النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
٦٥ - بَابُ من أخف الصلاة عند بكاء الصبي
کتاب الأذان
٦٥ - بَابُ
مَنْ أَخَفَّ الصَّلاَةَ عندَ بُكَاء الصبي
فيه ثلاثةُ أحاديثَ :
الحديث الأولُ :
٧٠٧ - حَدَّثْنَا ◌ِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى - هُوَ الْفَرَّاءُ -: ثَنَا(١) الْوَلِيدُ: ثَنَا الأَوْزَعِيُّ، عَنْ
يَحْمَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَادَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنِ النَِّيِّ ◌ََّ، قَالَ: «إِنِّي
لأَقُومُ فِي الصَّلاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَِّيِّ فَأَنَجَوَُّ فِي صَلاَتِي،
كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّ)) .
تَبَعَهُ: بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ وَبَقِيَّةُ وَبْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ.
قد خرجه البخاريُّ فيما بعدُ (٢) من طريق بشرٍ(٣).
وخرجه أبو داودَ وابنُ ماجهَ (٤) من روايةٍ بشرِ بن بكرٍ وعمرَ بنِ عبدِ الواحدِ .
وخرجهُ النسائيُّ (٥) من رواية ابنِ المباركِ ، كلُّهم عن الأوزاعيِّ ، به .
وخرجه الإسماعيليّ في «صحيحهِ)) من رواية إسماعيلَ بنِ عبدِ الله بن
سماعة ، عن الأوزاعيِّ .
وكذا رواه عن الأوزاعيِّ : عقبةُ بنُ علقمةَ وأيوبُ بن سُويد .
ورواه أبو المغيرة، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى، عن عبد اللَّهِ بن أبي قتادةَ
مُرسلاً .
(١) في نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) (٨٦٨) .
(٣) في الأصل: ((بكر)) خطأ.
(٤) أبو داود (٧٨٩) وابن ماجة (٩٩١).
(٥) (٩٥/٢) .

٢٢٢
حديث : ٧٠٧
کتاب الأذان
خرجه ابنُ جوصا في ((مسندِ الأوزاعيِّ من جَمْعِهِ)) من هذه الطرقِ .
وإنما ذكر البخاريُّ متابعةَ الوليدِ بنِ مسلمٍ علَى وصله ، ليبيِّنَ أنَّ الصحيحَ
وصلُه ؛ لكثرةٍ من وصلَه عنِ الأوزاعيِّ ، ولا يضر إرسالُ من أرسلَه .
ولعلَّ مسلمًا تركَ تخريجَه للاختلافِ في وصلِه وإرسالِه . والله أعلم .
وفي الحديث : دليلٌ على أنَّ مَن دخل الصلاة بنيةِ إطالتها فلهُ تخفيفُها
المصلحة ، وأنَّه لا تلزمُ الإطالةُ بمجردِ النَّةِ .
واستدلَّ به بعضُهم على أنَّ مَن دخلَ في تطوعٍ ينوي أن يصليَ أربعًا ، فله أن
يقتصر على ركعتين ، قال ذلك سفيانُ الثوريُّ ، مع قولِهِ بلزومِ النوافلِ بالشروعِ،
فلا إشكالَ عندهُ في جواز ذلك .
وكذلك لأصحابِ مالكِ قولانٍ فيمنِ افتتحَ الصلاةَ النافلةَ قائمًا ، فهل يجلسُ
في أثنائها ، أم لا ؟
فاستدلَّ بعضُ مَن قال : له أن يجلسَ بهذا الحديثِ .
وقد يُستدلُّ به على أنَّ من نذرَ أن يصلِّي صلاةً ، ونوى في نفسه أكثر من
ركعتين ، فهل يلزمُه ما نوى ، أم لا ؟
وقد نصَّ أحمدُ على أنَّه يلزمُه ما نوى، ورجَّحه طائفةٌ من أصحابنا ، بناءً
على أنَّ من أصل أحمدَ الرجوعَ في الأيمانِ والنذورِ إلى المقاصدِ والنياتِ .
وقد نصَّ أحمدُ فيمن نذر الصدقةَ بمالٍ ، ونوى في نفسِهِ ألفًا ، أَنَّه يُخرج ما
شاءَ مما يُسمَّى مالاً، ولا يلزمُه الألفُ ـ: نقله عنه أبو داود (١).
وهذا يخالف نصَّه في الصومِ والصلاةِ ، أَنَّه يلزمهُ ما نواهُ .
فتخرجُ المسألتانِ على روايتينِ .
ووجهُ شبهِ هذه المسائلِ بنيةِ الإطالةِ للصلاةِ المكتوبةِ عند الدخول فيها : أنَّ
(١) (ص ٢٢٤) .
-

٢٢٣
٦٥ - بَابُ من أخف الصلاة عند بكاء الصبي
كتاب الأذان
الصلاةَ المكتوبةَ إنما يلزم فيها قدرُ الإجزاءِ ، والزائدُ على ذلك إذا فُعل ، فهل
يُوصفُ بالوجوبِ، أو بالنفلِ ؟ فيه قولانِ معروفانِ لأصحابِنا وغيرِهم من الفقهاءِ.
وقد تبيَّن بهذا الحديث : أنَّ ذلك لا يلزمُ بمجرد النية ، سواءٌ وُصِفَ
بالوجوبِ ، أَوْ لا .
وأمَّا قولُهُ وَّهِ: ((أريدُ أنْ أُطوِّلَ فيهَا))، فالمعنى : أنه يريد إتمامَها وإكمالهَا
على الوجهِ المعتادِ ، وليس المرادُ : الإطالةَ التي نهى عنها الأئمةَ .
واستدل الخطَّبيُّ (١) وغيرُهُ بهذا الحديثِ على جوازِ انتظارِ الإمامِ للداخلِ في
الركوعِ قدرًا لا يشقُّ على بقيةِ المأمومينَ؛ لأنَّه مراعاةٌ لحالِ أحدِ المأمومينَ .
وفيه نظرٌ ؛ فإنَّ الداخلَ لم يدخل بعدُ في الائتمامِ بالإمام ، وفي الانتظار
تطويلٌ على المأمومينَ لمراعاةٍ من ليس بمؤْتَمٌّ ، فهذا لا يُشبه تخفيفَ الصلاة
لأجلِ أمِّ الصبيِّ ، بل هو عكسُه في المعنى .
الحديث الثاني :
٧٠٨ - حَدَّثْنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ : ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَاَلِ: ثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّه ،
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: مَا صَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُ أَخَفَّ صَلَةٌ وَلاَ أَنَمَّ مِنَ
النََِّّ، وَإِن كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَِّيِّ فَيُخَفِّفُ، مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُّهُ.
(شريكٌ)) هذا ، هو : ابنُ أبي نمرِ المدنيُّ .
وقد روى هذا الحديثَ عنه أبو ضَمْرةَ أنسُ بنُ عياضٍ - أيضًا .
ورواه جماعةٌ عنه ، ولم يذكروا آخره .
وكذلك خرجهُ مسلمٌ (٢) بدون آخرهِ من روايةِ إسماعيلَ بنِ جعفرَ ، عن
شريك .
(١) في ((شرح البخاري)) (١/ ٤٨٢).
(٢) (٢ /٤٤) .

٢٢٤
حديث : ٧٠٩ - ٧١٠
كتاب الأذان
وقد ذكرنا - فيما تقدمَ - معنى الافتتان هاهنا .
الحديث الثالثُ :
٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَلَيُّ بْنُ عَبْد اللَّه: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعِ: ثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: ثَنَا قَتَادَةُ ،
أنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَّثَ، أَنَّنَبِيَّ اللَّهِ وَ قَالَ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ، وَأَنَا أُرِيدُ
إِطَالَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَنَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي، مِمَّ أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةٍ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ
بُكَائِه)) .
٠٠
٧١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ بَشَّارِ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عِدِيٌّ، عَنْ سَعيد، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسَ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَِّيِّ ◌َ، قَالَ: «إِنِيِّلْأَدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ، فَأُرِيدُ إِطَالَتَهَا ،
فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَِّيِّ، فَأَتَجَوَُّ لِمَا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» .
وَقَالَ مُوسَى: ثَنَا أَبَانُ: ثَنَا قَتَادَةُ: ثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَِّّ ◌َ.
وهذا بمعنى حديث أبي قتادة المتقدمِ .
وقد ساقهُ عن سعيدِ بنِ أبي عروبةَ ، عن قتادةً ، عن أنسٍ من طريقينِ ،
ليس فيهما تصريحُ قتادةَ بالسماعِ له من أنسٍ ، وكان قتادةُ مدلسًا ، فلذلك ذكر أن
موسى - وهو : ابنُ إسماعيلَ - رواهُ عن أبانَ - وهو : العطارُ - ، عن قتادةَ ،
فصرَّح بسماعهِ من أنسٍ .
وخرجه الإسماعيليَّ في ((صحيحه)) من طرق ، عن سعيد ، عن قتادةَ ، وفي
سياق حديثهِ : أن أنسَ بنَ مالكِ حدثهُ ، ولم يبين لفظ مَن هو من الرواة ،
ويَبَعدُ أن يكون لفظَ جميعِهِم .
والتخفيفُ الذي كان يفعله ، تارةً كان يأتي به في الصلاة كلِّها ، وتارةً في
بعضِ ركعاتِها ، بحسبِ ما يسمعُ بكاءَ الصبيِّ .
فالأول ، دلَّ عليه ما خرَّجهُ أبو بكرِ بنُ أبي داودَ في ((كتابِ الصلاة)»: حدثنا
۔

٢٢٥
٦٥ - بَابُ من أخف الصلاة عند بكاء الصبي
کتاب الأذان
أحمدُ بن يحيى بنِ مالك: ثنا عبدُ الوهَّابِ ، عن شعبَةَ ، عن عديِّ بنِ ثابتٍ ،
عن البرَاءِ بنِ عازبٍ، قالَ: صلى بنا رسولُ اللَّهِ وَ ◌ّهِ صلاةَ الصبحِ، فقرأً بأقصرٍ
سورتينِ في القرآنِ ، فلما فرغَ أقبلَ علينا بوجهِه ، وقالَ : ((إنَّما عجلتُ لتفرغَ أمَّ
الصبيِّ إلى صبِّها)) .
وهذا إسناد غريبٌ جدًا .
وقد رُوي معناه من حديث أنسٍ وأبي سعيدٍ بأسانيدَ ضعيفة .
وأما الثاني ، فروى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة))، عن سفيانَ ، عن
أبي السوداء (١) النَّهديِّ، عن ابن سابط، قال: قرأ النبيَّ بَّر في الفجر في أول
ركعةٍ بستينَ آيَةٍ ، فلما قامَ في الثانية سمعَ صوتَ صبيٍّ ، فقرأ ثلاثَ آيَاتٍ(٢).
وهذا مرسلٌ .
(١) في الأصل: ((عن أبي الأسود)) خطأ، وهو: ((عمرو بن عمران)) مترجم في ((تهذيب
الكمال)» .
(٢) وأخرجه ابن أبي شيبة (٤٠٧/١) وأبو داود في ((المراسيل)) (٣٩) بنحوه.

٢٢٦
حديث : ٧١١
كتاب الأذان
٦٦ - بَابٌ
إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا
٧١١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو الثُّعْمَانِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
أُوْبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ مُعَادٌ يُصَلِّي مَعَ النَِّيِّ
وَِّ، ثُمَّ يَأْتِ قَوْمَهُ فُيُصَلِّي بِهِمْ.
مرادُه بهذا : أن اقتداءَ المفترضِ بالمتنفلِ صحيحٌ ، استدلالاً بهذا الحديث .
وقد ذهب إلى هذا طائفةٌ من العلماءِ ، منهم : طاووسُ وعطاءُ ، وقال : لم
نزل نسمعُ بذلك .
وهو قول الأوزاعيِّ والشافعيِّ وأحمدَ - في رواية - وإسحاقَ وأبي خيثمةَ
وأبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ وسليمانَ بنِ حربٍ وسليمانَ بن داودَ الهاشميِّ وأبي ثورٍ
وداودَ والجوزجانيٌّ وابنِ المنذرِ .
وقد رُويَ عن أبي الدرداءِ والحكمٍ بن عَمْرِو الغفاريِّ وغيرِهما منَ الصحابةِ*
ما یشهدُ له .
77
وذكر الشافعيّ (١) أنه رُويَ عن عُمر ورجلٍ من الأنصارِ وابن عباسٍ قريب
منه ، وعن أبي رجاء العطارديِّ والحسنِ ووهبِ بنِ منبه .
كذا قال ، والمعروفُ عنهما خلافُ ذلك ، كما سنذكر ذلك .
وحكاه - أيضًا - عن مسلمٍ بنِ خالدٍ وعبد الرحمنِ بنِ مهدي ویحیی بن سعيد
القطان .
وقال إسحاقُ: هو سنةٌ مسنونةٌ، وهو على ما سَنَّ النبيَّ وَلَوَ من صلاة
الخوفِ .
(١) ((الأم)) (١/ ١٥٢ - ١٥٤).

٢٢٧
٦٦ - بَابُ إذا صلى ثم أم قومًا
كتاب الأذان
ـه
ونقل إسماعيلُ بنُ سعيد ، عن أحمدَ ، قال : لا بأس به .
قال: ومما يقوي حديثَ معاذ: حديثُ النبيِّ وَّهِ أَنَّه صلى صلاةَ الخوف
بطائفتينِ ، بكل طائفةٍ ركعتينٍ ، ولا أعلم شيئًا يدفع هذا .
وحديثُ صلاة الخوف قد خرجه البخاريّ من حديث جابرٍ ، وسيأتي في
موضعِه - إن شاء الله تعالى .
وذهب آخرونَ إلى المنع من ذلكَ ، وأنَّ المفترضَ إذا اقتدى بمتنفلٍ لم
تصح صلاتُه ، حكاه ابن المنذر عن الزُّهريِّ وربيعةً ويحيى الأنصاريِّ ومالكِ
وأبي حنيفة .
قال : ورُوي معناهُ عن الحسن وأبي قلابةَ .
قلتُ : وقد روي - أيضًا - معناهُ عن سعيد بنِ المسيبِ ووهبٍ بن منبه وابن
سيرينَ والنخعيِّ - : ذكره عبدُ الرزاقِ في ((كتابه)) عنهم .
وهو قولُ الثوريِّ والحسنِ بن حيٌّ والليث بن سعدٍ .
وهو المشهورُ عن أحمدَ ، ونُقل عنه أنه رجعَ عن القولِ بخلافه ، وعلى
: هذا أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ وغيرُهُ من أصحابنا ، وأن أحمدَ رجع عن القولِ بجواز
ذلك .
قال - في رواية المروذيِّ - : كنتُ أذهب إليهِ - يعني : حديث معاذٍ - ، ثم
ضعف عندي .
واعتلَّ الإمامُ أحمدُ على حديث معاذ بأشياء :
أحدها : أن حديث معاذٍ رواه جماعةٌ لم يذكروا فيه أن معاذًا كان يصلِّي
خلفَ النبيِّ وَّ، بل ذكروا أنه كان يصليِّ بقومه ويطيلُ بهم، منهم: عبدُ العزيزِ
ابنُ صهيبٍ ، عن أنسٍ ، وأبو الزبيرِ ، عن جابرٍ . ومنهم : محاربُ بنُ دِئَارِ
وأبو صالحٍ ، عن جابرٍ .
الثاني: أنَّ الذين ذكروا: أنَّه كان يصلي خلفَ النبيِّ وََّ ثُمَّ يرجعُ فيؤمُ
إ

٢٢٨
حديث : ٧١١
کتاب الأذان
قومَهُ، لم يذكرْ أحدٌ منهم: أن النبيَّ وَّ علمَ بذلكَ، إلا ابن عُبينَةَ ، عن عمرو
ابنِ دينارٍ ، عن جابرٍ .
فقال أحمدُ : ما أرى ذلك محفوظًا . وقال - مرة - : ليس عندي ثبتًا ؛
رواه منصورُ بنُ زاذانَ وشعبةُ وأيوبُ ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، ولم يقولوا ما قالَ
ابنُ عيينةَ .
كذا قال ، وقد رواه ــ أيضًا - ابنُ عجلانَ ، عن عبيد اللَّهِ بن مقسمٍ ، عن
جابرٍ ، مثلَ روايةِ ابن عيينةَ عن عمرٍو .
وهذا أقوى الوجوهِ، وهو: أنَّ مَن روى صلاةَ معاذٍ خلفَ النبيِّ وَّ
ورُجوعَه إلى قومِه لم يذكر أحدٌ منهم قصةَ التطويلِ والشكوَى إلى النبيِّ وَّ غير
ابن عيينَةَ ، وقد تابعه ابنُ عجلانَ عنِ ابن مقسمٍ ، وليس ابنُ عجلانَ بذاك
القويِّ .
ومَن ذكر شكوى معاذٍ إلى النبيِّ نَّهِ من الثقاتِ الحفاظ لم يذكروا فيه أن
معاذا كان يصلي مع النبيِّ نَّهِ ثمَّ يرجعُ إلى قومه فيومَّهم .
م
ولم يفهم كثيرٌ مِن أصحابِنا هذا الذي أرادهُ الإمامُ أحمدُ على وجهِهِ .
الثالثُ : قال في رواية حنبلٍ : هذا علي جهة التعليمِ من معاذٍ لقومِهِ .
يعني: لم يكن يصلي بهم إلا ليعلمَهم صلاةَ النبيِّ وَّهِ، كما علم مالكُ بنُ
الحويرِثِ قومَه صلاةَ النبيُّ بِّه ولم يُردِ الصلاةَ، وقد سبقَ حديثُه .
ولكن الفرقَ بينه وبين حديث معاذ : أنَّ مالكَ بنَ الحويرثِ علَّم قومَه
الصلاةَ في غير وقت صلاة ، فكانوا كلُّهم متنفلينَ بالصلاةِ ، ومعاذٌ كان يصلي
المكتوبةَ، ثُمَّ يرجع إلى قومِهِ، وهم ينتظرونَه حتى يؤمَّهم فيها، فكانوا مفترضينَ.
الرابعُ : قال في رواية إبراهيم الحربيِّ: إن صحَّ ، فله معنى دقيقٌ لا يجوزُ
مثلُه اليومَ .

٢٢٩
٦٦ - بَابُ إذا صلى ثم أم قومًا
کتاب الأذان
وقد قيل : إنَّ هذا المعنى الذي أشار إليه الإمامُ أحمدُ ، هو أنه كان في أول
الإسلامِ ، وكان مَن يقرأُ القرآن قليلاً، فكان يُرخَّص لهم في ذلك توسعةً
عليهم ، فلما كثر القرّاء انتسخَ ذلك . وقد سبق نحوُ ذلك في إمامةِ الصبيُّ -
أيضًا .
وكذا روى عباسٌ الدُّوريُّ ، عن يحيى بنِ معينٍ ، أنّه قال في حديث معاذ ،
أَنَّه كان يصلِّي بأصحابه، وقد صلَّى قبل ذلكَ معَ النبيِّ وَّ، قال يحيى: لا
أرى هذا .
قال عباسٌ : معنى هذا - عندنا - : أنَّ يحيى كان يقول : هذا في بدوِّ
الإسلامِ ، ومن يقرأ القرآن قليلٌ ، فلا أرى هذا . هذا قول يحيى عندنا .
وقد ذكر ابنُ شاهينَ ، عن أبي بكرِ النجادِ ، أنه سمع إِبراهيمَ الحربيَّ وسئلَ
عمَّن صلى فريضةً خلفَ متطوعٍ ؟ فقال : لا يجوز . فقيل له : فحديث معاذ ؟
قال : حديث معاذٍ أعيا القرونَ الأولى .
وأجابت طائفةٌ عن حديث معاذٍ بجواب آخر ، وهو : أنَّه يجوزُ أن يكونَ
معاذٌ يصلي خلف النبيِّ ◌َّهِ تطوعًا ، ثم يصلي الفريضة بقومه .
ورد ذلك الشافعيُّ وأحمدُ .
وقال الشافعي: لم يكن معاذٌ يفوت نفسَه فضلَ الصلاة خلفَ النبيِّ وَّ في
مسجده .
١
وخرج الدارقطنيُّ والبيهقيُّ (١) من رواية أبي عاصم ، عن ابنِ جريجٍ ، عن
عمرو بن دينارٍ، عن جابرٍ، أن معاذًا كان يصلِّي مع النبيِّ وََّ، ثمَّ ينصرفُ إلى
قومِه فيصلِّي بهم ، هي له تطوعٌ ولهم(٢) فريضةٌ .
(١) الدار قطني (٢٧٤/١) والبيهقي (٨٦/٣).
(٢) في الأصل: ((له)) خطأ.

٢٣٠
حديث : ٧١١
كتاب الأذان
ومن طريق عبد الرزاقِ ، عن ابن جريج نحوه ، إلا أنه قال : فيصلي بهم
تلك الصلاةَ ، هي له نافلةٌ ولهم فريضةٌ .
ولعل هذا مدرجٌ من قولِ ابن جريجٍ . واللهُ أعلمُ .
وقد ظنَّ بعضُ فقهاءِ أصحابِنا أنَّ هذه الزيادةَ هي التي أنكرَها أحمدُ على
سفيان بن عيينةَ ، وهذا وهمٌ فاحشٌ ، فإنَّ هذه الزيادةَ تفردَ بها ابنُ جريجٍ لا ابنُ
عيينةَ .
وأجاب الإمامُ أحمدُ عن حديثِ جابرٍ في صلاةِ الخوفِ بأنَّ هذا جائزٌ في
صلاة الخوفِ دون غيرِها ، لأنه يُغتفر في صلاةِ الخوفِ ما لا يغتفرُ في غيرِها من
الأعمال ، وكذلك النيات .
واستدلُّوا على منعِ ذلك بقولِ النبيِّ وََّ: ((إنما الإمامُ ليؤتَمَّ به، فلا تختلفُوا
عليه)) . وقالوا : مخالفتُه في النيةِ اختلافٌ عليه .
لكن جمهورَهم يُجيزونَ اقتداءَ المتنفلِ بالمفترضِ ، ولم يجعلُوه اختلافًا
عليه .
واعلَمْ ؛ أنَّ جمهورَ العلماءِ في هذه المسألةِ على المنعِ ، منهم : مالكٌ
وأهلُ المدينةِ والثوريُّ وأهلُ العراقِ والليثُ وأهلُ مصرَ ، وهو قولُ جمهور
التابعينَ مِنْ أهلِ المدينةِ والعراقِ .
ولكن ؛ قد قال بالجواز خلقٌ كثيرٌ من العلماء .
وحديث معاذٍ، قد صحَّ أنَّ النبي ◌ََّ علمَ به وأقرَّ عليه، وقد توبع سفيانُ
ابنُ عيينةَ على ذلكَ ، كما أشرنا إليه ، ولم يظهر عنه جوابٌ قويٌّ .
فالأقوى : جوازُ المفترضِ بالمتنفلِ(١)، وقد رجح ذلك صاحبُ («المغني))
وغيرهُ من أصحابِنا . والله أعلم .
(١) كذا بالأصل، وضبب، ولعل الصواب: ((فالأقوى جواز [اقتداء] المفترض بالمتنفل)).

٢٣١
٦٦ - بَابُ إذا صلى ثم أم قومًا
کتاب الأذان
وقد عارض بعضُهم حديثَ معاذٍ بما روى معاذُ بنُ رفاعةَ الأنصاريُّ ، عن
سليمٍ الأنصاريِّ - من بني سلمةَ -، أنه أتى النبيَّ وَّ، وقال: يا رسول اللَّهِ،
إِنَّ معاذَ بنَ جبلٍ يأتينا بعدما ننامُ ، ونكونُ في أعمالنا في النهار ، فينادَى
بالصلاةِ، فنخرجُ إليه فيطوِّلُ علينا. فقال رسولُ اللَّهِ وَلِّ: ((يا معاذ، لا تكنْ
فتانًا ، إما أن تصليَ معي ، وإمَّا أن تخففَ على قومك)).
خرجه الإمام أحمد(١).
وهو مرسلٌ ؛ فإن سليمًا هذا قُتِل في يوم أحدٍ ، وقد ذُكر ذلك في تمامٍ هذا
الحديث .
وقال ابنُ عبد البرِّ : هو منكرٌ لا يصح .
قلت : لو صحَّ فيحتمل أن يكون المرادُ : إما أن تقتصر على صلاتك معي
فتقيمُ لقومِك من يصلي بهم غيرك ، وإمَّا أن تذهبَ إليهم فتصلِّي بهم ، وإنْ
صليتَ معِي ، لكن تخففُ عليهم ولا تطيلُ بهم . واللَّه سبحانه وتعالى أعلم .
(١) (٧٤/٥) .
----...

٢٣٢
حديث : ٧١٢
کتاب الأذان
٦٧ - بَابُ
مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِرَ الإِمَامِ
٧١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوَدَ: ثَنَا الأَعْمَئُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيَُّ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ بِلاَلٌ
يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ، قَالَ: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ)). قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ
أَسِفٌ ، إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ بَّكِ، فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ. فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ
فَلْيُصَلِّ». فَقُلْتُ مِثْلَهُ. فَقَلَ فِي الثَِّئَةِ - أَوِ الرََّبِعَةِ -: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ،
مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ)، فَصَلَّى. وَخَرَجَ النَِّيَُّ يُّهَادِى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ
يَخُطُّ بِجْلَيْهِ الأَرْضَ، فَلَمَّا رَاهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ، فَتَأَخَّرَ
أَبُو بَكْرٍ وَقَعَدَ النَّبِيُّ ◌َّ إِلَى جِنِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التِّكْبِرَ.
تَبَعَهُ: مُحَاضِرٌ، عَنِ الأَعْمَئِ.
قد سبق ذكرُ حديثِ عائشةَ بألفاظِهِ وطرقِه .
وما ذُكر فيه في هذه الروايةِ من تأخرِ أبي بكرٍ فمنكرٌ مخالفٌ لسائرِ الرواياتِ .
وإنما المقصودُ منه: أنَّ النبيَّ وَّ كان يصلِّي بالناس جالسًا وأبو بكرٍ قائمٌ
يسمع الناسَ تكبيرَ النبيِّ ◌َّهِ .
وهذا يدلُّ على شيئينِ :
أحدُهما: أنَّ النبيَّ ◌ِّ في صحته لم يكن من عادتِه أن يبلِّغ أحدٌ وراءه
التكبيرَ ، بل كان هو يسمعُ أهل المسجدِ تكبيرَه ، فلا يحتاج إلى من يبلِّغُ عنه .
وقد خرج البخاري - فيما بعد(١) - حديثَ سعيدٍ بن الحارثِ، قال: صلَّى لنا
(١) (٨٢٥) .

٢٣٣
٦٧ - بَابُ من أسمع الناس تكبير الإمام
کتاب الأذان
أبو سعيدٍ فجهرَ بالتكبير حين رفع قامتَه من السجودِ ، وحين سجدَ ، وحين قامَ
مِنَ الركعتينِ، وقال: هكذا رأيتُ رسولَ اللَّهِ بَهِ.
وخرجه الإمام أحمدُ (١)، ولفظه: فجهر بالتكبيرِ حين افتتحَ الصلاةَ ، وحين
ركعَ، وحين قال : سمع اللَّهُ لمن حمدَه ، وحين رفعَ رأسه من السجودِ ،
وحين سجدَ ، وحين قامَ مِنَ الركعتينِ حتَّى قضى صلاتَهُ على ذلك ، وقالَ :
هكذا رأيتُ رسولَ اللَّهِ بِ ◌ّهِ يصلِّي .
وخرجه البيهقيُّ (٢)، وعنده : وبعد أن قال: سمع اللَّهُ لمن حمده .
وهذا إشارةٌ إلى تكبير السجودِ ، بدليل : أنه قال بعدَه : وحين رفع رأسه من
السجودِ ، وحين سجدَ .
وزاد البيهقيَّ في روايته : وحين رفعَ .
والثاني: أن النبيَّ وَّوَ لما مرِض ضعفَ صوتُه عن إسماعِ أهلِ المسجدِ ،
وكان أبو بكرٍ حينئذٍ يُسمع الناس تكبيرهُ ، ويبلِّغُ عنه .
وقد رُويَ عنه ، أنه فعلَ ذلك - أيضًا - في مرضٍ آخر عرضَ له في حياته :
ففي (صحيح مسلمٍ)(٣) من حديث أبي الزبيرِ ، عن جابرٍ ، قال: اشتكى
رسولُ اللَّهِ وَله، فصلينَا وراءَه وهو قاعدٌ، وأبو بكرٍ يُسمعُ الناسَ تكبيرهُ - وذكر
في الحديث : أنه أشارَ إليهم أنِ اجلسوا . وقد سبق بتمامه .
وفي روايةٍ لمسمٍ - أيضًا -: صلَّى بنا رسولُ اللَّهِ وَهَ الظُّهر وأبو بكرٍ خلفَه،
فإذَا كَبَّ كَبَّرَ أبو بكرٍ يُسْمِعُنَا .
فمتى كان الإمامُ صوتُه ضعيفًا لمرضٍ أو غيرِه ، ولم يَبلغِ المأمومينَ صوتُه ،
(١) (١٨/٣) .
(٢) (١٨/٢).
(٣) (١٩/٢).
1

٢٣٤
حديث : ٧١٢
كتاب الأذان
وكان المسجدُ كبيرًا لا يبلغُه صوت الإمامِ ، شُرِعِ لبعض المأمومينِ أن يبلغَ الباقينَ
التكبيرَ جهرًا ، ويكونُ الجهرُ على قدرِ الحاجةِ إليه ، من غير زيادة على ذلك .
وروى وكيعٌ : ثنا المغيرةُ بنُ زيادٍ ، قال : رأيتُ عطاء بن أبي رباحٍ صلَّى في
السقيفةِ التي في المسجدِ الحرامِ في نفرٍ ، وهم متفرقون عن الصفوفِ ، فقلت
له : فقال: إني شيخٌ كبيرٌ ومكة دونه ، كانَ رسولُ اللَّهِ وَ لَّ في سفرٍ، فأصابهم
مطرٌ ، فصلى بالناس في رحالِهم ، وبلالٌ يُسمعَ الناسَ التكبيرَ(١) .
وروى بكرُ بنُ محمدٍ ، عن الحكم ، عن أبيه ، أنه سأل أحمدَ عن الرجلِ
يكبِّرِ يومَ الجُمعةِ يسمعُ الناسَ ؟ قال : صلاتُه تامَّةٌ ، هذا منفعةٌ للناس ؛ قد كانَ
عمرُ يُسمَعُ صوتُهُ بالبلاطِ . قيل له : فيأخذُ على هذا أجرًا في تكبيرِهِ يسمِعُ
الناسَ ؟ قال : لا أدري .
قال أبو بكرِ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرَ ، قولُه : ((لا أدري)) كأنه - والله أعلم -
یکرهه .
قال : وإن أخذ من بيت المال جاز ؛ لأن حقه فيه - يعني : أن حقّ
المؤذنينِ في بيت المالِ - ، وإنْ أخذ من غيرِه فهو مكروهٌ . انتهى .
والأخذُ من الوقفِ كالأخذِ من بيت المالِ في هذا .
ومتى بلَّغ المأمومُ زيادةً على قدر الحاجة ، أو بلَّغ من غيرِ حاجة إليه كان
مكروهًا .
وظاهرُ الحديث : يدلُّ على أنَّ المأمومَ إذا اقتَدَى بالإِمامِ بسماع التكبيرِ من
غيرِهِ صحَّ اقتداؤُهُ به ، وعلى هذا أكثرُ الفقهاءِ .
واختلفَ فيه أصحابُ مالك، فمنهم من أجازَه . ومنهم من منعَه، وعلَّلَ
بأنه اقتدى بغير الإمامِ . ومنهم من قال: إنْ كان الإمامُ أَذِن للمبلِّغ في التبليغ
صحَّ الاقتداءُ به .
(١) تقدم في آخر شرح الحديث (٦٦٦) .
/

٢٣٥
٦٧ - بَابُ من أسمع الناس تكبير الإمام
كتاب الأذان
واختلفوا - أيضًا - فيمن سمعَ التكبيرَ، ولم ير الإمامَ ، ولا مَنْ خلفَه : هل
يصحُّ اقتداؤُهُ بالإمامِ في هذه الحالةِ ، أم لا يصح ؟
يُفْرَّقُ بين أن يكون في المسجدِ فيصحَّ ، وبينَ أن يكون خارجَ المسجد فلا
يصحّ .
وقد حُكي في ذلك رواياتٌ متعددةٌ عنِ الإمام أحمدَ ، وربما نذكرُ المسألةَ في
موضع آخر - إن شاءَ اللَّه تعالى .
وقال أحمدُ - في رواية مهنا - فيمن صلَّى الجمعةَ ، فلم يسمعْ تكبيرَ الإمامِ ،
ولا غيرَ الإمامِ : ليس عليه إعادةٌ . وقال : كلُّ الناسِ يسمعونَ التكبيرَ ؟! إنما
ينظرُ بعضهم إلى بعضٍ .
وقال سفيان الثوريُّ في القوم لا يرونَ الإمامَ عند الركوعِ والسجودِ : أجزأهم
أن يتّبعوا من قُدَّمَهم من الصفوفِ ؛ الناسُ أئمةٌ بعضُهم لبعضٍ .

٢٣٦
حديث : ٧١٣
كتاب الأذان
٦٨ - بَابُ
الرَّجُلِ يَأْتَمُّبِالإِمَامِ ، وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ
وَيُذْكَرُ عَنِ النَِّّ ◌ِ﴿، أَنَّهُ قَالَ: (ثَمُّوا بِي، وَلَيَتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ).
هذا الحديث ، خرَّجه مسلمٌ (١) من حديث أبي نضرةَ ، عن أبي سعيدٍ
الخدريِّ، قال: رأَى رسولُ اللَّهِ بَ لّ في أصحابِه تأخُّرًا، فقالَ: ((تقدَّمُوا،
فائتُمُّوا بِي، وليأتَمَّ بكم مَن بعدَكُم، لا يزالُ قومٌ يتأخرُونَ حتَّى يوخرَهم اللَّهُ) .
والبخاريُّ لا يخرج لأبي نضرةً ، فلذلك علَّق حديثَه هذا على هذا الوجه .
قال البخاريُّ :
٧١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَّمَّ ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ جَاءَ بِلَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاةِ،
فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ(٢)». فَقُلْتُ: يَارِ رَسُولَ اللَّهِ، أَبُو بَكْرِ رَجُلٌ
أَسِفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: ((مُرُوا
أَبَ بَكْرِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)). فَقُلْتُ لِحَقْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أَسِفٌ، وَإِنَّهُ
مَتَّى يَقُمْ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ . قَالَ: «إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ
يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ)) . فَلَمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّه
وَّ فِي نَفْسِهِ خِقَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ
الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرِ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَخَّرُ، فَأَوْمَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ،
فَجَاءَ النَِّيُّ ◌َِّ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا ، وَكَانَ
(١) (٣٨/٢) .
(٢) في ((اليونينية)): ((بالناس)). وفي الأصل: ((للناس)).

٢٣٧
٦٨ - بَابُ الرجل يأتم بالإمام ، ويأتم الناس بالمأموم
کتاب الأذان
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْر بِصَلاَةَ رَسُول اللَّهِ وَّهِ، وَالنَّاسُ
يَقْتَدُونَ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ .
قد تقدَّم ذكرُ هذا الحديثِ والإشارة إلى ما قيلَ في هذه اللفظةِ ، وهي :
((عن يسارِ أبي بكرٍ))؛ فإنَّ أبا معاوية تفردَ بها ، وما قيلَ فيما بعدَها ، وأنه
مدرَجٌ ، واختلاف الناسِ : هل كانَ أبو بكر إمامًا أو مأمومًا .
فإن قوله: ((يقتدِي أبو بكرٍ بصلاةِ رسولِ اللهِ وبَ جّ)) قد قيلَ: إنَّ المرادَ به:
أَنَّه كان يُرَاعي في صلاته التخفيفَ على النبيِّ وََّ، ويفعلُ ما كانَ أسهلَ عليه
وأخفَّ وأيسرَ ، فكانَ ذلك اقتداؤُهُ به ، من غير أن يكونَ مؤتمًا به ، كما قال
النبيُّ بَِّ لعثمانَ بنِ أبي العاصِ لما استعملَه على الطائفِ، وأمرَه بتخفيف
الصلاةِ بالناسِ ، وقال له: ((اقتدِ بأضعفهم)) - أي : راعٍ حالَ الضعفاءِ ممن
يصلّي وراءك ، فصلِّ صلاةً لا تشقُّ عليهم .
والأكثرونَ فسروا اقتداءَ أبي بكرٍ بالنبيِّ وَِّ، بأنه كان مؤتمًا بالنبيِّ وَِّ،
وكانَ النبيُّ وَِّ إمامًا لأبي بكرٍ .
وأما قوله : ((والناسُ يقتدونَ بصلاةٍ أبي بكرٍ)) فاختلَف الناسُ في تأويله -
أيضًا .
فقالت طائفةٌ: المعنى أن أبا بكر كان يُسْمعهم التكبيرَ لضعفِ صوتِ النبيِّ
وَ﴿ حينئذ، فكانَ اقتداؤهم بصوتِ أبي بكرٍ، وكانَ مبلغًا عن النبيِّ رَّ، لم
يكن إمامًا للناس، فاقتداءُ أبي بكرٍ والناسِ كلِّهم إنما كان بالنبيِّ وَِّ، وإنما كان
أبو بكرٍ يبلِّغ عن النبيِّ بَّهِ التكبيرَ ؛ ليتمكنوا من الاقتداءِ.
ومما يتفرع على ذلك: أن الشعبيَّ قال : إذا انتهيتَ إلى الصفِّ الآخرِ ،
ولم يرفعوا رؤسَهم ، وقد رفع الإمامُ ، فاركَعْ ؛ فإن بعضكم أئمةُ بعضٍ .
وهذا قولُ غريبٌ ، والجمهور على خلافه ، وأن الاعتبار بالإمام وجِدَه في

٢٣٨
حديث : ٧١٣
کتاب الأذان
إدراك الركعةِ بإدراكِ ركوعِه .
ءِ
وهذا هو المعنى الذي بوَّب عليه البخاريُّ هاهنا ، وكذلك بوَّب عليه النسائيّ
وغيره ...
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ ، على قولهم : إنَّ أبا بكرٍ كان مؤتمًا بالنبيِّ
وَّهُ؛ فإنهم اختلفوا: هل كان النبيَّ وَّ إمامًا لأبي بكرِ ، أو مأمومًا به؟ على
وجهين .
وقال الإمامُ أحمدُ: بل كان النبيُّ ◌ََّ إمامًا لأبي بكرٍ ، وكان أبو بكر إمامًا
للناسِ الذين وراءهُ ، فكانت تلك الصلاةُ بإمامين .
واختلفتِ الرواية عن الإمام أحمدَ في الصلاة بإمامينِ : هل هي من
خصائصِ النبيِّ وَّةِ ، أو هو حكم عامٌّ يستوي فيه جميعُ الأئمةِ ؟ على ثلاث
روايات عنه .
واختار أبو بكر ابن جعفر وغيرُهُ من أصحابنا روايةَ اختصاصِ النبيُّ
بذلك .
وروى حمادُ بنُ سلمة ، عن هشامٍ بنِ عروةَ ، عن أبيه ، عن عائشةَ ، أن
رسولَ اللّهِ وَ لهَ كانَ وجعًا، فأمر أبا بكرٍ أن يصليَ بالناس ، ووجدَ رسولُ اللَّه
وَّ خفةً، فقعد إلى جنبِ أبي بكرٍ، فأمَّ رسولُ اللّه وَلِّ أبا بكرٍ وهو قاعدٌ ،
وأمَّ الناسَ أبو بكرٍ وهو قائمٌ .
خرجهُ الدار قطنيُ (١) وغيرُه .
والصحيح: أن قولَه: ((فوجدَ رسولُ اللَّه وَ لَّ خفةً)) إلى آخر الحديث مدرج
من قولِ عروةَ ، كما رواه مالكٌ وابن نُميرٍ وغيرُهما ، عن هشامٍ بغير هذا اللفظِ ،
وقد سبق ذلك .
(١) (٣٩٨/١) .
٠

٢٣٩
٦٩ - بَابُ هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس ؟
کتاب الأذان
٦٩ - بَابٌ
هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ - إِذَا شَكَّ - بِقَوْلِ النَّاسِ؟
٧١٤ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ
السَّخْتَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ انْصَرَفَ مِنَ
اثْنَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ : أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهَِ: ((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟)) فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ الَّهِ وَهُ
فَصَلَّى اثنَيْنِ أُخْرَيْنِ، ثُمَّسَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطُوَلَ .
٧١٥ - حَدَّثْنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى النَِّيَُّ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، فَقِيلَ لَهُ:
صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.
إنما سلَّم النبيُّ وَّجله من اثنتين في هذه الصلاة؛ لأنه كان يعتقد أنَّ صلاته قد
تمتْ، وكان جازمًا بذلك ، لم يدخله فيه شكٍّ، ومثلُ هذا الاعتقاد يُسمى يقينًا،
ووقع ذلك في كلام مالك وأحمدَ وغيرهما من الأئمةِ ، فلما قال له ذو اليدينِ ما
قالَ حصل له شكٌّ حينئذٍ ، ولما لم يوافق أحدٌ من المصلينَ ذَا اليدينِ على
مقالتِه مع كثرتِهم حصلَ في قوله ريبةٌ بانفرادِه بما أخبر به ، فلما وافقَه الباقونَ
على قولِه رجعَ حينئذٍ إلى قولِهِم، وعمِل به، وصلى ما تركه، وسجدَ للسهوِ.
ويُؤخذ من ذلكَ : أن المنفرِد في مجلسٍ بخبرٍ تتوافرُ الهِمَم على نقلِه يُوجبُ
التوقفَ فيه حتَّى يُوَفَق عليه .
وليس هذا كالمنفردِ بشهادةِ الهلالِ ؛ لأن الأبصارَ تختلفُ في الحدَّةِ ،
بخلاف الخبرِ الذي يستوي أهلُ المجلس في علْمِه .
،

٢٤٠
حديث : ٧١٤ - ٧١٥
کتاب الأذان
ويُؤْخذ منه - أيضًا - : أن المنفرد بزيادة على الثقات يُتوقفُ في قبول زيادته
حتى يُتَابَع عليها ، لا سيما إن كان مجلس سماعهم واحدًا .
وقد اختلف العلماءُ فيما إذا أخبرَ المأمومون الإمامَ ، فهل يرجع إلى قولِهم
أم لا ؟
وهذا على قسمين :
أحدُهما : أن يتيقنَ صوابَ نفسِهِ ، فلا يرجعُ إلى قولِ من خالفَه ولو كثروا.
ءِ
وحُكي لأصحابِنا وجهٌ آخرُ بالرجوعِ . وقيل : إنه لا يصح .
والثاني : أن يشكَّ، ثم يخبرُه المأمومون بسهوِه بقول أو إشارةٍ أو تسبيحٍ أو
غيرِ ذلك ، ففيه أقوالٌ :
أحدُها : أنه يلزمُه الرجوعُ إلى قولٍ واحدٍ فما زاد ؛ لأنه خبر دينيٌّ فيُقْبل فيه
خبرُ واحدٍ ثقةٍ ، كوقتِ الصلاةِ وطهارةِ الماءِ ونجاستِه ، وهو قول أبي حنيفةً.
ولأصحابنا وجهٌ مثلُه في الزيادةِ .
والثاني : إن أخبره اثنانِ فصاعدًا لزمَه الرجوعُ إلى قولِهما ، وإن أخبره واحدٌ
لم يرجع إليه ، وهذا روايةٌ عن مالك ، والمشهورُ عن أحمد .
واحتجَّ: بأن النبيَّ بِّهِ لم يكتفِ بخبر ذي اليدينِ حتى وافقَه غيرُه.
والثالثُ : أنه يستحبُّ له الرجوعُ إلى قول الاثنين ، ولا يجبُ ، بل له أن
يبنيَ على يقين نفسِهِ، أو(١) يتحرَّى ، وله أن يرجعَ إلى قولِهما ، وهو أفضلُ ،
وهو روايةٌ عن أحمدَ .
والرابع : أنَّا إن قلنا : إنّ الشاكَّ يبني على اليقينِ ، فلا يرجعُ إلى قول
واحد . وإن قلنا : يتحرَّى ويعملُ بما يغلب على ظنِّه رجعَ إلى قولِ
المأمومين ، هذا قول ابن عقيلٍ من أصحابنا .
(١) في الأصل: ((لو)).