النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
١٤٥ - بَابُ سُنَّةِ الْجُلُوسِ في التشهدِ
كتاب الأذان
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ وابنُ ماجه (١).
وصححه الترمذيُّ .
وقد خرجه الجوزجانيَّ في (( كتابه المترجم )) ، عن أبي عاصمٍ ، عن
[ ... أنه كان في] (٣) الثنتين يثنى رجلَه اليسرى فيقعدُ عليها معتدلاً حتى يقرَّ كلُّ
عظم منه موضعَه ، ثم ذكر : تورُّكَه في تشهدِهِ الأخيرِ .
وهذه زيادةٌ غريبةٌ .
وقد خرج أبو داودَ وابنُ ماجه(٣) الحديثَ من رواية أبي عاصمٍ ، وخرَّجه
الإمام أحمدُ (٤) عن أبي عاصمٍ ، ولم يذكرُوا صفة جلوسه في الركعتين ، إنما
ذكرُوا ذلكَ في جلوسِهِ بينَ السجدتينِ .
وفي حديثِ عبدِ الحميدِ : زيادةُ ذكرِ رفعٍ اليدينِ إذا قامَ من التشهدِ الأولِ،
وكذلك في حديثِ عتبةَ بنِ أبي حكيمٍ - أيضًا .
وقد أخذَ بهذا الحديثَ في التفريقِ بينَ الجلوسِ في التشهدِ الأولِ والآخرِ
في الصلاة فقهاءُ الحديثِ كالشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ .
ثم اختلَفُوا :
فقال الشافعيُّ : يتورَّكُ في التشهدِ الذي يعقبه السلامُ بكلِّ حال ، سواءٌ
(١) أحمد (٤٢٤/٥) وأبو داود (٧٣٠، ٩٦٣) والنسائي (٣٤/٣) والترمذي (٣٠٤، ٣٠٥) وابن
ماجه (١٠٦١) .
(٢) موضع النقط بياض في ((هـ))، ولم أستطع قراءته من (( م)) حيث إنه ضمن لحق لم يظهر،
ولعله: ((عبد الحميد بن جعفر، به، وفيه:)) وأما قوله: (( أنه كان في )) فمضروب عليه
في (( هـ )) لكن ذكرته مع التنبيه للحاجة إليه .
(٣) أبو داود (٧٣٠، ٩٦٣) وابن ماجه (١٠٦١).
(٤) لم أجده في ((المسند )) وقد خرجه أبو داود (٧٣٠ ، ٩٦٣) عن أحمد بن حنبل ، ثنا
أبو عاصم به .

١٦٢
حديث : ٨٢٨
کتاب الأذان
كانت الصلاةُ فيها تشهدٌ واحدٌ أو تشهدَان ؛ لأنَّ التشهدَ الذي يسلِّمُ فيه يطولُ
بالدعاء فيه فيتورَّكُ فيه ؛ لأن التورُّكَ أهونُ من الافتراشِ
وقال أحمدُ وإسحاقُ : إن كان فيها تشهدانِ تورَّك في الأخيرِ منهما ، وإن
كانَ فيها تشهدٌ واحدٌ لم يتوركْ فيه ، بلِ افترشَ .
فيكونُ التوركُ للفرقِ بينَ التشهدينِ ، ويكون فيه فائدتانِ : نفيُ السهوِ عن
المصلِّي ، ومعرفةُ الداخلِ معه في التشهدِ : هل هو في الأولِ ، أو الثاني .
واتفقوا - أعني : هؤلاء الثلاثةَ - على أنه يفرشُ في التشهدِ الأولِ الذي
لا یسلّمُ فيه .
وقد خرج الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ والترمذيُ (١) من حديث وائلِ بنِ
حجرٍ، أنه رأى النبيَّ ◌َّ يصلِّي، فلما جلس افترشَ .
لكنِ اختلفتْ ألفاظُ الرواياتِ فيه :
ففي روايةِ الترمذيِّ: ((يعني: للتشهدِ))، وهذا تفسيرٌ من بعضِ الرواةِ.
وفي روايةٍ للإِمامِ أحمدَ : أن ذلك كانَ في جلوسه بينَ السجدتينِ .
وفي روايةٍ للنسائىِّ : أنه كانَ يفعلُ ذلك إذا جلسَ في الركعتينِ .
وهذه الروايةُ ، إنما تدلُّ على افتراشِه في جلوسه بعدَ الركعتينِ ، وأحمدُ
وإسحاقُ يقولانِ بذلكَ .
وفي ((صحيح مسلمٍ))(٢)، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ مَ﴾ [يقولُ] (٣)
في كل ركعتين التحيةَ ، وكان يفرشُ رجلَه اليسرى ، وينصبُ اليمنَى .
(١) أحمد (٣١٦/٤ - ٣١٧ - ٣١٨) وأبو داود (٧٢٦) (٩٥٧) والنسائي (١٢٦/٢-٢٣٦) (٣٥/٣)
والترمذي (٢٩٢) .
(٢) (٢ / ٥٤) .
(٣) ساقط من (( هـ)).
١

١٦٣
١٤٥ - بَابُ سُنَّةِ الْجُلُوسِ في التشهدِ
کتاب الأذان
وهو محمولٌ على صلاةِ الركعتينِ ، بدلالةِ سياقِ أولِ الكلامِ .
وخرَّج أبو داودَ (١) من حديث رفاعةَ بنِ رافعٍ، أن النبي ◌َّ قال للمسيء في
صلاته : (( إذا قعدتَ (٢) فاقعد على فخذك اليسرَى )) .
وفي رواية أخرى له - أيضًا - (٣): ((فإذا جلستَ في وسط الصلاة فاطمئنّ
وافترشْ فخذك اليسرى ، ثم تشهدْ)) .
٠
وهذه الروايةُ تدلُّ على أنه إنما أمرَه بالافتراشِ في التشهدِ الأولِ خاصةً .
وفي (( المسندِ )» (٤) من طريقِ ابنِ إسحاقَ: حدثني عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ ،
عن أبيه، عنِ ابنِ مسعودٍ، قال: علَّمنى رسولُ اللهِ وَّوَ التشهدَ في وسطِ
الصلاةِ وفي آخرِها . فكنَّا نحفظُ عنِ ابنِ مسعودٍ ، حينَ أخبرنا أنَّ رسولَ الله
وَِّ علَّمه إياه، فكان يقولُ: إذا جلسَ في وسطِ الصلاةِ وفي آخرِها على ورِكه
اليسرَى: ((التحياتُ للهِ)) - إلى آخرِ التشهدِ .
والظاهرُ: أن قوله: ((على ورِكه)) يعودُ إلى قولِه: ((وفي آخرِها))
خاصةً .
وذهبَ طائفةٌ منْ أهلِ العلمِ إلى أنه يفترشُ في جميع التشهداتِ ، وهو قولُ
أبي حنيفةً والثوريِّ والحسنِ بنِ صالحٍ وابنِ المباركَ ، وحكاه الترمذيُّ عن أكثر
أهلِ العلمِ .
وقال طائفةٌ : يتورَّك في جميعِها ، وهو قولُ مالك ، وكذا قالَ في الجلوس
بين السجدتين .
(١) (٨٥٩) .
(٢) في ((السنن)): ((رفعت)).
(٣) (٨٦٠) .
(٤) (٤٥٩/١) .

١٦٤
حديث : ٨٢٨
كتاب الأذان
وجميع من سبقَ ذكرُهُ من العلماء قالُوا : إنه يفترشُ فيه .
وفي «صحيح مسلمٍ)) (١) عنِ ابنِ الزبيرِ، قال: كان رسولُ اللهِ وَل﴿ إذا
قعدَ في الصلاة جعل قدمه اليسرَى بين فخذِه وساقِه ، وفرشَ قدمه اليمنى .
وقد فسَّرِه بالتوركِ حربٌ الكرمانيُّ وغيرُه .
وقد رُويَ التوركُ في الجلوسِ في الصلاة عن ابنِ عُمر ، ذكره مالكٌ في
((الموطأ)) (٣) عن يحيى بن سعيدٍ ، عنِ القاسمِ بنِ محمدٍ ، أنه أراهمُ الجلوسَ
في التشهدِ، فنصَبَ رجلَه اليُمنَى وثنَى رجلَه اليُسرى، وجلَس على ورِكه
الأيسرِ ، ولم يجلسْ علَى قدمِهِ ، ثم قال : أراني هذا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
عُمر ، وأخبرني أن أباه كان يفعلُ ذلك .
وخرجه أبو داودَ (٣) من طريقه .
وقال ابنُ جرير الطبريُّ: كلُّ ذلك جائزٌ؛ لأنه يُروى عن النبيِّ وَِّ، فيخيّرُ
المصلِّي بينه ، فيفعلُ منه ما شاءَ .
ومالَ إلى قولِه ابنُ عبدِ البرِّ .
وقد نصَّ أحمدُ في رواية الأثرمِ على جوازِ التوركِ في التشهدِ الذي يسلّم فيه
من ركعتين ، مع قولِهِ : إن الافتراشَ فيه أفضلُ .
وقد رُوي النهيُ عن التوركِ في الصلاةِ ، ولا يثبتُ ، وفيه حديثان :
أحدُهما : من رواية يحيى بنِ إسحاقَ ، عن حمادِ بنِ سلمةَ ، عن قتادةَ ،
(١) (٢ / ٩٠) .
وعند أبي داود: (٩٨٨): ((تحت )) بدل: (جين)).
وراجع تعليقي على الجزء الذي حققته من ((المعجم الكبير )) للطبراني برقم (٦).
(٢) (ص٧٧) .
(٣) (٩٥٨) .
١

١٦٥
١٤٥ - بَابُ سُنَّةِ الْجُلُوسِ في التشهدِ
کتاب الأذان
عن أنسٍ، أن النبيِّ وَِّ نهَى عن التوركِ والإقعاءِ في الصلاةِ .
خرجه أبو داودَ في (( كتاب التفردِ ))(١).
وقال : هذا الحديثُ ليس بالمعروفِ .
وخرَّجه البزارُ في ((مسنده »(٢) .
وقال : لا يُروَى عن أنسٍ إلا من هذا الوجهِ ، وأظنَّ يحيى أخطأَ فيه .
وقال أبو بكرِ البرديجيّ في (( كتاب معرفة أصولِ الحديثِ)) له : هذا حديثٌ
لا يثبتُ ؛ لأن أصحابَ حماد لم يجاوزُوا به قتادةَ .
كأنه يشيرُ إلى أن يحيى أخطأ في وصِلِهِ بذكرِ أنسٍ ، وإنما هو مرسلٌ .
وثانيهما : من روايةِ سعيدِ بنِ بشيرٍ ، عن الحسنِ ، عن سمرة ، أن
رسولَ اللهِ وَّ نِهَى عن التوركِ والإقعاءِ، وأن لا نستوفزَ (٣) في صلاتِنا.
خرَّجه البزارُ (٤).
وقالَ : سعيدُ بنُ بشيرٍ ، لا يُحتَجِّ به .
وخرجه الإمامُ أحمدُ (٥)، ولفظُه: أمرنا رسولُ اللهِ وَِّ أن نعتدلَ في
الجلوسِ ، وأن لا نستوفزَ .
(١) في هامش (( م)): ((عزاه في شرح الهداية إلي المسند)).
(٢) (٥٤٩- كشف) .
(٣) استوفز : أي قعد غير مطمئنٍ ، وكأنه يتهيأ للوثوب .
(٤) (٥٥١- كشف) .
(٥) ((المسند)) (٥/ ١٠) من حديث سمرة بن جندب.

١٦٦
حديث : ٨٢٩
کتاب الأذان
١٤٦ - بَابُ
مَنْ لَمْ يَرَ النَّشَهُّدَ الأَوَّلَ واجبًا
لأَنَّ النَّبِّ ◌َ﴿ قَامَ مِنَ الرَّكْمَتَيْنِ وَلَمْ يَرْجِعْ
٨٢٩ - حَدَّثْنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهِرِيِّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ
ابْنُ هُرْمُزٍ مَوْلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَِّبِ - وَقَالَ مَرَّةٌ : مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ -، أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُحَيْنَةَ - وَهُوُ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، وَكَانَ مِنْ
أَصْحَابِ النِّيِِّ﴿ -، أَنَّالنََِّّ ◌َ صَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَنِ،
لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ
جَالسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ.
عبدُ الرحمنِ بنُ هرمزٍ ، هوَ : الأعرجُ ، وهو مولَى ربيعةَ بنِ الحارثِ
ابنِ عبدِ المطلبِ ، فلذلك نسبه الزهريُّ مرةً إلى ولاءِ بني عبد المطلب ، ومرةً
إلى مولاه .
وقد استدلَّ بهذا الحديث كثيرٌ منَ العلماء - كما أشارَ إليه البخاريُّ - على أن
التشهدَ الأولَ ليسَ بواجبٍ؛ لأنَّ النبيَّ نَّهِ نسيَه، ولم يرجعْ إليه بعدَ قيامِه إلى
الركعة الثالثة .
وممن ذهبَ إلى أن التشهدَ الأولَ والجلوسَ له سنةٌ لا تبطلُ الصلاةُ بتركِهما
عمدًا : النخعيُّ وأبو حنيفةَ والأوزاعيُّ ومالكٌ والشافعيُّ، وحُكِيَ روايةً عن
أحمدَ .
والمنصوصُ عن أحمدَ : إنكارُ تسميته سنةً ، وتوقَّف في تسميته فرضًا ،
وقال: هو أمرٌ أمرَ به رسولُ اللهِ وَلَه .
وقال الثوريُّ وأحمدُ - في ظاهرٍ مذهبِه - وإسحاقُ وأبو ثورٍ وداودُ : إن ترك

١٦٧
١٤٦ - بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ النَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا
كتاب الأذان
واحدًا منهما عمدًا بطلت صلاتُه ، وإن تركه سهوًا سجدَ لسَهوٍ .
وحكى الطحاويُّ مثلَه عن مالكٍ .
لأن النبيَّ وَلَ كانَ يداومُ عليه، وقالَ: ((صلُّوا كما رأيتمونِي أُصلِّي))(١)،
وإنما تركَه نسيانًا ، وجبرَهَ بسجودِ السهوِ ، وقد رُوي عنه الأمرُ به
كما خرَّجه أبو داودَ (٢) من حديث رفاعةَ بنِ رافعٍ، أن النبيَّ وَّ قال
للمسيءِ في صلاته : ((فإذا جلستَ في وسط الصلاة فاطمئنَّ وافترشْ فخذَك
اليسرى، ثم تشهدْ)) .
والعجبُ أن مِنَ المخالفين في ذلك مَن يقولُ في خطبتي الجمعة : إذا لم
تجلسْ بينهما لم تصحَّ الخطبةُ ، وهو يقولُ : لو صلَّى الظهرَ أربعًا مِن غيرِ
جلوسٍ في وسطِها صحتْ صلاتُه !
وأما التشهدُ الآخِرُ والجلوسُ به ، فقال كثيرٌ منَ العلماءِ : إنهما من فرائضٍ
الصلاة ، ومَن تركَها لم تصحَّ صلاتُه ، وهو قولُ الحسنِ ومكحولٍ ونافعٍ مولى
ابنِ عمرَ والشافعيِّ وأحمدَ - في ظاهرِ مذهِبِه - وإسحاقَ وأبي ثورٍ وداودَ .
وحكى ابنُ المنذرِ مثلَه عن مالك ، إلا أنه قالَ : إذا نسيَه خلفَ الإمام حملَه
عنه .
ورُوي عن الأوزاعيِّ نحوُه .
ونقل مهنّاً عن أحمدَ ما يدلُّ على مثلِ ذلك .
وقال أبو مصعبِ : مَن تركَ التشهدَ بَطلت صلاتُه ، ونقلَه عن مالكِ وأهلِ
المدينة .
وقالت طائفةٌ : هو سنةٌ كالتشهد الأول ، لا تبطلُ الصلاةُ بتركِه ، منهم :
(١) البخاري (٦٢٨) من حديث مالك بن الحويرث.
(٢) (٨٦٠) .

١٦٨
حديث : ٨٢٩
کتاب الأذان
النخعيُّ وقتادةُ وحمادٌ والأوزاعيُّ ، وهو المشهورُ عن مالكِ .
ونقلَ محمدُ بنُ يحيى الكحالُ ، عن أحمدَ ، فيمَن سلَّم ولم يتشهدْ :
لا إعادةَ ، واستدلَّ بحديثِ ابنِ بحينةَ .
ونقل ابنُ وهب ، عن مالكِ ، قالَ: كلُّ أحد يحسنُ التشهدَ ؟! وإذا
ذكرَ اللهَ أجزأَ عنه .
وقال أحمدُ - في رواية عنه ، نقلها حربٌ - : إذا لم يقدرْ أن يتعلمَ التشهدَ
يدعُو بما أحبَّ .
وأوجبَ أبو حنيفةَ الجلوسَ لهُ بقدرِ التشهدِ ، دونَ التشهدِ ، وهو روايةٌ عنِ
الثوري
.
ورُوي عنه : إن أحدثَ قبلَ التشهد تمتْ صلاتُه .
وحُكِيَ القولُ بأنه سنةٌ روايةً عن أحمدَ - أيضاً - ، حكاه عنه الترمذيَّ في
((جامعِه)) ، فإنه قال في روايةِ ابنِ منصورٍ ، وقد قيلَ له : فإنْ لم يتشهدْ
وسلَّمَ؟ قال: التشهدُ أهونُ؛ قامَ رسولُ اللهِ ◌ِّله في ثنتينٍ ولم يتشهدْ .
فحملَه هؤلاءِ علَى أن التشهدَ غيرُ واجبٍ .
ومنهم من حملَه على التشهدِ الأولِ ؛ لاستدلاله عليه بالحديث ، والحديثُ
إنما ورد في الأولِ ، وقالوا : قد فرَّق بين الأول والثاني في رواياتٍ أخرَ عنه .
وقال طائفةٌ : هو واجبٌ ، تبطلُ الصلاةُ بتركِه عمدًا ، ويسجدُ لسهْوِه ، وهو
قولُ الزهريِّ والثوريِّ، وحُكي عنِ الأوزاعيِّ - أيضًا - ، ونقله إسماعيلُ بنُ
سعيدٍ وأبو طالبٍ وغيرُهما عن أحمدَ .
وذكر أبو حفصِ البرمكيُّ من أصحابنا : أن هذا هو مذهبُ أحمدَ ، وأنه
لا فرقَ عنده بين التشهدِ الأولِ والثاني ، وأنهما واجبانِ تبطلُ الصلاةُ بتركهما
عمدًا ، ويسجد لسهوهِما .

١٦٩
١٤٦ - بَبُ مَنْ لَمْ يَرَ النَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا
کتاب الأذان
وهو - أيضًا - قولُ أبي خيثمةَ وسليمانَ بنِ داودَ الهاشميِّ وابنِ أبي شيبةً .
واستدلَّ منَ قال : إنه فرضٌ ، بما رُوي عنِ ابنِ مسعودٍ ، أنه قال : كنَّا
نقُولُ قبلَ أن يُفرضَ علينا التشهدُ: ((السلامُ علَى الله)) - الحديثَ ، وذكر فيه
أمرَ النبيِّ وَّ لهم بالتشهدِ وتعليمَه لَهُمْ.
خرجه الدار قطنيُ (١) ، وقال: إسناده صحيحٌ .
وخرج البزارُ والطبرانيُّ(٢) من حديثِ ابن مسعودٍ، أن النبيَّ ◌ِّهِ عَلَّمهمُ
التشهدَ ، وقال لهم: ((تعلَّموا؛ فإنه لا صلاةَ إلا بتشهد)).
وفي إسنادِهِ : ميمونٌ أبو حمزةَ ، ضعيفٌ جدًا .
وخرَّج الطبرانيُ (٣) نحوَه من حديثٍ عليٍّ مرفوعًا، بإسنادٍ لا يصحُّ .
وقد رُوي موقوفًا على ابنِ مسعودٍ (٤) ، وهو أشبهُ .
وروى شعبةُ ، عن مسلمٍ أبي النضرِ ، قال : سمعتُ حملةَ (٥) بنَ
عبدِ الرحمنِ ، عن عمر ، أنه قال: لا تجزئُ صلاةٌ إلا بتشهد .
خرجه الجوزجانيُّ وغيرُهُ .
وفي روايةٍ : قال : مَن لم يتشهدْ فلا صلاةَ له .
وخرجه البيهقيُّ(٦)، وعنده التصريحُ بسماعٍ حملةَ (٥) له مِن عمرَ .
(١) ((السنن)) (٣٥٠/١).
(٢) ((كشف الأستار)) (٥٦٠)، و((الأوسط)) (٤٥٧٤) .
(٣) في ((الأوسط)) (٧٥٦٨) وفيه: نهشل بن سعيد الترمذي متروك الحديث .
(٤) ذكره البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٣٩/٢) ولم يسنده.
(٥) في الأصلين : ((جبلة))، والتصويب من البيهقي.
(٦) ((السنن الكبرى)) (١٣٩/٢).

١٧٠
حديث : ٨٣٠
كتاب الأذان
١٤٧ - بَابُ
الَّشْهُّدِ فِي الأُولَى
٨٣٠ - حَدَّثْنَا قُتََّةُ: ثَنَا بَكْرٌ - هُوَ: ابْنُ مُضَرِ - ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ بُحَيَّةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّ الظهر،
فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ.
يعني البخاريَّ : التشهدَ في الجلسةِ الأُولى في الصلاةِ .
وحديثُ ابنٍ بحينةَ قد سبقَ في الباب الماضي .
وفيه : دليلٌ على أنَّ من تركه نسيانًا لم تبطلْ صلاتُه ، وأنه يسجدُ للسهو
لتركِه، وقد سبق حكم تركِه نسيانًا وعمدًا في الباب الماضي .
ومذهبُ أحمدَ : إن تركه نسيانًا لزمَه [ بسجود به أن يجبره بسهوويه ](١)،
وإن تركَه عمدًا بطلت صلاتُه ؛ كما سبقَ ذكرُه .
وفي ((صحيح مسلمٍ)) (٢) عن عائشةَ، أن النبيَّ نَّ كان يقولُ في كلِّ
ركعتين التحية
وخرجه البيهقيُّ (٣)، ولفظُهُ: إن النبيَّ ◌َِّ كانَ يقولُ بينَ كلِّ ركعتينٍ
تحيةً .
وخرجَ أبو داودَ (٤) من حديثِ سمرةَ بنِ جندبٍ ، قال : أمرنا رسولُ الله
(١) كذا بالأصلين ، ولم أتبينه ، والكلام مفهوم .
(٢) (٥٤/٢) وقد تقدم .
(٣) (١٣٣/٢) .
(٤) (٩٧٥) .

١٧١
١٤٧ - بَابُ النَّشْهْدِ فِي الأُولَى
کتاب الأذان
وَّ إذا كانَ في وسطِ الصلاةِ أو حينَ انقضائها فابدؤوا قبلَ التسليم: ((التحياتُ
والطيّبَاتُ والصلواتُ والملكُ للهِ)) ، ثم سلِّموا .
والتشهدُ بعدَ الركعتينِ - وإن لم يسلم منه - إشارةٌ إلى أن كلَّ صلاة ركعتين
صلاةٌ تامةٌ ، فيتشهدُ عقبَها ، وإن كان يقومُ منها إلى الصلاةِ ؛ فإن الصلاةَ التي
يقوم إليها كالصلاة المستقبلَة .
ولم يكن النبيُّ ◌َ﴿ يصلّي أكثرَ من ركعتينِ بغير تشهدٍ غيرَ صلاةِ الليلِ ؛ فإنه
قد رُوي عنه أنه كان يصلّي ثمانيًا(١) وأربعًا (٢) ثم يتشهدُ .
(١) أخرجه أحمد (٥٣/٦ - ٥٤، ١٦٨) ومسلم (١٦٩/٢ - ١٧٠) وغيرهما من حديث عائشة
رضي الله عنها وفيه: ((ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة)).
(٢) أخرجه أحمد (٣٦/٦، ٧٣، ١٠٤) والبخاري (١١٤٧) ومسلم (١٦٦/٢). وغيرهم من
حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: ((ما كان رسول الله مُله يزيد في رمضان ولا في غيره
على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعًا .. ثم يصلي أربعًا .. ثم يصلي ثلاثًا)).

١٧٢
حديث : ٨٣١
كتاب الأذان
١٤٨ - بَابُ
النَّشَهُّدِ فِي الآخِرَةِ
يعني : في الجلسةِ الأخيرةِ في الصلاةِ .
٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ : قَالَ
عَبّدُ اللَّه: كُنَّا إِذَا صَلَيْنَا خَلْفَ النَِِّّ﴿ قُلْنَا: السَّلامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِكَائِيلَ ، السَّلامُ
عَلَى فُلاَنِ السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنِ(١)، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِوَهِ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ
هُوَالسَّلاَمُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمَّ فَلَقُلْ: التَّحِيَاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَتُ وَالطَّاتُ، السَّلامُ
عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَانُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ،
فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ
أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)) .
وإنما خصَّ البخاريُّ هذا الحديثَ بالتشهدِ الأخيرِ ؛ لأنه رُوي في آخرِهِ الأمرُ
بالتخيير منَ الدعاءِ ، كما سيأتي ، والدعاءُ يختصُّ بالأخيرِ ، ولكنَّ المرادَ بالتشهد
الأخيرِ : كلُّ تشهدٍ يسلَّمُ منهُ ، سواءٌ كان قبلَه تشهدٌ آخرُ ، أم لا .
وخرّج الإمامُ أحمدُ والنسائيُ(٢) حديثَ ابنِ مسعودٍ بلفظٍ آخرَ ، وهو : أن
النبيَّ وَّ قالَ: ((إِذَا قعدتمْ في كلِّ ركعتين فقولُوا: التحياتُ لله)) - فذكره ،
وقال في آخره: (( ثمَّ ليتخير أحدُكم منَ الدعاءِ أعجبَه إليه ، فلَيَدعُ به ربَّه عزَّ
وجلَّ)) .
وهذا اللفظُ صريحٌ في أنه يتشهَّدُ بهذا التشهدِ في كلِّ ركعتين يسلّم منهما .
(١) في ((اليونينية)): ((السلام على فلان وفلان)).
(٢) أحمد (٤٣٧/١) والنسائي (٢٣٨/٢).

١٧٣
١٤٨ - بَابُ الَّشَهُدِ فِي الآخِرَةِ
کتاب الأذان
وخرجه الترمذيُّ والنسائيُّ (١) - أيضًا بلفظ آخر، وهو : علَّمِنَا رسولُ الله
وَ﴿ إذا قعدنَا في الركعتين أن نقولَ: ((التحياتُ لله)) - فذكره ، ولم يذكر بعده
الدعاءَ .
وخرجه الإمامُ أحمدُ (٢) بلفظِ، وهو: علَّمِنِي رسولُ اللهِ وَّ التشهدَ في
وسطِ الصلاةِ وفي آخرِها - وذكر الحديثَ ، وقد سبقَ ذكرُ إسنادِه ، وقالَ في
آخره : ثم إنْ كانَ في وسطِ الصلاةِ نهضَ حينَ يفرغُ مِن تشهدِهِ ، وإن كانَ في
آخرها ، دعا بعدَ تشهده بما شاءَ اللهُ أن يدعوَ ، ثم يسلِّمُ .
وهذه الروايةُ صريحةٌ في أنه يتشهدُ به في التشهدِ الأولِ والآخرِ .
وخرجه النسائيّ (٣) بلفظِ آخرَ، وهو: أن رسولَ اللهِ وَ لِّ قالَ لهم: «قولُوا
في كلِّ جلسةٍ : التحياتُ لله)) - فذكره .
وهذا يشملُ الجلوسَ الأولَ والثانِ .
وقولُهُ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ هو السلامُ)) إنما قالَه نهيًا لهم عن أن يقولوا: ((السلامُ
على اللهِ منْ عبادِه))، وكانُوا يقولُون ذلكَ، ثم يسلِّمون على جبريل وميكائيلَ
وغيرهما
وقد خرَّجُ(٤) البخاريُّ في روايةٍ أخرَى ، يأتي ذكرُها - إن شاءَ اللَّهُ تعالى .
ولم يأمرْهم النبيِّ وَِّ بإعادةِ الصلواتِ التي قالوا فيها ذلكَ، واستدلَّ بذلك
على أن كلامَ الجاهلِ لا يبطلُ الصلاةَ ؛ فإن هذا الكلامَ منهيٌّ عنه في الصلاةِ
وغيرِها ؛ فإن الله تعالى هو السلامُ ؛ لأنه القدوسُ بالمبَّرَأُ من الآفاتِ والنقائصِ
(١) الترمذي (٢٨٩) والنسائي (٢٣٧/٢ - ٢٣٨).
(٢) ((المسند)) (٤٥٩/١) .
(٣) ((السنن)) (٢٣٩/٢).
(٤) لعل الصواب: ((خرجه)) أو ((خرج ذلك)). وهو في البخاري (١٢٠٢).

١٧٤
حديث : ٨٣١
کتاب الأذان
كلّها ، وذلك واجبٌ له لذاته ، ومنه يُطلبُ السلامة لعباده ؛ فإنهم محتاجونَ إلى
السلامةِ من عقابِه وسخطِهِ وعذابِه .
وفي قولهم هذا الكلامَ قبلَ أن يعلمُوا التحياتِ : دليلٌ على أنهم رأوا أن
المنصرفَ من صلاته لا ينصرفُ حتَّى يحيِّيَ اللهَ تعالى وخواصَّ عبادِه بعدَه ، ثم
ينصرفُ، ثم يسلمُ ؛ لأنَّ المصليَ يناجي ربَّ ما دام يصلِّي ، فلا ينصرفُ حتَّى
يختمَ مناجاتِه بتحيةٍ تليقُ به ، ثم يحِي خواصَّ خلقه ، ثم يدعُو [ لنفسِهِ] (١)، ثم
يسلمُ على الحاضرينَ معَةً ، ثم ينصرفُ .
وقد أقرَّهُمُ النبيُّ نَِّ على ما قصدُوه مِن ذلكَ، لكنه أمرَهم أن يبدُلُوا
قولَهم: (( السلامُ على اللـهِ))، بقولهم: ((التحياتُ للهِ)) .
والتحياتُ : جمعُ تحيةٍ ، وفسِّرِّتِ التحيةُ بالملكِ ، وفسرت بالبقاءِ والدوامِ .
وفُسرت بالسلامة ، والمعنى : أن السلامةَ من الآفات ثابتٌ لله ، واجبٌ له
لذاته .
وفُسرتْ بالعظمة ، وقيل: إنها تجمعُ ذلك كلَّه ، وما كان بمعناه ، وهو
أحسنُ .
قال ابن قتيبةَ: إنما قيلَ (٢): ((التحياتُ)) بالجمع ؛ لأنه كان لكلِّ واحدٍ من
ملوكِهم تحيةٌ يُحيًّا بها، فقيلَ لهم: (( قولوا: التحياتُ لله))، أي : أن ذلك
يستحقُّه اللهُ وحده .
وقولُهُ : ((والصلواتُ)) فُسِّرت بالعباداتِ جميعِها ، وقد رُوي عن طائفةٍ من
المتقدمينَ : أن جميعَ الطاعاتِ صلاةٌ ، وفُسرتِ الصلواتُ هاهنا بالدعاء ،
(١) سقط من (( هـ)).
(٢) في ((هـ)): ((قال)).

١٧٥
١٤٨ - بَابُ الَّشَهُدِ فِي الآخِرَةِ
کتاب الأذان
وفُسرت بالرحمة ، وفُسِّرتْ بالصلواتِ الشرعية ، فيكونُ ختامُ الصلاة
بهذه الكلمة كاستفتاحها بقول: ((إنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمْحياي ومماتي لله
رب العالمين
وقولُهُ : ((والطيباتُ))، فُسرتْ بالكلماتِ الطيباتِ ، كما في قولِه تعالى :
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، فالمعنَى: إنَّ ما كانَ مِنَ الكلامِ
فإنه للهِ ، يُثْنَى به عليه ويُمجَّدُ به .
وفُسرت ((الطيباتُ)) بالأعمال الصالحة كلِّها ؛ فإنها توصفُ بالطِّب ، فتكون
كلُّها للهِ ، بمعنَى : أنه يُعبدُ بها ويُتَقْرَّب بها إليه .
فهذا جعلَه النبيُّ نَّ بدلَ قولِه: ((السلامُ علَى اللهِ)).
وأما سلامُهم علَى جبريلَ وميكائيلَ وفلان وفلان من خواصِّ الخلقِ ،
فأقرَّهمُ النبيُّ ◌َِّ على ذكرِ السلامِ؛ لأن الخلقَ كلَّهم يطلبُ السلامَ منَ اللهِ.
وفي تفسير (( السلامُ على فلان )) قولانِ :
أحدُهما : أن المرادَ بالسلامِ اسمُ الله - يعني(٢): فكأنه يقولُ: اسمُ الله
عليك .
والثاني : أن المرادَ : سلَّم اللهُ عليكَ تسليمًا وسلامًا، ومَن سلَّمَ اللهُ عليه
فقد سلِمَ من الآفاتِ كلِّها .
ثم أقرَّهم أن يسلِّموا على النبيِّ بخصوصِه ابتداءً ؛ فإنه أشرفُ المخلوقين
وأفضلُهم ، وحقُّه على الأمةِ أوجبُ مِنْ سائرِ الخلقِ ؛ لأن هدايتَهُم وسعادتَهُم
(١) هو قطعة من دعاء الاستفتاح من حديث علي بن أبي طالب. وقد أخرجه مسلم (٢/ ١٨٥)
وأحمد (٩٣/١-١١٩) وأبو داود (٧٤٤) (٧٦١) والترمذي (٣٤٢٣) وابن ماجه (٨٦٤)
والنسائي (١٢٩/٢).
(٢) في ((م)) قد تقرأ: ((تعالى)).

١٧٦
حديث : ٨٣١
کتاب الأذان
في الدنيا والآخرة كان على يديه بتعليمه وإرشاده وَّ﴿ تسليمًا، وجزاه عنا أفضلَ
ما جزى نبيًا عن أمته .
والسلامُ على النبيِّ بلفظ: ((السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ )) ، وهكذا في سائرِ
الروايات ؛ ولذلك كان عمرُ يعلِّمُ الناسَ في التشهدِ على المنبرِ بمحضرٍ من
الصحابةُ(١).
وقد اختار بعضُهم أن يقالَ بعدَ زمان النبيِّ وََّ: «السلامُ علَى النبيِّ)»،
وقد ذكرَ البخاريّ (٢) في موضعٍ آخرَ من ((كتابه)) أنهم كانوا يسلِّمونَ على النبيِّ
وَّ بعد موتِه في التشهدِ كذلك، وهو روايةٌ عنِ ابنِ عمرَ (٣) وعائشةَ (٤).
ثم عطفَ على ذكرِ السلامِ على النبيِّ: ((ورحمةُ الله وبركاتُه))، وهذا
مطابقٌ لقولِ الملائكةِ لإبراهيمَ عليه السلام: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ
الْبَيْت ﴾ [هود: ٧٣] .
ويستدلُّ بذلك على جواز الدعاءِ بالرحمةِ للنبيِّ وَ * ، وفيه اختلاف بينَ
العلماء .
ثم أمرَهم بعد ذلكَ بأن يقولُوا : ((السلامُ علينَا » والضميرُ عائدٌ على المصلِي
نفسِهِ ، وعلَى مَن حضرَهَ منَ الملائكةِ والمصلِّين وغيرِهم .
وفي هذا مستَنَّدٌ لمن استحبَّ لمن يدعو لغيرِه أن يبدأَ بالدعاء لنفسه قبلَه ،
وهو قولُ علماءِ الكوفةِ ، وخالفَهم آخرونَ ، وقد أطال الاستدلالَ لذلك(٥)
(١) خرجه مالك في ((الموطإ)) (ص ٧٧) والشافعي في ((الرسالة)) (٧٣٨) وابن أبي شيبة
(٢٦١/١) .
(٢) في ((الصحيح)) ((كتاب الاستئذان)) (٦٢٦٥).
(٣) خرجه مالك في ((الموطإ)) (ص ٧٨) وابن أبي شيبة (٢٦١/١) .
(٤) ابن أبي شيبة (٢٦١/١) .
(٥) في ((م): ((كذلك)).

١٧٧
١٤٨ - بَابُ الَّشَهُدِ فِي الآخِرَةِ
کتاب الأذان
في ((كتاب الدعاءِ)) من ((صحيحه)) هذا، ويأتي - إن شاءَ اللهُ تعالى - في
موضعِه بتوفيقِ اللهِ وعونِه .
وقولُهُ: ((وعلى عباد الله الصالحينَ)) هو كما قالَ بَّله: ((فإنكمْ إذا قلتُمْ
ذلكَ أصابتْ كلَّ عبد للهِ صالحٍ في السماءِ والأرضِ )) ، فيُغْنِي ذلك عن تعيينٍ
أسمائهم؛ فإنَّ حصرَهم لا يمكنُ، وهذا مِن جوامع الكلم التي أوتيها وَّ.
وقد خرج النسائيُّ (١) حديثَ ابنِ مسعودٍ في التشهدِ، ولفظُه : قال
عبدُ اللهِ: كنا لا ندرِي ما نقولُ إذا صلّيْنا، فعلَّمَنَا نبيُّ اللهِ وَ لِّ جوامعَ
الكلمِ : ((التحياتُ لله )) - فذكره .
وفي رواية أخري له (٣): كنا لا ندري ما نقولُ في كل ركعتينٍ ، غيرَ أن نسبِّح
ونكبِّر ونحمدَ ربَّنا، وإنَّ محمدًاً وَهِ عُلِّم فواتحَ الكلمِ(٣) وخواتمَهُ، فقالَ: ((إذا
قعدتُمْ في كلِّ ركعتينِ فقولُوا: التحياتُ للهِ» - فذكره .
ثم أمرَهم أن يختموه بالشهادتينِ ، فيشهدونَ للهِ بتفردِهِ بالإلهيةِ ، ويشهدونَ
لمحمدٍ بالعبوديةِ والرسالَةِ ؛ فإن مقامَ العبوديةِ أشرفُ مقاماتِ الخلقِ ؛ ولهذا
سمَّى اللهُ محمدً فَّهِ في أشرف مقاماته وأعلاها بالعبودية، كما قال تعالَى في
صفةِ ليلة الإسراءِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وَقَالَ:
﴿فَأَوْحَى إِلَىْ عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠].
وقال في حقِّه في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّه يَدْعَوَهِ﴾ [الجن: ١٩]،
وَقَالَ : ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣].
وَلَهذا المعنى لمَّا سلَّم على الصالحين في هذا التشهد سمَّهم :
(١) (٢٣٩/٢) .
(٢) (٢٣٨/٢) .
(٣) في النسائي: ((الخير)).

١٧٨
حديث : ٨٣١
كتاب الأذان
((عبادَ الله))(١)، والصالحونَ هم القائمونَ بما للهِ عليهم من الحقوقِ له
ولخلقه ، وإنما سُمِّيَ التشهدُ تشهدًا لختمهِ بالشهادتينِ .
ولم يخرّجِ البخاريُّ في التشهدِ غيرَ تشهدِ ابنِ مسعودٍ ، وقد أجمع العلماءُ
على أنه أصحَّ أحاديثِ التشهدِ ، وقد رُوي عن النبيِّ وَِّ التشهدُ من رواياتِ أخرَ
فيها بعضُ المخالفةِ الحديثِ ابنِ مسعودٍ بزيادةٍ ونقصٍ ، وقد خرَّج مسلمٌ منها
حديثَ ابنِ عباسٍ وأبي موسى الأشعريّ(٢)، وقد نصَّ على ذلك الشافعيُّ وأحمدُ
وإسحاقُ .
وحديثُ أبي موسى فيه: ((التحياتُ الطيباتُ الصلواتُ لله))، وباقيه كتشهد
ابنِ مسعودٍ .
وحديثُ ابنِ عباسٍ فيه: (( التحياتُ المباركاتُ الصلواتُ الطيبات لله »
وباقيه كتشهدِ ابنِ مسعودٍ، غير أنَّ في آخرِهِ: (( وأشهدُ أنَّ محمدًا
رسولُ الله )) .
وكل ما صحَّ عنِ النبيِّ نَّهِ من التشهداتِ، فإنه يصحُّ الصلاةُ به، حكى
طائفةٌ الإجماعَ على ذلك ، لكنِ اختلفوا في أفضلِ التشهداتِ :
فذهبَ الأكثرونَ إلى ترجيحِ تشهدِ ابنِ مسعودٍ ، وتفضيلِهِ ، والأخذِ به .
وقد روَى ابنُ عمرَ ، أن أبا بكرِ الصديقَ كان يعلِّمُهم على المنبرِ كما يعلَّم
الصبيانُ في الكتابِ ، ثم ذكرَهَ بمثلٍ تشهدِ ابنِ مسعودٍ .
خرجه ابنُ أبي شيبةَ (٣).
(١) في ((هـ)) زيادة: ((الصالحين)).
(٢) ((الصحيح)) (١٤/٢).
(٣) ((المصنف)) (٢٦٠/١).

١٧٩
١٤٨ - بَابُ النَّشَهُدِ فِي الآخِرَةِ
کتاب الأذان
ورُوي - أيضًا - نحوُهُ عن أبي سعيد الخدريُّ(١) وغيرِهِ ، وهو قولُ علماء
العراقِ من أهلِ الكوفة والبصرةِ ، منَ التابعينَ ومَن بعدَهم .
قال أبو إسحاقَ ، عن الأسودِ : رأيتُ علقمةَ يتعلَّمُ التشهدَ من عبدِ اللهِ ،
كما يتعلَّم السورةَ منَ القرآنِ .
وقال إبراهيمُ ، عن الأسود : كان عبدُ الله يعلِّمنا التشهدَ في الصلاةِ كما
يعلِّمِنَا السورةَ منَ القرآنِ ، يأخذُ علينا الألفَ والواوَ .
وقالَ إبراهيمُ : كانوا يتحفظونَ هذَا التشهدَ - تشهدَ عبد الله - ويتبعونَه
حرفًا حرفًا .
خرَّجِه ابنُ أبي شيبةً (٢) وغيرُه .
وذكر الترمذيُّ(٣) أن العملَ على تشهدِ ابنِ مسعودٍ عند أكثرِ أهلِ العلمِ منَ
الصحابة والتابعينَ ، وأنه قولُ الثوريِّ وابنِ المباركِ وأحمدَ وإسحاقَ .
وحكاه ابنُ المنذرِ عن أبي ثورٍ وأهلِ الرأي وكثيرٍ من أهلِ المشرقِ .
وحكاهُ ابنُ عبدِ البَرِّ عن أكثرِ أهلِ الحديثِ .
ورُوي عن خَصيفٍ، قال: رأيتُ النبيَّ وَِّ في المنامِ، فقلتُ: يا رسولَ الله،
اختُلفَ علينا في التشهدِ : فقال: ((عليك بتشهدِ ابنِ مسعودٍ)) (٤).
وقد نصَّ أحمدُ على أنه لو تشهدَ بغيرِهِ بما رُوي عنَ النبيِّ وَّرِ أنه يجزُه.
وذكر القاضي أبو يعلَى: أن كلامَ أحمدَ في التشهدِ بما رُوي عنَ الصحابة ،
كعُمر أو غيرِهِ : هلْ يجزئُ، أو لا ؟ - محتملٌ ، والأظهرُ : أنه يجزئُ.
(١) ((المصنف)) (١/ ٢٦٠ - ٢٦١).
(٢) ((المصنف)) (٢٦٢/١).
(٣) (٢/ ٨٢) .
(٤) خرجه عبد الرزاق (٢٠٥/٢) بمعناه .

١٨٠
حديث : ٨٣١
كتاب الأذان
وقد رُوي عن عليّ(١) وابنِ عمرَ (٢) وعائشةَ (٣) تشهداتٌ أُخَرُ .
وقد نصَّ إسحاقُ علَى جوازِ التشهدِ بذلك كلِّه - : نقلَه حربٌ .
ومن أصحابِنا مَن قال : يجبُ التشهدُ بتشهدِ ابنِ مسعودٍ ، ولا يجزئُّ أن
يسقطَ منه واوًاً ولا ألفًا . وهذا خلافُ أحمدَ .
والمحقِّقُون مِن أصحابِنا على أنه يجوزُ التشهدُ بجميعِ أنوعِ التشهداتِ
المرويةِ عنِ النبيِّ وَ﴿، كما نصَّ عليه أحمدُ .
وقال طائفةٌ ، منهم : القاضي أبو يعلى في كتابِهِ ((الجامعُ الكبيرُ)): إذا
أسقطَ مِنَ التشهدِ ما هو ساقطٌ في بعضِ الرواياتِ دونَ بعضِ صحتْ صلاتُه ،
وإن أسقطَ ما هو ساقطٌ(٤) في جميعِها لم تصحّ .
وقيلَ لأحمدَ : لو قالَ في تشهدِه: ((أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ ، وأن محمدًا
عبدُه ورسولُه )) : هل يجزئُه ؟ قال : أرجُو .
وقد وردَ مثلُ ذلك في بعضِ رواياتِ حديثِ أبِي موسَى ، وهو في بعضِ
نسخٍ ((صحيحٍ مسلمٍ))، وهي روايةٌ لأبي داودَ والنسائيٌّ (٥).
والأفضلُ عندَ الشافعيِّ : التشهدُ بتشهدِ ابنِ عباسٍ ، الذي نقلَه عنِ النبيُّ
وَّهُ، وخرَّجه مسلمٌ(٦)، وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ .
(١) خرجه البيهقي ((السنن الكبرى)) (١٤٣/٢) والطبراني في «الأوسط)) (٢٩١٧).
(٢) خرجه أبو داود (٩٧١) والبيهقى (١٣٩/٢، ١٤٢) وعبد الرزاق (٢٠٤/٢) والطبراني في
(( الأوسط » (٢٦٢٥) .
(٣) خرجه البيهقي (١٤٢/٢، ١٤٤) وابن أبي شيبة (٢٦١/١) ومالك في ((الموطإ)) (ص ٧٨).
(٤) في هامش ((م)): ((لعله: مذكور)).
قلت : وهو ما يقتضيه السياق، وقد يكون صوابه: (( ثابت )).
(٥) أبو داود (٩٧٢) والنسائي (١٩٦/٢ - ١٩٧).
(١) (٢ / ١٤) .
1