النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ ١٢٩ - بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ كتاب الأذان وما أمرَ به رسولُ اللهِ وَّهِ في متشابهِ الكتابِ، أنه يُردَّ إلى عالمِه، واللهُ يقولُ الحقَّ ويهدي السبيلَ . وكلمةُ السلف وأئمةِ أهلِ الحديثِ متفقةٌ على أن آياتِ الصفاتِ وأحاديثَها الصحيحةَ كلَّها تُمَرُّ كما جاءتْ، من غيرِ تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، ولا تحريفٍ ولا تعطيلٍ. قال أبو هلال : سأل رجلٌ الحسنَ عن شيءٍ من صفة الربِّ عزَّ وجلَّ، فقال : أَمِرُوُها بلا مثالٍ . وقال وكيعٌ : أدركتُ إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ وسفيانَ ومِسْعَرًاً يحدِّثون بهذه الأحاديثِ ، ولا يفسِّرون شيئًا . وقال الأوزاعيُّ : سئلَ مكحولٌ والزهريُّ عن تفسيرِ هذه الأحاديثِ ، فقالا : أمِرَّها علي ما جاءتْ . وقال الوليدُ بنُ مسلمٍ : سألتُ الأوزاعيَّ ومالكًا وسفيانَ وليئًا عن هذه الأحاديثِ التي فيها الصفةُ والقرآنُ ، فقالوا : أمرُّوها بلا كيفٍ . وقال ابن عيينة : ما وصف اللّه به نفسه فقراءتُهُ تفسيرُه ، ليس لأحد أن يفسره إلا اللّه عز وجل . وكلامُ السلفِ في مثلِ هذا كثيرٌ جداً . وقالَ أشهبُ: سمعتُ مالكًا يقولُ: إياكم وأهل البدعِ. فقيلَ: يا أبا عبدِ اللهِ: وما البدعُ ؟ قال : أهلُ البدعِ الذينَ يتكلَّمون في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ وعلمِهِ وقدرتِه ، ولا يسكتون عما سكتَ عنه الصحابةُ والتابعونَ لهم بإحسانٍ . خرجه أبو عبد الرحمنِ السلميُّ الصوفيُّ في كتابٍ (( ذمِّ الكلامِ )). وروى - أيضًا - بأسانيدِهِ ذمَّ الكلامِ وأهلِه عن مالكٍ ، وأبي حنيفةَ ، وأبي يوسُفَ ، ومحمدٍ ، وابنِ مهدِي ، وأبي عبيدٍ ، والشافعيِّ ، والمزنيِّ ، وابنٍ خزيمةِ . وذكر ابن خزيمة النهيَ عنه عن مالكِ والثوريِّ والأوزاعيِّ والشافعيِّ ١٠٢ حديث ٨٠٦ كتاب الأذان وأبي حنيفةَ وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى ومحمد بن يحيى الذهلي . وروى السلميَّ - أيضًا - النهيَ عن الكلامِ وذمَّه عن الجنيدِ وإبراهيمَ الخواصِ . فتبينَ بذلكَ أن النهيَ عن الكلامِ إجماعٌ مِن جميع أئمةِ الدينِ منَ المتقدمينَ مِنَ الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ والصوفيةِ ، وأنه قولُ أبي حنيفةَ ومالك والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عبيدٍ وغيرِهم من أئمةِ المسلمين. ومن جملة صفات الله الَّتي نؤمنُ بها ، وتُمَر كما جاءت عندهم : قولُه تعالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ونحو ذلك مما دلَّ على إتيانِه ومجيئهِ يومَ القيامة . وقد نصَّ على ذلك أحمدُ وإسحاقُ وغيرُهما . وعندهما : أن ذلكَ من أفعالِ اللهِ الاختياريةِ التي يفعلُها بمشيئَتَهِ واختيارِه . وكذلك قالَه الفضيلُ بنُ عياضٍ وغيرُهُ من مشايخ الصوفيةِ أهلِ المعرفةِ . وقد ذكر حربٌ الكرمانيُّ أنه أدركَ علَى هذا القول كلَّ مَن أخذ عنه العلمَ في البلدانِ ، وسمَّى منهم : أحمدَ وإسحاقَ والحميديَّ وسعيدَ بنَ منصورٍ . وكذلك ذكرَه أبو الحسنِ الأشعريّ في كتابِه المسمَّى بـ ((الإبانة))، وهو من أجلٌّ كتبه ، وعليه يعتمدُ العلماءُ وينقلُون منه ، كالبيهقيِّ وأبي عثمانَ الصابونيُ وأبي القاسمِ ابنِ عساكرٍ وغيرِهم وقد شرحه القاضي أبوبكرِ ابنُ الباقلانيِّ وقد ذكر الأشعريّ في بعض كتبِه أن طريقةَ المتكلمينَ في الاستدلالِ علي قِدَم الصانعِ وحدوثِ العالَم بِالجواهرِ والأجسامِ والأعراضِ محرمةٌ عندَ علماءِ المسلمينَ. وقد رُوي ذمُّ ذلك وإنكارُهُ ونسبتُه إلى الفلاسفةِ عن أبي حنيفةَ . ١٠٣ ١٢٩ - بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ كتاب الأذان وقال ابن سريج : توحيدُ أهلِ العلمِ وجماعةِ المسلمين : الشهادتان ، وتوحيدُ أهلِ الباطنِ منَ المسلمين : الخوضُ في الأعراضِ والأجسامِ ، وإنما بُعِث النبيَّ مَلّ بإنكارِ ذلك خرَّجه أبو عبد الرحمنِ السلميُّ . وكذلك ذكره الخطابيُّ في رسالته في (( الغنيةُ عنِ الكلامِ وأهلِه )). وهذا يدلُّ على أن ما يؤخذُ من كلامِه في كثيرٍ من كتبِه مما يخالفُ ذلك ويوافقُ طريقةَ المتكلمين فقد رجعَ عنه ، فإن نفيَ كثيرٍ منَ الصفاتِ إنما هو مبنيٌّ على ثبوتِ هذه الطريقة . قال الخطابيّ في هذه الرسالةِ في هذه الطريقةِ في إثباتِ الصانعِ : إنما هو شيءٌ أخذَه المتكلمونَ عَنِ الفلاسفةِ ، وإنما سلكتِ الفلاسفةُ هذه الطريقةَ لأنهم لا يُثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة ، فكان أقوى شيءٍ عندَهم في الدلالةِ على إثباتِ هذه الأمورِ ما تعلَّقوا به من الاستدلالِ بهذه الأشياءِ ، فأمَّا مثبتوا النبواتِ ، فقد أغناهمُ اللهُ عن ذلك ، وكفاهم كلفةَ المؤنةِ في ركوبِ هذه الطريقةِ المتعرِّجةِ التي لا يُؤْمَنُ العنتُ على مَن ركَبَها ، والإبدَاعُ والانقطاعُ على سالِكها . ثم ذكر أن الطريقَ الصحيحةَ في ذلك : الاستدلالُ بالصنعة على صانعها ، كما تضمَّنْه القرآنُ ، وندبَ إلى الاستدلالِ به في مواضعَ ، وبه تشهد الفطرُ السليمةُ المستقيمةُ ثم ذكر طريقتَهم التي استدلُّوا بها ، وما فيها منَ الاضطرابِ والفسادِ والتناقض والاختلاف ثم قال: فلا تشتغلْ - رحمكَ اللهُ - بكلامهم، ولا تغترَّ بكثرة مقالاتِهم؛ فإنها سريعةُ التهافتِ ، كثيرةُ التناقضِ ، وما من كلامٍ تسمعُهُ لفرقة منهم إلا ولخصومِهم عليه كلامٌ يوازيه ويفارقُه(١)، فكلٌّ بكلِّ معارضٌ، وبعضُهم ببعضٍ مقابَلٌ . (١) في ((م)): ((ويقاربه)). ١٠٤ حديث : ٨٠٦ كتاب الأذان قال : وإنما يكون تُقدَّمُ الواحدِ منهم وفلجه على خصمِه بقدر حظّه منَ الثباتِ والحذق في صنعةِ الجدلِ والكلامِ ، وأكثرُ ما يظهرُ به بعضُهم على بعض إنما هو إلزامٌ من طريقِ الجدلِ على أصولِ مؤصلَةٍ لهم ، ومناقضاتٍ على مقالات حفظُوها علَيْهم [ ... ](١) تقودها وطردها ، فمن تقاعد عن شيءٍ منها سمَّوْه من طريقِ [ ... ](١) جعلوه مبطلاً، وحكموا بالفلج لخصمه عليه . والجدلُ لا يقومُ به حقٌّ [ ... ](١) به حجةٌ . وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتينِ ، كلاهما باطلٌ ، ويكون الحقُّ في ثالثٍ غيرِهما، فمناقضةُ أحدِهما صاحبَه غيرُ مصحِّح مذهبَه، وإن كان مفسدً(٢) به قولَ خصمِه ؛ لأنهما مجتمعانِ معًا في الخطإِ ، مشتركانِ فيه ، كقولِ الشاعرِ : [ حَقًّا]؛ وَكُلٌّ وَاَهِنٌ مَكْسُورُ حُحَجْ تَهَافَتُ كَالزَّجَاجِ(٢) تَخَلُهَا ومتى كان الأمرُ كذلك ، فإن أحداً منَ الفريقين لا يعتمد في مقالتِه التي نصرَها أصلاً صحيحًا ، وإنما هو أوضاعٌ وآراءُ تتكافأُ وتتقابلُ ، فيكثر المقالُ ، ويدوم الاختلافُ، ويقلُّ الصواب، كما قالَ تعالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فأخبر تعالى أن ما كثرَ فيه الاختلافُ فليس مِن عندِهِ ، وهو من أدلِّ الدليلِ على أن مذاهبَ المتكلمينِ مذاهبُ فاسدةٌ ؛ لكثرة ما يوجدُ فيها من الاختلافِ المفضِي بهم إلى التكفيرِ والتضليلِ . وذكر بقيةَ الرسالةِ ، وهي حسنةٌ متضمِّنَةٌ لفوائدَ جليلةٍ ، وإنما ذكرْنَا هذا القدرَ منها ليتبيّن به أن القواعدَ العقلية الَّتِي يدَّعي أهلُها أنها قطعياتٌ لا تقبلُ الاحتمالَ ، فترَدُّ لأجلها - بزعمِهم - نصوصُ الكتابِ والسنةِ ، وتصرفُ عن (١) بياض بالأصلين . (٢) في ((هـ)): ((مندًا)). (٣) في هامش ((م)): ((الزجاج رعاع الناس)). وانظر: ((مجموع الفتاوى)) (٢٨/٤). ١٠٥ ١٢٩ - بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ کتاب الأذان مدلولاتها ، إنما هي عندَ الراسخين شبهاتٌ جهلياتٌ ، لا تساوي سماعَها ، ولا قراءتَها ، فضلاً عن أن يُردَّ لأجلِها ما جاءَ عن الله ورسوله ، أو يحرفَ شيءٌ من ذلك عن مواضعه . وإنما القطعياتُ ما جاءَ عنِ اللهِ ورسولِه من الآياتِ المحكماتِ البيناتِ ، والنصوصِ الواضحاتِ ، فتردُّ إليها المتشابهاتُ ، وجميع كتبِ اللهِ المنزلةِ متفقةٌ على معنَّى واحد ، وإن ما فيها محكمات ومتشابهات(١)، فالراسخون في العلمِ يؤمنون بذلك كلِّه، ويردون المتشابهَ إلى المحكمِ ، ويَكِلُون ما أُشْكِلَ عليهم فهمُهُ إلى عالِمِهِ ، والذين في قلوبهم زيعٌ يتبعونَ ما تشابه منهُ ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله ، فيضربونَ كتابَ اللهِ بعضه ببعضٍ ، ويردُّون المحكمَ ، ويتمسكونَ بالمتشابهِ ابتغاءَ الفتنةِ ، ويحرِّفُونَ المحكمَ عن مواضعِهِ ، ويعتمدونَ على شبهاتٍ وخيالات لا حقيقةً لها ، بلْ هى مِن وساوسِ الشيطانِ وخيالاتِه ، يقذفُها في القلوب . فأهلُ العلمِ والإيمانِ [يمتثلون](٢) في هذه الشبهاتِ ما أُمروا به من الاستعاذة باللهِ، والانتهاءِ عما ألقاه الشيطانُ، وقد جعلَ النبيُّ بَلِّ ذلك من علاماتِ الإيمان، وغيرُهم فيصغُون إلى تلك الشبهاتِ ، ويعبِّرون عنها بألفاظ مشتبهات(٣)، لا حرمةَ لها في نفسِها ، وليس لها معنّى يصحُّ، فيجعلون تلك الألفاظَ محكمةً لا تقبلُ التأويلَ ، فيردُّون كلامَ اللهِ ورسولِه إليها ، ويعرضونَه عليها ، ويحرِّفُونَه عن مواضعِه لأجلها . هذه طريقةُ طوائفِ أهلِ البدعِ المحضةِ من الجهميةِ والخوارجِ والروافضِ والمعتزلةِ ومَن أشبَههُم ، وقد وقعَ في شيءٍ من ذلك كثيرٌ مِنَ المتأخرين (١) في ((هـ)): ((أو متشابهات)). (٢) ساقط من (( هـ)). (٣) في (( هـ)): (( متشابهات )). ١٠٦ حديث : ٨٠٦ کتاب الأذان المنتسبينَ إلى السنةِ(١) من أهلِ الحديثِ والفقهِ والتصوفِ مِنْ أصحابِنا وغيرِهم في بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ . وأما السلفُ وأئمةُ أهلِ الحديثِ ، فعلى الطريقةِ الأولَى ، وهي الإيمانُ بجميعِ ما أثبتَه اللهُ لنفسِهِ في كتابه، أو صحَّ عن رسولِ اللهِ وَ لِّ أنه أثبتَه له ، مع نفِي التمثيلِ والكيفيةِ عنه ، كما قالَه ربيعةُ ومالكٌ وغيرُهما من أئمة الهدى في الاستواء ، ورُويَ عن أمِّ سلمةَ أمُّ المؤمنين ، وقال مثلَ ذلك غيرُهم من العلماءِ في النزولِ ، وكذلك القولُ في سائر الصفاتِ . واللهُ سبحانه وتعالى الموفقُ . وقولُهُ وَّل: ((فأكونُ أولَ من يجوزُ بأمته)) حتي يقطعَ الجسرَ بأمته ، ورُوي : (( يجيزُ))، وهما لغتان، يقال: جُزْتُ الوادِي وأجزتُه، وهما بمعنَّى. وعنِ الأصمعيِّ ، قال : أجزتُه: قطعتُه ، وجُزْتُه : مشيتُ عليه . وقولُهُ : (( منهم الموبَقُ بعمله )) - أي : الهالكُ . وقولُهُ : (( ومنهم المخردلُ )) ، هو بالدال المهملةِ والمعجمةِ - : لغتانِ مشهورتانِ ، والمعنى: المقطَّعُ ، والمرادُ - واللهُ أعلمُ - : أن منهم من يهلكُ فيقعُ في النار ، ومنهم من تقطّعه الكلاليبُ التي على جسرٍ جهنّم ، ثم لا ينجوُ ولا يقعُ في النارِ . وقيلَ : معناه أنه ينقطعُ عن النجاةِ واللحاقِ بالناجين . والمقصودُ من تخريجِ الحديثِ بطولِه في هذا البابِ : أن أهل التوحيد لا تأكلُ النارُ منهم مواضعَ سجودِهم ، وذلك دليلٌ على فضلِ السجودِ عندَ اللهِ وعظمتِه ، حيث حرَّم على النارِ أن تأكلَ مواضعَ سجودِ أهلِ التوحيدِ . واستدلَّ بذلك بعضُ مَن يقولُ : إن تارك الصلاة كافرٌ ؛ فإنَّه تأكلُه النارُ (١) في الأصلين: ((السننة)). ١٠٧ ١٢٩ - بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ کتاب الأذان كلَّه ، فلا يبقى حالُهُ حالَ عصاة الموحدينَ . وهذا فيمَنْ لم يصلِّ للهِ صلاةً قطُّ ظاهرٌ . وقولُهُ: ((امتُحِشُوا)) أي: احترقُوا، وضُبطت(١) هذه الكلمةُ بفتحِ التاءِ والحاءِ . وفي بعضِ النسخِ بضمِّ التاءِ وكسرِ الحاء . و (( الحبّة)) - بكسر الحاء - قال الأصمعىُّ : كلُّ نبت له حبٌّ فاسمُ جميع ذلكَ الحبِّ : الحبة . وقال الفرَّاءُ : الحبّة: بذورُ (٢) البقلِ . وقال أبو عمرٍو : الحِبةُ نَّبْتٌ ينبتُ في الحشيش صغارٌ . وقال الكسائيّ : الحِبة بذرُ الرياحينِ ، واحدتها حبَّةٌ ، وأما الحنطَةُ فهو الحَبُّ لا غير - يعني : بالفتح . و((الحميلُ)): ما حمله السيلُ من كلِّ شيءٍ، فهو حميلٌ بمعنى محمولٌ ، كقتيلٍ بمعنى مقتولٌ . ويأتي الكلامُ على باقي الحديثِ في موضعٍ آخرَ - إن شاءَ اللهُ تعالى . (١) في ((هـ)): ((وضبط)). (٢) في (( هـ)): ((من بذور)). ١٠٨ حديث : ٨٠٧ كتاب الأذان ١٣٠ - بَابُ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُحَافِي فِي السُّجُودِ ٨٠٧ - ثَنَا يَحْمَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِبِنِ مَالِكِ بْنِ يُحَيَّةَ، أَنَّ النِّيَّ:﴿ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيَّهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِيطَّيْهِ . وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ - نَحْوَهُ. (((الضَّبْعِ)) - بسكونِ الباءِ - : العضُدُ. ويقال: الإبطُ. وعن الأصمعيِّ ، قال : الضَّبعانِ ما بين الإبطِ إلى نصف العضد من أعلاه . وابنُ هرمزٍ ، هو : عبدُ الرحمنِ الأعرجُ . وروايةُ الليثِ بنِ سعدِ التي ذكرَها تعليقًا، أسندَها مسلمٌ في ((صحيحه))(١) من روايةِ ابنِ وهبٍ : أنا عمروُ بنُ الحارثِ والليثُ بنُ سعد ، كلاهما عن جعفرٍ بهذا الإسناد . وفي رواية عمرٍو: ((كان رسولُ اللهِ وَّ إذا سجدَ يجنحُ في سجودِهِ حتَّى يُری وضح إِطّیه » . وفي روايةِ الليثِ: ((أن رسولَ اللهِ نَّهِ كانَ إذَا سجد فرَّج يديه عن إبطيه حتَّى إني لأرى بياضَ إِبِطَيْه )) . وفي إستحبابِ التجافِي في السجودِ أحاديثُ كثيرةٌ ، لم يخرِّجِ البخاريُّ منها غيرَ هذَا . والقولُ باستحبابِه قولُ جمهورِ العلماءِ ، وذكر الترمذيُّ (٢) أن العملَ عندهم (١) (٥٣/٢). (٢) (٤٦/٢) . ١٠٩ ١٣٠ - بَابُ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ کتاب الأذان عليه ، وهذا يشعِرُ بأنه إجماعٌ منهم . ولكن روى نافعٌ ، عنِ ابنِ عمرَ ، أنه كانَ إذا سجدَ ضمَّ يديه إلى جنبَيْه ولم يفرجْهُما . وروى عنه ابنُه واقدُ بنُ عبدِ اللهِ ، أن أباه كانَ يفرِّجُ بينَ يديه . وروى عنه آدمُ بنُ عليٍّ ، أنه أمر بذلكَ . وقد حمل بعضُهم ما رواه نافعٌ على حالةِ التضايقِ والازدحامِ ، وقد يُحملُ على حالة إطالةِ السجودِ، وعلى ذلك حملَه الأوزاعيُّ وغيرُه . ورُوي عن ابنِ عمرَ ، قال: اسجدْ كيفَ تيسَّر عليكَ (١). ورخَّص ابنُ سيرينَ في الاعتمادِ بمِرفَقَيه على ركبتَيْه . وقالَ قيسُ بنُ سكنِ : كلُّ ذلك قد كانوا يفعلونَ ، كان بعضُهم يضمّ ، وبعضُهم يجافي . فإِنْ أطالَ السجودَ ولحقتْه مشقةٌ بالتفريجِ، فله أن يعتمدَ بمِرفقيه على ركبتيه. وقد روى ابنُ عجلانَ ، عن سُمَيِّ ، عن أبي صالحٍ ، عن أبي هريرةَ ، قال : اشتكى أصحابُ رسولِ اللهِ إِليه مشقةَ السجودِ عليهم إذا تفرجوا، فقال: (( استعينوا بالركب )). خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ - وهذا لفظُه - وابنُ حبانَ في (( صحیحه ) والحاكمُ (٢). وزاد هوَ والإِمامُ أحمدُ : قَال ابنُ عجلانَ : وذلك أن يضعَ مِرفقيْه(٣) على (١) ابن أبي شيبة (٢٣٢/١) وكذا فيه الآثار التي بعده . (٢) أحمد (٣٣٩/٢ -٣٤٠) وأبو داود (٩٠٢) والترمذي (٢٨٦) وابن حبان (١٩١٨) والحاكم (٢٢٩/١) . (٣) في الأصلين: ((مرفقه))، وكذا هو في ((المسند)) المطبوع، وفي الحاكم والبيهقي (١١٧/٢) كما أثبته . ١١٠ حديث : ٨٠٧ کتاب الأذان ركبتيْه إذَا طالَ السجودُ وأعْيَا . ورواه الثوريُّ وابنُ عيينةَ وغيرُهما ، عن سُمَيِّ ، عن النعمانِ بنِ أبي عياشٍ، عن النبيِّ لَّهِ - مرسلاً . والمرسلُ أصحُّ عند البخاريِّ وأبي حاتم الرازيِّ والترمذيِّ والدار قطنيِّ وغيرِهم(١). وقد روي - أيضًا - عن زيدِ بنِ أسلمَ - مرسلاً . ورخَّص فيه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والأوزاعيَّ ومالكٌ في النافلةِ . وكذلك قالَ بعضُ أصحابِنا وأصحابِ الشافعيِّ . والمنصوصُ عن أحمدَ في رواية حربٍ أنه لا يفعلُ ، بل يجافي . ومتى كان التجافي يضرَّ بمَنْ يليه في الصفِّ للزحامِ فإنه يضُمّ إليه مِن جناحه - : قالَه الأوزاعيّ . وهذا في حق الرجلِ ، فأما المرأةُ فلا تتجافى بل تتضامٌّ ، وعلى هذا أهلُ العلمِ - أيضاً - ، وفيه أحاديثُ ضعيفةٌ . وخرَّج أبو داودَ في ذلك حديثًا مرسلاً في ((مراسيله )) (٢). (١) راجع: ((العلل)) لابن أبي حاتم (٥٤٦) وللدار قطني (٨٥/١٠). (٢) (٨٧). ١١١ ١٣١ - بَابٌ يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ کتاب الأذان ١٣١ - بَابٌ يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ ، عَنِ النَِّّ ◌ِ﴾. حديثُ أبي حميدٍ، قد خرّجه البخاريُّ فيما بعدُ (١)، ولفظُه: فإذا سجدَ وضعَ يديْه ، غيرَ مفترشٍ ولا قابضِهما ، واستقبلَ بأطرافِ رجليْه القبلةَ . وسيأتي بتمامه في موضعه - إن شاءَ اللهُ سبحانه وتعالى وعلَّقه البخاريُّ - أيضًا - فيما سبقَ في (( بابِ : فضلِ استقبالِ القبلةِ )) وذكرنا هناك الأحاديثَ والآثارَ في استقبالِ القبلةِ بأصابعِ اليدينِ والرجلينِ في السجودِ ، وأن ابنَ عمرَ كان يفعلُهُ، وكذلك الإمام أحمدُ ، ونصَّ عليه الشافعيّ. وخالفَ فيه بعضُ أصحابِهِ ، وقالوا : يضعُ أصابعَ رجلَيْهِ مِن غير تحامُلٍ عليها . د وردَّه [ عليه](٢) صاحبُ ((شرح المهذبِ ))، وقال: هذا شاذٌّ مردودٌ مخالفٌ للأحاديثِ الصحيحةِ ، ولنصِّ الشافعيِّ . وخرج البيهقيُّ (٣) من حديث البراءِ بنِ عازبٍ، قال: كان رسولُ الله ◌ِّه إذا سجدَ فوضعَ يديه بالأرضِ استقبلَ بكفَّه وأصابِعه القبلةَ . وفي روايةٍ له - أيضًا -: وإذَا سجد وجَّه أصابَعه قبلَ القبلةِ فتفلج (٤). وفي الإسنادين مقالٌ . (١) (٨٢٨) . (٢) من (( هـ)). (٣) (١١٣/٢). (٤) في الأصلين: ((ففاج))، والمثبت من البيهقي. ١١٢ حديث : ٨٠٨ كتاب الأذان ١٣٢ - بَابٌ إِذَالَمْ يُثِمَّ سُجُودَهُ ٨٠٨ - ثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّد: ثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَصِل، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ حُذَيَقَةَ ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً لاَ يُثُمُّ رُوعَهُ وَلاَ سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ - وَأَحْسِبُهُ قَالَ -: لَوْمُتَّمِتَّ عَلَى غِيْرِ سِنِّ مُحَمَّدِ وَه. قد تقدمَ (١) هذَا الحديثُ في (( بابِ: إِذَا لَمْ يتمَّ الركوعَ )) من وجه آخرَ عن حذيفةَ، وفيه: لو مُتَّ مُتَّ عَلَى غيرِ الفطرةِ الَّتي فطرَ اللَّهُ علَيها محمدًاً وَه - من غيرِ شكٍّ . ويستدلُّ بهذه الروايةِ على أن المرادَ بالفطرةِ السنةُ ومعنى إتمامِ الركوع والسجودِ : التمكنُ فيهما والطمأنينةُ . وسبقَ الكلامُ علَى ذلكَ. (١) (٧٩١) . ١١٣ ١٣٣ - بَابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ کتاب الأذان ١٣٣ - بَابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمٍ ٨٠٩ - حَدَّثَنَا قُبَيْصَةُ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارِ ، عَنْ طَاوُسِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، قَالَ: أُمرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْضَاءِ، وَلاَ يَكُفَّ شَعْرًا، وَ ثَوْبًا: الْجَبَّهَةُ ، وَاَلْيَدِيْنِ ، وَالرُّكْبَيْنِ، وَالرّجْلَيْنِ. ٨١٠ - حَدَثْنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ، عَنِ النَََِّّّ، قَالَ: ((أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمْ، وَلاَ نَكُفُّ ثَوبًا، وَلَ شَعَرًا )). ٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ: ثَنَا إِسْرائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ : قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ -: كَنَّا نُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِذَا قَالَ: (( سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)). لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِىُّ ◌َ جَبَّهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ . حديثُ البراءِ هذَا، قد سبقِ في مواضعَ (١)، وإنما خرَّجه هاهنا ؛ لما فيه من ذكرٍ سجودِ النبيِّ نَّر على جبهته. فأما حديثُ ابن عباسٍ ، فقد خرجه هاهنا من طريقِ سفيانَ وشعبةَ ، كلاهما عن عمرو بنِ دينارٍ ، وفي حديثٍ سفيانَ : ذكرُ الأعضاء وعددها . وللحديثِ طرقٌ عن طاوسَ ، يأتي بعضُها - إن شاءَ اللهُ(٢). وله طرقٌ عنِ ابن عباسٍ (١) (٦٩٠) (٧٤٧). (٢) (٨١٢) (٨١٥) (٨١٦). ١١٤ حديث : ٨٠٩ - ٨١١ كتاب الأذان وقد رُوَي عَنِ النَّبِّ بَّهِ من وجوهِ متعددةٍ، أصحُّها: حديثُ ابنِ عباسٍ هذَا. ورَوى عامرُ بنُ سعدٍ، عنِ العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، أنه سمع النَّبِيَّ وَله يقولُ: ((إذَا سَجَدَ العبدُ سجِدَ معه سبعةُ آراب: وجهُه، وكفاهُ، وركبتَاه، وقدمَاهُ». وقد عزاه غيرُ واحدٍ من الحفاظِ إلى ((صحيح مسلمٍ))، ولم نجدْه فيه (١). وصححه الترمذيُ وأبو حاتم الرازيُ (٢). وقد رُوي هذا المعنى عن عُمرَ وابنِ مسعودٍ وابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ مِن قولهم(٣). قال أبو هريرةَ : يسجدُ منَ الإنسانِ سبعةٌ: وجهُهُ، ويدَاه ، وركبتَاهُ ، وأطرافُ أصابعِه ، كلٌّ ذلك بمنزلةِ الوجهِ ، لا يرفعُ شيئًا مِن ذلك . خرَّجه الجوزجانيُّ . وقال ابنُ سيرينَ : كانوا يستحبونَ السجودَ على هذهِ السبعةِ . خرَّجه ابنُ أبي شيبةَ (٣) . وقال الترمذيُّ (٤): عليه العملُ عندَ أهلِ العلمِ . ولا خلافَ في أن السجودَ على هذه الأعضاء هو السجودُ الكاملُ ، واختلَفُوا في الواجبِ مِن ذلكَ : فقالت طائفةٌ : يجبُ السجودُ على جمعيها ، وهو أحد القولين للشافعيِّ ، ورجَّحه كثيرٌ مِن أصحابِهِ ، والصحيحُ المشهورُ عن أحمدَ ، وعليه أصحابُه ، (١) أخرجه أبو داود (٨٩١) وأحمد (٢٠٦/١-٢٠٨) وابن ماجه (٨٨٥) والترمذي (٢٧٢) والنسائي (٢٠٨/٢- ٢١٠) وابن خزيمة (٦٣١). (٢) (العلل)) لابن أبي حاتم (٢٠١). (٣) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٢٣٤/١). (٤) (٢ / ٦٢) . ١١٥ ١٣٣ - بَابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمِ كتاب الأذان وأكثرُهم لم يحك عنه فيه خلافًا ، وهوقولُ مالك وإسحاقَ وزفَرٍ ، وحُكي عن طاوسَ . ويدلَّ على هذا القول : هذه الأحاديثُ الصحيحةُ بالأمرِ بالسجودِ على هذه الأعضاء كلِّها ، والأمرُ للوجوبِ وقالت طائفة : إنما يجبُ بالجبهةِ فقطْ، ولا يجبُ بغيرِها ، وهو القولُ الثاني للشافعيِّ ، وحُكَي روايةً عن أحمدَ ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحبيه . والمنقولُ عن أحمدَ فيمن سجدَ ورفَع أطرافَ أصابعٍ قدمَيْهِ مِنَ الأرضِ : أنَّه ناقصُ الصلاةِ، وتوقَّف في الإعادةِ علَى مَن صلَّى وسجدَ وقد رفعَ إحدی رجليه، وقالَ : قد رُويَ عَنَ النبيِّ وَّةِ: ((أُمرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أعظمٍ )) . ورأى مسروقٌ رجلاً ساجدًا قد رفعَ رجليه أو إحدَاهُما ، فقال : إن هذا لم يتمَّ صلاتَه . ورُويَ عن أحمد، أنه صلَّى وسجدَ ووضعَ ثلاثَ أصابعٍ رجلَيْه علَى الأرضِ . قال القاضي أبو يعلَى : ظاهرُ هذَا : أنه يجزئُه أن يضعَ بعضَ أصابعٍ رجلَيْه. ونقل إسماعيلُ بنُ سعيد ، عن أحمدَ : إذا وضعَ مِن يَدَيْهِ عَلَى الأرضِ قدرَ الجبهة أجزأه . قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ : وكذَا مِنَ الرِّجْلَينِ. وقال القاضي أبو يَعلَى: يجزئُه أن يضعَ من يديه وجبهته على الأرض شيئًا ، وإنْ قلَّ . ومِنْ أصحابِنا مَن حكَى الإجماعَ على ذلك. وهذا مخالفٌ لرواية الشالنجيِّ ؛ فإنها تدلُّ على أنه لا يجزئُ دونَ وضع الجبهة ، وقدرها من الكفَّيْن . وحُكِيَ عن ابنِ حامدٍ من أصحابنا : أنه يجبُ استيعاب الكفينِ بالسجودِ ١١٦ حديث : ٨٠٩ - ٨١١ كتاب الأذان علَيْهما ، وهو قولُ أبي خيثمةَ زهير بنِ حربٍ . وقالَ داودُ بنُ سليمانَ الهاشميُّ : إذا وضعَ أكثرَ كَفَّه أجزأه . ومذهبُ الشافعيِّ الذي عليه أكثرُ أصحابِهِ، ونصَّ عليه في ((الأمِّ))(١): أنه لو سجدَ علَى بعضِ جبهتِهِ كُرِّهَ ، وأجزاهُ . ولأصحابِه وجهٌ : لا يجزتُهُ حتَّي يسجدَ علَى جميعِ الجبهةِ . (١) (١/ ٩٨ -٩٩). ١١٧ ١٣٤ - بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ کتاب الأذان ١٣٤ - بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ ٨١٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَد: ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْد اللَّه بْنِ طَاوْس، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَّاسٍ، قَالَ: قال النَِّيُّ ◌َ﴿: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبّهَةِ )) - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ - (( وَالْيَدَيْنِ ، وَالرُّكْبَيْنِ ، وأَطْرَافِ القَدَمَیْنِ ، وَلاَ نَكْفْتَ الثََّابَ وَالشَّعَرَ)) . معنى (( نكفت)) - أي: نضمّ ونجمعُ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءُ وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦] أي: نكفتُهم ونضمُّهم ونجمعُهم وهمْ أحياءٌ علَى ظهرِها ، وإذا ماتُوا ففي بطنِها . وفي هذه الروايةِ : أنه لما ذكرَ الجبهةَ أشارَ بيده إلى أنفه ، وقد خرَّجه مسلمٌ (١) من حديثٍ وُهَيْبٍ ، وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ ابنِ جُرَيَجٍ ، عن ابنِ طاوُسَ، عن أبيهِ، عنِ ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَّ قَالَ: ((أُمرتُ أَنْ أسجدَ علَى سبع ، ولا أكفتَ الشعرَ ولا الثيابَ : الجبهةِ والأنفِ [ واليدينِ ، والركبتينِ ، والقدمينِ ) . واستدل بهذا مَن يقولُ: إنه يجبُ السجودُ على الأنفِ ](٢) معَ الجبهةِ ، وهو قولُ مالكِ وأحمدَ - في روايةٍ عنهما - وإسحاقَ ، واختارَ هذه الروايةَ عن أحمدَ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ وغيرُهُ مِن أصحابِنا - وأبي خيثمةً وأبي بكرٍ بنُ أبي شيبةَ . وحُكِيَ قولاً للشافعيِّ، رجَّحه بعضُ المتأخرينَ مِن أصحابِهِ ، إلا أنه خصَّه بحال الذكرِ . (١) (٢/ ٥٢). (٢) ساقط من (( هـ)). ١١٨ حديث : ٨١٢ کتاب الأذان ورُوي معناه عن طاوسٍ والنخعيِّ وسعيدِ بنِ جبيٍ(١). ورُوي عن ابنِ عمرَ ، قالَ : السجودُ على الأنف تحقيقُ السجودَ . وسئلَ طاوسٌ : الأنفُ مِنَ الجبينِ ؟ قالَ : هو خيرُ(٢). وروى عاصمٌ، عن عكرمةَ، قالَ: رأى النبيُّ ◌َهِ رجلاً يصلّي لا يمسُ أنفُهُ الأرضَ، قالَ: (( لا تقبلُ صلاةٌ لا يَمَسُّ فيها الأنفُ ما يمسُّ الجبينُ ))(٣) . وخرَّجه الدارقطنيُّ والحاكمُ (٤) - موصولاً - ، عن ابنِ عباسٍ ، عن النبيِّ صلى الله وسلم وصححَ الحاكم وصلَه ، وصحَّح الأكثرونَ إرسالَه ، منهم : أبو داودَ في ((مراسيلهِ)) (٥) والترمذيُّ في ((علله )) (٦) والدار قطنيُّ وغيرُهم . وإلى ذلك يميل الإمامُ أحمدُ ، وهو مرسلٌ حسن(٧) . ولو اقتصر على السجودِ على أنفِه دون جبهتِهِ ، لم يجزئْهُ عندَ أحد منَ العلماء ممَّنْ أوجبَ السجودَ على الأنفِ ، غيرَ أبي حنيفةَ ، وهي روايةً عنٍ الثوريٌّ، رواها عنه حسانُ بنُ إبراهيمَ . وقال كثيرٌ مَن العلماءِ : السجودُ علَى الأنفِ مستحبٌّ غيرُ واجبٍ ، ورُوي عنِ الحسنِ والشعبيِّ والقاسمِ(٨) وسالم، وهو قولُ الشافعيِّ وسفيانَ وأحمدَ - في (١) ابن أبي شيبة (٣٢٥/١). (٢) عبد الرزاق (٢/ ١٨١). (٣) عبد الرزاق (٢/ ١٨٠) والبيهقي (١٠٤/٢). (٤) الدار قطني (٣٤٨/١) والحاكم (١/ ٢٧٠). (٥) (٤٤) . (٦) (ص ٧٠) . (٧) وروي بلفظ آخر بنفس الإسناد، وقد صححه الشيخ الألباني في ((الصحيحة)) (١٦٤٤)، فلم يصب . (٨) ابن أبي شيبة (٢٣٥/١). ١١٩ ١٣٤ - بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ كتاب الأذان الروايةِ الثانيةِ عنهما . وحمل من قال بذلك حديث ابن عباسٍ على الاستحباب دون الوجوب ، قالوا : لأنه عدَّ الأعضاء المأمور بالسجود عليها سبعًا ، ولو كان الأنف معها لكانت ثمانيًا . وهذا مردودٌ ؛ فإن الأنف من الجبهة ، كما قال طاوس : هو خيرُها . وروى عنه ، أنه كان يعدُّ الأنف والجبهة واحدًاً . فإن قيل : فالجبهة لا يجبُ السجود على جميعها بالإجماع ، ولو وجب السجود على الأنف لوجب استيعابها بالسجود عليها . قيلَ : هذا الإجماعُ غيرُ صحيحٍ ، وقد سبق قولُ مَن قالَ بوجوبِ استيعابِها بالسجودِ علَيها . ولكن ؛ قد قيلَ : إنَّ ذكرَ الأنفِ منها إنما هو من كلام طاوُسٍ - : قالَه 2 (١) البيهقيُّ (١) وغيرُه . وفي (( سنن ابن ماجه))(٢) من رواية ابن عيينةَ ، عن ابن طاوسٍ هذا الحديث ، وفيه : قال ابنُ طاوْسِ : وكان أبي يقولُ : الركبتينِ واليدينِ والقدمينِ ، وكان يعدُّ الجبهةَ والأنفَ واحدًا . كذا خرَّجه عن هشامٍ بنِ عمارٍ ، عن سفيانَ . وخرجه النسائيّ (٣) من طريق سفيانَ - أيضًا - ، وعنده : قال سفيانُ : قال لنا ابنُ طاوسٍ : وضعَ يديه على جبهتِهِ ، وأَمَرَّهَا على أنفه ، وقال : هذا واحدٌ. ورواه - أيضًا - الشافعيَّ وابنُ المدينيِّ ، عن ابن عيينةَ ، عن ابن طاوسٍ ، عن أبيه - بمعناه . (١) (٢/ ١٠٣). (٢) (٨٨٤). (٣) (٢٠٩/٢ -٢١٠). ١٢٠ حديث : ٨١٢ کتاب الأذان ء (١) خرجه البيهقي ٠ وقال : في حديث سفيانَ ما دلَّ على أنَّ ذكرَ الأنفِ في الحديثِ من تفسيرِ طاوُسٍ . وخرجه - أيضًا - من طريقِ إبراهيمَ بنِ ميسرةَ ، عن طاوُسٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: أُمَرَ النبيُّ وَِّ أن يسجدَ منه على سبعٍ. قال ابنُ ميسرةَ: فقلتُ لطاوُسٍ : أرأيتَ الأنفَ؟ قال: هو خيرُهُ . وأيضًا؛ فقد قالَ: ((سبعةُ أعظم))، وطرفُ الأنفِ المسجودِ عليه ليس عظمًا، فعلِمَ أنه تابعٌ لعظم الجبهةِ ، وليس عضواً مستقلاً . فلو تعذَّرَ السجودُ على الجبهةِ لعذرٍ ، وقدَر على السجودِ على أنفِه ، فهل يلزمُهُ عند مَن لا يوجِبُ السجودَ عليه ؟ فيه قولانِ : أحدُهما : نعمْ ، وينتقلُ الفرضُ إليه ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحبيْه والشافعيِّ . والثاني : لا ينتقلُ الفرضُ إليه ، بل يُومِئُ بجبهته ، ولا يلزمُهُ السجودُ على أنفِه ، وهو قولُ مالكِ وأصحابِنا ، كما لا ينتقلُ فرضُ غسلِ اليدينِ والرجلينِ في الوضوءِ إلى موضعِ الحِلْيةِ ، إذا قدر على غسلِهِ ، وعجزَ عن غسلِ اليدينِ والرجلَّيْنِ . (١) (٢/ ١٠٣).