النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
٨٨ - بَابُ الخشوع في الصلاة
کتاب الأذان
وتمسكنٌ، وتقنع يديك - يقول : ترفعهما إلى ربك - مستقبلاً ببطونهما وجهَك،
وتقول : يا ربِّ يا ربِّ، وإن لم تفعلْ ذلكَ فهو كذا وكذا)).
وهذا لفظُ الترمذيِّ .
وللإِمامِ أحمدَ : ((وتقول: يا ربِّ ثلاثًا، فمن لم يفعلْ ذلكَ فهي خِدَاجٌ)) .
وفي إسناده اختلافٌ .
وخرجه أبو داودَ وابنُ ماجه (١)، وعندهما: عن المطلبِ، عنِ النبيِّ ◌َِرَ
٠
وقد قال أبو حاتم الرازيُّ (٢): هو إسنادٌ حسنٌ .
◌ٌ (٣)
وضعفه البخاري ، وقال : لا يصح
٠
وقال العقيلي : فيه نظرٌ .
وأما قولُ النبيِّ ◌َِّ: ((إنيِّ أراكم مِنْ وراء ظَهري))، فليس المرادُ منه : أنه
كان يلتفت ببصره في صلاتِه إلى مَنْ خلفَه حتى يرى صلاتَهمَ ، كما ظنّه
بعضُهم، وقد ردَّ الإمامُ أحمدُ على من زعمَ ذلكَ ، وأثبت ذلكَ من خصائصِ
النبيُّ نَّهِ وآياتِه ومعجزاته ، وقد سبق ذكرُ كلامِه في ذلك .
(١) أبو داود (١٢٩٦) وابن ماجه (١٣٢٥).
(٢) ((العلل)) لابنه (٣٦٥).
(٣) حكاه عنه الترمذي في ((الجامع)) و((العلل)) (ص ٨٢).
وكذا حكاه العقيلي ، عنه (٢/ ٣١٠ - ٣١١).

٣٤٢
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
كتاب الأذان
٨٩ - بَابُ
مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَمَرَ: نَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالك، أَنَّ
الَِّّفَ﴿ وَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَحُونَ الصَّلاَةَ بـ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ﴾ .
٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا عَبّدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادِ: ثَنَا عِمَارَةُ بْنُ
الْقَعْقَاعِ: ثَا أَبُو زُرْعَةَ: ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْكُتُ بَيْنَ النَّكْبِيرِ
وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَانَةٌ - قَالَ : أَحْسَبَهُ قَالَ: هَنَّةً -، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللّه،
إِسْكَانُكَ بَيْنَ التَّكْبِرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ: قَالَ:(أَقُولُ: اللَّهُمَّبَاعِدْ بَيِي وَبَّنَ
خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى
الثَّوْبُ الْأَبَيَضُ مِنَ اللََّسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثََّجِ وَالْبَرَدِ» .
قال الخطابيُّ (١): قولُه: ((إسكاتَةً)) وزنُ إفعالة ، من السكوت ، ومعناه :
سكوتٌ يقتضي بعدَه كلامًا ، أو قراءةً مع قِصَر المدةِ فيه ، وإنَّما أراد تركَ رفع
الصوت ، ألا تراه يقولُ : ما تقولُ في إسكاتِكَ .
قال : وقولُه: ((اللهمَّ اغسلْ خطايايَ بالماء والثلجِ والبرَدِ))، فإنها أمثالٌ ،
ولم يُرِدْ أعيانَ هذه المسمَيَاتِ(٢)، وإنما أرادَ التوكيدَ في التطهيرِ، والثلجُ والبردُ
ماءانِ ، لم تمسهُما الأيدِي ، ولم يمرس ولم يمتهَنْ .
قال : وفيه مستدَلِّ لمنْ منعَ منَ الماءِ المستَعْملِ ؛ لأنه يقول : إنَّ منزلةً
الخطايا المغسولة بالماءِ بمنزلةِ الأوضارِ الحالَّةِ في الماءِ والغسولات المانعة من
التطهير .
(١) في ((شرح البخاري)) (١/ ٤٨٧).
(٢) في الأصل: ((المشبهات))، والمثبت من الخطابي.
م

٣٤٣
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
قال(١): وعندي في قوله : ((اغسلْ خطايايَ)) عجائبٌ. انتهى ما ذكره .
وكأنه يشيرُ إلى مسألةِ العصمَة ، ولا حاجةَ إلى ذكرِها .
ولما كانت الذنوبُ تؤثِّر في القلبِ دنسًا ، وهو المذكورُ في قولِه تعالى :
وَكَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىْ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] وتُوجبُ للقلبِ
احتراقًا ؛ طلب في هذا الدعاء المباعدةَ بينَه وبينها على أقصى وجوهِ المباعدةِ ،
والمرادُ : المباعدةُ من تأثيراتِها وعقوباتِها الدنيوية والأخرويةِ .
وربما دخلَ فيه المباعدةُ بين ما قُدِّر منها ولم يعمله بعدُ ، فطلب مباعدتَه
منه، على نحو قوله : ((أعوذُ بكَ من شر ما عملتُ وما لم أعملْ)).
وطلب - أيضًا - أن ينقيَ قلبَه من دنسِها كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدنسِ .
وطلب - أيضًا - إطفاءَ حرارتِها وحرِيقِها للقلبِ بأعظمٍ ما يُوجُد في الدنيا إنقاءً
وتبريدًا، وهو الماءُ والثلجُ والبرَدُ.
وفي حديث عائشةَ، أنَّ النبيَّ نَّهِ كان يقولُ في دعائه: ((اللهم اغسلْ
خطاياي بالثلجِ والبرد ، وأنقٍ قلبي من الخطايا كما أنقيتَ الثوبَ الأبيضَ من
الدنس ، وباعدْ بيني وبينَ خطايايَ كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغربِ» .
وقد خرَّجه البخاريُّ في موضعٍ آخرَ ، وخرجه مسلمٌ - أيضًا (٢).
وإنما كان يدعو في افتتاح الصلاة المكتوبةِ بهذا - واللهُ أعلم - ؛ لأن
الصلوات الخمسَ تكفرُ الذنوبَ والخطاياً، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ
النَّهَارِ وَزَلَّا مِّنَ الَيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فَإِقامةُ الصلواتِ
المفروضاتِ على وجهِها يوجبُ مباعدةَ الذنوبِ ، ويوجب ـ أيضًا - إنقاءَها
وتطهيرَها ؛ فإن ((مثلَ الصلواتِ الخمسِ كمثلِ نهرِ جارٍ ، يغتسلُ فيه كلَّ يوم
(١) هذه الجملة ليست في كتاب الخطابي المطبوع .
(٢) البخاري (٦٣٦٨)، ومسلم (٨/ ٧٥) .

٣٤٤
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
خمسَ مرات)) وقد تقدم الحديث في ذلك ، ويوجب - أيضًا - تبريد الحريقِ الذي
تكسبه الذنوبُ وإطفاءَه .
وخرَّج الطبرانيُّ (١) من حديث ابن مسعودٍ - مرفوعًا - : ((تحترقونَ
[تحترقون] حتى إذا صليتم الفجر غسلتها ، ثم تحترقون تحترقون حتى إذا صليتم
الظهر غسلتها ، ثم تحترقون تحترقون حتى إذا صليتُم العصر غسلتْها ، ثم تحترقون
تحترقون فإذا صليتم المغربَ غسلْها ، ثم تحترقون تحترقُون فإذا صليتم العشاءَ
غسلتْها)» .
وقد روي موقوفًا ، وهو أشبه .
وخرج - أيضًا (٢) - من حديث أنس - مرفوعًا - : ((إن لله ملكًا ينادي عند كلِّ
صلاة : يا بني آدمَ ، قوموا إلى نيرانكمُ التي أوقدتمُوها على أنفسكم فأطفئوها)) .
وخرج الإسماعيليُّ من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ - مرفوعًا - : ((يحرقون، فإذا
صلَّوُاُ الصبحَ غَسلت الصلاةُ ما كان قبلَها)) حتى ذكرَ الصلواتِ الخمسَ .
ولما كانتِ الصلاةُ صلةً بين العبد وربِّه، وكان المصلِّي يناجي ربَّه ، وربُّهُ
يقرِّبه منه ، لم يصلح للدخول في الصلاة إلا من كان طاهرًا في ظاهره وباطنه ؛
ولذلك شرع للمصلِّي أن يتطهرَ بالماء ، فيكفر ذنُوبَه بالوضوء ، ثم يمشي إلى
المساجدِ فيكفر ذنوبَه بالمشي ، فإنْ بقيَ من ذنوبه شيءٌ كفرتْه الصلاةُ .
قال سلمان الفارسيُّ : الوضوءُ يكفِّرِ الجراحات الصغارِ ، والمشي إلى
المسجدِ يكفِّر أكثرَ من ذلك ، والصلاةُ تكفِّر أكثرَ من ذلك .
خرجه محمد بنُ نصرِ المروزيُّ (٣) وغيرُه .
فإذا قام المصلِّي بين يدَي ربِّه في الصلاة وشرعَ في مناجاتِه ، شرعَ له أولَ ما
(١) في ((الأوسط)) (٢٢٢٤)، و((الصغير)) (٤٧/١).
(٢) في ((الأوسط)) (٩٤٥٢).
(٣) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٩٩).

٣٤٥
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكيـ
کتاب الأذان
يناجي ربَّ أن يسأل ربَّه أن يباعدَ بينه وبين ما يوجبُ له البعدَ من ربِّه ، وهو
الذنوبُ ، وأن يطهرَه منها ؛ ليصلح حينئذٍ للتقريب والمناجاة ، فيستكملُ فوائدَ
الصلاةِ وثمراتِها من المعرفةِ والأنسِ والمحبةِ والخشيةِ ، فتصير صلاتُه ناهيةً له
عن الفحشاءِ والمنكرِ ، وهي الصلاةُ النافعةُ .
وقد روي ، أنه وَّل﴿َ كانَ يستعيذُ مِنْ صلاةٍ لا تنفعُ .
خرجه أبو داودَ (١) .
وخرجه البزار في «مسنده)» (٢) بإسناد فيه ضعف ، عن سمُرَةَ بنِ جندبٍ ، أن
رسولَ اللَّهِ وَ كَانَ يقولُ لنَا: ((إذا صلَّى أحدُكم فليقل: اللهمَّ باعدْ بيني وبينَ
خطاياي كما باعدتَ بيني وبينَ المشرقِ والمغربِ ، اللهمَّ إنيِّ أعوذُ بكَ أن تصدَّ
عنيٌّ وجهَك يومَ القيامة ، اللهم نقِّني من خطاياي كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من
الدنسِ ، اللهمّ أحيني مسلمًا وتوفّني مسلمًا)) .
وهذا حديث غريبٌ .
والاستعاذة من الإِعراض مناسبةٌ لهذا المقامِ؛ فإن المصلَِّ قائمٌ بين يدي الله
لمناجاته ، فيحسنُ أن يستعيذَ به من أن يُعرضَ بوجهِه عنه .
وفي حديث أبي هريرة جوازُ التفدية بالأبوين ، وفيه كلامٌ يذكرُ في موضعٍ
آخر - إن شاء اللَّه تعالى .
وحديث أبي هريرة استدلَّ به مَنْ يقولُ: إنه يستحبُّ استفتاحُ [الصلاة](٣)
بذكرٍ قبل الشروع في القراءة ، وهو قولُ أكثرِ العلماءِ ، ثم اختلفوا :
فقال كثير منهم: يستحبُّ استفتاحُ الصلاة بقول: ((سبحانَك اللهمَّ وبحمدك ،
وتباركَ اسمُك ، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك)).
(١) (١٥٤٩) .
(٢) (٥٢٣ - كشف) .
(٣) زيادة للسياق .

٣٤٦
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
صحَّ هذا عن عمرَ بنِ الخطاب ، رُوي عنه من وجوهٍ كثيرةٍ ، وعن ابنِ
مسعودٍ ، ورُويَ عن أبي بكرٍ الصديقِ وعثمانَ بنِ عفانَ ، وعن الحسنِ وقتادةَ
والنخعيِّ ، وهو قولُ الأوزاعيِّ والثوريِّ وأبي حنيفةَ وابنِ المباركِ وأحمدَ
وإسحاقَ - في رواية .
وقد رُوي في ذلك أحاديثُ مرفوعةٌ من وجوه متعددة ، أجودُها : من
حديث أبي سعيدٍ وعائِشةً .
وقال الإمامُ أحمدُ : نذهبُ فيه إلى حديث [عمر](١)، وقد رُويَ فيه من وجوهِ
ليست بذاك - فذكر حديثَ عائشةَ وأبي هريرة .
فصرحَ بأن الأحاديثَ المرفوعةَ ليست قويةً ، وأن الاعتمادَ على الموقوفِ عن
الصحابة ؛ لصحةٍ ما رُويَ عن عمر .
ورُويَ عن أبي إسحاقَ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبِي الخليلِ ، قال : سمعت عليًا
حين افتتحَ الصلاةَ قال : لا إلهَ إلا أنتَ سبحانَك إنيِّ قد ظلمتُ نفسِي ظلمًا
كثيرًاً ، فاغفرْ ذُنُوبِي ، إنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ (٢).
وروي عن ابن عمرَ ، أنه افتتح الصلاةَ ، فقال : اللَّهُ أكبر كبيرًا ،
وسبحانَ اللَّهِ وبحمده بكرةً وأصيلاً ، اللهم اجعلْكَ أحبَّ شيءٍ إليَّ، واخشَى
شيءٍ عندي(٣).
وذهب طائفةٌ إلى الاستفتاح بقولِ : ((وجهتُ وجهيَ للذي فطرَ السمواتِ
والأرضَ حنيفًا)) - الآيات، وما بعدُه من الدعاءِ.
وقد خرجه مسلمٌ (٤) من حديث عليٍّ بن أبي طالبٍ، أنَّ النبيَّ وَّ كان
(١) زيادة للسياق، ويؤيدها ما يأتي بعدها. وكذا ما في ((مسائل عبد اللَّه)) (ص ٧٥).
(٢) ابن أبي شيبة (١/ ٢١٠) وانظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٣٣/٢).
(٣) ابن أبي شيبة (١/ ٢١١) وعبد الرزاق (٧٦/٢).
(٤) (١٨٥/٢ - ١٨٦) .

٣٤٧
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
يستفتحُ بذلكَ ، خرجه في ((أبواب: صلاةِ الليلِ)) .
وخرجه الترمذيُّ (١)، وعنده: أن النبيَّ وَِّ كان يستفتحُ به في الصلاة
المكتوبة .
وفي إسناده مقالٌ .
وخرجه الطبرانيُّ (٢) من وجه آخر كذلك.
وخرجهُ النسائيُ (٣) من رواية محمدِ بنِ مسلمةَ، أن النبيَّ بَّ كان إذا قامَ
يصلّي تطوعًا يقولُ ذلكَ .
وممن ذهب إلى الاستفتاحِ بهذا : الشافعيُّ وأصحابهُ وإسحاقُ - في روايةٍ .
ورُويَ عن عليٍّ ، أنه كان يستفتحُ به من وجهٍ منقطعٍ .
وظاهرُ كلامِ الشافعيِّ وبعضِ أصحابِهِ : أنه يستفتح به كلِّه الإمامُ وغيرُه .
وقال كثيرٌ من أصحابِهِ : يقتصر الإمامُ على قولهِ : ((وأنا من المسلمين)).
وقالت طائفةٌ: يجمع بين قوله : ((سبحانكَ اللهمَّ وبحمدك)) وقولِه :
«وجهت وجهي)) .
وهو قولُ أبي يوسفَ وإسحاقَ - في رواية - وطائفةٍ من الشافعيةِ ، ومنهم :
أبو إسحاقَ المروزيُّ ، وطائفةٍ قليلةٍ من أصحابِنا .
وقد ورد في الجمع بينهما أحاديثُ غيرُ قويةِ الأسانيدِ .
وكلُّ هذا على وجه الاستحبابِ ، فلو لم يستفتحِ الصلاةَ بذكرٍ ، بل بدأ
بالقراءةِ صحتْ صلاتُه ، ولو استفتحَ بشيءٍ مما وردَ حصلت به سنةُ الاستفتاح
عند الإمامِ أحمدَ وغيرِهِ من العلماءِ ، ولو كان الأفضلُ عند بعضِهِم غيرَه .
(١) (٣٤٢٣).
(٢) في ((الأوسط)) (٤٥٥٢) .
(٣) (١٣١/٢) .

٣٤٨
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
كتاب الأذان
وقال أحمد في رواية الميمونيِّ : ما أحسنَ حديثَ أبي هريرةَ في الاستفتاحِ -
يعني : الحديثَ الذي خرجه البخاريُّ هاهنا - فقيل له : فإن بعضَ الناسِ يقولُ:
هذا كلامٌ ؟ فقال - متعجبًا - : وهلِ الدعاءُ إلا كلامٌ في الصلاة ويجوزُ .
والمنكِرُ لهذا هو مَنْ يقولُ من الكوفيينَ : إنه لا يجوزُ الدعاءُ في الصلاةِ إلا
بلفظِ القرآنِ ، فأما الثناءُ على اللَّهِ فمتفقٌ على جوازهِ فِي الصلاة .
وهذا مما يرجَّحُ به الاستفتاحُ بـ ((سبحانك اللهمَّ وبحمدِك))؛ لاشتماله على
أفضلِ الكلامِ ، فإنه إذا جمع مع التكبيرِ صار متضمنًا لقول: ((سبحانَ اللَّه ،
والحمدُ لله، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبر))، وقد قال النبيُّ ◌ِ ◌ّ فيهن: ((إنهنّ
أفضلُ الكلام بعدَ القرآنِ»(١) .
وذهبت طائفةٌ قليلةٌ : إلى أن مَن ترك الاستفتاحَ عمدًا أعادَ صلاتَه ، منهم :
ابن بطةَ وغيرُهُ من أصحابِنا ، وربما حُكي روايةً عن أحمدَ .
وقال الحكمُ: إذا قالَ : سبحانَ اللَّهِ حين يفتتح الصلاةَ والحمدُ للَّه أجزأه .
وهذا يشعر بوجوبِه .
وقال إسحاقُ: إن تركه عمدًا فهو مسيءٌ، ولا يتبين لي إيجابُ الإعادة ؛ لما
ذكر في غير حديث، أن النبيَّ ◌َّ كان إذا كبّر قرأ فاتحة الكتاب.
وحكي الترمذيُّ عن بعض أهلِ الكوفةِ : أن حديثَ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ يُعمل
به في التطوع دونَ الفريضةِ .
وكذلك خرجه مسلمٌ في ((أبواب قيامِ الليلِ)) .
وقال أحمدُ - في رواية ابن منصورٍ - : أنا أذهب إلى قولِ ابنِ عمرَ (٢)، وإن
قال كما رُويَ عن النبي ◌ِّ فلا بأسَ ، وعامة ما قال في صلاة الليل .
(١) أحمد (٢٠/٥) .
(٢) لعل الصواب: ((عمر))، وقد تقدم قريبًا.
!

٣٤٩
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
كتاب الأذان
وقال الوليدُ بنُ مسلمٍ : ذكرت ذلك لسعيدِ بن عبدِ العزيزِ ، فأخبرني عن
المشيخة ، أنهم كانوا يقولون : هؤلاء الكلماتِ حين يُقبلون بوجوههم إلى
القبلة ، قبل تكبيرة الاستفتاح - يعني : ((وجَّهْتُ وَجْهِيَ)) - قال: ثم يُتْبعون
تكبيرةَ الاستفتاح بـ ((سبحانَك وبحمدك)) إلى آخره .
وذهب مالك إلى أنه لا يشرعُ الاستفتاحُ في الصلاة ، بل يتبع التكبير بقراءة
الفاتحة .
وحكاه الإمامُ أحمدُ - في رواية حنبلٍ - عن ابن مسعودٍ وأصحابِهِ .
وهذا غريبٌ .
واستدلَّ لمن ذهب إلى هذا القولِ بظاهر حديثِ أنسِ الذي خرجه البخاريّ
هاهنا في أول الباب .
وقد تقدم عن إسحاقَ ، أنه استدل به على أن الاستفتاح غيرُ واجبٍ .
وحمله آخرون على أن النبيَّ بَّهِ كان يتركه أحيانًا؛ ليبينَ أنه غيرُ واجبٍ .
وحمله آخرونَ على أن المراد به: أن النبيَّ ◌َ لَّ كان يبدأُ بقراءة الفاتحةِ قبل
السورةِ، ولم يُرِدْ به نفي الاستفتاحِ والتعوذِ ، فالمرادُ به - حينئذٍ - استفتاحُ قراءة
الصلاة بالفاتحة .
وعلى هذا حمله الشافعيُّ وأصحابُه .
ويدل عليه : أن الترمذي(١) خرج هذا الحديثَ من رواية أبي عوانةَ ، عن
قتادةَ، عن أنسٍ، قال: كان رَسُول اللّهِ إِ لَه وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ يفتتحونَ
القراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولو كانت روايةُ شعبةَ التي خرجها
البخاريُّ على ظاهرِها في افتتاح الصلاة لدلَّت على أن الصلاة تُفتتحُ بكلمة :
﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دون التكبيرِ، ولم يقل أحدٌ: إن هذا هو المرادُ من
(١) (٢٤٦) .
i

٣٥٠
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
هذا الحديثِ .
وقال آخرونَ : المرادُ من حديث أنسٍ : أن القراءةَ في الصلاة الجهرية تفتتح
بكلمة ﴿الْحَمْدُ للَّهِ﴾ دون البسملَةِ.
واستدلوا لذلك بما خرجه مسلمٌ في ((صحيحه)»(١) من طريق غُنْدَرِ ، عن
شعبةَ ، قال : سمعت قتادةَ يحدث ، عن أنس ، قال : صليتُ مع رسولِ اللَّهِ
رَّه وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فلم أسمع أحداً منهم يقرأ («بِسمِ اللَّهِ الرحمنِ
الرحيم)) .
وخرجه - أيضًا - من طريق أبي داودَ ، عن شعبةَ ، وزاد : قال شعبةُ :
فقلت لقتادةَ : أسمعتَهُ من أنسٍ ؟ قالَ : نعمْ ، نحن سألناه عنْهُ .
ففي هذه الروايةِ : تصريحُ قتادةَ بسماعِه له من أنسٍ ، فبطل بذلك [تخيُّل)(٢)
من أعلَّ الحديثَ بتدليسِ قتادةَ .
وخرجه مسلمٌ - أيضًا - من طريق الأوزاعيِّ ، عن عبدةَ ، أن عمرَ بنَ
الخطابِ كان يجهرُ بهؤلاء الكلمات ، يقولُ : سبحانك اللهمَّ وبحمدك ، وتبارَك
اسمُك ، وتعالى جَدُّك ، ولا إله غيرُك .
وعن قتادَة ، أنه كتب إليه يخبره عن أنسِ بنِ مالك ، أنه حدَّثْه ، قال :
صليتُ خلفَ النبيِّ وَّهِ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ ، فكانوا يستفتحون بـ
الْحَمْدُ للَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ﴾ لا يذكرون «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، لا في أول
قراءة ولا آخرها .
وعن الأوزاعيِّ ، قال : أخبرني إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ ، أنه
سمع أنسَ بنَ مالك يذكر ذلك .
(١) (٢ / ١٢) .
(٢) في الأصل مشتبهة .
٠

٣٥١
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
كتاب الأذان
فهذه الروايةُ صحيحةٌ ، متصلةُ الإسنادِ بالسماعِ المتصلِ عن قتادةَ ، وإسحاقَ
عن أنسٍ .
وقد رُويَ حديثُ شعبةَ ، عن قتادةَ بألفاظِ أخر .
فرواه وكيعٌ ، عن شعبةَ ، عن قتادةَ، عن أنسٍ ، قال : صليتُ خلفَ النبيِّ
وَخِيهِ، وخلف أبي بكر وعمر وعثمانَ، فكانوا لا يَجْهرون بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ) .
خرجه الإمامُ أحمدُ (١)، عن وكيعٍ .
وخرجه الدار قطنيُّ (٣) من طرقٍ ، عن شعبةً - بنحوِهِ .
ومن طريقٍ شيبانَ وهمامٍ عن قتادةَ - أيضًا - بنحوِه (٣).
ومن طريقِ زيدِ بن الحبابِ ، عن شعبةً (٤)، وقال في حديثه : فلم أسمع
أحدًا منهم يجهر بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)).
وكذا رواه سعيدُ بنُ أبي عروبةَ وحجاجٌ ، عن قتادةَ ، عن أنسٍ (٥).
وخرجه النسائيُّ (٦) من رواية سعيد بن أبي عروبةً وشعبةَ ، كلاهما عن
قتادةَ ، ولفظُه : فلم أسمعْ أحدًا منهم يجهرُ بها .
وخرجه أبو يعلى الموصليُّ (٧) من طريق غُندرٍ ، عن شعبةً ، ولفظه : لم
يكونُوا يستفتحون الصلاةَ بـ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)). قلتُ لقتادَةَ : أسمعتَه
من أنسٍ ؟ قال : نعمَ ، ونحنُ سألناه عنه .
(١) (١٧٩/٣ - ٢٧٥) .
(٢) (٣١٥/١) .
(٣) (٣١٥/١ - ٣١٦).
(٤) (١/ ٣١٥) .
(٥) أحمد (٣١٥/١ - ٣١٦).
(٦) (١٣٥/٢).
(٧) (٣٦٠/٥).

٣٥٢
حدیث : ٧٤٣ - ٧٤٤
كتاب الأذان
ورواه الأعمشُ ، عن شعبةَ ، فقال : عن ثابتِ ، عن أنسٍ - بنحو هذا
اللفظ .
وأخطأ في قوله: ((ثابت))، إنما هو: ((عن قتادةَ) - : قاله أبو حاتمٍ
الرازيُّ والترمذيُّ في ((كتاب العلل)»(١).
وقيل : إن الخطأ من عمارِ بنِ رُزَيْقٍ ، راويه عن الأعمشِ .
وقد روي عن شعبة ، عن قتادةَ وحميدٍ وثابتٍ ، عن أنسٍ من وجه آخر فيه
نظرُ .
ورواه يزيدُ بن هارونَ ، عن حمادٍ ، عن قتادةَ وثابتٍ ، عن أنسٍ .
وخرجه الإمامُ أحمدُ (٢) عن أبي كاملٍ ، عن حمادِ بنِ سلمةً ، عن ثابت
وقتادةَ وحميد، عن أنسٍ ، أن النبيَّ وَلّ وأبا بكر وعمرَ كانوا يفتتحون القراءة
بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ﴾.
ورواهُ حمادُ بنُ سلمةَ في ((كتابه)) كذلك، [ إلا](٣) أنه قال: لم يذكر حميدٌ
في روايته: النبيَّ ◌َِّ .
يعني : أن حميدًا وَحْدَه وقفَه ، ولم يرفَعْه .
وقد رواه مالكٌ في ((الموطٍ))(٤) عن حميد ، عن أنس ، قال : قمتُ وراءَ
أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، فكلُّهم لا يقرأ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) إذا افتتحَ
الصلاةَ .
وقد رَفعه عن مالكِ الوليدُ بنُ مسلمٍ وأبو قرةَ الزَّبَيْدِيُّ وإسماعيلُ بنُ موسى
(١) ((العلل)) للرازي (٢٢٩) وللترمذي (ص ٦٨).
(٢) (١٦٨/٣).
(٣) زيادة مني .
(٤) (ص ٧٢) .

٣٥٣
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
كتاب الأذان
السدِّيُّ وابنُ وهب - من رواية ابن أخيه عنه .
والصحيحُ عن مالكِ: ليس فيه ذكرُ النبيِّ ◌َِّ، وكذا الصحيحُ عن حميدٍ .
قال أحمدُ : حميدٌ لم يرفعُه .
وذكرَ الدار قطنيُّ جماعةً روَوْه عن حميدٍ ورفعُوه ، منهم : معمرٌ وابنُ عيينةً
والثقفيَّ وأبو بكرِ بنُ عياشٍ ومروانُ بنُ معاويةَ وغيرُهم .
ثم قال : والمحفوظُ : أن حميداً رواه عن أنسٍ ، وشك في رفعه ، وأخذه
عن قتادةَ ، عن أنسٍ مرفوعًا .
وخرج النسائيُ (١) من روايةَ أبي حمزةَ ، عن منصورِ بنِ زاذانَ ، عن أنسٍ ،
قال: صلى بنا رسولُ اللَّهِ بِ له فلم يُسْمِعْنا قراءة ((بسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،
وصلى بنا أبو بكر وعمرُ فلم نسمعْهَا منهُما .
وروى محمدُ بنُ أبي السرِّي ، عن معتمرِ بنِ سليمانَ ، عن أبيه ، عن
الحسنِ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ نَّهِ كان يُسرُّ((بسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) وأبو بكر
وعمرُ .
2 (٢)
خرجه الطبرانيُ (٢).
ورُوي من وجهٍ آخر ، عن الحسنِ ، عن أنسٍ (٣).
ورُوي عن أنسٍ من وجوه أُخرَ ، منها : عن أبي قلابةَ وثمامةَ وعائذٍ بن
شريحٍ وغيرهم .
وقد اعترضَ طائفةٌ من العلماء على هذا ، بأن حديثَ أنسٍ اختلفت
ألفاظُه، والمحفوظُ من ذلك روايةُ من قال : كان يفتتح الصلاةَ - أو القراءةَ -
(١) (١٣٥/٢).
(٢) أخرجه في ((الكبير)) (٢٥٥/١).
(٣) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٨) والطبراني في ((الأوسط)) (٨٢٧٧).

٣٥٤
حديث : ٧٤٣ - ٧٤٤
كتاب الأذان
بـ ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، كما هي الرواية التي خرَّجها البخاريُّ، وهذه
الروايةُ تحتملَ أن المرادَ : افتتاحُ القراءةِ بقراءة سورة الفاتحةِ دونَ غيرِها من
السورِ .
وزعم الدارقطنيُّ : أن عامة أصحابٍ قتادةَ روَوْه عنه كذلكَ ، منهم : أيوبُ
وحميدٌ ، وأنه المحفوظُ عن قتادةَ وغيرِهِ ، عن أنسٍ .
وكذلك رواه جماعةٌ عن شعبةَ كما خرجه البخاريُّ ، عن أبي عمرَ الحوضيِّ،
عنه ، كذا رواه يحيى القطانُ ويزيدُ بنُ هارونَ ، عن شعبةَ .
وكذلك ذكر الشافعيُّ : أن أصحابَ حميدٍ خالفوا مالكًا في لفظ حديثه الذي
خرجه في ((الموطِ»، وقالوا : كانوا يفتتحُون قراءَتَهم بـ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبَّ
الْعَالَمِينَ﴾، وذكر منهم : سبعة أو ثمانيةً، منهم : ابنُ عيينةَ والفزاريُّ
والثقفيّ .
والجوابُ عن ذلك : أن ما ذكروه من اختلاف ألفاظ الرواية يدلُّ على أنهم
كانوا يروون الحديثَ بالمعنَى، ولا يراعون اللفظَ ، فإذا كان أحدُ الألفاظ
محتملاً ، والآخرُ صريحًا لا احتمال فيه ، علم أنهم أرادوا باللفظِ المحتملِ هو ما
دلَّ عليها اللفظُ الصريحُ الذي لا احتمال فيه ، وأن معناهما عندهم واحدٌ ، وإلا
لكان الرواةُ قد رَوَوا الحديثَ الواحدَ بألفاظ مختلفة متناقضة ، ولا يظنُّ ذلك بهم
مع علمهم وفقههم وعدالتهم وورِعهم .
لا سيما وبعضُهم قد زاد في الحديث زيادةً تنفِي كلَّ احتمالِ وشكٍّ، وهي
عدم ذكرِ قراءة البسملَةِ في القراءة ، وهذه زيادةٌ من ثقاتٍ عدولٍ حفاظٍ ، تقضي
على كلِّ لفظٍ محتملٍ ، فكيف لا تقبل ؟ لا سيما وممن زاد هذه الزيادة الأوزاعي
ءِ
فقيهُ أهلِ الشامِ وإمامُهم وعالُمهم ، مع ما اشتهر من بلاغتِهِ وفصاحتِه وبلوغِه
الذِّروة العُلْيًا من ذلك .

٣٥٥
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
والذي روى نفيَ قراءة البسملة من أصحاب حميد هو مالكٌ ، ومالكٌ مالكٌ
في فقهه وعلمِهِ وورعِه وتحرِّيه في الرواية ، فكيف تُرَدُّ روايته المصرحَةُ بهذا
المعنى برواية شيوخٍ ليسوا فقهاءَ لحديثِ حميدٍ بلفظٍ محتملٍ ؟
فالواجبُ في هذا ونحوه : أن تُجعلَ الروايةُ الصريحةُ مفسرةً للرواية
المحتملةَ ؛ فإن هذا من بابِ عرضِ المتشابهِ على المحكَمِ ، فأما ردُّ الروايات
الصريحةِ للروايةِ المحتملةِ فغيرُ جائزٍ ، كما لا يجوزُ ردُّ المحْكَمِ للمتشابِهِ .
ومن زعم : أن ألفاظ الحديثِ متناقضةٌ فلا يجوزُ الاحتجاجُ به فقد أبطلَ ،
وخالفَ ما عليه أئمةُ الإسلامِ قديمًا وحديثًا في الاحتجاج بهذا الحديثِ والعملِ
به .
وأيضًا ؛ فأيُّ فائدةٍ في رواية أنسٍ أو غيرِهِ : أن القراءةَ تفتتحُ بفاتحة
الكتابِ ، فَتُقرأ الفاتحةُ قبلَ السورةِ ، وهذا أمر معلومٌ من عملِ الأمةِ ، لم
يخالف فيه منهم أحدٌ ، ولا اختلف فيه اثنان ، لا يحتاج إلى الإخبار به ، كما أن
أحدًا من الصحابة لم يروِ في أمور الصلاة ما كان مقررًا عند الأمة ، لا يحتاج إلى
الإخبار به ، مثلُ عددِ الركعاتِ بعد استقرارِها أربعًا ، ومثلُ الجهرِ فيما يُجْهِرُ به
والإسرار فيما يُسَرُّ ، ونحوِ ذَلك مما لا فائدةَ في الإخبار به .
فكذلك ابتداءُ القراءة بالفاتحةِ، لا يحتاجُ إلى الإخبارِ به ، ولا إلى السؤال
عنه ، وقد كان أنسٌ يُسأل عن هذا - كما قالَ قتادةُ : نحن سألناه عنه ، وقد
تقدم - وكان يقول - أحيانًا - : ما سألني عن هذا أحدٌ .
ورُويَ عنه ، أنه قال : ما أحفظُه .
وهذا يدلّ على أنه مما يخفى على السائل والمسئول ، ولو كان السؤالُ عن
الابتداءِ بقراءة الفاتحةِ لم يخفَ على سائلٍ ولا مسئول عنه .
فخرج الإمامُ أحمدُ (١) من طريق شعبةَ : قال قتادةُ : سألت أنسَ بنَ مالكِ :
(١) (٣/ ١٧٧) .

٣٥٦
حدیث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
بأيِّ شيء كان رسولُ اللّهِ وَلَيهِ يستفتحُ القراءةَ؟ قال: إنك لتسألُني عن شيء ما
سألني عنه أحدٌ .
ومن طريق سعيد ، عن قتادةَ ، قال : قلتُ لأنسٍ - فذكره .
قال(١): وحدثنا إسماعيلُ - يعني: ابنَ عُلَيَّةَ - : ثنا سعيدُ بنُ يزيدَ: أنا قتادةُ -
أبو مسلمةَ (٢)- ، قال : قلتُ لأنسٍ =
قال : أحمدُ (٣): وحدثنا غسان بنُ مضرِ ، عن أبي مسلمةَ سعيدِ بنِ يزيدَ ،
قال: سألتُ أنسَ بنَ مالك: أكانَ رسولُ اللَّهِ وَه يقرأ ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ)) أَوِ ((الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»؟ فقالَ: إنك لتسألُني عن شيء ما
أحفظُه ، أو ما سألني عنه أحدُ قبلَك .
وخرجه من هذا الوجه ابنُ خزيمةَ والدارقطنيُّ (٤)، وصحَّح إسناده .
وقد ذكرنا أنه مختلَفٌ فيه ، وعلى تقدير أن يكون محفوظًا ، فالمراد : هل
كان يقرأُ البسملةَ في نفسِهِ ، أم لا ؟ فلم يكن عنده منه علمٌ ؛ لأنه لم يسمع
قراءتَها ، فلا يدري : هل كان يُسرُّها ، أم لا ؟
وأيضًا ؛ فقد شكَّ الراوي : هل قال: ((لا أحفظُه))، أو ((ما سألني عنه أحدٌ
قبلك))، فالظاهر : أنه إنما قال : ((ما سألني عنه أحدٌ قبلك))، كما رواه شعبةُ
وغيرُهُ عن قتادةَ ، كما تقدم .
وعلى تقدير: أن يكون قال: ((ما أحفظُه)) ، فيجوز أن يكون نسي ما أخبر به
(١) (٣/ ١٩٠) .
(٢) كذا بالأصل، والظاهر أن: ((أنا قتادة)) مقحم، وفي ((أطراف المسند)) (٣٩٩/١) ليس فيه
هذه الزيادة، لكن وقع في ((المسند)) المطبوع: ((سعيد بن يزيد: أنا قلت ... )) والله
أعلم. و(أبو)) في الأصل ((أو).
(٣) (١٦٦/٣) .
(٤) (٣١٦/١) .

٣٥٧
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
قتادةَ وغيرَه من قبلِ ذلك ، ويكون قال ذلك عند كبره وبُعد عهدِه بما سئلَ عنه .
قال ابنُ عبد البرِّ : مَنْ حفظ عنه حجةٌ على مَن سأله في حال نسيانه . والله
أعلم .
فإن قيل : فقد روى الأوزاعيُّ ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بن أبي طلحةَ ،
عن أنسٍ ، أن النبي ◌َّ وأبا بكر وعمر وعثمانَ كانوا يستفتحون بأمِّ القرآن ، فيما
یجھرُ فيه(١).
خرجه ابن جوصا والدار قطنيّ (٢)
وهذا صريحٌ في أن المراد ابتداءُ القراءةِ بفاتحةِ الكتابِ .
قيل : ليس المرادُ الإخبارَ بأنهم كانوا يقرءون أمَّ القرآنِ قبلَ سورٍ سواها ؛
فإن هذه لا فائدةَ فيه ، إنما المرادُ : أنهم كانوا لا يقرءون قبلَ أمِّ القرآن شيئًا
يجهرون به في الصلاة ، فدخل في ذلك البسملة ؛ فإنها ليست من أمِّ القرآن .
ويدل على هذا شيئان :
أحدُهما : أن رواية الأوزاعيِّ الَّتي في ((صحيح مسلم)) (٣): لا يذكرون
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في أول قراءةٍ ولا آخرِها .
والأوزاعيُّ إمامٌ فقيهٌ عالمٌ بما يروي ، فرواياته كلُّها متفقةٌ .
والثاني : أن الأوزاعيَّ كان يأخذُ بهذا الحديث الذي رواه ، ولا يرى قراءةَ
البسملةِ قبلَ الفاتحة سرًاً ولا جهرًا ، وسنذكر قوله في ذلك فيما بعدُ - إن
شاء اللَّهُ سبحانه وتعالى .
وقد عارضَ بعضُهم حديثَ أنسِ هذا بما خرجه البخاريّ (٤) في ((فضل
(١) في الأصل: ((يجهروا به)) والمثبت من الدار قطني.
(٢) (٣١٦/١) .
(٣) (٢/ ١٢).
(٤) (٥٠٤٦) .

٣٥٨
حدیث : ٧٤٣ - ٧٤٤
كتاب الأذان
القرآن)) من ((صحيحه)) هذا: حدثنا عمرُو بنُ عاصم: ثنا همامٌ ، عن قتادةَ ، قال:
سُئل أنسٌ: كيف كانت قراءةُ رسول اللَّهِ وَلِّ؟ قال: كانت مدًا، ثم قرأ:
(ِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، يعد بـ ((بِسْمِ اللَّهِ)، وَيَمُدّ بـ ((الرَّحْمَنِ) ويمد
بـ ((الرَّحِيمِ)) .
وخرجه - أيضًا (١) - من طريق جريرِ بنِ حازمٍ ، عن قتادةَ - إلى قوله :
((مدًا))، ولم يذكر: ((ثم قرأ) وما بعده .
وقد ذكر ابن أبي خيثمةَ في ((كتابه)) : أن يحيى بنَ معينٍ سُئل عن حدیثِ
جريرٍ هذا ، فقال : ليس بشيءٍ .
قلت : ورواياتُ جريرِ بنِ حازمٍ عن قتادةَ فيها مناكيرٌ - : قاله الإمام أحمدُ
ویحیی وغيرُ واحدٍ .
وقد تابعه على هذا : همامٌ .
قال: ورُوي عن قتادة مرسلاً، وهو أشبه - : ذكره في ((العلل)).
قلت : وقد روي بإسناد فيه لينٌ ، عن حربٍ بن شدادٍ ، عن قتادةَ ، قال :
سألتُ أنسَ بنَ مالك: كيف كانت قراءةُ النبيِّ نَّهِ؟ قال: كان إذا قرأ مدَّ صوته
مدًا .
۵ (٢)
خرجه الطبرانيُ (٢).
وفي الجملة ؛ فتفرَّد عمرو بنُ عاصمٍ عن همامٍ بذكر البسملة في هذا
الحدیثِ .
وقد رُوي عن شعبةَ ، عن همامٍ بدون هذه الزيادة .
خرجه أبو الحسينِ ابنُ المظفرِ في «غرائب شعبةَ».
(١) (٥٠٤٥) .
(٢) في ((الأوسط)) (٤٨٦٨).

/
٣٥٩
٨٩ - بَابُ ما يقول بعد التكبير
کتاب الأذان
وعلى تقدير أن تكونَ محفوظةً ، فليس في الحديث التصريحُ بقراءته في
الصلاة ، فقد يكون وصفَ قراءته في غير الصلاةِ ، ويحتملُ - وهو أشبه - : أن
يكون أنسٌ أو قتادةُ قرأ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) على هذا الوجه، وأراد
تمثيلَ قراءته بالمدِّ ، ولم يُردْ به حكايةَ عينِ قراءتِه للبسملَةِ .
ويشهد لهذا : ما خرجه أبو داودَ (١) من حديث ابن جريجٍ ، عن ابن
أبي مليكةَ، عن أم سلمة، ذكرت قراءة رسولِ اللَّهِ وَهُوَ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ)). ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
،
يُقْطِّع قراءَتَه آيةً آيةً .
وخرجه الترمذيُ (٢) ولم يذكرْ في أوله البسملةَ ، وزاد : وكان يقرأُها ﴿مَالكِ
يَوْمِ الدِّينِ ﴾ .
وقراءةُ هذه الآياتِ على هذا الوجه إنما هو من حكايةِ ابنِ جريجٍ لحديث
أمِّ سلمةَ، وقولُها: كان النبيُّ نَّهِ يقطع قراءتَه آيةً آيَةً، كذلك قاله النسائيُّ
وأبو داودَ السجستانيُّ ، حكاه عنهما أبو بكرِ بنُ أبي داودَ في كتابه
((المصاحف))(٣).
وكذا قاله الإمامُ أحمدُ في رواية ابنِ القاسمِ ، وقالوا : ابنُ جريجٍ هو الذي
قرأ ﴿ مَلِكِ﴾، وليس ذلك في حديث أمِّ سلمةَ .
يدل على صحة هذا : ما خرَّجه الإمام أحمدُ (٤) من طريق نافعٍ ، عن ابن
أبي مُلَيكة، عن بعضِ أزواجِ النبيِّ وَِّ - قال نافعٌ: أراها حفصةَ - ، أنها سُئلت
عن قراءةِ النبيِّ ◌َِّ؟ فقالت: إنكم لا تستطيعونَها، فقيل: أخبرينا بها، فقرأتْ
(١) (٤٠٠١) .
(٢) (٢٩٢٧) .
(٣) (ص ٩٤) .
(٤) (٦/ ٢٨٨) .

٣٦٠
حدیث : ٧٤٣ - ٧٤٤
کتاب الأذان
قراءةً ترسَّلَت فيها. قال نافعٌ: فحكى لنا ابنُ أبي مليكةً: ﴿الْحَمْدُ للَّه رَبّ
الْعَالَمِينَ﴾، ثم قطع ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قطع ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
ففي هذه الرواية : تصريحُ ابنُ جريجٍ(١) بأن هذه القراءةَ إنما هي حكايةُ ما
قرأ لهم ابنُ أبي مليكةً .
وفي لفظ الحديثِ اختلافٌ في ذكر البسملة وإسقاطِها .
وفي إسناده - أيضًا - اختلافٌ ؛ فقد أدخل الليثُ بنُ سعدٍ في روايته عن ابن
أبي مليكةَ بينه وبين أمِّ سلمَةَ: يعلى بنَ مَمْلَكِ، وصحَّح روايتَه الترمذيّ
وغيرُهُ .
وقال النسائيَّ في يعلى هذا : ليس بمشهورِ .
وقال بعضُهم : عن يعلى ، عن عائشة .
وقد ذكر الاختلافَ فيه الدار قطنيُّ في ((علله))، وذكر أن عمرَ بنَ هارونَ زاد
فيه: عن ابن جريجٍ، وعدَّ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) آيَةً.
وعمرُ بنُ هارونَ ، لا يُلتفتُ إلى ما تفرَّد به .
وقد يكون ابنُ جريجٍ عدَّها آيَةً أو ابنُ أبي مليكةَ .
ومَن زعم : أنه صحيحٌ ؛ لتخريج ابنِ خزيمةَ له، فقد وهَم .
ومن زعم من متقدمي الفقهاءِ أن حفصَ بنَ غياثٍ رواه عن ابن جريجٍ كذلك
وأنه أخبره به عنه غيرُ واحد ، فقد وهم ، ورواه بالمعنى الذي فهمه هو ، وهو
وأمثاله من الفقهاء يروون بالمعنى الذي يفهمونه ، فيغيِّرون معنى الحديث .
وحديثُ حفصِ مشهورٌ ، مخرَّجٌ في المسانيدِ والسننِ باللفظ المشهورِ .
وقد ادّعى طائفةٌ : أن حديثَ قتادةَ وإسحاقَ بنِ أبي طلحةَ ومَنْ تابعَهما عن
أنسٍ كما تقدم معارضٌ بروايات أخرَ عن أنسٍ، تدلُّ على الجهر بالبسملة ، فإما أن
(١) كذا ، وليس لابن جريج ذكر في هذه الرواية .