النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ ٤٦ - بَابُ أهل العلم والفضل أحق بالإمامة کتاب الأذان الحديث الثاني : ٦٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً، [عَنْ أَبِيه ]، عْنَ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿لَ قَالَ في مَرَضِهِ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرِ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ)) . قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ : إِنَّأَا بَكْرِ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلَّبِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَقْصَةَ : قُولِي : إِنَّأَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْر فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». فَقَالَتْ حَقْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لْأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًاً. والمراد من هذا الحديث في هذا الباب: أمرُ النبيِّ وَّ أبا بكرٍ بالصَّلاةِ بالناسِ في مرضه ، وأنَّه روجع في ذلك فزجَرَ من راجعه ، وكرَّر الأمر بذلك . الحديث الثالث : ٦٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَلِك الأَنْصَارِيُّ - وَكَانَ تَبَعَ النَّبِّ ◌َ﴿ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ -، أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي وَجَعِ النِّّ ◌َ الَّذِي تُوُقِّيَ فِيهِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلاَةِ، فَكَشَفَ النَِّيُّمَ سِتْرَ الحُجْرَةِ، يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤْيَّةِ النَِّّ ◌ِ، فَتَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَتَّ، وَظَنَّ أَنَّالنَِّّ ◌ِ﴾َ خَارِجٌ إِلَى الصَّلاَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَِّيَُّ: أَنْ (أَنِمُوا صَلاَتَكُمْ)، وَأَرْخَى السِّرَ، فَتُوُقِّيَ مِنْ يَوْمِهِ ◌ِّ . في هذا الحديث أنَّ أبا بكر استمرَّ على إقامَتَه(١) في الصلاة إلى أنْ توفيَ رسولُ اللَّهِ وَّه وأنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ كَشَفَ السِّْرَ، ونظرَ إليه وهو يؤمُ الناسَ في صلاة (١) كذا، والأشبه: ((إمامته)). ١٢٢ حديث : ٦٧٩ - ٦٨١ كتاب الأذان الصبح يومَ الاثنينِ، وهي آخرُ صلاةٍ أدركها النبيُّ وَِّ في حياته ، فظنَّ أبو بكر أنه خارجٌ إلى الصلاة، فأخذَ في التأخرِ إلى صفِّ المأمومين؛ ليتقدمَ النبيُّ وَاهـ فيؤمّ الناسَ ، فأشارَ إليهم النبيُّ ◌َِّ، أن أَّموا صلاتكم، وأرْخَى السِّتْر. وهذا فيه أمرٌ لأبي بكر بأن يستمرَّ علَى إِمامته في آخرِ صلاةٍ أدركها وهو ـيٌّ . وظاهر هذا الحديث : يدلُّ على أنَّه لم يخرجْ إلى المسجدِ ولم يصلٌّ مع الجماعة تلكَ الصَّلاة ، لا إمامًا ولا مأمومًا . ٠ وقد قالَ كثيرٌ من السَّلْفِ: إنَّه خرج وصلَّى خلفَ أبي بكرٍ في الصفِّ تلكَ الصلاة . وقد سبق حديث أنس، أن آخرَ صلاة صلاَّها رسول اللَّهِ وَّهِ في ثوب متوشحًا خلفَ أبي بكر . وقد جمعَ البيهقيُّ (١) وغيره بين ذلكَ وبين حديث أنس هذا ، بأنه أرخى السترَ ودخلَ ، ثم وجد خفَّةً فخرج فصلَّى خلْفَ أبي بكرِ الركْعَة الثّانية ، وقضى الركعة التي فاتته . وقد صحَّ هذا المعنى عن عبيد بن عميرٍ - أيضًا(٢). وروي صريحًا - أيضًا - من حديث عائشة وأمِّ سلمة وأبي سعيد . خرجه ابنُ سعد في ((طبقاته))(٣) عن الواقدي . الحديث الرابع : ٦٨١ - حَدَّثْنَا أَبُو مَعْمَرَ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: ثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، (١) (٨٣/٣). (٢) ابن سعد (٢/ ٢/ ١٧) والشافعي (١١٢/١). (٣) (٢ / ٢ / ٢٢) . - ١٢٣ ٤٦ - بَابُ أهل العلم والفضل أحق بالإمامة کتاب الأذان قَالَ : لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ ◌َِّ ثَلاَثًا، فَأَقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللّهِ بَّهُ بِالحِجَابِ، فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ◌َ مَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَِّيِّ ◌ِ﴿ِ حِينَ وَضَحَ لَنَا، فَأَوْمَا النِّيُّ ◌َّ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَِّيُّ ◌َِّ الحِجَابَ، فَلَمَّ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ . وهذا الحديث قريب من حديث الزهري عن أنس الذي قبله ، وفيه : التصريحُ بِإِيماءِ النَّبِيِّ وَّهِ إِلى أَبِي بَكْرِ أنْ يتقدم ويؤمَّ الناسَ ، ولكنَّه يوهمُ أن أبا بكرٍ لم يكنْ قد دخَلَ في الصَّلاة ، وحديث الزهريِّ فيه أنَّه كان قد دخلَ في الصلاة . الحديث الخامس : ٦٨٢ - حَدَثْنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّتِي يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْد اللَّه، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ : لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُول اللَّه ◌َ وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلاةِ. قَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْر رَجُلٌ رَقِيقٌ ، إذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ . قَالَ: ((مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ) ، فَعَاوَدَتْهُ، فَقَالَ : ٠ ((مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ، فإِنَّكُنَّ صَوَاَحبُ يُوسُفَُ) . تَابَعَهُ: الزُّدِيُّ وَابْنُ أَخِ الزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْمَى الكَلِيّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ عُقّيْلٌ وَمَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َُّ - مرسلاً(١). قد ذكر البخاريُّ الاختلافَ على الزهريِّ في إسناده ، وأنَّه روي عنه متصلاً ومرسلاً . فخرجه من طريق ابن وهب ، عن يونسَ ، عن الزهري ، عن حمزة بن (١) كلمة: ((مرسلاً)) ليست في اليونينية)). (٢) في الأصل: ((وذكرنا)). ١٢٤ حديث : ٦٨٢ كتاب الأذان ءِ عبد الله بن عمر، عن أبيه - متَّصلاً -، وذكر(١) أنَّه تابعه على وصله الزبيدي وابنُ أَخِي الزهريِّ وإسحاق الكلبيّ ، وأرسلَه عن الزهريّ ، عن حمزة - من غير ذِكْرِ ابن عمَرَ - : عقيل(٢) ومعمر . وقد اختلفَ عن معمر : وخرَّجه مسلمٌ (٣) من حديث معمر، عن الزهريِّ، عن حمزةَ ، عن عائشة. واختلفَ فيه على عُقيل - أيضًا - : فروي عنه ، عن الزهريِّ ، عن حمزة - مرسلاً . وروي عنه ، عن الزهريِّ ، عن حمزة ، عن عائشة . وكذا قال يونسُ بن أبي إسحاقَ ، عن الزهري . وكلاهما مَحفوظٌ عنه - : ذكر ذلك الدَّارقطنيُّ في موضع من ((علله)). وذكر في موضعٍ آخر منها : أنه رواه عقيلٌ ، عن الزهري ، عن حمزة ، عن أبيه . قال : وهو الصَّوابُ . قلتُ : ورواه ابنُ المبارك ، عن يونسَ ومعمر ، عن الزهري ، عن حمزةَ - مرسلاً . (١) في الأصل: ((وذكرنا)). (٢) في الأصل: ((وَعقيل)). كذا زاد الواو فوقها فتحة . (٣) (٢٢/٢) . : ١٢٥ ٤٧ - بَابُ من قام إلى جنب الإمام لعلة كتاب الأذان ٤٧ - بَابُ مَنْ قَامَ إِلَى جَنّبِ الإِمَامِ لِعِلَةِ ٦٨٣ - حَدَثْنَا زَكَرِيًّا بْنُ يَحْيَى: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ: ثَنَا (١) هِشَامٌ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَبَا بَكْرِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ. قَالَ عُرْوَةُ : فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرِ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّه ◌ِ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنَّبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَالنَّاس يصلون بصلاة أبي بكر . المتصلُ من هذا الحديث: هو أمر النبيِّ وَّ أبا بكر أن يصلِّي بالناسِ في مرضه ، فكان يصلّي بهم ، وما بعده مِدْرجٌ من قولٍ عروة ، كما خرجه البخاريّ هاهنا . وكذا خرّجه مسلمٌ (٢) عن جماعة ، كلهم عن ابن نمير ، به . وكذا روى هذا الكلام الآخر مالكٌ في ((موطئه)) (٣) عن هشام ، عن أبيه - مرسلاً . وقد وصله بعضُ الرواةِ بحديث عائشة(٤)، فمن وصَلَه بحديث عائشة فقد أدْرجه . (١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)). (٢) (٢٣/٢ - ٢٤) . (٣) (ص ١٠٤) . (٤) أخرجه ابن ماجه (١٢٣٣). ١٢٦ حديث : ٦٨٣ کتاب الأذان ولكنْ قد روي هذا المعنى متصلاً من وجوه أُخر ، كلَّها لا تخلو عن علة ، وقد سبقَ ذكرها والإشارةُ إلى تعليلها . ومرادُ البخاريِّ بهذا الباب: أنَّ أبا بكر صلَّى مؤتمَّا بِالنَّبِيِّ بَّهِ، وهو قائمٌ إلى جانبه بإِشَارَةِ النبيِّ نَّهِ إِلَيْهِ في ذلك، ولم يتركْهُ يتأخر إلى الصفِّ ، وكان ذلك لعلَّةِ، وهي أنَّ النبيَّ وََّ كانَ يصلّي بالناسِ جالسًا، والناسُ قيامٌ وراءهُ ، فكانَ قيامُ أبي بكرٍ إلى جانبِهِ، لِإِسْمَاعِ النَّاسِ تكبِيرَ النبيِّ ◌َّهِ ، ورؤيةِ الناس له؛ ليتمكنوا من كمالِ الاقتداءِ بالنبيِّ وَّر حيث لم يمكنه القيامُ، ولولا هذه العلَّةُ لكانتِ السنَّة لأبي بكرٍ أن يقومَ في الصف وراءَ النبيِّ ◌َِّ . وقد ذكر هذا المعنى طائفةٌ من الشَّافعية . ونقله الوليد بن مسلم عن مالك ، أنه أجاز للمريضِ أن يصلِّيَ بالناس جالسًا وهم قيامٌ . قال : وأحبُّ إلي أن يقومَ إلى جنبه من يعلِمُ الناسَ بصلاتِهِ . وهي روايةٌ غريبة عن مالك ، ومذهبه عند أصحابه : أنه لا يجوز ائتمامُ القائمِ بالجالسِ . وهذا كلَّه على قولٍ من قالَ : إنَّ أبا بكرٍ كان مأمومًا، فأمَّا من قال : هو الإمامُ فلا إشكالَ عنده في قيام أبي بكرٍ إلى جانبِ النَّبِيِّ ◌َِّ، وإنما أشكلَ عنده جلوسُ النبيِّ نَّهِ إِلَى جنبِ أبي بكرٍ، وقد يُجَابُ عنه بأنه يحتملُ أن يكونَ ذلك لضيق الصَّفِّ . واللهُ أعلم . ١٢٧ ٤٨ - بَابُ من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام کتاب الأذان ٤٨ - بَابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّالنَّاسَ فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ فَأَخَّرَ الآخَرُ أَوْلَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلاَتُهُ فِيهِ: عَائِشَةُ، عَنِ النَِّّ ◌َ﴾ . حديثُ عائشة ، سبقت الإشارةُ إليه فيما مضى ، وقد خرجه البخاريُّ بتمامه فيما بعدُ من حديث عبيد اللَّه بن عبد الله ، عن عائشة. ٦٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأَقِيمَ . قَالَ: نَعَمْ ، فَصَلَّى أَبُو بَكْر، فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَالنَّاسُ فِي الصَّلاَةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفَِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ، فَرَأَىَ رَسُولَ اللَّهِهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ لِ أَن امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفَهِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : ((يَا أَبَا بَكْرِ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْنُكَ؟)) فَقَالَ أَبُو بَكْر: مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ: ((مَا لي أَرَاكُمْ (١) أَكْثَرْتُمُ النَّصْفِيقَ؟ مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسِّحْ؛ فَإِنَّهُ إِذَا سَبِّحَ الثُّفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا النَّصْفِيقُ لِلنِّسَاء)). في هَذَا الحديث فوائدُ كثيرة : (١) في ((اليونينية)): ((رأيتكم)). ١٢٨ حديث : ٦٨٤ كتاب الأذان منها : أنَّ الإِمامَ يستحبُّ لَهُ الإصلاحُ بينَ طَائِفَتِينِ من المسلمينَ إِذَا وقعَ بينهمْ تشاجرٌ ، وله أنْ يذْهبَ إليهمْ إِلَى منازلهمْ لذلك . ومنها : أنَّ الإمامَ الراتب للمسجدِ إذا تأخرَ وعُلم أنه غائبٌ عن منزِلِهِ في مكانٍ فيه بُعْدٌ ، ولم يغلُب على الظنِّ حضورُه ، أو غلب ولكنَّه لا ينكِرُ ذلك ولا يكرهه ، فلأَهلِ المسجدِ أن يصلُّوا قبلَ حضوره في أولِ الوقت ، وكذا إذا ضاقَ الوقت . وأما إِنْ كانَ حاضرًا أو قريبًا، وكانَ الوقت متسعًا، فإنَّه ينتظر ، كما انتظروا النَّبِيَّ وَّهِ لما أخَّرَ صلاةَ العشاءِ حتى نامَ النِّساءُ والصبيانُ ، وقد سبق ذكره . ومنها : أنه إنما يؤمُّ الناس مع غيبة الإمامِ أفضلُ من يوجدُ من الحاضرينَ ، ولذلك دُعي أبو بكرٍ إلى الصَّلاة دونَ غيرِه من الصحابة . وهذا مما يستدلُّ به على أنَّ الصحابة كلهم كانوا معترفينَ بفضلِ أبي بكرٍ وتقدُّمه عليهمْ، وعلمهم أنَّه لا يقومُ مقامَ النبي ◌ِِّ مع غَيْبته غيره . وقد روي أنَّ النبيَّ بَّهِ أَمرَ في هذا اليومِ أبا بكرٍ أن يؤمّ الناسَ إذا لم يحضر. فخرج الإِمامُ أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ (١) هذا الحديث من طريق حماد بن زيد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وفيه: أنَّ النبيَّ وَلِّ قال: ((يا بلالُ، إن حضرتِ الصَّلاة ولم آتِ فمرْ أبا بكرٍ يصلِّي بالناس» . وخرجه الحاكم(٢) من طريق عُمر المقدَّمي ، عن أبي حازمٍ ، وفي حديثه : أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((يَا أبا بكر ، إنْ أقيمتِ الصَّلاة فتقدمَ فصلٌّ بالناس)) . قال : نعمْ . هذه الرواية، فإنَّما تقدَّم أبو بكرٍ بإذن النبيِّ وَِّ لَهُ في ذلك . (١) أحمد (٣٣٢/٥) وأبو داود (٩٤١) والنسائي (٢/ ٨٢). (٢) (٣/ ٧٧) . ٠٠٠. ١٢٩ ٤٨ - بَابُ من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام کتاب الأذان وفيه: دليلُ على أن أبا بكرٍ كان أحقَّ الناسِ بالإمامة في حياة النّبِيِّ بَلِ عند تخلُّفه عن الصلاةِ بالنَّاسِ في صحته ومرضه . وهذا يشكلُ على قولِ الإِمامِ أحمدَ : إنه إنَّما أمره في مرضه بالصلاة ؛ لأنَّه أرادَ استخلافَه على الأمة ، فإنَّ أمره بالصَّلاةِ في غَيْبته يدلُّ على أنه أحقُّ الناسِ بالإمامة ، وأنه أقرأُ الصَّحَابة ؛ فإنه يقرأ مَا يقرءونَ ، ويزيدُ عليهم باختصَاصِهِ بمزيدِ الفهمِ والفضلِ ، وما اختصَّ به من الخشوع في الصَّلاةِ وعدمِ الالتفاتِ فيها ، وكثرة البكاءِ عند قراءةِ القرآنِ . ومنها : أنَّ شقَّ الداخل في الصَّلاةِ الصفوفَ طُولاً حتَّى يقومَ في الصفِّ الأولِ ليسَ بمكروهِ ، ولعلَّه كانَ في الصَّفِّ الأول فرجةٌ ، وقد سبقَ ذكرُ هذه المسألةِ في ((أبوابِ: المرورِ بينَ يدي المصلِّي)). وقد قيلَ : إنَّ ذلك يختصُّ جوازه بمن تليقُ به الصَّلاة بالصَّفِّ الأول لفضله وعلمه ، وهو الذي ذكره ابن عبد البرِّ . والمنصوصُ عن أحمدَ : كراهته . قال الأثرمُ : قلت لأبي عبد اللَّه : يشقُّ الصفوفَ إذا قاموا إلى الصلاة على نحوِ حديث المِسْور بن مخرمة ؟ كأنَّه لم يعجبه ، ثم قالَ : اللهم إلا أنْ يضيقَ الموضعُ بِالنَّاسِ ، وتؤذيهم الشمسُ ، فإذا أقيمتْ شقَّ الصفوفَ ودخلَ ، ليس به التخطي ، إنما به ما أذاه الشمسُ . ومنها : أن الالتفاتَ في الصلاة لحاجةِ عرضت غير مكروهِ ، وإنما يكرهُ لغيرِ حاجة . ومنها : أنَّ الالتفاتَ وكثرةَ التصفيقِ لحاجةٍ غير مبطلٍ للصلاة ، وكذلك التأخرُ والمشيُ من صفٍّ إلى صفٍّ . ومنها : أن رفَع اليدينِ في الصلاة ، وحمدَ اللَّه تعالى عند نعمة تجددت غيرُ مبطل للصلاة . ١٣٠ حديث : ٦٨٤ کتاب الأذان وقد اختلف في ذلك : فقال عبيد اللَّه بن الحسنِ العنبري : هو حسنٌ . وقال الأوزاعيّ : يمضي في صلاته . وقال عطاء : ما جرى على لسانِ الرجلِ في الصلاةِ ما له أصلٌ في القرآنِ فليسَ بكلامٍ . وقال إسحاق : إن تَعَمَّدَه فهو كلامٌ ، يعيدُ الصلاة ، وإن سبقَ منه من غير تعمُّد فليس عليه إعادةٌ . وقال - مرة - : إن تعمدَ فأحبُّ إلى أن يعيدَ ، فلا يتبينُ لي - : نقلَه عنْه حرب . وعن أحمد ، أنه يعيدُ الصلاةَ بذلك . وروي عنه ما يدلُّ على أنه لا تعادُ الصلاة منه ، وقد سبقَ ذلك مستوفّى في ((باب: ما يقولُ إذا سمع المؤذن)). ومنها : أنَّ أمرَ الإكْرامِ لا تكونُ مخالفته معصيةٌ ، ولهذا قالَ أبو بكر : ((ما كان لابنِ أبي قحافةِ أنْ يصلّي بينَ يدي رسولُ اللَّهِ وَ))، ولم يكنْ(١) ذلك عليْه. وهذا مما استدلَّ به من قال: إن أبا بكرٍ لم يؤمّ النبيّ وَِّ قط ، لا في صحته ولا في مرضِهِ . ومنها - وهو الذي قصده البخاريّ بتبويبه هاهنا - : أنَّ من أحرم بالصلاةِ إمامًا في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ ، ثم حضر إمامُهُ الراتبُ ، فهلْ له أن يؤخِّرَ الذي أحرمَ بالناسِ إمامًا ويصيرَ مأمومًا ، ويصيرَ الإمامَ الإمامُ الراتب ، أم لا بل ذلك من خصائصِ النَِّّ وَِّ؛ لأنه إمامُ الناسِ على كلِّ حالٍ، وقد نهى اللَّه عن التقدمِ بينَ يديه ، ولهذا قالَ أبو بكرِ : ((ما كان لابن أبي قحافة أنْ يصلِّيَ بَيْنَ يديْ (١) الأشبه (ينكر)). ١٣١ ٤٨ - بَابُ من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام كتاب الأذان رسولِ اللهِ وَّهِ)) ؟ في ذلك قولان : أحدهما: أنه لا يجوزُ ذلك، بل هوَ من خصائصِ النبيِّ وَِّ. وحكاهُ ابن عبد البرِّ إجماعًا من العلماء ، وحكاه بعض أصحابنا عن أكثر العلماء . والثاني: أنه يجوز ذلكَ ، وتبويبُ البخاريّ يدلُّ عليه ، وهو قولُ الشافعيّ ، وأحدُ الوجهين لأصحابنا ، وقولُ ابن القاسم من المالكية . واستُدلَّ بهذا الحديث على أنَّ الإمام إذا سبقه الحَدَثُ جازَ له أن يستخلفَ بعضَ المأمومينَ ؛ لأنَّه إذا جازَتِ الصلاة بإمامينِ مع إمكانِ إتمامها بالإمامِ الأوَّل فمع عدَمِ إمكانِ ذلك لبطلانٍ صلاة الأولِ أولى . وفي الحديث - أيضًا - : أن الرَّجلَ إذا نابه شيء في صلاته ، فإنه يسبّح ، ولو صفَّقَ لم تبطلْ صلاته ، ولكنَّه يكون مكروهًا . وأما قوله : ((إنما التصفيحُ(١) للنساءِ))، فاختلفوا في معناه : فحمله مالكٌ وأصحابه على أنَّ المراد : أنَّ التصفيحَ من أفعال النساءِ ، فيكون إخباراً عن عيبه وذمِّه، وأنَّه لا ينبغي أنْ يفعلَه أحدٌ في الصَّلاة ، رجلاً كان أو أمرأةً . وحملوا قوله : ((من نابه شيءٌ في صلاته فليسبِّح)) على أنَّه عام ، يدخلُ في عمومه الرجالُ والنساءُ ، إخبار منه بمشروعيته للنساء في الصَّلاة . وقد روى هذا الحديث حمادُ بن زيد ، عن أبي حازم ، عن سهل ، وقال في حديثه : ((إذا نابكم شيءٌ في الصَّلاة فليسبح الرِّجال، وليصفح النِّساءُ)). خرجه النسائيُّ وغيره (٢). وهذا صريحٌ في ذلك ، وسيأتي الكلامُ على ذلِكَ مستوفّى في موضعه من (١) كذا بالأصل، وفي رواية الباب: ((التصفيق)) بالقاف، وكلاهما بمعنّى. (٢) هو قطعة من حديث تقدم قريبًا . ١٣٢ حديث : ٦٨٤ كتاب الأذان الكتاب - إن شاءَ اللَّه تعالى - ؛ فإنَّ البخاريَّ خرجَ التسبيحَ للرجالِ والتصفيقَ للنساءِ من حديث أبي هريرة(١) وسهل بن سعدٍ(٢)، عن النبيِّ وَِّ. وقد روي معنى حديث سهل من حديث أبي هريرة بسياقٍ غريبٍ . خرجه الترمذيُّ في كتاب ((العلل))(٣): حدثنا الحسن بن الصباح : ثنا شبابة ، عن المغيرة بن مسلم ، عن محمد بن عَمْرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال: ذَهَب رسولُ اللَّهِ بَّهِ فِي حاجةٍ، فأقامَ بلالٌ الصلاة ، فتقدمَ أبو بكر ، فجاءَ النبيُّ نَّهِ وأبو بكر في الصَّلاة، فأرادُوا أن يردُّوا وصفقُوا، فمنعهم(٤) رسولُ اللهِ وَ له، وصلَّى رسولُ اللّهِ وَلِّ خلفَه، فلما انفتلَ قالَ: ((التسبيحَ و للرجال، والتصفيقُ للنساء)) . وقالَ : سألتُ عنه محمد بنَ إسماعيل - يعني : البخاريَّ - فلم يعرفْه ، وجعلَ يستحسنه ، وقال : المشهورُ : عن أبي حازمٍ ، عن سهلٍ . انتهى . وهذا يخالف ما في حديث سهلٍ، من أنَّ أبا بكر تأخَّر وتقدمَّ النبيُّ وَلِّ . فصلَّى بالناسِ ، والصحيحُ : حديث سهلٍ . والله سبحانه وتعالى أعلم . دـ (١) (١٢٠٣) . (٢) (١٢٠٤) . (٣) (ص ٧٩) . (٤) في ((العلل)): ((أن يؤذنوه ... فسمعهم ... )). ١٣٣ ٤٩ - بَابُ إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم کتاب الأذان ٤٩ - بَابٌ إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَلَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ ٦٨٥ - حَدَّثْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، قَالَ: قَدِمِنَا عَلَى النَّبِّ ◌َ﴿ وَنَحْنُ شَبَةٌ، فَلَبْنَا عِنْدَهُ نَحْوَاَ مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَكَانَ النَِّيُّ ◌ََّ رَحِيمًا، فَقَالَ: (لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلاَدِكُمْ، فَعَلَّمْتُمُوُهُمْ، مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُوا صَلاَةَ كَذَا فِي حِينٍ كَذَا، وَصَلَةَ كَذَا فِي حِينٍ كَذَا، فَإِذَا(١) حَضَرَتِ الصَّلاةُ ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلَيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) . هذا الحديثِ خرجه مسلم (١) - بمعناه - من حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وزادَ فيه : قال الحذاء : وكانا متقاربيْنٍ في القراءةِ . وخرجه أبو داود(٢)، وزاد فيه : وكنّا يومئذ متقاربينٍ في العلمِ . ورواه حمادُ بن سلمة ، عن أيوبَ ، عن أبي قلابةٍ ، عن مالكٍ بن الحويرثِ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((يؤمّ القومَ أكبرُهُمْ سِنّا)). ذكره أبو بكر الأثرمُ ، وقال : غَلِط حمادٌ في لفظه، وَإِنَّمَا رَوَاه بالمعنى . وفي ((صحيح مسلم)(٤) من حديثِ أوسٍ بن ضَمْعَج ، عن أبي مسعودٍ ، عن النبيِّ وََّ، قال: ((يؤمّ القومَ اقرؤهمْ لكتابِ اللَّه، وأقدمُهم قراءةً ، فإنْ كانتْ قراءتهم سواءً فليؤْمِّهم أقدمُهم هجرةً ، فإنْ كانوا في الهجرة سواءً فليؤمهم أكبرهمْ سنًّا» . (١) في ((اليونينية)): ((وإذا)). (٢) (٢/ ١٣٤) . (٣) (٥٨٩) . (٤) (٢/ ١٣٣) . ١٣٤ حديث : ٦٨٥ کتاب الأذان وَفي ألفاظِ هذا الحديثِ اختلافٌ ، وقد توقف فيه أبو حاتم الرازي (١)، وحكى عن شعبة ، أنَّه كان يهابهُ ؛ لتفردِ إسماعيل بن رجاء به عن أوْسٍ ، فقال: إنما رَوَاه الحسنُ بن يزيد الأصمُّ، عن السّدّيّ ، وهو شيخٌ ، وأخافُ أن لا يكونَ محفوظًا - يعني : حديث السُّدِّي(٢). وهذه الأحاديثُ كلُّها تدلُّ على التقديمِ بالسنِّ عند التساوي في القراءَةِ وغيرها من الفضائل ، وقد أخذ بذلك أكثر العلماء . قال عطاءٌ والثوريُّ وأبو حنيفةَ : إذا استووا في القراءةِ والفقهِ فأسنُّهم . وقال مالك : للسنِّ حق . ولكن اختلفوا : هل تُقَدَّم الهجرةُ والنسبُ على السنِّ ، أم لا ؟ وفيه اختلاف بين أصحابنا وغيرهم من الفقهاء . وقولُ إسحاقَ : إنه يُقدم بالهجرة ، وبعدها بالسنِّ . وقيل : إِنه ظاهرُ كلام أحمدَ - أيضًا . ومما يُفَرَّع على التقديم بالسن، أنَّه : هل يكرهُ أن يؤمَّ الرجلُ أباه إِذَا كانَ أقرأ منه وأفقهَ ؟ فمن العلماءِ من كرهه ، منهمْ : عطاءٌ ، وحكي عن أبي حنيفة ، وروايةٌ عن أحمد ، والمشهورُ الذي نقلَه عنه أكثر أصحابه : أَنَّه لا يكْرَهُ إذا كانَ أقرأَ منْه ، وهوَ قولُ الثَّوري . وروي عن أبي أُسيد الأنصاريّ - وهو من الصحابة - ، أنَّه كان يأتمُّ بابنه ، وكذلكَ عمرو بن سلمة الجرميّ كان يؤمُّ الحيَّ وفيهم أبوه ، وقد قَدِمِ أبو بكرٍ الصديقُ مكَّةَ في خلافته فأمَّهم وفيهم أبو قحافة . (١) ((العلل)) (٢٤٨). (٢) وراجع ((أطراف الغرائب والأفراد)) (ق ٢٨٢ - أ). . ١٣٥ ٥٠ - بَابُ إذا زار قومًا فأمهم کتاب الأذان ٥٠ _ بَابُ إِذَا زَارَ [ الإِمَامُ ] قَوْمًا فَأَمَّهُمْ ٦٨٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدِ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَِّيعِ، قَالَ: سَمِعْتُ عِثْبَنَ بْنَ مَالِكِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ : أَسْتَأْذَنَ عَلَيَّ النَّبِيُّ:﴿ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَقَالَ: ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟)) فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَقْنَا خَلْقَهَ، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمْنَا . قد سبق هذا الحديثُ مطوَّلاً ومختصرًا في ((أبوابِ المساجدِ)). وإنما مقصودُه منه هاهنا : أنه يجوزُ للزائر أن يؤمّ في منزل من زاره بإذنه . وقد اختلفَ في كراهة ذلك : فكرهه طائفةٌ ، منهم : إسحاق ، واستدلَّ بما روى بُدَّيْل بن ميسرة ، عن أبي عطيةَ مولى لهم، عن مالك بن الحويرث، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه وَهُ يقولُ : ((من زارَ قومًا فلا يؤمَّهم ، وليؤمَّهم رجلٌ منهم)) . خرجه أبو داود والترمذيّ. وخرجه النسائي بمعناه ، وحسنه الترمذيّ (١). وقد عملَ بهذا الحديثِ مالكُ بن الحويرثِ ، ولم يتقدم في منزلِ غيره مع أمرِهم له بالتقدم ، واستدلَّ بما رواه . وأبو عطية هذا ، قال ابنُ المدينيّ : لا نعرفه . روى إسحاقُ بن يحيى بن طلحة ، عن المسيب بن رافع ومعبد بن خالد ، عن عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ - وكان أميرًا على الكونَةِ - ، فقال : أتينا قيسَ بن سعد بن عبادة في بيته ، فأُذِّنَ بالصلاة ، فقلنا لقيسٍ : قمْ فصلِّ لنا ، فقال : لم أكنْ لأصلِّيَ بقومٍ لست عليهم بأميرٍ ، فقال رجلٌ ليس بدونه - يقال له : عبدُ اللَّه - (١) أبو داود (٥٩٦) والترمذي (٣٥٦) والنسائي (٢/ ٨٠). ١٣٦ ١ حديث : ٦٨٦ كتاب الأذان ابن حنظلةَ الغسيلِ -: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: «الرَّجلَ أحقُّ أن يؤمَّ في رحله)). خرجه الجوزجانيّ . وخرجه الطبرانيّ والبزارُ (١)، وعنده: ((في بيته))، وزاد: ((فأمرَ مولَّى له فتقدَّم فصلّى) . وخرجه البيهقيُّ - أيضًا (٢) - بمعناه. وإسحاق هذا ، ضعيف جدًا . وقد روي هذا المعنى من وجوه متعددة فيها ضعف . وروى أبو نضرة ، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد ، قال : بنيتُ على أهْلِي وأنا مملوكٌ، فدعوتُ أناسًا من أصحابِ رسولِ اللَّهِ وَلّر، فيهم: عبد الله بن مسعود وأبو ذر وحذيفة ، فحضرت الصلاةُ ، فقلت : يتقدمُ بعضكمْ . فقالوا : لا ، تقدمْ أنتَ أحق ، فقدموني . خرجه وكيعٌ وابن أبي شيبة (٣) وغيرهما . واستدل به أحمد وغيره على إمامة العبد . وروى أبو إسحاقَ ، عن علقمة - قال: ولمْ أسمعْه منه - ، أنَّ ابن مسعودٍ أتى أَبَا موسى في منزله ، فحضرتِ الصَّلاةُ ، فقال أبو موسى : تقدَّمْ يا أبا عبد الرحمن ؛ فإنَّك أقدمنا سنًّا وأعلم . قال: بل تقدمْ أنتَ ؛ فإنَّما أتيناكَ في منزلكَ ومسجدِك ، فأنت أحقُّ ، فتقدمَ أبو موسى(٤) . وقال أشعثُ ، عن الحسن : صاحبُ البيت أحقُّ بالإمامة . (١) الطبراني في ((الأوسط)) (٩١٣) والبزار (٤٧٠ - كشف) . (٢) (١٢٦/٣) . (٣) (٢/ ٣٠) . (٤) عبد الرزاق (٣٩٢/٢) بمعناه . : ١٣٧ ٥٠ - بَابُ إذا زار قومًا فأمهم کتاب الأذان ورخص آخرون في إمامة الزائر بإذنِ ربِّ البيتِ ، وهو قول مالك وأحمد . وهذا القولُ هو الذي بوبَ عليه البخاريُّ هاهنا ، ولكنه لم يشترطِ الإذنَ . وقد وافقه ابنُ عقيلِ من أصحابِنَا ، وقالَ : إنَّما يكونُ ربُّ البَيْتِ وإمام المسجدِ أولى ممَّن سواه لا ممَّن هو أقرأ منه أو أفقه . وظاهر هذا: أنَّه يقدَّم الأقرأُ والأفقهُ مطلقًا، على إمامِ المسجِدِ وربِّ البيتِ، بإذنه وغيره . وقد روي عن حميد بنِ عبدِ الرحمن ما يدلُّ على ذلك - أيضًا - ، وسيأتي فيما بعد - إن شاء اللهُ تعالى . وأكثرُ العلماءِ على أنَّه إنما يقدمُ على ربِّ البيت وإمامِ المسجد بإذنه ، وإنما يعتبر الإِذِنُ في حقٍّ غير النبيّ ◌َِّ. وقد ذكر أبو بكر الأثرم في كتابه ((الناسخ والمنسوخ)) أنَّ النبيَّ ◌َّ كان يصلِي بالقومِ إذا زارهم من غير استئذان ؛ لأنَّه كان إمامَ الناسِ كلِّهم حيث ما كان ، وليسَ هذا لغيره . قال : والنهيُ عن إمامَةِ الزائرِ يحملُ في حقِّ أمته على إِمامتهم بغير إذنهم . ٠٠٠٠ وفي ((صحيح مسلم)) (١) عن أبي مسعودٍ، عن النبيِّ وَّهِ، قال: ((لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تَكْرمَتَه إلا بإِذْنه)). قال الإمامُ أحمدُ : أرجو أنْ يكونَ الاستثناءُ على كله ، وأما التكرمةُ فلا بأسَ به إذا أُذن . يعني : أنَّ الاستثناءَ يعودُ إلى الجلوسِ على التكرمةِ قطعًا من غير شك ، ويُرْجى عوده إلى الإمامة في سلطانِه - أيضاً - ، فيكونَ مرخَّصًا فيها بإذنه . (١) (١٣٣/٢) وكذا أحمد (١٨٨/٤ - ١٢١) وأبو داود (٥٨٢) (٥٨٤) والترمذيّ (٢٣٥) وابن ماجه (٩٨٠) والنسائي (٧٦/٢ - ٧٧) وابن خزيمة (١٥١٦). بـ ١٣٨ حديث : ٦٨٦ كتاب الأذان وفسّرَ سفيانُ وأحمد السلطانَ في هذا الحديث بِدَارِه . ونقل حرب عن أحمد ، قال : إذا كانَ الرجلُ في قريته وداره فهو في سلطانه ، لا ينبغي لأحدٍ أن يتقدمه إلا بإذنه . وفي رواية لمسلمٍ (١) في حديث أبي مسعود، عن النبي ◌َّ: ((ولا يؤمّنْ الرجل في أهْله ولا في سُلطانه)) . وعلى هذه الرواية ، فالمرادُ بأهله : بيتُه ، وبسلطَانِه : ما يتصرفُ فيه بأمْرِهِ ونهیه ، کأمیر البلد . وخرجه أبو داود (٢)، ولفظه: ((ولا يؤُمنَّ الرجلَ في بيته، ولا في سلطانه)). ولو اجتمعَ السلطانُ العامُّ والسلطان الخاصُّ ، مثل أنْ يجتمعَ في بيت رجلٍ ربُّ البيت وسلطانُ المصر ، أو في مسجدٍ إمامُ المسجد والسلطانُ ، فهل يقدمُ السلطانُ عليهما ، أَمْ يقدمانِ عليه ، أم يقدمُ على إمام المسجد دونَ صاحبٍ البيت ؛ لأنَّ إمامَ المسجدِ إنما يقدم بتقديم السلطانِ له غالبًا ؟ فيه ثلاثة أوجه لأصحابنا . وظاهرُ ما تقدَّم عن قيس بن سعد يقتضي أنَّ ربَّ البيتِ أولى من السلطان وإمام المسجد ، کربِّ البيت فيما ذكرنا . وروى الشافعي(٣): أنا عبد المجيد ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني نافعٌ ، قال : أقيمتِ الصَّلاةُ في مسجدٍ بطائفة المدينة ، ولابنِ عمر قريبٌ من ذلك المسجدِ أرضٌ يعملها ، وإِمام ذلك المسجد موْلىّ له ، ومسكن ذلك المولى وأصحابه ثَمَّ ، فلما سمعَهم عبدُ اللَّه جاء ليشهدَ معهم الصلاةَ ، فقالَ له المولى صاحبُ المسجد : تقدم فصلِّ . فقال عبد اللَّه : أنتَ أحقُّ أن تصلِّي في مسجدك (١) (٢ / ١٣٣) . (٢) (٨٥٢) . (٣) (١٠٨/١). ١٣٩ ٥٠ - بَابُ إذا زار قومًا فأمهم کتاب الأذان مني ، فصلَّى المولى . قلت : لعل هذا المولى كان عتيقًا لابنِ عمرَ ، وأمَّا لو كان رقيقًا له ففي كونه أوْلى بالإِمامة نظرٌ . وقد قال أصحابُنَا : السيدُ في منزلِ عبده أوْلى منه بالإِمَامة ؛ لأنه يملكه ويملكُ منزلَه . وهذا قد يُبنى على أنَّ العبدَ : هل يملكُ ماله ، أمْ هو ملكٌ للسيد ؟ وفيه خلاف مشهورٌ . والله أعلم . وروى أبو قيس ، عن هُزَيْل بن شرحبيل ، قال : جاءَ ابن مسعودٍ إلى مسجدنا ، فأقيمت الصَّلاة ، فقلنا له : تقدَّمْ . فقال: يتقدَّمُ إمامُكم . فقلنا : إنَّ إمامَه ليسَ هاهنا . قالَ : يتقدمُ رجلٌ منكمْ . خرجه البيهقيّ (١) . وهذا مما يشهدُ له ما تقدم عن أحمد ، أنَّ الرجل إذا كان في قريته فهو في سلطانه ، فلا يتقدم عليه . وروى حربٌ بإسناده ، عن الحسنِ ، أنَّه دخلَ مسجدًا ، فقال له إمامه : تقدمْ يا أبا سعيد ، قال : الإِمام أحقُّ بالإِمامة . وروي عن حميد بن عبد الرحمن ، أنه تقدَّم في بعض البوادي على إمامهم بغير إذن، وكره إماَمة الأعرابيّ ، وسيأتي فيما بعدُ - إن شاء اللَّه تعالى . - (١) (١٢٦/٣) . ١٤٠ ٥١ - بَابُ إنما جعل الإمام ليؤتم به كتاب الأذان ٥١ - بَابُ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَصَلَّى النَِّيُّ ◌َّ فِي مَرَضِهِالَّذِيِ تُوقِّيَ فِيهِبِالنَّاسِ وَهُوَ جَالِسٌ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ، ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ . وَقَالَ الحَسَنُ - فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَيْنِ وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ -: يَسْجُدُ للرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ سَجْدَتَيْنٍ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا. وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسَجَدُ. المقصودُ بهذا الباب : أنَّ الإمام يُتَّبع في جميع أفعاله ، وإن فات من متابعته شيْءٌ، فإنَّه يقضيه المأمومُ ثمَّ يتبعه ، وإنما يتمُّ هذا بأن يصلُّوا وراءَه جلوسًا إذا صلى جالسًا . وهذا المعنى هو الذي قال النبيُّنَّهِ لأجله: ((إنما جُعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به))، والبخاريُّ يدعي نَسْخَه، كما ذكرهُ في آَخِرِ البَابِ ، فَعلَى قولِه يفوتُ كمالُ المتابعةِ والائْتِمامِ به . وما علَّقه من صلاةِ النَّبِيِّ وَلَّ جالسًا في مرضه قد خرجه في الباب بإسناده . وأما ما حكاه عن ابن مسعودٍ ، فمضمونه : أنَّ من رفعَ رأسَه قبل الإمامِ فإنَّه يعودُ إلى الركوع والسجودِ الّذي رفع منه ، فیمکث بقدرِ ما رفع قبله لیتمَّ متابعته، ويكون ركوعه وسجوده بقدرِ ركوعٍ الإمام وسجوده . وهكذا قالَ عمرُ بن الخطابِ ، قال : إذا رفع أحدكم رأسَه من ركعته أو سجّدته قبلَ الإِمام ، فليعدْ حتَّى يرى أنَّه قد أدْرك ما فاتَه . 1