ ، (١) ((السنن)) (٢٠٨/٣ - ٢٠٩) (٢٨٤/٨) من حديث عاصم بن حميد ، عن عائشة. وفي (( عمل اليوم والليلة)) (٨٧٦) من حديث ربيعة الجرشي، عن عائشة و (٨٧٧) من حديث شريق الهوزني ، عن عائشة . (٢) أحمد (١٥٨/٣، ٢٤٥) وأبو داود (١٤٩٥) والنسائي (٥٢/٣) وابن حبان (٨٩٣) والحاكم (٥٠٣/١-٥٠٤) . ١٩٤ حديث : ٨٣٥ کتاب الأذان الذي لم يلدْ ، ولم يولدْ ، ولم يكن له كفواً أحدٌ أن تغفر لي ذنوبي ، إنكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ، فقال رسولُ اللهِوَ لَه: ((قد غُفْرَ له)) - ثلاثًا . خَرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ والحاكمُ (١)، وقال: على شرطِهما . وخرَّج الترمذيُّ (٢) من حديثِ ابنِ مسعودٍ، قال كنتُ أصليٍّ والنبيُّ وَّ وأبو بكرٍ وعمرُ معه ، فلما جلستُ بدأتُ بالثناء على اللّه تعالى، ثم الصلاة على النبيِّ ◌َِّهِ، ثمَّ دعوتُ لنفسِي، فقال النبيُّ وَّةِ: ((سلْ تعطَهْ، سلْ تعطَه)). وقال : حسنٌ صحيحٌ . وعن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ ، قال: سمعَ النبيُّ ◌َّه رجلاً يدعُو في صلاته ، فلم يصلِّ على النبيِّ ◌َِّ، فقال: ((عجلَ هذا))، ثم دعَاه، فقال له - أو لغيره - : ((إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بتحميد اللّهِ والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبيِّ ◌َله، ثم لیدعُ بما شاءَ)) . خرجه الترمذيُّ (٣)، وقال : حسنٌ . وخرجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ (٤) وعنده: (( فليبدأ بتمجيد ربِّه والثناء عليه )). وخرَّجه النسائيُّ (٥)، وزاد: فسمع رسول الله وَّه رجلاً يصلى فمجد اللهَ وحمدَه، وصلَّى على النبيِ وَله، فقالَ رسولُ اللهِ بَّ: ((ادعُ تُجبْ، وسلْ تُعْطَه )) . وخَرَّجه الترمذيُّ(٦) بهذا المعنى - أيضًا -،وعنده: فقال: ((عَجلْتَ أيها (١) أحمد (٣٣٨/٤) وأبو داود (٩٨٥) والنسائي (٥٢/٣) والحاكم (٢٦٧/١). (٢) في (( جامعه)) (٥٩٣) . (٣) في (( جامعه)) (٣٤٧٧). (٤) أحمد (١٨/٦) وأبو داود (١٤٨١). (٥) في ((السنن)) (٤٤/٣-٤٥). (٦) فى ((جامعه)) (٣٤٧٦). ١٩٥ ١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ الَّشَهُد کتاب الأذان المصلِّي ، إذا صليت فقعدتَ فاحمد اللهَ بما هو أهلُهُ وصلِّ عليَّ، ثم ادْعُه )) - وذكر باقيه بمعناه . وفي هذا الحديثِ وحديثِ ابنِ مسعودٍ : استحبابُ تقديم الثناءِ على اللهِ على الصلاة على نبيِّهِ نَّهِ، وهذا قد يصدقُ بالدعاءِ بعدَ التشهدِ والصلاة على النبيِّ وَّه ؛ لأنَّ التشهدَ فيه ثناءٌ على الله عزَّ وجلَّ، فلا يحتاجُ إلى إعادةِ الثناءِ. وقال إسحاقُ: يحمدُ اللهَ بعدَ التشهدِ وقبلَ الصلاةِ علَى النبيِّ وَّهِ -: نقلَه عنه حربٌ . واستحبَّ إسحاقُ وبعضُ الشافعيةِ أن يبتدئَ التشهدَ بـ ((بسم الله))، وفيه حديثٌ مرفوعٌ ضعَّفَه غيرُ واحدٍ (١). وقد رُوي عن ابنِ عمرَ ، أنه كان إذا تشهَد التشهدَ الأخيرَ دعا فيه ، ثم أخَّر السلامَ على النبيِّ وَّ وعلى نفسِهِ وعبادِ اللهِ الصالحينَ إلى بعد الدعاءِ، ثم يختمُ دعاءَهُ بالسلامِ ، ثم يسلّم عن يمينه . ولم يذكرِ البخاريَّ الصلاةَ على النبيِّ وَّ في التشهد، وقد دل هذان الحديثان - أعنى: حديث ابن مسعود وفضالة - عليها ، ولكن ليسا على شرطه. وقد روى ابنُ إسحاقَ : حدثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ ، عن محمدِ بنِ (١) روي من حديث جابر - رضي الله عنه- مرفوعًا، خرجه النسائي (٢٤٣/٢) و (٤٣/٣) وابن ماجه (٩٠٢) والبيهقي (١٤١/٢) والحاكم (٢٦٧/١) والطحاوي (٢٦٤/١) جميعهم من حديث أيمن بن نابل ، عن أبي الزبير ، عن جابر مرفوعًا، وفيه: (( بسم الله ، وبالله التحيات لله .. )) . قال النووي في (( الخلاصة)): وهو مردود . فقد ضعفه جماعة من الحفاظ ، هم أجلّ من الحاكم وأتقن ، وممن ضعفه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي ، قال الترمذي : سألت البخاري عنه؟ فقال: هو خطأ. نصب الراية (٤٢١/١) . قلت : وقد رويت البداءة بـ ((بسم اللّه)) من حديث عُمر، وعليّ، وابن عمر، وعائشة موقوفًا عليهم أخرجها البيهقي (٢/ ١٤٢، ١٤٣) وغيره . ١٩٦ حديث : ٨٣٥ كتاب الأذان عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، عن عقبةَ بنِ عَمرو ، قال : قالوا : يا رسولَ اللهِ ، أما السلامُ عليك فقد عرفناه ، فكيف نصلّي عليك إذا نحن صليْنا عليكَ في صلاتنا ؟ قال : (( قولُوا : اللهمَّ، صلِّ على محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آل محمد، كما صليتَ علَى إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ ، إنك حميدٌ مجيدٌ)) . خرَّجه ابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ في (( صحيحيهما )) والدار قطنيّ - وقال : إسنادٌ حسنٌ متصلٌ - والحاكمُ(١) - وقال: صحيحُ الإسنادِ . ويشهدُ لذلكَ: قولُ الصحابة للنبيِّ وَِّ: (( هذا السلامُ عليكَ قد عرفناهُ » ، وإنما عرفوا السلامَ عليه في التشهدِ في الصلاةِ، وهوَ: (( السلامُ على النبيِّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه )» ، فيكونُ سؤالُهم عن الصلاةِ عليه في الصلاةِ - أيضًا . وقد خرج ابن عدى(٢) من حديث طلحة ، قال قلت : يا رسول الله ، هذا التشهد قد عرفناه ، فكيف الصلاةُ عليك - فذكره . وفي إسناده : سليمانُ بنُ أيوبَ الطلحيُّ ، وقد وثَّقه يعقوبُ بنُ شيبةَ وغيرُهُ وقال ابنُ عديٍّ: عامةُ أحاديثه أفرادٌ لا يتابعُهُ عليها أجدٌ . وخرَّج الحاكمُ والبيهقيُّ (٣) من حديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ◌ِّرِ ، قالَ: ((إذا تشهَّدَ أحدُكم في الصلاة ، فليقلْ: اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، وارحَمْ محمدًا وآلَ محمد ، كما صليتَ وباركتَ وترحَّمتَّ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ)) . وفي إسناده : رجلٌ غيرُ مسمّى . (١) ابن خزيمة (٧١١) وابن حبان (١٩٥٩) والدارقطني (٣٥٤/١-٣٥٥) والحاكم (٢٦٨/١). (٢) ((الكامل)) (١١٣٢/٣). (٣) الحاكم (٢٦٩/١) والبيهقي (٣٧٩/٢). ١٩٧ ١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُد كتاب الأذان وخرج الدارقطنيٌّ(١) من حديث عبد الوهَّبِ بنِ مجاهدٍ ، عن مجاهد ، قال : أخذ بيدي ابنُ أبي ليلى - أو أبو معمرٍ - ، قال : علَّمني ابنُ مسعودٍ التشهدَ، وقال: علمنيه رسولُ اللهِ وَ لّهِ: ((التحياتُ لله)) - فذكره إلى آخرِه ، وزاد بعدَه: الصلاةُ على النبيِّ ◌ِيهِ. وقال : ابنُ مجاهد هذا ، ضعيفُ الحديثِ . وخرَّج البيهقيُّ (٢) من روايةِ إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ، عنِ النبيِّ ◌َِّ، أنه قالَ: ((إذا جلستُم بينَ الركعتينِ فقولُوا : التحياتُ لله )) - إلى آخر التشهد. قال عبدُ اللهِ: وإذا قالَ : السلامُ علينا وعلَى عباد الله الصالحينَ أصابتْ كلَّ عبدٍ صالحٍ أو نبيِّ مرسلٍ ، ثم يبدأ بالثناءِ على اللهِ والمُدحة له بما هو أهلُهُ، وبالصلاة على النبيِّ وَِّ ، ثم يسألُ بعدَ ذلكَ. والظاهرُ : أن آخرَه مِن قول ابن مسعودٍ . وفيه : استحبابُ الثناءِ على اللهِ بعدَ التشهدِ قبل الصلاة على النبيِّ وَّ ولا نعلمُ خلافًا بين العلماءِ في أن الصلاةَ على النبيِّ بَّ في التشهد الأخيرِ مشروعةٌ ، واختلفوا : هل تصحُّ الصلاةُ بدونِها ؟ على ثلاثةِ أقوالٍ : أحدُها : لا تصِحُّ الصلاةُ بدونها بكلِّ حالٍ ، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ - في رواية عنه . ورُوي عن أبي مسعودِ الأنصاريِّ ، قال : ما أرى أن لي صلاةً تمت لا أصلي فيها على محمدٍّ وآله . وخرج ابنُ ماجه (٣) من روايةٍ عبد المهيمنِ بنِ عباسِ بنِ سهلٍ بن سعدٍ ، عن (١) ((السنن)) (٣٥٤/١). (٢) ((السنن الكبرى)) (١٤٨/٢). (٣) ((السنن)) (٤٠٠) . ١٩٨ حديث : ٨٣٥ كتاب الأذان أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّنَلَّ: ((لا صلاة لمن لم يصلِّ عَلَى نِبِّهِِّ)). وعبدُ المهيمنِ ، تكلَّموا فيه . والثاني : تصحّ الصلاة بدونِها مع السهوِ دون العمد ، وهو روايةٌ أخرى عن أحمدَ وإسحاقَ . ورُوي معناه عن ابنِ عمرَ من قولِه . خرجه المعمريَّ في كتاب ((عملٍ يومٍ وليلةٍ )) . واستدلَّ بعضُ مَن قال ذلك بحديثٍ فَضَالةَ بنِ عُبيدِ المتقدمِ ذِكرُه ؛ فإن النبيّ مَاخيّه لم يأمرْ من صلَّى ولم يصلِّ عليه بالإعادة حيث لم يكن يعلم ذلك ، وإنما علَّمه أن يقولَها فيما بعدُ . والثالثُ : تصح الصلاةُ بدونِها بكلِّ حالٍ ، وهوقولُ أكثرِ العلماءِ ، منهم : أبو حنيفةَ ومالكٌ والثوريُّ والأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ - في روايةٍ عنهما - وداودُ وابنُ جريرٍ وغيرُهم . وقال النخعيُّ: كانوا يكتفونَ بالتشهد من الصلاة على النبيِّ ◌َادِ . خرجه سعيدُ بنُ منصورٍ . ولعله أراد : أن التسليمَ عليه والشهادةَ له بالرسالة تكفي منَ الصلاةِ عليه . وقد رُوي عنه ما يدلُّ على أن ذلك مرادُه ، وعن منصورِ والثوريِّ نحوُه - أيضًا . واستدلَّ لذلك بأن النبيَّ وَّهِ لم يعلِّم المسيءَ في صلاته الصلاةَ عليه ، ولا صحَّ عنه أنه علَّمها أصحابَه مع التشهدِ ، مع أنه علَّمهم الدعاءَ بعدَه ، وليس بواجب كما سبقَ . والأمرُ بها في حديث ابنِ إسحاقَ لا يدلُّ على الوجوبِ ؛ فإنه إنما أمرَهُم عند سؤالهم عنه ، وهذه قرينةٌ تخرجُ الأمرَ عن الوجوبِ ، على ما ذكرَهُ طائفةٌ من ١٩٩ ١٥٠ - بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ النَّشَهُد کتاب الأذان الأصوليِّين ؛ فإنه لو كانَ أمرُه للوجوبِ لابتدأهُم به ، ولم يؤخره إلى سؤالهم، مع حاجتهم إلى بيانِ ما يجبُ في صلاتِهم ؛ فإن تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوزُ ، فدلَّ على أنه اكتفى بالسلامِ عليه عن الصلاةِ يدلُّ على ذلك : أن عمرَ كان يعلمُ الناسَ التشهد على المنبرِ(١)، ولم يذكر فيه الصلاةَ على النبيِّ وَّهِ، وكذلك رُوي صفةُ التشهدِ عن طائفةٍ منَ الصحابةِ ، منهمُ : ابنُ عمرَ وعائشةُ (٢) وغيرُهما، ولم يذكروا فيه الصلاةَ على(٣) النبيُّ (١) تقدم تخريجه . (٢) تقدم تخريجه . (٣) في الأصلين: ((عن)). ٢٠٠ حديث : ٨٣٦ کتاب الأذان ١٥١ - بَابٌ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبَهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَأيْتُ الحُمَيْدِيَّ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَن لَّ يَمْسَحَ الْجَبَّهَةَ فِي الصََّةَ . ٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلَمُ بْنُ إِبْرَاهيمَ: ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَِّيَّوَهِ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَآَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبَّهَتِهِ . هذا مختصرٌ من الحديثِ الذي فيه ذكرُ طلبٍ ليلةِ القدرِ ، وقد سبقَ بتمامه في ((أبوابِ السجودِ))، وسيأتي في آخر (( الصيام)) - إن شاء الله سبحانه وتعالى - بألفاظِ أخرَ ، وفي بعضِها (١): أنه قال : فبصرت عيني [ رسول الله وَّو ]، فنظرت إليه انصرفَ من الصبحِ ووجهُهُ ممتلئٌّ . ولا شكَّ أنه لم ينظر إلي وجهِه إلا بعد انصرافِه منَ الصلاةِ ، فدلَّ على أنه وَّه لم يمسح أثرَ الطينِ من جبهتِه وأنفه في الصلاة ، وهذا هو الذي أشارَ إليه الحميدي . وقد اتفقوا على أنَّ ترْكَه في الصلاة أفضلُ ؛ فإنه يشبه العبثَ ، واختلَفوا : هل هو مكروهٌ ، أم لا ؟ قال ابنُ المنذرِ(٢): رُوِّينا عن ابنِ مسعودٍ ، أنه قال : مِن الجفاءِ مسحُ الرجلِ أثرَ سجودِه في الصلاة . وكرِه ذلك الأوزاعيّ وأحمدُ ومالكٌ . (١) (٢٠١٨) والزيادة منه. (١) ((الأوسط)) لابن المنذر (٢٧٦/٣).