النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
٨٦ - بَابُ رفع اليدين إذا قام من الركعتين
کتاب الأذان
وكانوا يقعون على أعقابهم .
والمشهورُ عن الشافعيِّ وأحمدَ ، أنه لا يرفعُ إذا قامَ من الركعتينِ .
قال أحمدُ : أنا لا أستعملُه ولا أذهبُ إليه ، واستدلَّ بحديث ابنِ عُمرَ ،
وقال فيه : وكان لا يرفعُ بعدَ ذلكَ - أي : بعد المواضعِ الثلاثةِ .
وهذا الحديثُ بهذا اللفظِ قد سبق من روايةِ رزقِ اللَّهِ بنِ موسى ، عن يحيى
القطانِ(١)، عن مالك، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمر - مرفوعًا - ، وأنه لا يصحّ
رفعه
.
ورواه - أيضًا - بشيرٌ الكوسجُ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عُمرَ ، قال : رأيتُ
النبيَّ ◌َّهِ يرفعُ يديْه في أولِ التكبيرِ ، وإذَا ركعَ ، وإذا رفعَ رأسَه من الركوعِ ،
ثم یکبرُ بعد ذلك ولا یرفعُ یدیه .
قال بشيرٌ : وحدثني الحسنُ بنُ عثمانَ المدينيُّ ، عن سالم ، عن أبيه ، عن
النبيُّ أَ طِّ - بمثل ذلك.
وبشيرٌ هذا، غيرُ مشهور، وقد ذكره الحاكمُ في ((تاريخ نيسابورَ)، وذكر أنه
روى عنه جماعةٌ .
وقال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ : سُئِلَ أحمدُ : إذا نهضَ الرجلُ من الركعتين يرفعُ
يديه؟ قال: إن فعلَه فما أَقْرَبَهُ؛ فيه عن ابنٍ عُمرَ، عن النبيِّ ◌ِلّ، وأبي حميدٍ
أحاديث صحاحٌ ، ولكن قال الزُّهريُّ في حديثه : ولم يفعلْ في شيء من صلاته،
وأنا لا أفعلُه .
وهذا اللفظ لا يُعرفُ في حديث الزُّهريِّ .
وذكر القاضي أبو يعلى : أن هذه الروايةَ عن أحمدَ تدلُّ على جوازه ، من
غيرِ استحبابٍ .
(١) في الأصل: ((رزق الله بن يحيى عن القطان))، وقد تقدم على الصواب قريبًا.

٣٢٢
حديث : ٧٣٩
كتاب الأذان
وحُكي عن أحمدَ روايةٌ باستحبابهِ .
قال البيهقيُّ في كتاب ((مناقبِ الإمامِ أحمدَ): أنبأني أبو عبد اللَّه الحافظُ -
يعني : الحاكمَ - : ثنا أبو بكرِ ابنُ إسحاقَ الفقيهُ: أنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ
حنبلٍ ، قال : سألتُ أبي عن حديثِ عبدِ الأعلَى ، عن عبيد الله بنِ عمرَ ، عن
نافعٍ ، عن ابن عُمرَ - في رفعِ اليدين ، وكان إذا قامَ من الثنتين رفعَ يديْهِ - ؟
فقال: سُنَّةٌ صحيحةٌ مستعملةٌ ، وقد روى مثلَها عليّ بنُ أبي طالبٍ وأبو حميدٍ في
عشرة من الصحابةِ ، وأنا أستعملُها .
قال الحاكمُ أبو عبدِ اللَّهِ : سُئل الشيخُ أبو بكرٍ - يعني : ابنَ إسحاقَ - عن
ذلكَ ؟ فقال : أنا أستعملُها ، ولم أرَ من أئمةِ الحديثِ أحدًا يرجع إلى معرفة
الحديث(١) إلا وهو يستعملُها .
وهذه روايةٌ غريبةٌ عن أحمدَ جدًا ، لا يعرفها أصحابنا ، ورجالُ إسنادها كلُّهم
حفاظٌ مشهورونَ ، إلا أن البيهقيَّ ذكر أن الحاكمَ ذكرَها في كتابِ ((رفعِ اليدينِ»
وفي كتاب ((مزكي الأخبارِ))، وأنه ذكرها في ((كتاب التاريخ)) بخلاف ذلك ، عند
القيامِ من الركعتين ، فوجب التوقفُ . واللَّهُ أعلمُ .
وحكي ذلك - أيضًا - قولاً للشافعي؛ لأنه ذكرَ حديث أبي حميد الساعديّ
بطولِه ، قال : وبهذا نقولُ .
قال البيهقيُّ في ((كتاب المعرفة)): ومذهبُ الشافعيِّ متابعةُ السنةِ إذا ثبتتْ،
وقد قالَ في حديث أبي حميدٍ : وبهذا أقولُ .
وقال البغويُّ : لم يذكر الشافعيُّ رفعَ اليدينِ إذا قامَ منَ الثنتين ، ومذهبُه
اتباعُ السنةِ ، وقد ثبتَ ذلكَ .
وذهب إلى هذا طائفةٌ من أهلِ الحديث ، منهمُ: ابنُ المنذر ، ومِنْ أصحاب
(١) لعل الصواب: ((يرجع إليه في معرفة الحديث)).
:

٣٢٣
٨٦ - بَابُ رفع اليدين إذا قام من الركعتين
کتاب الأذان
الشافعيِّ ، منهم : أبو عليِّ الطبريُّ والبيهقيُّ والبغويُّ وغيرُهم من المتأخرين ،
ورجَّحه - أيضًا - طائفةٌ من المتأخرين من أصحابنا ، قالوا : وهو دونَ الرفعِ في
الإحرام والركوعِ والرفعِ منه في الاستحبابِ .
فأما الرفع للسجودِ وللرفعِ منه ، فلم يُخرَّجْ في ((الصحيحين)) منه شيءٌ ،
وقد خرَّج البخاريُ (١) في حديث ابن عمرُ : وكان لا يفعل ذلك في السجودِ .
وفي رواية له - أيضًا(٢) - : وكان لا يفعلُ ذلك حين يسجدُ ، ولا حين يرفعُ
من السجودِ . وقد سبقت الروايتانِ .
وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ ، وقد نص عليه الشافعيُّ وأحمدُ .
وسُئل أحمد: أليس يُروى عن النبي وَلَه، أنه فعله ؟ فقال: هذه
الأحاديثُ أقوَى وأكثرُ .
وروَى هذا الحديث بقيةُ ، عن الزبيديِّ ، عن الزُّهريِّ - وابنُ أخي الزهريِّ ،
عن عمِّه - ، وزاد في روايته بعد قوله : ولا يرفعُهما في السجود : ويرفعُهما في
كل تكبيرةٍ يكبِرها قبلَ الركوعِ حتى تنقضيَ صلاتُه .
خرَّجْه أبو داودَ (٣) من طريق بقيةً .
والإمام أحمدُ (٤) من الطريق الأخرى ، وعنده : ((في كل ركعة وتكبيرة)) إلى
آخره .
وذهب طائفة إلى استحباب رفع اليدينِ إذا قام من السجود ، منهم : ابنُ
المنذرِ وأبو عليِّ الطبريُّ من الشافعية .
(١) (٧٣٥) .
(٢) (٧٣٨) .
(٣) (٧٢٢) .
(٤) (١٣٣/٢ - ١٣٤) .

٣٢٤
حديث : ٧٣٩
کتاب الأذان
واستدلوا : بما روى محمدُ بنُ جُحادةَ ، عن عبدِ الجبارِ بنِ وائلٍ ، عن
علقمةَ بنِ وائلٍ، عن أبيه، أنه صلَّى مع النبيِّ بَّهِ، فكان إذا كَبَّرِ رفعَ يديه .
قال : ثم التحفَ ، ثم أخذ شمالَه بيمينه ، فأدخل يديه في ثوبه ، فإذا أرادَ أن
یرکعَ اخرج یدیه ثم رفعهما ، وإذا أرادَ أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه ، ثم
سجد ووضع وجهه بین کفیه ، فإذا رفع رأسه ۔ أيضًا - من السجودِ رفع یدیه حتی
فرغ من صلاته .
خرَّجِه أبو داودَ (١) .
وخرَّجه مسلمٌ (٢) إلى قوله: ((فلما سجدَ سجد بينَ كفَّيْه)) ، ولم يذكر ما
بعده .
وقالت طائفةٌ : يرفع يديه مع كلِّ تكبيرة ، وكلما خفض ورفع ، وهو قولُ
بعضِ أهلِ الظاهرِ .
وقال أحمدُ بنُ أصرمَ المزنيُّ : رأيت أحمدَ یرفعُ یدیه في كلٌّ خفضٍ ورفعٍ ،
وسئل عن رفعِ اليدينِ إذا قامَ من الركعتين ؟ فقال : قد فُعلَ .
وحمل القاضي أبو يعلى هذه الروايةَ على الجوازِ دونَ الاستحبابِ .
ونقل المرُّوذيُّ ، عن أحمدَ ، قال : لا يرفع يديه بين السجدتين ، فإن فعلَ
فهو جائزٌ .
ونقل جعفرُ بنُ محمدٍ ، عن أحمدَ ، قال : يرفع يديه في كلِّ موضع ، إلا
بين السجدتين .
وروى محاربُ بنُ دِثَارِ ، أنه رأى ابنَ عُمر يرفع يديه إذا ركعَ وسجد .
وروى أبو أُسامةَ ، عن عبيد اللَّهِ بنِ عمَرَ ، عن نافعٍ ، عن ابن عُمرَ ، أنه
(١) (٧٢٣) .
(٢) (٢/ ١٣).
!

٣٢٥
٨٦ - بَابُ رفع اليدين إذا قام من الركعتين
كتاب الأذان
كان يرفعُ يديهِ إذا رفعَ رأسَه من السجدةِ الأولىَ (١).
وروى حمادُ بنُ سلمةَ ، عن يحيى بن أبي إسحاقَ ، عن أنسٍ ، أنه كان
يرفعُ يديه من السجدتين(٢) .
ورُوي ذلك - أيضًا - عن الحسنِ وابنِ سيرينَ وطاوسَ ونافعٍ وأيوبَ .
ذكره ابنُ أبي شيبةَ في ((كتابه)) .
وروى شعبةُ ، عن قتادةَ ، عن نصرِ بنِ عاصمٍ ، عن مالكِ بنِ الحُوَيَرثِ ،
أنه رأي نبيَّ اللَّهِ وَ ◌ّله يرفعُ يديه في الصلاة إذا ركعَ ، وإذا رفع رأسَه من ركوعه ،
وإذا سجدَ ، وإذا رفع رأسَه من سجودِه حتى يحاذيَ بهما فروعَ أُذْنَيه .
خرَّجْه النسائيُّ (٣).
وخرَّجه - أيضًا(٤) - من طريق هشامٍ ، عن قتادةَ - بنحوه ، إلا أنه [لم] يذكر
فيه : الرفعَ إذا سجدَ .
وخرَّجه مسلمٌ (٥) من رواية سعيدِ بن أبي عروبةَ وأبي عوانةَ ، عن قتادةَ .
ولم يذكر فيه سوى الرفعِ في المواضعِ الثلاثةِ الأُوَلِ خاصةً .
وروى(٦) شعبةُ ، عن عمرو بنِ مرةً ، عن أبي البختريِّ ، عن عبدالرحمنِ
اليحصبيِّ، عن وائلٍ بن حُجرٍ، أنه صلَّى مع النبيِّ وَِّ، فكان يكبرُ إذا
خفضَ ، وإذا رفعَ ، ويرفعُ يديه عندَ التكبير ، ويسلمٌّ عن يمينه وعن يساره .
(١) ابن أبي شيبة (٢٤٣/١) .
وروى البخاري نحوه من طريق سالم ونافع ، عن ابن عمر في ((جزء رفع اليدين)) (١٢) (١٣)
بتحقيقي .
(٢) ابن أبي شيبة (٢٤٣/١) .
(٣) (١٢٢/٢ - ١٢٣) .
(٤) (٢/ ٢٠٦ ) .
(٥) (٧/٢).
(٦) أخرجه أحمد (٣١٦/٤) والدارمي (١٢٥٥).

٣٢٦
حديث : ٧٣٩
کتاب الأذان
قال الإمامُ أحمدُ : أنا لا أذهبُ إلى حديث وائلِ بنِ حجرٍ ، وهو مختلفٌ في
ألفاظه .
ويجابُ عن هذه الروايات كلِّها - على تقدير أن يكون ذكرُ الرفع فيها محفوظًا،
ولم يكن قد اشتبهَ [بذكر](١) التكبير بالرفع - بأن مالكَ بنَ الحويرثِ ووائلَ بنِ
حجرٍ لم يكونا من أهل المدينة ، وإنما كانا قد قدما إليها مرةً أو مرتين، فلعلهما
رأيا النبيِّ وَّ فعل ذلك مرةً، وقد عارضَ ذلك نفيُ ابنِ عمر ، مع شدة ملازمته
للنبيِّ وَّل وشدة حرصه على حفظ أفعاله واقتدائه به فيها ، فهذا يدل على أن
أكثر أمر النبي وَّ كان ترك الرفعِ فيما عدا المواضعِ الثلاثةِ والقيامٍ من الركعتين .
وقد رُوي في الرفع عند السجود وغيرهِ أحاديثُ معلولةٌ :
فروى الثقفي: حدثنا حميدٌ، عن أنسٍ، أن النبيَّ وَّ كان يرفع يديه إذا
دخلَ في الصلاةِ ، وإذا ركعَ ، وإذا رفعَ رأسَه من الركوعِ ، وإذا سجدَ .
خرجه الدار قطنيُّ (٢).
وخرجه ابن ماجه (٣) إلى قوله: ((وإذا ركعَ)).
وخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) إلى قوله: ((وإذا رفعَ رأسه)).
وقد أُعل هذا بأنه قد رواه غيرُ واحد من أصحابِ حميدٍ ، عن حميد ، عن
أنسٍ - من فعله غيرَ مرفوعٍ .
كذا قاله البخاريُّ - : نقله عنه الترمذيُّ في ((علله)(٤).
وقال الدارقطنيُّ : الصوابُ من فعلِ أنسٍ (٥).
(١) في الأصل مشتبهة .
(٢) (١ / ٢٩٠) .
(٣) (٨٦٦) .
(٤) (ص ٦٩) .
(٥) وانظر ((جزء البخاري)) بتحقيقي (رقم ٨).
:

٣٢٧
٨٦ - بَابُ رفع الیدین إذا قام من الركعتين
كتاب الأذان
وروى إسماعيلُ بنُ عياشٍ ، عن صالحِ بنِ كيسانَ ، عن عبدِ الرحمنِ
الأعرجِ ، عن أبي هريرةَ ، قال: رأيتُ النبي ◌َِّ يرفع يديه في الصلاة حَذْوَ
مَنْكِبيه ، حين يفتتحُ الصلاةَ ، وحين يركع ، وحين يسجدُ .
خرجه الإمام أحمدُ وابنُ ماجه (١) .
زاد الإمامُ أحمدُ: وعن صالحٍ: عن نافعٍ ، عن ابن عمر، عن النبي وَلاه ـ
مثلُ ذلك .
وإسماعيلُ بن عياشٍ ، سيئُ الحفظِ لحديث الحجازيين .
وقد خالفَه ابنُ إِسحاق ، فرواه عن عبد الرحمنِ الأعرجِ ، عن أبي هريرة -
موقوفًا - : قاله الإمام أحمدُ وغيرهُ .
وقال الدار قطنيُّ في ((علله)(٢): اختلُفِ على إسماعيلَ بنِ عياشٍ في لفظه ،
فذكرتْ عنه طائفةٌ الرفعَ عند الافتتاحِ والركوعِ والسجودِ . وذكرت طائفةٌ عنه الرفعَ
عند الافتتاح والركوعِ والرفع منه .
قال : وهو أشبهُ بالصوابِ .
وروى عمرو بنُ عليٍّ ، عن ابن أبي عديِّ ، عن محمد بنِ عمرٍو ، عن
أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع ، ويقول :
أنا أشبهكمُ صلاةٌ برسولِ اللَّهِ وَلِهِ .
خرجه الدارقطنيَّ في كتاب ((العلل))، وقال : لا يتابَعُ عليه عمرو بنُ عليٍّ ،
وغيره يرويه: أن النبيّ ◌َّ كان يكبِر في كل خفضٍ ورفعٍ، وهو الصحيحُ.
وروى الوليدُ بنُ مسلمٍ ، عن الأوزاعيِّ ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ ، عن
أنسٍ، أن النبيِّ ◌َّ كان يرفعُ يديه في الصلاة في كلِّ خفضٍ ورفعٍ .
(١) أحمد (١٣٢/٢) وابن ماجه (٨٦٠) .
(٢) (٢٨٨/١٠ - ٢٩٠) .

٣٢٨
حديث : ٧٣٩
كتاب الأذان
وفي روايةٍ : كان يرفع يدَيَه حين يهوي للسجودِ .
قال الوليدُ : وبهذا كان يأخذُ الأوزاعيُّ .
خرجه ابنُ جوصا في ((مسند الأوزاعي)) .
وقد اختُلِف على الوليد في إرسالِه ووصلِه ، ولم يسمعه من الأوزاعيِّ ، بل
دلسه عنه، وهو يدلّس عن [غير](١) الثقات .
وروى الإمام أحمدُ (٢) : ثنا نصرُ بن بابٍ، عن حجاجٍ، عن الذيالِ بنِ حرملَةَ،
عن جابرٍ، قال: كانَ رسولُ اللَّهِ وَلَيهِ يرفع يديه في كلِّ تكبيرة في الصلاة .
نصرُ بنُ بابٍ ، وحجاجُ بنُ أرطاةَ ، لا يُحتجُ بهما .
وروى رفدةُ بنُ قضاعَة ، عن الأوزاعيِّ ، عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بنِ عميرٍ ،
عن أبيهِ، عن جدِّ عميرِ بن حبيب، قال: كانَ رسولُ اللَّهِ بَلَه يرفعُ يدَيَه مع
كلِّ تكبيرةٍ في الصلاة المكتوبةِ .
خرجه ابنُ ماجه(٣) .
وقال مُهنَّا : سألتُ أحمدَ ويحيىَ عن هذا الحديثِ ، فقالا جميعًا : ليس
بصحيحٍ : قال أحمدُ : لا يُعرف رفدةُ بنُ قضاعةَ ، وقال يحيى : هو شيخٌ
ضعيف .
وخرَّجَ ابنُ ماجه(٤)- أيضًا - من رواية عمرَ بنِ رياحٍ ، عن عبدِ اللَّه بنِ
طاوسَ، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّهِ كان يرفعُ يديه عند كلِّ
تكبيرة .
(١) زيادة يقتضيها السياق، ويؤكدها : أن هذا الحديث ذكره المؤلف فيما سبق في شرح الحديث
رقم (٧٣٥) مرتين، وأعله بنفس العلة ، وقال: ((والوليد مدلس عن غير الثقات)).
(٢) (٣/ ٣١٠) .
(٣) (٨٦١) .
(٤) (٨٦٥) .
٠

٣٢٩
٨٦ - بَابُ رفع اليدين إذا قام من الركعتين
کتاب الأذان
وعمرُ بنُ رياحٍ ، ساقطُ الروايةِ .
لكن ؛ تابعه النضرُ بنُ كثيرٍ أبو سهلِ الأزديُّ ، قال : صلى إلى جنبي
عبدُ اللَّهِ بنُ طاوس بمِنَّى في مسجد الخيفِ ، فكان إذا سجدَ سجدةَ الأولى فرفع
رأسَه منها رفع يديه تلقاءَ وجهِه ، فأنكرت أنا ذلك ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ طاوسَ :
رأيت أبي يصنعُه، وقال أبي: رأيت ابنَ عباسٍ يصنعه، وقال: رأيت النبيَّ وَّ
يصنعُه .
خرجه النسائيُ (١).
وخرجه أبو داودَ (٢)، وعنده: ولا أعلمُ إلا أنه قالَ: كانَ رسولُ اللَّه ◌َِه
يصنعه .
والنضرُ بنُ كثيرٍ ، قال البخاريُّ: فيه نظر . وقال - مرة - : عنده مناكيرُ .
قال أبو أحمدَ الحاكمُ : هذا حديثٌ منكرٌ من حديث طاوسَ .
وقال العقيليُّ (٣) : لا يُتابعَ النضرُ عليه .
وقال ابنُ عديٍّ (٤): هو ممن يُكْتب حديثُه .
وخرج له هذا الحديثَ ، وعنده : أنه كان يرفعُ يديه كلما ركع وسجد
[ ويرفع ] بين السجدتين .
وضعفَ الإمامُ أحمدُ النضرَ هذا .
وقال أبو حاتمٍ والدار قطنيُّ : فيه نظرٌ .
وقال النسائيُّ : صالحٌ .
(١) (٢/ ٢٣٢) .
(٢) (٧٤٠) .
(٣) (٢٩٣/٤) .
(٤) (٢٤٩٢/٧) . والزيادة منه .
:

٣٣٠
حديث : ٧٣٩
کتاب الأذان
وخرج أبو داودَ (١) من حديث ابن لهيعة ، عن ابن هبيرةً ، عن ميمون
المكيِّ ، أنه رأَى عبدَ الله بن الزبيرِ يصلِّي بهم يشيرُ بكفَّه حين يقومُ ، وحين
يركع ، وحين يسجدُ ، وحين ينهضُ للقيام ، فيقوم فيشير بيديه . قال :
فانطلقتُ إلى ابنِ عباسٍ ، فقلت : إني رأيتُ ابنَ الزبيرِ صلى صلاةً لم أر أحدًا
صلاها ، ووصفت له هذه الإشارة ، فقال : إن أحببتَ أن تنظرَ إلى صلاةٍ
رسول اللّهِ وَ له فاقتدٍ بصلاة عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ.
إسنادهُ ضعيفٌ .
(١) (٧٣٩) .

٣٣١
٨٧ - بَابُ وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة
كتاب الأذان
٨٧ - بَابُ
وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلاةِ
٧٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْد، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي
الصَّلاة.
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّيَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَِّّ ◌َِ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يُثْمَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ : يَنْمِي .
هذا الحديثُ في ((الموطٍ))(١) ليس فيه ذكرُ النبيِّ وَِّ، وإنما فيه : قال
أبو حازمٍ: لا أعلمه إلا ينمي ذلك، ولم يذكرِ النبيِّ وَِّ.
وكذا رأيناه في ((موطٍ القعنبيِّ))، وهو الذي خرَّج عنه البخاريُّ هذا
الحديث .
ومرادُ البخاريِّ: أنَّ إسماعيلَ - وهو: ابنُ أبي أُوَيْسٍ - رواه بالبناء للمفعول:
يُنْمَى .
ومعنى ((يُنْمَى)) يُرفعُ ويُسندُ، والمرادُ: إلى النبيِّ وَلِّهِ .
ورواه عمارُ بنُ مطرٍ ، عن مالك ، فقال فيه : أُمِرْنا أن نضعَ .
وعمارٌ ، ليس بحجةٍ .
وليس في ((صحيح البخاري)) في هذا الباب غيرُ هذا الحديثِ ، ولا في
(صحيح مسلم)(٢) فيه غيرُ حديثِ محمدِ بنِ جحادةَ: حدثني عبدُ الجبارِ بنُ وائلٍ،
عن علقمةَ بنِ وائلٍ ومولىً لهم ، حدثاه عن أبيه وائلِ بنِ حُجرٍ ، أنه رأى النبيّ
(١) (ص ١١٧).
(٢) (٢ / ١٣).
:

٣٣٢
حديث : ٧٤٠
کتاب الأذان
وَلٍله رفع يديه حين دخل في الصلاة ، كبّر ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يده اليمنى
على اليسرَى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديْه من الثوبِ ، ثم رفعَهما وكَبَّر فركع ،
فلما قال : ((سمع الله لمن حمده)) رفع يديه ، فلما سجدَ سجدَ بَيْن كفَِّه .
وله طرقٌ أخرى عن وائلٍ .
وفي روايةٍ للإمام أحمدَ (١): وضع يده اليمنى على ظهرٍ كفِّه اليسرى ،
والرسغِ والساعدِ .
وفي الحديث : دليلٌ على أن المصلِّيَ إذا التحف في صلاته بثوبه ، ثم
• أخرج يديه منه لمصلحة الصلاة لم يضره ذلكَ .
وفي الباب أحاديثُ كثيرةٌ ، لا تخلو أسانيدُها من مقالٍ .
وقد خرجَ ابنُ حبانَ في ((صحيحه)(٢) من طريق حرملةَ بنِ يحيى ، عن ابن
وهبٍ : أخبرني عمرو بنُ الحارث ، أنه سمع عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يحدث ، عن
ابن عباسٍ، أن رسول اللَّه وَ لِّ قالَ: ((إنَّا معاشرَ الأنبياء أُمرنا أن نؤخِّرَ سحورنَا،
ونعجلَ إفطارَنَا ، وأن نمسكَ بأيماننا على شمائِلِنا في الصلاة)) .
وهذا إسنادٌ في الظاهر على شرط مسلم ، وزعم ابنُ حبانَ أن ابنَ وهبٍ
سمع هذا الحديث من عمرٍو بنِ الحارثِ وطلحةَ بنِ عَمرٍو ، كلاهما عن عطاءِ ،
وفي هذا إشارةٌ إلى أَن غيرَ حرملَة رواه عن ابن وهبٍ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو ، عن
عطاء ، وهذا هو الأشبهُ ، ولا يُعرفُ هذا الحديثُ من رواية عمرو بنِ الحارثِ .
قال البيهقيُّ (٣): إنما يُعرَف هذا بطلحةَ بنِ عمرٍو ، عن عطاءٍ ، عن ابنٍ
عباسٍ - ومَرَّةً : عن أبي هريرةَ - ، وطلحةُ ليس بالقويِّ .
قلتُ : وقد رُوي ، عن طلحة ، عن عطاءِ - مرسلاً .
(١) (٣١٨/٤) .
(٢) (١٧٧٠) .
(٣) (٢٩/٢) .

٣٣٣
٨٧ - بَابُ وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة
کتاب الأذان
خرجه و کیعٌ عنه كذلك .
قال الترمذي في ((جامعه))(١): العملُ عند أهلِ العلم من أصحابِ النبيِّ وَّ
والتابعينَ ومَن بَعدهم على هذَا ، يرونَ أن يضعَ الرجلُ يمينه على شمالِه في
الصلاة . انتهى .
وقد رُوي ذلك عن أبي بكر الصديقِ وعليٌّ بنِ أبي طالبٍ (٢).
ورُوي عن ابن الزبيرِ ، أنه قال : هو من السنَّةِ .
خرجه أبو داود (٣) .
وعن عائشةَ ، قالت : هو من النبوةِ .
خرجه الدار قطنيُ (٤).
ورُوي عن أبي الدرداءِ ، أنه قال : هو من أخلاقِ النبيينَ .
وروي عن عليٌّ وابنِ عباسٍ، أنهما فَسَّرا ((النحرَ)) المذكورَ في قوله تعالى:
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] بهذا(٥).
وهو قولُ عامةِ فقهاءِ الأمصارِ ، منهم : الثوريُّ وأبو حنيفة والحسنُ بنُ
صالحٍ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ وأبو ثورٍ وغيرُهم .
وحكى ابنُ المنذرِ إرسالَ اليدينِ في الصلاة عن ابنِ الزبيرِ والحسنِ
والنَّخعيِّ ، وحكى عن مالك كقولِ الأولين .
وذكر ابنُ عبْدِ البرِّ : أنه رُوي عن مالك ، أنه قال : لا بأسَ بذلك في
الفريضة والنافلة . قال : وهو قولُ المدنيين من أصحابِهِ .
(١) (٣٣/٢) .
(٢) أبو داود (٧٥٧) .
(٣) أبو داود (٧٥٤) .
(٤) (١ / ٢٨٤) .
(٥) الدارقطني (٢٨٥/١) والبيهقي (٢٩/٢ - ٣٠ - ٣١).
•

٣٣٤
حديث : ٧٤٠
كتاب الأذان
ونقل ابنُ القاسم ، عنه ، قالَ : إنما يفعلُ في النوافل من طولِ القيامِ ،
وتركُهُ أَحبُّ إليّ .
قال : وقال الليثُ : سدلُ اليدين في الصلاة أحبُّ إليَّ ، إلا أن يطولَ القيامُ
فلا بأسَ أَن يضعَ اليمنى على اليسرى .
وقال الأوزاعيُّ : من شاء فعلَ ، ومن شاء تركَ .
وهو قولُ عطاء .
قلتُ : وحُكِيَ روايةً عن أحمدَ ، وحُكِيَ عنه : أنه يرسلُ يديْه في النوافل
خاصةً .
وهذا عكس ما نقلَه ابنُ القاسمِ عن مالكٍ .
وروى ابنُ المباركِ في ((كتاب الزهدِ)) عن صفوانَ بنِ عمرٍو ، عن مهاجرٍ
النَّالِ ، أنه ذُكِر عنده قبضُ الرجلِ يمينَه على شمالِه ، فقال: ما أحسَنَه ، ذُلٌّ بين
يَدَيْ عِزٍّ .
وحُكِيَ مثلُ ذلكَ عن الإمام أحمدَ .
قال بعضُهم : ما سمعتُ في العلمِ أحسنَ من هذا .
وروِّيْنا عن بشرِ بنِ الحارثِ ، أنه قالَ : منذ أربعين سنةً أشتهى أن أضعَ يدًا
على يدٍ فِي الصلاة ، ما يمنعني من ذلك إلا أن أكون قد أظهرتُ من الخشوعِ ما
ليس في قلبي مثلُهُ(١).
وروى محمدُ بنُ نصرِ المروزيُّ في ((كتاب الصلاة)) (٢) بإسناده ، عن
أبي هريرةَ ، قال : يُحشر الناسُ يومَ القيامةِ على قدرِ صنيعِهم في الصلاة -
وقبضَ بعضُ رواة الحديثِ شمالَه بيمينه ، وانحنى هكذا .
(١) راجع ((الذل والانكسار)) للمؤلف بتحقيق شيخنا الشيخ محمد عمرو (ص ٥٦ - ٥٧).
(٢) (٣٣١) .

٣٣٥
٨٧ - بَابُ وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة
كتاب الأذان
وبإسناده(١) عن الأعمشِ ، عن أبي صالحٍ ، قال : يبعث(٣) الناسُ يوم القيامة
هكذا - ووضعَ إحدى يديه على الأُخرى .
واختلف القائلون بالوضعِ : هل يضعُهما على صدرِهِ ، أو تحت سُرَّته ، أو
يخيَّر بين الأمرين ؟ على ثلاثةِ أقوالٍ ، هي ثلاثُ رواياتٍ عن أحمدَ .
وممن رُويَ عنه، أنه يضعُهما تحت سرَّتِّه : عليٌّ وأبو هريرةَ والنخعيُّ
وأبو مجلزِ ، وهو قولُ الثوريِّ وأبي حنيفةَ ومالك وإسحاقَ .
ورُويَ عن عليٍّ - أيضًا - وعن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، أنه يضعُهما على صدرِه ،
وهو قولُ الشافعيِّ .
وقال أبو إسحاقَ المروزيُّ من أصحابه : يضعُهُما تحتَ سرتِه .
وحكى ابنُ المنذرِ التخييرَ بينهما .
قال الترمذيُّ في ((جامعه)» (٣): رأى بعضُهم أن يضعَهما فوق سرتِه ، ورأى
بعضُهم أن يضعَهما تحتَ سُرَّتِهِ ، كلُّ ذلك واسعٌ عندَهُمْ (٤).
(١) (٣٣٢) .
(٢) في الأصل: ((سمعت)) خطأ .
(٣) (٣٣/٢) .
(٤) وراجع: ((لا جديد في أحكام الصلاة)) للشيخ بكر أبو زيد - حفظه الله تعالى - (ص ١٧.
٣٤) .

٣٣٦
حديث : ٧٤١ - ٧٤٢
كتاب الأذان
٨٨ - بَابُ
الْخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ
٧٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَّادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا ، وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ
رُوعُكُمْ وَلاَ خُشُوعُكُمْ، وَإِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِيِ)) .
٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ: حَدََّا غُنْدَرٌ : ثَنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَِِّّ﴾، قَالَ: (أَقِيمُوا الرُّكُوعَ والسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِيِّ لأَرَاكُمْ
مِنْ بَعْدِي)) - وَرَبَّمَا قَالَ: ((مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي - إِذَا رَكَعْتُمْ وَإِذَا سَجَدْتُمْ)) .
قد خرَّج البخاريُّ حديثَ أبي هريرةَ وحديثَ أنسٍ (١) في ((باب: عظةِ الإمامِ
الناسَ فِي إتمامِ الصلاةِ وذكرِ القبلةِ))، وقد سبق الكلامُ عليهما هناكَ بما فيه
کفایةٌ .
وإنما خرجَهُما هاهنا ؛ لدلاتِهما على الخشوع في الصلاة .
وفي ((صحيح مسلمٍ)(٢) عن عثمانَ بنِ عفانَ، عن النبيِّ نَِّ، قالَ: ((ما من
امرئ مسلم تحضرهُ صلاةٌ مكتوبةٌ ، فيُحسنُ وضوءَها وخشوعَها وركوعَها ، إلا
كانت كفارةً لما قبلَها من الذنوب ، ما لم تُؤْت كبيرةٌ ، وذلك الدَّهْرَ كُلَّه)) .
وقد مدح اللَّهُ الخاشعينَ في صلاتهم ، فقالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)
ء
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]. وقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّ عَلَى
الْخَاشِعينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
رُوي عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ، قالَ : هو الخشوعُ في القلبِ ، وأن تلين
(١) برقم (٤١٨) (٤١٩).
(٢) (١/ ١٤٢) .
١

٣٣٧
٨٨ - بَابُ الخشوع في الصلاة
کتاب الأذان
كنفك للمسلم ، وأن لاتلتفتَ في صلاتِك(١).
وعنه ، قال: الخشوعُ : خشوعُ القلبِ ، وأن لا تلتفتَ يمينًا ولا شمالاً (٢).
وعن ابنِ عباسٍ ، قال : خاشعونَ : خائفونَ ساكنونَ (٣).
وعنِ الحسنِ ، قال : كانَ الخشوعُ في قلوبهم ، فغضُّوا له البصرَ ،
وخفضُوا له الجناحَ .
وعن مجاهد ، قال : هو الخشوعُ في القلبِ ، والسكونُ في الصلاةِ(٤) .
وعنه ، قال : هو خفضُ الجناحِ وغضُّ البصرِ ، وكان المسلمونَ إذا قام
أحدُهم في الصلاة خافَ ربَّ أن يلتفتَ عن يمينهِ أو شمالِه.
وعنه ، قال : العلماءُ إذا قام أحدُهم في الصلاة هابَ الرحمنَ عزَّ وجلَّ أن
يشذ(٥) نظرهُ، أو يلتفتَ ، أو يقلِّب الحصى ، أو يعبثَ بشيء ، أو يحدثَ نفسَه
بشيءٍ من الدنيا ، إلا ناسيًا ، ما دام في صلاته .
وعن الزهريِّ ، قال : هو سكونُ العبدِ في صلاته .
وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال : يعني : متواضعينَ ، لا يعرف مَنْ عَن يمينهِ ،
ولا مَنْ عَنْ شمالِه ، ولا يلتفتُ من الخشوعِ اللَّه عزَّ وجلَّ.
ورُويَ عن حذيفةً ، أنه رأى رجلاً يعبثُ في صلاته ، فقال : لو خشع قلبُ
هذا لخشعتْ جوارِحُه .
ورُوي عن ابنِ المسيبِ .
(١) أخرجه وكيع في ((الزهد)) (٥٩٩/٢) والبيهقي (٢٧٩/٢).
(٢) راجع: ((التفسير)) لابن كثير (٤٥٦/٥) والتعليق على ((الذل والانكسار)) لشيخنا محمد عمرو
(ص ٣٤ - ٣٥) .
(٣) مثله .
(٤) البيهقي (٢ / ٢٨٠). وانظر ((الذل والانكسار)) (ص ٣٦).
(٥) في الأصل: ((يبد)) خطأ، والتصويب من ((الذل والانكسار)) (ص ٥٤).
----

٣٣٨
حديث : ٧٤١ - ٧٤٢
کتاب الأذان
ورُوي مرسلاً (١).
فأصلُ الخشوعِ : هو خشوعُ القلبِ ، وهو انكسارُه للهِ، وخضوعُه وسكونُه
عن الْتفاته إلى غير من هو بين يديه ، فإذا خشعَ القلبُ خشعتِ الجوارحُ كلُّها تبعًا
لخشوعِه؛ ولهذا كان النبيُّ ◌َّله يقول في ركوعه: ((خشعَ لك سمعي ، وبصري،
ومخِّي ، وعظامِي ، وما استقلَّ به قدَمِي)) (٢).
ومن جملةِ خشوعِ الجوارحِ خشوعُ البصرِ أن يلتفتَ عن يمينه أو يسارِهِ ،
وسيأتي حديثُ الالتفاتِ في الصلاة ، وأنه اختلاسٌ يختلسُهُ الشيطانُ من صلاة
العبدِ ، فيما بعدُ - إن شاء اللّه تعالى .
وقال ابنُ سيرينَ. كان رسولُ اللَّهِ وَّه يلتفتُ في الصلاة عن يمينه وعن
يساره، فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]،
فخشع رسولُ اللَّهِ وَجِّهِ، ولم يكنْ يلتفتْ يمنةً ولا يسرةً .
وخرجه الطبرانيّ من روايةِ ابنِ سيرينَ ، عن أبي هريرةَ .
ء (٣)
والمرسلُ أصحُ (٣).
والظاهرُ : أن البخاريَّ إنما ذكرَ الخشوعَ في هذا الموضعِ ؛ لأن كثيرًا من
الفقهاءِ والعلماءِ يذكرون في أوائلِ الصلاةِ : أن المصلِّيَ لا يجاوز بصرُهُ موضعَ
سجودِهِ ، وذلك من جملةِ الخشوع في الصلاة .
وخرَّج ابنُ ماجه(٤) من حديثٍ أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنينَ ، قالت : كان الناسُ في
(١) راجع: ((السلسلة الضعيفة)) (١١٠) و((الذل والانكسار)) بتحقيق شيخنا محمد عمرو (ص ٣٣)
وكذا («تكميل النفع)) له (حديث ٢١) .
(٢) أخرجه مسلم (١٨٥/٢).
(٣) في ((الأوسط)) (٤٠٨٢) وحكى الميموني عن أحمد أنه أنكره - موصولاً ومرسلاً - إنكارًاً
شديدًا، كما في ((زاد المعاد)) (٢٤٩/١ - ٢٥٠).
(٤) (١٦٣٤) .
مـ

٣٣٩
٨٨ - بَابُ الخشوع في الصلاة
کتاب الأذان
عهد النبيِّ وََّل إذا قامَ أحدُهم يصلِّي لم يَعْدُ بصرُه موضعَ قدمِهِ، فتوفيِّ
رسولُ اللَّهِ وَ جّل، فكان الناسُ إذا قام أحدُهم يصلِّي لم يَعْدُ بصرُهُ موضعَ
جبينِهِ ، فتوفي أبو بكرٍ فكانَ عمرُ فكان الناسُ إذا قام أحدُهم يصلِّي لم يَعْدُ بصرُ
أحدِهم موضعَ القبلَةِ ، وكان عثمانُ بنُ عفانَ فكانت الفتنةُ ، فالتفتَ الناسُ يمينًا
وشمالاً .
وقال ابنُ سيرينَ : كانوا يستحبونَ للرجلِ أن لا يجاوزَ بصَرُهُ مصلاهُ .
خرجه سعيدُ بنُ منصورٍ .
وقال النخعيُّ : كان يستحبُّ أن يقعَ الرجلُ بصرُهُ في موضع سجودِهِ .
وفسَّر قتادةُ الخشوعَ في الصلاة بذلك . وقال مسلمُ بنُ يسارِ : هو حسنٌ .
وفيه حديثان مرفوعان ، من حديث أنسٍ وابنِ عباسٍ ، ولا يصحُ إسنادُهما .
وأكثرُ العلماءِ على أنه يُستحبُّ للمصلِّي أن ينظر إلى موضع سجودِه ، منهم :
سليمانُ بنُ يسارِ وأبو حنيفةَ والثوريُّ والحسنُ بن حيٍّ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ
وأبو ثورٍ .
وقال مالكٌ : يستحبُّ أن يكون بصرُهُ أمامَ قبلته . قالَ : وأكره ما يصنع
الناسُ من النظرِ إلى موضعِ سجودِهم وهُمْ قيامٌ .
وحكي عن شريكِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، قال: ينظر في قيامه إلى موضع قيامِه (١)،
وإذا ركعَ إلى قدميه ، وإذا سجدَ إلى أنفِه ، وإذا قعدَ إلى حجرِه .
واستحبَّ ذلك بعضُ أصحابِنا وأصحابِ الشافعيِّ .
قال أصحابنا : ويستحبُّ إذا جلسَ للتشهد أن لا يجاوزَ بصرُه أصبعَه ؛ لما
روى ابنُ الزبيرِ ، أن النبيَّ ◌ََّ كانَ إذا جلسَ في التشهد أشارَ بالسبابةِ ، ولم
يجاوزْ بصرُهُ إشارتَه .
(١) في هامش الأصل: ((لعله: سجوده)).

٣٤٠
حديث : ٧٤١ - ٧٤٢
كتاب الأذان
خرجه الإمام أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُ (١).
وحكى أصحابُ الثوريِّ في كتبهم ، عن سفيانَ ، أنه قال : إذا قامَ في
الصلاة فليكنْ بصرُهُ حَيْثُ يسجدُ إن استطاعَ ، قال : وينظر في ركوعه إلى حيث
يسجدُ - ومنهم مَن قال: إلى ركبتيه - ، ويكون نظرُهُ في سجودِه إلى طرف أنفِه .
وبكل حالٍ ؛ فهذا مستحبٌّ ، ولا تبطلُ الصلاةُ بالإخلالِ به ، ولا باستغراقِ
القلبِ في الفكرِ في أمور الدنيا ، وقد حكى ابنُ حزمٍ(٢) وغيرُهُ الإجماعَ على
ذلك ، وقد خالفَ فيه بعضُ المتأخرين من أصحابِنا والشافعيةِ .
وحكى ابن المنذرِ عن الحكم ، قال : من تأمَّل مَنْ عن يمينهِ أو عن شماله
حتى يعرفَه فليس له صلاةٌ .
وهذا يرجعُ إلى الالتفاتِ ، ويأتي ذكرُه في موضعه - إن شاء اللَّهُ سبحانَه
وتعالى .
وحُكيَ عن ابن حامدٍ منْ أصحابنا : أن عملَ القلبِ في الصلاةِ إذا طالَ
أبطلَ الصلاةَ كعمل البدنِ .
وهذا يردُّ حديثُ تذكير الشيطانِ المرءَ في صلاته حتى يظلَّ لا يدري كم
[صلَّى] (٣) وأمره أن يسجدَ سجدتين، ولم يأمُرُه بالإعادةِ .
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ (٤) من حديث الفضلِ بنِ عباسٍ ، عنٍ
النبيِّ بَّهِ، قال: ((الصلاةُ مِثنَى مثنَى، تشهدٌ في كلِّ ركعتين، وتخشعٌ وتضرعٌ ،
(١) أحمد (٣/٤) وأبو داود (٩٨٨) والنسائي (٣٩/٣) وابن خزيمة (٧١٨).
(٢) في ((مراتب الإجماع)) (ص ٢٩) . وتعقبه ابن تيمية فيما إذا كان هو الغالب ، وسيأتي بعض
هذا الخلاف .
(٣) زيادة مني من مصادر التخريج ، والسياق يقتضيها .
والحديث أخرجه البخاري (٦٠٨) وغيره .
(٤) أحمد (٢١١/١) والنسائي في ((الكبرى)) والترمذي (٣٨٥).
مـ
: