النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ ١٠٨ - بَابُ مَنْ خَافَتَ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ كتاب الأذان خرجه الإمامُ أحمدُ (١) من طريقه . وهو أصحُّ ، وعبد الحميدِ أحفظُ لحديثِ شهرِ بنِ حوشب بخصوصِهِ من غيرِه . ولو صحَّ شيءٌ من ذلك لحُمِل على أنه جهر لإرادةِ تعليمِ القراءة وقدرها. ورُوي هذا المعنى عن أنسٍ وخبابِ بنِ الأرت . ولهذ المعنى رُوي عن عمر الجهرُ بالاستفتاح ، وعن ابنِ عباسِ الجهرُ بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة . وأما الجهرُ بالتطوعِ في النهار ؛ فإن كانَ في صلاة جماعةٍ ويطوِّلُ فيه القراءةَ كصلاة الكسوف ، فإنه يجهرُ فيه بالقراءة ، وستأتي المسألةُ في موضعٍ آخرَ - إن شاءَ اللهُ تعالى . وكذا لو صلَّى الكسوفَ وحدَه جهر فيها - : نص عليه أحمدُ . وأما غيرُ ذلك من التطوعِ ، فالأكثرونَ على أنه لا يُجْهِرَ فيها بالقراءة . قال أبو عبيدةَ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ : قراءةُ النهارِ عجماءُ (٢). وقال الحسنُ : صلاةُ النهارِ عجماءُ (٣). أي : لا تُسمع فيها قراءةٌ . وكثيرٌ من العلماء جعله حديثًا مرفوعًا ، منهم : ابنُ عبد البرِّ وابنُ الجوزيِّ ، ولا أصل لذلك. وحُكيَ عن أبي حامدِ الإسفرايينيِّ ، أنه سألَ الدارقطنيّ عنه ، فقال : لا (١) (٣٤٣/٥). (٢) عبد الرزاق (٤٩٣/٢) وابن أبي شيبة (١/ ٣٢٠). (٣) عبد الرزاق (٤٩٣/٢) وابن أبي شيبة (٣٢٠/١). 1 ٤٨٢ حديث : ٧٧٧ كتاب الأذان أعرفه صحيحًا ولا فاسدًا(١). وروى أبو عبيدٍ في كتابه ((غريبِ الحديثِ )) حدثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ ، عن أبيه ، عن أبي سلمةَ، قال: سمعَ النبيُّ وَّ عبد اللهِ بنَ حذافةَ يقرأُ في المسجد، يجهرُ بالقراءةِ في صلاةِ النهارِ ، فقال: ((يا بنَ حُذْافَةَ ، سمِّع اللهَ ولا تسمعْنَا )). وقد رواه بعضُهم ، فجعلَه : عن أبي سلمَةَ ، عن أبي هريرةَ - موصولاً . وإرسالُه أصحُ - : قاله الدار قطنيُّ وغيرُه . وروى وكيعٌ (٢)، عن الأوزاعيِّ ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ ، قال : قالوا : يا رسولَ اللهِ، إن هاهنا قومٌ يجهرون بالقرآنِ بالنهارِ ؟ فقال: ((ارموهم بالبعْرِ)). مراسيلُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ ضعيفٌ. وقد رواه يوسفُ بنُ يزيدَ الدمشقيُّ ، عن الأوزاعيِّ ، عن يحيى ، عن أبي سلمةَ، عن بريدةَ، عن النبيِّ وََّ، فوصلَه. وهو خطأ لا أصل له - : قاله صالحُ بنُ محمد الحافظُ وغيرُه. ويوسفُ هذا ، ضعيفٌ . ورُويَ موصولاً من وجوهٍ أُخرَ ، لا تصحّ. وروى ابنُ أبي شيبةَ (٣) بإسنادِهِ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه سمعَ رجلاً يجهرُ بالقراءةِ نهارًا ، فدعاه فقال : إن صلاةَ النهارِ لا يُجْهِرُ فيها ؛ فأسرَّ قراءتَك . ورخصت طائفةٌ في الجهر في التطوع بالنهارِ إذا لم يؤذِ أحدًا ، وهو قولُ (٤) قال الدار قطني: ((باطل لا أصل له، لم يرو عن النبي ◌َّ، إنما هو من قول بعض الفقهاء)). (٢) وابن أبي شيبة (٣٢١/١). (٣) في ((مصنفه)) (١/ ٣٢٠). ٤٨٣ ١٠٨ - بَابُ مَنْ خَافَتَ الْقِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ کتاب الأذان النخعيِّ والثوريِّ وإسحاقَ ، ورُوي - أيضًا - عن خالدِ بنِ معدانٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ . ..- وقال بشرُ بنُ حربٍ : رأيتُ ابنَ عمرَ يصلِّي بالنهار ، فكان يسمُعنا قراءَتَه . وبشرُ بنُ حربٍ ، تكلَّموا فيهِ. ولأصحابِنا وجهٌ : أنه لا بأسَ به. -. ٤٨٤ حديث : ٧٧٨ کتاب الأذان ١٠٩ - بَابُ إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةَ ٧٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا الأَوْزَاعِيَّ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير : ءُ حَدَّثَنِي عَبّدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َهَ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّالْكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ مِنْ صَلَةِ الظُّهْرِ وَ [صَلَةٍ] (١) الْعَصْرِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى . قولُه: ((كان يسمعنا الآية أحيانًا)). ظاهرُهُ: أنه كان يقصدُ ذلك ، وقد يكون فعله ليعلِّمَهم أنه يقرأُ في الظهرِ والعصرِ ، فإنه حصل لبعضِهم(٢) شكٍّ في ذلك كما تقدم. ٠٠٠ وقد يكون فعلَه ليعلِّمهم هذه السورةَ المعينةَ ، كما رُويَ ذلك عن أنسٍ وغيرِهِ ؛ أو ليبيِّنَ جوازَ الجهرِ في قراءةِ النهارِ ، وأن الصلاةَ لا تبطلُ به. وقالت طائفةٌ من العلماءِ: لم يكن إسماعُهم الآيةَ أحيانًا عن قصدٍ ، إنما كان يقع اتفاقًا عن غيرِ قصدٍ؛ فإنه وَل كان يقرأُ لنفسه سرًاً، فربما استغرقَ في تدبر ما يقرأُه ، أو لعلَّه كان يقصدُ تحقيقَ القراءة ، فيقعُ سماعُ قراءته للآية أحيانًا لذلك مِن غيرِ أن يتعمدَ إسماعَهم ، أو أن يكونَ وقعَ الإسماعُ منه على وجهِ السهوِ . وفي هذا نظرٌ . قال الشافعيُّ : لا نرى بأسًا أن يتعمَّد الرجلُ الجهرَ بالشيء منَ القرآنِ لُيُعْلِم من خلفَه أنه يقرأُ. قال : وهم يكرهون هذا، ويوجبُون السهوَ على مَن فعله. يشير إلى أهلِ الكوفةِ . (١) (( اليونينية)). (٢) من هنا تبدأ الكراسة الثانية المشار إليها بالرمز ((س)). ---- 1 ٤٨٥ ١٠٩ - بَابُ إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةً کتاب الأذان واختلف كلامُ الإمامِ أحمدَ في ذلك : فنقل عنه حنبلٌ في قراءةِ النهارِ : ترى للرجلِ أن يسمعَ من يليه ؟ قال : الحرفَ ونحوَ ذلك، ولا يغلِّطُ صاحبَه ؛ كان النبيِّ بَّهِ يسمعهم الآية أحيانًا . وقال : صلاة النهارِ عجماءُ لا يُجْهرُ فيها. ونقل عنه إسماعيلُ بنُ سعيدِ الشالنجيُّ في الإمام يُسمِعُ من يليه ، فکرِه ذلك في صلاة النَّهارِ ، وقال: لا أرى عليه سهوًا في ذلك - أي : سجودَ سهوٍ . وروى الشافعيّ بإسناده، عن ابن مسعودٍ، أنه سُمعَ قراءتُه في الظهرِ والعصرِ . قال الشافعيّ : وهذا عندنا لا يوجب سهواً - يعني : سجودًا وروى وكيعٌ في (( كتابه))(١) عن سيفِ المكيِّ ، عن مجاهد ، أنه سمع عبد اللهِ بنَ عمرٍو يقرأُ في الظهر بـ: ﴿ كَهيقصَ﴾ . وروى الجوزجانيُّ (٢) بإسناده ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال : سمعتُ من ابن عمرَ نغمةً من ﴿قَ﴾ في صلاةِ الظهرِ . وروى حمادُ بنُ سلمةَ ، عن حميدٍ وثابتٍ وقتادةَ والتيميِّ ، أن أنسًا صلَّى بهم الظهر والعصرَ ، وكان يسمعُهُمُ النغمةَ أحيانًا . ورُويَ عنه مرفوعًا . ووقفُه أصحُّ - : قاله أبو حاتمٍ (٣) والدارقطنيُّ وغيرُهما . ورُويَ عن خبابِ بنِ الأرتِّ ، أنه قرأ بهمْ في الظهرِ بـ: ﴿إِذا زلزلت﴾، (١) وابن أبي شيبة (١/ ٣١٣) من طريق وكيع. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٩/١) من حديث أبي عثمان النهدي ، عن عمر ، كذا بالمصنف وفي الأصل: ((عن ابن عمر)) وعبد الرحمن بن مَل أبو عثمان النهدي له رواية عن عُمر وعبد الله بن عمر . (٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٣٣٤). ٤٨٦ حديث : ٧٧٨ كتاب الأذان فسمَّع قراءته حتى تعلَّمها مَن خلفه(١). وعنه : قرأ بهم في العصر ﴿إِذا زلزلت﴾ فجهر بها (١) . وقال علقمةُ (٢): صليتُ إلى جنبِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ بالنهار ، فلم أدرِ أي شيء قرأَ، حتى سمعتُهُ يقول: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمَا﴾ [طه: ١١٤]، فظننته يقرأُ ﴿طه﴾ . وقال النخعيُّ : كان بعضُهم يسمعهم الآية في الظهرِ والعصرِ . وخرَّج النسائيُّ وابنُ ماجه(٣) من حديث البراءِ بنِ عازبٍ ، قال : كان رسولُ اللهِ وَّ يصلِّ بنا الظهرَ، فنسمعُ منه الآيةَ بعدَ الآيةِ من سورة لقمانَ والذَّارِياتِ . واختلفوا فيمن جهر فيما يخافَتُ فيه : هل يسجدُ للسهوِ ، أم لا ؟ فقالت طائفةٌ : لا يسجدُ ، روي عن أنسٍ وعلقمةَ والأسودِ (٤)، أنهم فعلُوه ولم يسجدوا . وهو قولُ الأوزاعيِّ والشافعيِّ . وقال النخعيُّ والثوريُّ وأبو حنيفةً : يسجدُ لذلكَ. وعن أحمدَ فيه روايتان . وقال مالكٌ : إن تطاول ذلك سجدَ للسهوِ ، ولا أرى عليه في السرِّ سهوًا . واستدلَّ أحمد بأنه لا يجب السجودُ لذلك بأن النبيِّ وَّ كان يسمع منه نغمة في صلاةِ الظهرِ ، وبأن أنسًا جهرَ فلم يسجد. (١) ابن أبي شيبة (٣١٨/١) بمعناه، والطحاوي في ((شرح معانى الآثار)) (١/ ٢١٠). (٢) ابن أبي شيبة (١/ ٣٢٠، ٣٢١) من طريقين عن إبراهيم ، عن علقمة به. (٣) النسائي (١٦٣/٢) وابن ماجه (٨٣٠). (٤) ابن أبي شيبة (٣١٩/١). ٤٨٧ ١٠٩ - بَابُ إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةَ كتاب الأذان قلت : المرويُّ عن الصحابة قد تقدم أنه كان عمدًا منهم فعلوه ؛ لتعليم مَنْ وراءهم سنةَ القراءةِ ، والعمدُ لا يسجد له. وفيه ردٌّ على من قال : تبطلُ صلاتُه بتعمدِ الجهرِ فيما يُسَرُّ فيه ، كما تقدم . فقد حكي عن ابن أبي ليلى ، أنه تبطل الصلاةُ بتركه عمدًاً ونسيانًا ، وهو بعيدٌ جدّاً . ----- ٤٨٨ حديث : ٧٧٩ كتاب الأذان ١١٠ - بَابٌ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى ٧٧٩ - حَدَّثَنَا أُبُو نُعيم : ثَنَا هشام ، عن یحیی بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الله بن أَبِي فَادَةَ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَةِ الظُّهْرِ، ويُقْصِرُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَيَفْعَلَ ذَلِكَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ . في هذهِ الروايةِ : التطويلُ في الركعةِ الأولَى من صلاةِ الظهرِ والصبحِ . وقد سبقَ (١) من حديثِ همامٍ ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ ذكرُ التطويلِ في الأولَى من العصرِ - أيضًا . وكذا في بعض النسخِ من روايةٍ شيبانَ (٢)، عن يحيى . وقد خرَّجها في (( بابِ : القراءةِ في الظهرِ)) . وقد سبقَ الكلامُ على التطويلِ فِي الأولَى منَ الصلَوَاتِ في ((بابِ : الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ )) ، فلا حاجةَ إلى إعادته هَاهُنَا. (١) (٧٧٦) . (٢) (٧٥٩). ٤٨٩ ١١١ - بَابُ جَهْر الإِمَامِ بِالَّامِنِ كتاب الأذان ١١١ - بَابُ جَهْر الإِمَامِ بِالَّامِينِ وَقَالَ عَطَاءٌ : آمِينَ دُعَاءٌ ، أَمَّنَ ابْنُ الزُّبِرْ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الإِمَامَ : لا تَسْقْنِي بِآمِينَ. وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَدَعُهُ . وَيَحُضُهُمْ، وسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَبَرًا . قال عبدُ الرزاقِ (١) : أنا ابنُ جريجٍ: قلتُ لعطاء : كانَ ابنُ الزبيرِ يؤمِّنُ على إِثْرِ أُمِّ القرآن ؟ قال : نعمْ ، حتى إنّ للمسجد لَلَجَّةً. قال: إنَّما آمينَ دعاءٌ . قال : وكان أبو هريرةَ يدخلُ المسجدَ ، وقد قامَ الإمام فيه ، فيقولُ : لا تسبقني(٢) بآمينَ . وروى يحيى بنُ أبي كثيرٍ ، عن أبي سلمةَ ، عنْ أبي هريرةَ ، أنه كان مؤذنًا للعَلاَءِ بنِ الحَضْرُميِّ بالبحرينِ، فاشترطَ عليه أن لا يسبقَه بآمينَ (٣). وروى عاصم الأحولُ ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال: قال بلالُ : يا رسول الله، لا تسبقني بآمينَ (٤) . وهذا مرسلٌ . وخرجه أبو داودَ (٥) ، وعنده : عن أبي عثمانَ ، عن بلالٍ . (١) (٩٦/٢ - ٩٧) . (٢) في الأصل: ((لا تفتني))، والمثبت من ((المصنف)). (٣) عبد الرزاق (٩٦/٢). (٤) عبد الرزاق (٩٦/٢) والبيهقي (٦٥٢). (٥) (٩٣٧) . ٤٩٠ ١١١ - بَابُ جَهْر الإمَام بالنَّامِينِ كتاب الأذان وهو خطأ - : قاله أبو حاتم الرازيُّ (١). قال : وهو مُرْسلٌ . وقيل : إن أبا عثمانَ لم يسمعْ من بلالِ بالكليّةِ ؛ لأنه قدمَ المدينةَ في خلافةِ عمرَ ، وقد كان بلالٌ انتقلَ إلى الشام قبلَ ذلك. وقد رواه هشامُ بنُ لاحقٍ ، عن عاصمٍ ، عن أبي عثمانَ ، عن سلمانَ ، عن بلال ، فوصلَه . وهشامٌ ، تركَه الإمامُ أحمد وغیرُه. وقول عطاءٍ في آمينَ : إنها دعاءٌ ، يريد به - واللهُ أعلمُ - أنَّ معنى آمينَ اللهمَّ استجبْ ، ونحوُ هذا منَ الدعاءِ. وفي ((سنن أبي داودَ )) (٢) عن أبي زهيرِ النميريِّ - وكان منَ الصحابة - أنه كان يقول : إذا دعَا أحدُكم بدعاءِ فليختِمْه بآمينَ ؛ فإنَّ آمينَ مثلُ الطابعِ على الصحيفة. وذكر أنه خرجَ مع النبيِّ وَِّ ذاتَ ليلةٍ، قال: فأتينا على رجلٍ قد ألحَّ في المسألةِ، فوقفَ النبيِّ وَِّ يسمعُ منه، ثم قال النبيِ وَّ: «أَوْجَبَ إِنْ ختمَ بآمينَ ) . وخرج ابنُ عدِيٌّ (٣) بإسنادٍ ضعيف، عن أبي هريرةَ - مرفوعًا -: (( آمينَ قوةُ الدعاءِ)). وفي (( آمين)) لغتان: المدُّ، والقصرُ، والميمُ مخَفَّفةٌ، وحُكي عن بعضهم تشديدُها ، وقالوا : معناها قاصدينَ نحوَكَ . وزعم بعضُهم أنَّ آمين اسمٌ من أسماءِ اللهِ . وفيه أقوالٌ أخرُ لا تكاد تصلح . (١) ((العلل)) لابنه (٣١٤). (٢) (٩٣٨). (٣) (٧٠٧/٢). ٤٩١ ١١١ - بَابُ جَهْر الإِمَامِ بالتَّامِينِ کتاب الأذان و((اللَّجَّةُ)) - بفتحِ اللامِ وتشديدِ الجيمِ - : اختلاطُ الأصوات والضجَّات . و((الرَّجَّةَ)) - بالراء - مثلُها. وقولُ أبي هريرةَ: ((لا تسبقْنِي بآمينَ )) يدلُّ على فضلِ شهودِ المأموم مع إمامهِ آمينَ . وروي عن أبي الدرداءِ ، أنه سمعَ إقامةَ الصلاةِ ، فقال : أسرِعوا بنَا ندرك آمينَ . وقد قال وكيعٌ : منْ أدركَ آمينَ مع إمامهِ فقد أدركَ معه فضيلةَ تكبيرة الإحرامِ . وأنكرَ الإمامُ أحمدُ ذلكَ ، وقالَ : لا تدركُ فضيلةُ تكبيرة الإحرامِ إلا بإدراكِها مع الإمام. قال البخاريُّ : ٧٨٠ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ : أَنَا مَالِكٌّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ التِّيّ ◌َّد قَالَ : ((إِذَا أَمَّنَ الإمَامُ فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّه مَنْ وَفَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفْرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه » . وَقَالَ ابْنُ شِهَبٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ يَقُولُ: ((آمِينَ)). قولُ النبيِّ وَّهِ: ((آمينَ)) هو مما أرسلَه الزهريُّ في آخرِ الحديثِ. وقد رُوي عن الزبيديِّ، عن الزهريِّ بهذا الإسنادِ، أنّ النبيَّ وَ﴿ كانَ إذا فرغَ من قراءةٍ أمِّ القرآنِ رفعَ صوتَه ، فقالَ: ((آمينَ )) . خرجه الدار قطنيٌ (١). (١) (٣٣٥/١). ٤٩٢ حديث : ٧٨٠ كتاب الأذان وقال : إسنادُه حسنٌ كذا قال ، ووصْلُه وَهْمٌ ، إنما هو مدرَجٌ منْ قولِ الزهريِّ ، كما رواه مالكٌ (١) . وروى ابنُ وهبِ هذا الحديثَ ، عن مالك ويونسَ ، عن الزهريِّ ، وزاد فيه بعدَ قوله: ((إذا أمَّنَ الإِمامُ فأمِّنوا)): ((فَإِنَّ الملائكةَ تؤمّنُ» - وذكر باقي الحديثِ . خرَّجه البيهقيُّ (٢). وخرجهُ ابنُ ماجه(٣) بهذه الزيادةِ - أيضًا - من روايةٍ سفيانَ ، عنِ الزهريِّ . دلَّ هذا الحديثُ على أن الإمامَ والمأمومينَ يؤمِّنُونَ جميعًا ، وهذا قولُ جمهورِ أهلِ العلمِ . رُوي عن أبي بكرٍ وعمرَ وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ . وقال عطاءٌ (٤): لقد كنتُ أسمعُ الأئمةَ يقولونَ على إثر أمِّ القرآنِ : آمينَ ، هم أنفسُهم ومن وراءَهم ، حتى إنَّ للمسجد للَجَّةٌ . وبهذا قال الثوريُّ وأبو حنيفةَ والأوزاعيُّ وابنُ المباركِ والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ . (١) قلت: قول الدارقطني هاهنا: ((إسناده حسن)) لا يفيد أنه محفوظ عنده، فإن ((الحسن)) يطلقه المتقدمون - ومنهم : الدارقطني - على الغريب والمنكر ، وقد بينت ذلك بأمثلته في كتابي: ((لغة المحدث))، وذكرت أيضًا في كتابي ((النقد البناء لحديث أسماء في كشف الوجه والكفين للنساء )) شواهد كثيرة على ذلك من كلام الأئمة ، ومن كلام الدار قطني على وجه الخصوص . ويدل على ذلك: أنه ذكر هذا الحديث في ((العلل)) وذكر أوجه الاختلاف فيه سنداً ومتنًا، ثم قال (٩٠/٨): ((والمحفوظ: من قول الزهري مرسلاً)). والله الموفق. (٢) (٢/ ٥٧). (٣) (٨٥٢) (٤) عبد الرزاق (٩٦/٢-٩٧). D ٤٩٣ ١١١ - بَابُ جَهْرِ الإِمَامِ بِالَّامِينِ کتاب الأذان وهو رواية المدنيينَ عن مالك واختيارُهم. وروى ابنُ القاسمِ، عن مالك ، أن الإمام لا يُؤْمِّنُ ، إنما يؤمِّنُ مَن خلفَه ، وهو اختيارُ المصريينَ مِن أصحابِهِ . وحملُوا قولَه: ((إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا )) على أن المراد بتأمينِ الإمامِ دعاؤه بقراءة آخرِ الفاتحةِ ، بدليل رواية أبي صالحٍ ، عن أبي هريرةَ ، عنِ النبيِ الَّه، قال: ((إذا قالَ الإمامُ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولوا : آمين)) وسيأتي فيما بعد - إن شاء اللهُ . وليس فيه ما يدلُّ على أنَّ الإمام لا يؤمِّن ، بل فيه دليلٌ على اقترانِ تأمينٍ المأمومينِ بتأمينِ الإمامِ . وقد خرَّجِ الإِمامُ أحمدُ والنسائيُّ (١) من حديثِ معمرٍ ، عن الزهريِّ ، عن ابنِ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّبَ ◌َّ، قال: ((إذا قالَ الإمامُ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقولُوا: آمينَ ؛ فإن الملائكةَ تقولُ: آمينَ ، وإنَّ الإمامَ يَقولُ: آمينَ، فمَنْ وافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكة غُفرَ لَه ما تقدَّم من ذنبه)) . واختلفوا في الجهرِ بها على ثلاثةِ أقوالٍ : أحدُها : يجهرُ بها الإمامُ ومَنْ خلفَه ، وهو قولُ عطاءِ والأوزاعيِّ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وابن أبي شيبة ، وعامة أهل الحديث . واستدل بعضُهم بقوله: ((إذا أَمَّنَ الإمامُ فأمَنُوا))، فدلَّ على سماعِهم لتأمينِه. وروي عن عطاء ، قال: أدركتُ مائتينٍ من أصحابِ محمدٍ ، إذا قالَ الإمامُ : ﴿ولا الضالين﴾ سمعتُ لهم ضَجَّةً بـ («آمينَ)) (٢). خرجه حربٌ . (١) أحمد (٢/ ٢٧٠) والنسائي (١٤٤/٢). (٢) البيهقي (٥٩/٢) وعنده: ((رجّة)) ٤٩٤ حديث : ٧٨٠ کتاب الأذان والثاني : يخفيها الإِمام وُمَن خلفَه، وهو قولُ الحسنِ والنخعيِّ والثوريِّ ومالكٍ وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ . والثالثُ : يخفيها المأمومُ كما يخفي سائرَ الأذكارِ ، ويجهرُ بها الإمامُ ، وهو قولٌ للشافعيِّ . ومِنْ أصحابِه من حملَه على حالٍ قِلَّةِ المأمومينَ أو صغرِ المسجدِ بحيث يبلغُهم تأمينُ الإمامِ ، فإن لم يكن كذلكَ جهرَ المأمومونَ قولاً واحدًا . وفي الجهر بالتَّأْمِينِ للإِمامِ أحاديثُ مرفوعةٌ يطول ذكرُها. وقال الإمام أحمدُ - في رواية أبي داود - (١): يجهرُ الإمام حتَّى يَسْمِعَ كلُّ مَنْ فِي المَسْجِدِ . قال أبو داودَ : وكان مسجدُه صغيراً . وقال حربٌ : سمعتُ أحمدَ يجهرُ بآمين جهْرًا خفيفًا رقيقًا ، وربما لم أسمعه يجهرُ بها . قال : وسمعتُ إسحاقَ قال : يجهرُ بها حتى يسمعَ الصفُّ الذي يليه. قال : ويجهرُ بها كلُّ صفٍّ حتى يسمعَ الصفُّ الذي يليهم ، حتى يؤمِّنَ أهل المسجد کلُّهم. ويكونُ تأمينُ المأمومينَ مع تأمينِ الإمامِ ، لا قبله ولا بعده عند أصحابِنا وأصحابِ الشافعي ، وقالوا : لا يستحبُّ للمأمومِ مقارنةُ إمامِه في شيءٍ غيرِ هذا ، فإن الكلَّ يؤمِّنُونَ على دعاءِ الفاتحة ، والملائكةُ يؤمنونَ - أيضًا - على هذا الدعاءِ ، فيشرعُ المقارنةُ بالتأمينِ للإمامِ والمأموم ، ليقارنَ ذلكَ تأمينَ الملائكةِ في السماءِ ؛ بدليل قولِه في رواية معمرٍ : ((فإنَّ الملائكةَ تقولُ : آمينَ ، والإمامَ يقولُ: آمينَ)، فعلل باقترانِ تأمينِ الإمامِ والملائكةِ ، ويكونُ معنى قوله: ((إذا أمَّنَ الإمامُ فأمنوا)) - أي: إذا شرعَ في التأمينِ ، أو أرادَه . وورد أثر يدل على تأخيرِ تأمينِ المأمومِ عنْ تأمينِ الإمامِ ، من رواية ابن (١) (ص ٣٢). ٤٩٥ ١١١ - بَابُ جَهْر الْإِمَامِ بالنَّمِينِ كتاب الأذان لهيعةَ ، عن يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ ، عن عبدِ اللهِ بن عتابِ العدويِّ ، قال : صليت مُع أبي بكرٍ وعمرَ والأئمةِ بعدَهما ، فكان إذا فرغَ الإِمامُ من قراءَةٍ فاتحةِ الكِتَابِ، فقالَ : ﴿ولا الضالين﴾ قال: آمينَ، ورفع بها صوته، ثم أنصتَ، وقال مَن خلْفَه : آمين ، حتى يرجِّعَ الناسُ بها ، ثم يستفتحُ القراءةَ. إسنادهُ ضعيفٌ . وتأمينُ الملائكة هو على دعاء القارئ ، هذا هوَ الصحيحُ الذي يُفهمُ من الحديث . وقد ذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهُ فيه أقوالاً أخرَ ، مرغوبًا عن ذكرِها ؛ لبعدِها وتعسُّفِها من غیرِ دليلٍ . وقد قال عكرمة (١) : إذا أقيمت الصلاةُ فصفَّ أهلُ الأرضِ صفَّ أهل السماءِ ، فإذا قال أهلُ الأرضِ : ﴿ولا الضالين﴾ قالت الملائكةُ: آمينَ، فوافقَ آمينَ أهلِ الأرضِ آمينَ لأهلِ السماءِ ؛ غفِرَ لأهلِ الأرضِ ما تقدَّم من ذنوبِهم . وروى العلاءُ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ، قال: إذا قرأَ الإمامُ بأمِّ القرآنِ فاقرأْ بها واسبقْه ؛ فإنه إذا قالَ : ﴿ولا الضالين﴾ قالت الملائكةُ: آمينَ. فمن وافقَ ذلك قمِنٌ أن يُستجابَ لَهم. ولا يستحَبُّ أن يصلَ آمينَ بذكرٍ آخَر ، مثلُ أن يقولَ : آمينَ ربَّ العالَمينَ ؛ لأنه لم تأتٍ به السنةُ ، هذا قولُ أصحابِنا . وقال الشافعيُّ : هو حسنٌ : ولا يستحبُّ أن يقدم على التأمينِ دعاءٌ ؛ لأنَّ التأمينَ على دعاء الفاتحة ، وهو هداية الصراطِ المستقيمِ ، وهو أهمُّ الأدعيةِ وأجلُّها . (١) عبد الرزاق (٩٨/٢) بمعناه. ٤٩٦ حديث : ٧٨٠ كتاب الأذان ومِن السلفِ منِ استحبَّ ذلك للمأمومِ ، منهم : الربيعُ بنُ خُثيمٍ والثوريُّ. وروى أبو نعيمٍ في (( كتاب الصلاة )) حدثنا أبو مالكِ النخعيُّ ، عن المغيرةَ ابنِ النعمانِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : إذا قالَ الإمامُ : ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فسل موجبة(١)، ثم قل: آمينَ. أبو مالكِ هذا ، ضعيفٌ . وروى أبو بكرِ النهشليَّ ، عن أبي إسحاقَ ، عن أبي عبدِ اللهِ اليحصبيِّ، عن وائلِ بنِ حجرٍ، أنه سمعَ النبيَّ وَّ حين قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قال: ((ربِّ اغفرْلِي، آمينَ)). خرجه البيهقيُّ وغيرُه (٢) . وهذا الإسناد لا يحتج به. وروى أبو حمزةَ ، عن إبراهيمَ النخعيِّ ، قال : كانوا يستحبونَ ذلك . وأبو حمزة ، هو ميمونٌ الأعورُ ، ضعيفٌ . وظاهرُ الأحاديثِ : يدلُّ على أن يوصلَ التأمينُ بالفاتحةِ من غيرِ سكوتٍ . وروى ابنُ المبارك : ثنا عاصم الأحولُ ، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، قال: إذا قرأ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ ووصلَ بآمينَ ، فوافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ استجيبتِ الدعوةُ . حفصةُ ، لم تسمع منِ ابنِ مسعودٍ . واستحبَّ الشافعيةُ أن يسكتَ بينَ الفاتحةِ والتأمين سكتةً لطيفةً ؛ ليفصِلَ القرآن عمَّا ليس منهُ . (١) كذا . (٢) البيهقي (٥٨/٢) والطبراني (٤٢/٢٢-٤٣). ٤٩٧ ١١١ - بَبُ جَهْرِ الإِمَامِ بالتَّمِينِ كتاب الأذان والتأمينُ سنةٌ في الصلاة ، وليس بواجبٍ عند جمهورِ العلماءِ. وروى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ هانئٍ (١)، عن أحمدَ ، قال : آمينَ أمرٌ منَ النبيِّنَّهِ؛ قالَ: ((إذا أمَّنَ القارئُّ فأمِّنوا))، فهذا أمرٌ منه، والأمرُ أوكدُ مَن الفعلِ . (١) في ((مسائله)) (٤٥/١). ٤٩٨ حديث : ٧٨١ كتاب الأذان ١١٢ - بَابُ فَضْلِ التَّمِينِ ٧٨١ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا (١) مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ قَالَ: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آَمِينَ [و] قَالَتِ الْمَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ ، فَوَافَقَتْ إِحْدَهُمَا الأُخْرَى غُفْرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). وخرَّج مسلمٌ (٢) من رواية أبي يونسَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّل قال: ((إِذَا قالَ أحدُكم في الصلاةِ: آمينَ ، والملائكةُ في السماء : آمينَ ، فوافقَ إحدَاهُما الأخرَى غُفَرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه )). ومن روايةٍ سهيلٍ (٣)، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((إذا قالَ القارئُّ: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، فقالَ منْ خلفَه : آمينَ ، فوافقَ قولُه قولَ أهل السماء ، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه)) . وروى إسحاقُ بنُ راهَوَيَه : حدثنَا جريرٌ : ثنا ليثٌ ، عن كعبٍ ، عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((إذا قالَ الإمامُ: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فقالَ: آمينَ، فوافقَ آمينُ أهلِ الأرض آمينَ أهلِ السماءِ ، غَفَرَ اللهُ للعبدِ ما تقدَّم من ذنبه . ومَثَلُ مَن لا يقولُ : آمينَ كمثل رجلٍ غزاً مع قومٍ فاقترَعُوا ، فخرجتْ سهامُهُم ولم يخرج سهمُهُ ، فقال: لِمَ لَمْ يخرجِ سَهْمي ؟ فقيلَ : إنك لم تقلْ آمينَ )) . قال أبو هريرةَ : وكان الإمامُ إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ جهرَ بآمينَ. (١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)). (٢) (٢ / ١٧). (٣) (١٨/٢). 1 ٤٩٩ ١١٢ - بَابُ فَضْلِ التَّأْمِينِ كتاب الأذان كعبٌ هذا ، قال أحمد : لا أدري من هو . وقال أبو حاتم : مجهولٌ لا يعرَفُ. وقد ذكرنا - فيما تقدَّم - أنَّ الحديثَ على ظاهرِهِ ، وأن الملائكةَ في السماءِ تؤمِّنُ على قراءةِ المصلِّينَ في الأرضِ للفاتحةِ . وفي ((صحيح مسلمٍ))(١) من روايةِ العلاء(٢) ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ ، عنِ النبيِّ بََّ، قال: ((قال اللهُ عز وجل : قسمت اُلصلاةَ بيني وبينَ عبدِي نِصْفَينِ ، ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال اللهُ: حمدني عبدي ، فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قالَ اللهُ: أَثْنَى على عبدي ، فإذا قالَ : ﴿ مالك يوم الدين﴾ قال: مجّدني عبدي - وقال مرة: فوّض إليّ عبدي- ، فإذا قال : ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سألَ . فإذا قال : ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب علهيم ولا الضالين﴾ قالَ: هذا لعبدي، ولعبدي ما سألَ». فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ اللهَ يستمع لُقراءة المصلِّى حيثُ كان مناجيًّا له ، ويردُّ عليه جوابَ ما يناجيه به كلمةً كلمةً ، فأولُ الفاتحة حمدٌ ، ثم ثناءٌ ، وهو تثنية الحمدِ وتكريرُهُ ، ثم تمجيدٌ، والثناءُ على الله بأوصافِ المجدِ والكبرياءِ والعظمةِ ، ثم ينتقلُ العبدُ منَ الحمدِ والثناءِ والتمجيدِ إلى خطابِ الحضورِ ، كأنه صلُحَ حينئذٍ للتقريبِ مِنَ الحضرةِ(٣) فخاطب خطابَ الحاضرينَ ، فقال ﴿إِياك نعبد وإياك نستعين﴾ . وهذه الكلمةُ قد قيل : إنها تجمعُ سرَّ الكتبِ المنزلةِ من السماء كلِّها ؛ لأن (١) (٢/ ٩). (٢) في الأصل و ((س)) ((ابن العلاء )) خطأ. (٣) في الأصل و((س)): ((الخطرة)). ٥٠٠ حديث : ٧٨١ كتاب الأذان الخلقَ إنما خُلِقُوا ليؤْمَروا بالعبادةِ، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإنما أُرسلتِ الرسلُ وأُنزلتِ الكتبُ لذلكَ، فالعبادةُ حقُّ اللهِ على عبادِهِ ، ولا قدرةَ للعبادِ عليها بدونِ إعانة اللهِ لهم ، فلذلك كانتْ هذه الكلمةُ بينَ اللهِ وبين عبدِه ؛ لأن العبادةَ حقَّ الله على عبده، والإعانةُ من اللهِ فضلٌ من اللهِ على عبدِه . وبعد ذلك الدعاء بهدايةِ الصراطِ المستقيمِ ؛ صراطَ المُنْعَم عليهم ، وهُم الأنبياءُ وأتباعُهم منَ الصديقينَ والشهداء والصالحينَ ، كما ذكر ذلك في سورةِ النساء . فَمَنِ استقامَ على هذا الصراطِ حصلَ له سعادةُ الدنيا والآخرةِ ، واستقامَ سَيْرُه على الصراطِ يومَ القيامةِ ، ومَن خرج عنه فهو إما مغضوبٌ عليه ، وهو مَن يعرفُ طريقَ الهُدَى ولا يتبعُه كاليهودِ ، أو ضالٌّ عن طريقِ الهُدَى كالنصارى ونحوِهم منَ المشركينَ . فإذا ختم القارِئُ في الصلاة قراءة الفاتحة، أجابَ اللهُ دعاءَه فقال: (( هذا لعبدي ولعبدي ما سألَ )) . وحينئذٍ تؤمِّن الملائكةُ على دعاءِ المصلِّى، فيشرعُ للمصليِّن موافقتُهم في التأمينِ معهم ، فالتأمينُ مُما يستجَابُ بُه الدعاءُ. وفي ((صحيح مسلمٍ))(١) عن أبي موسى الأشعريِّ، عنِ النبيِّ بََّ، قال: ((إذا قالَ الإمامُ :- ﴿ غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ فَقُولُوا: آمينَ ، يُحِبْكُمُ اللهُ)) . ولما كانَ المأمومُ مأمورًا بالإنصاتِ لقراءةِ الإمامِ ، مأمورًا بالتأمين على دعائِه عند فراغ الفاتحةِ ؛ لم يكن عليه قراءةٌ ؛ لأنَّه قد أنصت للقراءة ، وأمَّنَ على الدعاء ، فكأنه دعا ؛ كما قالَ كثيرٌ من السلفِ في قول اللهِ تعالَى لموسى ٠ (١) (٢/ ١٤ - ١٥).