النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٢٩ - بَابُ وجوب صلاة الجماعة
کتاب الأذان
وهذا مما يحسنُ الاستدلالُ به على قتلِ تاركِ الصلاةِ ؛ فإنَّه إذا جازت عقوبةُ
تارك الجماعةِ في ماله وإن تعدَّت إلى نَفْسِهِ بالهلاكِ ، فقتلُ من تركَ الصَّلاة
بالكلية أولَى بالجوازِ ، فلا جَرَمَ كانَ قتله واجبًا عند جمهورِ العلماءِ .
وفي الحديثِ : دليلٌ على أنه إنما يعاقب تاركُ الصَّلاةِ أو بعضٍ واجباتها في
حال إخلاله بها، لا بعدَ ذلكَ؛ فإنَّ النَّبِيَّ وَّ إنما أرادَ عقوبتهم في حالِ
التخلف ، وقد كان يمكنه أن يؤخرَ العقوبةَ حتَّى يصلِّي وتنقضي صلاته .
وهذا يعضدُ قولَ من قالَ من الفقهاء من أصحابِنا وغيرهم : إنَّ تاركَ الصَّلاة
لا يقتل حتى يُدْعى إلى الصلاة ، ويصر على تركها حتى يضيقَ وقت الأخرى ،
ليكون قتله على الترك المتلبس به في الحال .
وفي الحديث - أيضًا - : أن الإمام له أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت
لمصلحة دينية ، ولكنه يستخلفُ من يصلّي بالناس في أوَّل الوقت ؛ لئلاً تفوتهم
فضيلةُ أوَّلَ الوقتِ .
وفيه - أيضًا - : أن إنكار المنكر فرضُ كفاية، وأنه إذا قام(١) اكتفى بذلكَ ،
ولا يلزمُ جميعَ الناسِ الاجتماعُ عليهِ ؛ فإنه لو كانَ كذلكَ لأخذ النبي ◌َِّ معه
جميعَ الناسِ .
(١) كأن سقطًا وقع، تقديره: ((به بعض الناس)).

٢٢
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
كتاب الأذان
٣٠ - بَابُ
فَضْلِ [ صَلاةِ] الجَمَاعَةِ
وَكَانَ الأَسْوَدُ إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَى مَسْجِد آخَرَ .
وَجَاءَ أَنَسٌ إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، وَصَلَّى جَمَاعَةً .
هاهنا مسألتان :
إحداهما :
أنَّ من فاتته الجماعة في مسجد لم يجد فيه جماعةً ، فإنه يذهبُ إلى مسجد
آخر لتحصيلِ الجماعةِ ، كما فعله الأسود .
وقال حمادُ بن زيد : كان ليث بن أبي سليم إذا فاتته الصلاة في مسجد حيِّه
اكترى حماراً ، فطاف عليه المساجدَ حتى يدركَ جماعةٌ .
ونصَّ الإمامُ أحمدُ على أن من فاتته الجماعة في مسجد حيِّه أنَّه يذهب إلى
مسجد آخر ليدركَ الجماعةَ . قال : وإن فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام في مسجد
حيِّه صلَّى معهم ، ولم يذهب إلى مسجدٍ آخر لإدراك تكبيرة الإحرامِ مع إمامِهِ .
وحكى عن هشيم ، أنَّه كان يذهبُ إلى مسجدٍ آخر لإدراكِ تكبيرة(١) الإحرام
مع الإِمامِ .
ومذهبُ مالك : أنَّ من وجد مسجدًا قد جمع أهلُهُ ، فإنْ طمع بإدراكِ
جماعةٍ في مسجدِ غيره خرج إليها ، وإنْ كانُوا جماعةً فلا بَأْسَ أنْ يخرجوا
فَيَجَمِّعُوا كراهةَ إعادةِ الجماعةِ عندهم في المسجد ، كما سيأتي .
واستثنوا من ذلك المسجد الحرامَ ومسجدَ النبيَّ ◌َِّ ومسجدَ بيتِ المقدسِ ،
فقالوا: يصلُّوا (٢) فيها أفذاذًا، هو أعظمُ لأجورهم من الجماعةِ خارجَ المسجدِ - :
(١) في الأصل: ((تحريمة)).
(٢) كذا .

٢٣
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
٢١٣,٤ رج ف
ذكر
٣٢٢٣٢
صلِّي
وابن
و
:
٣٢٢٣٢
رج ف
٢١٣٫٤
فلما انا
رسول
أصلي
٤١٥
أن يصلو
مـ
وعبـ
وقد
أحد
مكتبة المسجد النبوي
٢١٣٫٤
يؤذنُ ويقـ
للعلماء ،
ومذهـ
موا فيه .
ـذا المسألة في موضعين :
مسجدًا قد صلِّي فيه فصلَّى وحده أو جماعة : هل
ءُ الجماعة الأولى وإقامتهم ؟ فيه قولان مشهوران
مواضع من الكتاب .
حابه وسفيان وإسحاق ؛ أنه يجزئُهم الأذنُ والإقامةُ
(١) ((الأثرم)) سير وصحه، لحن هكذا يمكن أن تقرأ ..
(٢) عبد الرزاق (٥١٣/١) وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٠) والبيهقي (٤٠٧/١) (٧٠٣).
(٣) (١٦٤٥/٤). والزيادة استدركتها منه.
مكتبة المسجد النبوي
نة)» .
ا قدْ صلِّي فيه جماعة ، فإنه يصلى فيه جماعة مرة ثانية ،
الك، كما علَّقه عنه البخاريُّ، واحتجَّ به الإمامُ أحمد .
ـدِ أبي عثمان ، أنه رأى أنسَ بن مالك دخلَ مسجدًا قد
صلَّى بأصحابه .
من الثقاتِ ، عن الجعدِ ، وخرَّجه عبد الرزاق والأثرم(١)
) وغيرهم في ((تصانيفهم)) من طرق متعددة عن الجعد .
ن وجه آخر ؛ وأنَّه روى في ذلك حديثًا مرفوعًا ..
ـن طريق عباد بن منصور ، قال : رأيت أنس بن مالك
وقد صلى القوم ، ومعه نفرٌ من أصحابه ، فأمَّهم ،
يكره هَذَا؟ فقال : دخلَ رجلٌ المسجدَ ، وقد صلَّى
نقامَ قائمًا ينظر، فقال: ((مالك؟)) [ قال : أريد أن
لٌ يُصلي مع هذا؟)) فدخل رجلٌ، فأمرهم النبيُّ وَله
مكتبة المسجد النبوي
دخل ٥
٣٢٢٣٢
رج ف

٢٤
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
کتاب الأذان
الأولى، وهو نصُّ أحْمَدَ ، وقد جعَلَه صاحبَ ((المغني)) المذهبَ ، وهو كما
قالَ ؛ لكنْ أحمد لا يكره إعادةَ الأَذَانَ والإِقامة .
وروي عن طائفةَ من السَّلْفِ كراهة إِعادتهما ، منهم : عبدُ الرحمن بن
أبي ليلي وغيره ، وحكي - أيضًا - عن أبي يوسف ومحمد .
وعن الشعبي ، قال : إذا صلَّى في المسجدِ جماعة فإنَّ إقامتهم تجزئ عمَّن
صلَّى صلاة إلى الصلاة الأخرى .
وقال الزهري : يقيمُ ، ولم يذكر الأذان .
وعن قتادةَ ، قال : إن لم يسمعِ الإقامة أقام ، ثم صلَّى .
والموضعُ الثاني : إعادةُ الجماعةِ في مسجدٍ قد صَلَّى فيه إمامه الراتب .
واختلفَ العلماء في ذلك :
فمنهم : من كرهه ، وقال يصلُّون فيه وحدانًا ، روي ذلك عن سالم
وأبي قلابة ، وحكاه بعضُ العلماءِ عن سعيد بن المسيب والحسن والنخعي
والضحاك والقاسم بن محمد والزهري وغيرهم ، وهو قولُ الليث والأوزاعيِّ
والثوريِّ وأبي حنيفة ومالك، وحكاه الترمذيِّ في ((كتابه)) عن ابن المبارك
والشافعيِّ، وقد رواه الربيع عن الشافعيِّ، وأنَّه لم يفعله السلفُ ، بل قد عابَه
بعضهم .
وكان هذا القولُ هو المعمولُ به في زمن بني أمية ؛ حذرًا من أن يظن بمن
صلى جماعةً بعدَ جماعة المسجد الأولى أنَّه مخالفُ للسلطانِ مُفْتَنتٌ عليه(١)،
لا يرى الصلاة معه ، ولا مع منْ أقامه في إمامة المساجد .
وقد استدلَّ بعضهم لهذا بما روى معاوية بن يحيى ، عن خالد الحذاء ، عن
عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه، أن رسولَ اللَّهُ وَ ◌ّ أقبلَ من نواحي المدينة
يريدُ الصَّلاة ، فوجدَ الناسَ قد صلَّوا، فمالَ إلى منزله، فجمع أهله، فصلى بهم.
(١) أي : يفعل بدون أمره .

٢٥
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
كتاب الأذان
خرَّجه الطبراني(١).
ومعاوية بن يحيى ، لا يحتج به .
وذهبَ أكثرُ العلماء إلى جوازِ إعادة الجماعةِ في المساجد في الجملة كما فعلهُ
أنَسُ بن مالك ، منهم : عطاءٌ وقتادة ومكحول ، وهو قول إسحاق وأبي يوسفَ
ومحمد وداود .
واختلف فيه عن الحسنِ والنخعيِّ ، فروي عنهما كالقولين .
والمشهور(٢): أنه يكرهُ ذلك في مسجدي مكة والمدينةَ خاصَّةٌ ، ويجوزُ فيما
سواهما .
-
ومن متأخري أصحابه من ألحق بمسجدي مكة والمدينة المسجد الأقصى في
الكراهة .
وعن أحمدَ روايةٌ أخرى : لا يكرهُ بحالٍ .
ومن أصحابنا من كرهه في المساجد العظام التي يتولَّى السلطانُ عادةً ترتيبَ
أئمتها كالجوامع ونحوها ؛ لئلا يتطرقَ بذلكَ إِلى الافتئاتِ عليه ، ولم يكرهه في
المساجد التي يرتب أئمتها جيرانُها .
وحكي عن الشافعيِّ ، أنه يكرهُ إعادة الجماعة في مساجدِ الدروبِ ونحوها
دون مساجدِ الأسواقِ التي يكثرُ فيها تكرارُ الجماعات ، لكثرة استطراق الناس
إليها ؛ دفعًا للحاجة .
ومتى لم يكنْ للمسجدِ إمام راتب لم يكره إعادةُ الجماعة فيه عندَ أحد من
العلماء ، ما خلا الليث بن سعد ، فإنه كره الإعادةَ فيه - أيضًا .
واستدلَّ من لم يكره الإِعادةَ بحديث أبي سعيد الخدري ، قال : جاءَ رجلٌ
(١) في ((الأوسط)) (٤٨٠١).
(٢) الظاهر أنه سقط من هنا: ((عن أحمد))، بدلالة ما بعده .

٢٦
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
کتاب الأذان
وقد صلى رسول اللّه وَاخله، فقال: ((أيكم يتّجر على هذا؟)) فقام رجل، فصلى
معه .
خرَّجه الإمامُ أحمد وأبو داود والترمذيِّ - وهذا لفظه ، وقال : هذا حديث
حسن - وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحهما)) والحاكم(١)، وقال: صحيحُ
الإِسنادِ .
وقد قوََّه الإمامُ أحمد وأخذ به ، وهو مشكل على أصله ؛ فإنه يكرهُ إعادة
الجماعة في مسجد المدينة .
وقد اعتذر الإمام أحمد عنه من وجهين :
أحدهما: أنَّ رغبة الصحابة في الصلاة مع النبيِّ وَّ كانت متوفرةً، وإنما
كان يتخلفُ من له عذر ، وأما بعده فليس كذلك ، فكرهَ تفريقَ الجماعات في
المسجدين الفاضلين توقيرًاً للجماعة فيهما .
والثاني : أنَّ هذا يُغتفر فى الجماعة القليلة دون الكثيرة ، ولهذا لم يأمرِ النبي
وَله أكثر مَن واحدٍ بالصلاة معه .
وكذلك قال أحمدُ في الجماعة تفوتُهم الجمعةُ : إنهم إن كانوا ثلاثةً صلَّوا
جماعةً ، فإنْ كَثُروا فتوقفَ في صلاتِهم جماعةٌ ، وقال : لا أعرفه .
ومأخذُهُ في ذلك : أنَّ في إظهار صلاةِ الظهرِ يومَ الجمعةِ في المساجد افتئاتًا
على الأئمة ، ويتستر به أهل البدع إلى ترك الجمعة ، وصلاة الظهر في المساجد
كسائرِ الأيامِ .
وقد كره طائفةٌ من السَّلف لمن فاتته الجمعة أن يصلوا جماعة ، منهم :
الحسن وأبو قلابة ، وهو قول أبي حنيفة .
(١) أحمد (٤٥/٣ - ٨٥) وأبو داود (٥٧٤) والترمذي (٢٢٠) وابن خزيمة (١٦٣٢) وابن حبان
(٩٨) (٩٩) (٢٣٩٧) والحاكم (٢٠٩/١).

٢٧
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
كتاب الأذان
ورويت الرخصة فيه عن ابن مسعود وإياس بن معاوية ، وهو قول الشافعي
وأحمد وإسحاق .
وعن أحمد رواية : أنه يكره صلاة الظهر جماعةً إذا كثروا ، ولا يكره إذا
قلُّوا . وقد ذكرناها آنفًا .
ومن أصحابنا من كره الجماعة في مكان الجمعة خاصة .
واختلف فيه عن الثوريِّ ومالك .
وروي عن حذيفة وزيد بن ثابت ، أن من فاتته الجمعة لا يصلي الظهر في
المسجد بالكلية حياءً من الناس .
قال حذيفة : لا خير فيمن لا حياء فيه .
وقال زيد : من لا يستحي من الناس لا يستحي من اللَّه .
وقد روي في حديث أنس الموقوف الذي علقه البخاريُّ زيادة : أنه أمرَ بعض
أصحابه فأذَّن وصلى ركعتين، ثم أَمَرَه فأقامَ، ثم تقدَّمَ أنسُ فصلَّى بهم .
خرجه عبد الرزاق(١) عن جعفر بن سليمان ، عن الجعدِ ، عن أنس .
وخرجه الجوزجاني من رواية ابن عليَّة ، عن الجعد ، قال : كُنَّا في مسجد
بني رفاعةَ، فجاء أنسُ بن مالك ومعه نفرٌ ، وقد صلَّيْنَا صلاةَ الصَّبح ، فقالَ :
أصليتم؟ قال : نعمْ ، فأذَّنَ رجل من القوم ، ثم صلَّوا ركعتين ، ثم أقامَ ، ثم
تقدمَ أنسٌ فصلَّى بهمْ .
1
وهذا يدلُّ على أَنَّ مِن دَخَلَ مسجدًا قد صلِّي فيه والوقت باقٍ ، فإنَّه يجوزُ له
أن يتطوَّع قبلَ صلاةٍ المكتوبةِ ، ويصلِّي السننَ الرواتبَ قبلَ الفرائض ، وهو قول
.... ] (٢) وأبو حنيفة ومالك والشافعيّ.
الأکثرین ، منهم : [ ..
وقالت طائفة : يبدأ بالمكتوبة ، منهم : ابن عمرَ - : رواه مالكٌ وأيوب
وابن جريج ، عن نافعٍ ، عنه .
(١) (٢/ ٢٩١) .
(٢) بياض .

٢٨
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
كتاب الأذان
وكذا روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى والشعبيِّ والنخعيِّ وعطاء ، وهو
قولُ الثوريِّ والحسن بن حيِّ واللَّيثِ بن سعد .
وعن الحسن ، قال : ابدأ بالمكتوبة إلا ركْعتي الفجر .
وكذا قولُ الثوريَّ .
واختلفت الرواية عن أحمدَ في ذلك :
فنقلَ عنه ابن منصور وصالح وحنبل : يبدأُ بالمكتوبة ، واستدلَّ في رواية
ابنِ منصور وصالح بما روي عن ابن عمرَ .
ونقلَ عنه أبو القاسم البغوي ، في الرجل يخرجُ إلى المسجدِ فيجدهم قد
صلَّوا، ووجد رجلاً يتطوعُ : أيتطوع حتى يجيء الرجلُ ؟ قال : إن شاءَ تطوع .
ومن كرهَ ذلك جعلَ الدخولَ إلى المسجدِ لإرادة الصلاة المكتوبة كإقامة
الصَّلاة ، فلا يبدأُ قبلها بشيءٍ وإنما يشرعُ التطوع لمن ينتظرُ الإمامَ ؛ لأنه إذا لم
يخرج إلى الناس لمْ يمنعوا من التطوع .
ولو كانت الصلاة في غير مسجد فله أن يتطوعَ قبل المكتوبة - : قاله عطاءٌ
وغيره .
· وقياسُ هذا : أن الإمام إذا حضر المسجد ، فإنه يُكْره له أن يتطوعَ قبل
المكتوبة - أيضًا .
وقد ذكرنا فيما تقدم في ((باب : متى يقومُ الناسُ إذا رأوا الإمامَ)) الحديثَ
الذي خرجُه أبو داود(١)، أن النبيَّ وَّوَ كان حين تقام الصلاةُ في المسجد إذا رآهم
قليلاً جَلَس ثم صلَّى، وإذا رآهم جماعةً صلَّى .
وخرجه البيهقيَّ (٢)، ولفظه: كان النبيُّ وَ له يخرج بعد النداءِ إلى المسجد ،
فإذا رأى أهلَ المسجد قليلاً جلَسَ حتى يرى منهم جماعةً ثم يصلي .
(١) (٥٤٥) .
(٢) (٢/ ٢٠) .
1

٢٩
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
کتاب الأذان
وقد تقدمَ في ((باب: القيام للصلاة)) الحديثُ المرسلُ، أنَّ النبيِّ وَّ جاء
وبلالٌ في الإقامة فجلس .
خرج البخاري - رحمه الله - في هذا الباب ثلاثة أحاديث :
الحديث الأول :
٦٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالكٌ، عَنْ نَافع، عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَرَ ،
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صِّلََّةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ
دَرَجَةً)) .
الحديث الثاني :
, قال :
٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بِنْ يُوسُفَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بنِ خَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َل يقولُ: ((صَلاَةُ
الجَّمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَّةَ الفَذِّبِخَمْسٍ وَعِشِرِينَ دَرَجَةً» .
الحديث الثالث :
٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ: نَا عَبْدُ الوَاحد، قَالَ: ثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َ: ((صَلاَةُ
الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وفِي سُوقِهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ضِعْفًا،
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأْ فَأَحْسَنِ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَ الصَّلاةُ،
لَمْ يَخْطُ خُطُوَةً إِلَّ رُفِعَتْ(١) لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وُحُطَّ عَنْهُ بِهَا(٢) خَطِئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ
تَزَ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ
يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَةِ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ» .
(١) في (اليونينة)): ((رفعت)) وفي الأصل: ((رفع))، وسيأتي في الشرح على الصواب.
(٢) في ((اليونينة)): ((عنه بها)) وفي الأصل: ((بها عنه)»، وسيأتي في الشرح على الصواب.

٣٠
حديث : ٦٤٥ - ٦٤٧
کتاب الأذان
في حديثِ ابنِ عمرَ : أنَّ صلاةَ الجماعة تفضُلُ على صلاة الفَذِّ بسبعٍ
وعشرينَ درجةً ، وفي حديثِ أبي سعيدٍ : أنها تفضل عليها بخمسٍ وعشرين .
وقد جمعَ بعضُ النَّاسِ بينهما ، فقال : أُريدَ في حديث ابن عمر ذكرُ صلاة
الفذِّ وصلاةُ الجماعة (١)، وما بينهما من الفضلِ، وهو خمسٌ وعشرون ، فصار
ذلك سبعًا وعشرينَ ، وفي حديث أبي سعيدٍ ذكر قدْرَ الفضلِ بينهما فقطْ ، وهو
خمسٌ وعشرونَ .
وهذا بعيد ، فإن حديثَ ابنِ عمرَ ذكر فيه قدر التفاضلِ بين الصلاتينِ -
أيضًا - ، كما ذكر في حديث أبي سعيد .
وقد خرجه مسلمٌ (٢) من رواية عبيد اللَّه بن عمر ، عن نافعٍ ، عن ابن
عمر، عن النبيِّ بَّهِ، قالَ: ((صلاةُ الرَّجُلِ في الجماعَةِ تزيد على صلاته وحْدَه
سَبْعًا وعشرينَ درجة)) .
وأما حديثُ أبي هُرَيْرَةَ ففيهِ تضعَّف صلاةُ الجماعةِ على الصَّلاة في البيتِ
والسوق خمسةً وعشرينَ ضعفًا ، والمرادُ به - أيضًا - : قدْرُ التفاضلِ بينهما.
وسيأتي حديث أبي هريرةَ بلفظ آخر ، خرجه البخاريُّ في الباب الذي يأتي
بعد هذا ، وهو : «تفضل صلاة الجميع صلاةَ أحدكم وحده بخمسة وعشرين
جزءًا)) .
والمرادُ بهذه الأجزاء والأضعافِ والدَّرَجِ معنى واحد - والله أعلم - ، وهو :
أنَّ صلاةَ الفذّ لها ثوابٌ مقدر معلومٌ عند اللَّه ، تزيد صلاةُ الجماعة على ثواب
صلاة الفذِّ خمسةً وعشرين أو سبعةً وعشرين .
وقد جاء التصريحُ بهذا في حديث خرجه مسلم(٢) من رواية سلمان الأغر ،
عن أبي هريرة، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َلَهِ: ((صلاةُ الجماعة تعدلُ خمسًا
(١) في الأصل: ((الجمعة)).
(٢) (١٢٢/٢) .

٣١
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
كتاب الأذان
وعشرينَ من صلاة الفذّ» .
وخرج - أيضًا (١) - من وجه آخر، عن أبي هريرة، عن النبي وَلَّ، قال:
((صلاة [مع](٣) الإمام أفضلُ من خمس وعشرينَ صلاةً يصليها وحده)) .
وفي ((المسند))(٣) عن ابن عمر - مرفوعًا -: ((كلها مثل صلاته)) .
وقد اختلف الناس في الجمع بين حديث ابن عمر في ذكر السبع (٢) وعشرين
وبين حديث أبي سعيد وأبي هريرة في ذكر خمسٍ وعشرين .
فقالت طائفةٌ: ذكر النبيُّ بَّهَ في كلِّ وقتٍ ما أعلمهَ اللَّه وأوحاهُ إليه من
الفضلِ، فبلَّغه كما أوحي إليه ، وكان قد أوحى إليه أنَّ صلاة الجماعةِ تفضلُ على
صلاةِ الفذ بخمسٍ وعشرين، والعدد لا مفهومَ لهُ عندَ كثيرٍ من العلماءِ ، ثم أوحى
إليه زيادةً على ذلك ، كما أخبر : ((أنَّ من ماتَ له ثلاثةٌ من الولد لم تمسه النار))،
ثم سئل عن الاثنين، فقال: ((واثنان)) ثم سئل عن الواحدِ، فقال: ((والواحدُ))(٤)،
وكما أخبر ((أن صيامَ ثلاثَة أَيَّام من كلِّ شهر يعدلُ صيام الدهر)) (٥)، ثم أخبرَ عبدَ اللَّه
ابنَ عمرو بن العاص أنَّه إن صام يومًا من الشهرِ أو يومينٍ منه فله أجرُ ما بقي
منْهُ(٦)، ونطقَ الكتابُ بأن الحسنَةَ بعشْرِ أمْثَالِها ، ثم جاءتِ السُّنَّة بأنَّ الحسنَة
تضاعفُ إلى سبعمائةٍ ضِعْفٍ ، إلى أضعافٍ كثيرة ، ودلَّ القرآنُ عليه - أيضًا .
(١) (١٢٢/٢). والزيادة منه .
(٢) كذا .
(٣) (١٥٦/٢).
(٤) روى معناه من حديث ابن مسعود . أخرجه الترمذي (١٠٦١).
ومن حديث جابر : أخرجه أحمد (٣٠٦/٣) .
ومن حديث جابر بن سمرة . أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٢٤٨٩).
وأخرجه مسلم (٣٩/٨) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة. وليس فيه ذكر: ((الولد الواحد)).
(٥) روي من حديث عبد الله بن عمرو. أخرجه البخاري (١٩٧٩) ومسلم (١٦/٣).
ومن حديث أبي هريرة . أخرجه البخاري (١٩٨١).
(٦) أحمد (٢٢٤/٢) والنسائي (٢١٢/٤).
٠
--
١

٣١
حديث : ٦٤٥ - ٦٤٧
کتاب الأذان
وقالتْ طائفة : صلاةُ الجماعةِ يتفاوتُ ثوابها في نفسها ، ثم اختلفوا :
فمنهم من قال : يتفاوتُ ثوابها بإِكْمالِ الصلاةِ في نفسها ، وإقامةِ حُقُوقِها
وخشوعها ، ورجَّحه أبو موسى المديني .
ولكنَّ صلاة الفذٌّ يتفاوتُ ثوابُها - أيْضًا - على حسب ذلك .
ومنهمْ من قالَ : يتفاوتُ ثوابها بذلك ، وربما يقترنُ بصلاةِ الجماعةِ من
المشي إلى المسجد وبُعده وكثرة الجماعة فيه ، وكونه عتيقًا ، وكون المشي على
طهارةٍ ، والتبكير إلى المساجد ، والمسابقة إلى الصفِّ الأول عن يمينِ الإِمامِ أو
وراءه ، وإدراك تكبيرة الإحرامِ مع الإمامِ ، والتأمين معه ، وانتظار الصلاة بعد
الصلاة ، وغير ذلك .
وهذا قول أبي بكرٍ الأثرم وغيره ، وهو الأظهر .
ويدلُّ عليه: أنه وَّ ذكر في حديث أبي هريرةَ تعليلَ المضاعفة ، فقال :
((وذلك أنَّه إذا توضَّأَ فأحسنَ الوضوءَ ، ثم خرجَ إلى المسجد ، لا يخرجه إلا
الصلاةُ ، لم يخط خطوةً إلا رفعت له بها درجةٌ، وحطَّ عنه بها خطيئةٌ ، فإذا صلَّى
لم تزل الملائكة تصلِّي عليه ما دامَ في مصلاه : اللهمَّ صلِّ عليه ، اللهمَّ ارْحمه ،
ولا يزالُ أحَدُكُمْ في صلاة ما انتظر الصلاة)) .
وعلى هذا ؛ فقد تضاعف الصلاة في جماعة أكثر من ذلك .
إما بحسب شرفِ الزمانِ ، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة ويوم الجمعة .
وقد قال ابن عمر : أفضلُ الصلوات عند اللَّه صلاة الصبح يوم الجمعة .
وروي عنه مرفوعًا ، والموقوف هو الصحيح - : قاله الدارقطني .
وخرجه البزار(١) بإسناد ضعيفٍ ، عن أبي عبيدة بن الجراحِ مرفوعًا ، وزاد
فيه : ((ولا أحسبُ منْ شهدهَا مِنْكُمْ إلا مغفوراً له)) .
أو شرف المكان ، كالمسجد الحرامِ ومسجدِ المدينةِ والمسجد الأقصى ، كما
(١) (١٢٩٧) وابن عدي (٤/ ١٦٣٢).

٣٣
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
كتاب الأذان
صحَّ عن النبيِ بَّرَ أنه قال: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما
سواهُ من المساجد ، إلا المْسِجِدَ الحَرَامَ)(١).
وخرج ابن ماجه (٢) من رواية أبي الخطاب الدمشقي ، عن رُزَيْقِ الأَلْهَاني ،
عن أنس، عن النبيِّ نَّهَ، قال: ((صلاةُ الرجل في بيته بصلاة، وصلاتُه في
مسجد القبائلِ بخمسٍ وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه
بخمسمائة صلاة ، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاته
في مسجدي بخمسين ألفٍ صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)».
وقد سبق الكلام على إسناده في ((باب: الصلاة في مسجد السوق)). والله
أعلم .
وقد روي عن ابن عباسٍ من طريقينِ فيهما ضعف ، أنَّ مضاعفةَ الخمس
وعشرين درجة لأقلِ الجماعة - وهي اثنان ، وفي رواية عنه : ثلاثة - ، وما زاد
على ذلك إلى عشرة آلاف كانَ لكل واحدٍ من الدرجات بِعَدَدِ من صلَّى معهم .
وروى بإسناد فيه نظر ، عن كعب ، أنه قال لعمر بن الخطاب : إنه إذا صلَّى
اثنان كانت صلاتهما بخمسٍ وعشرين ، وإذا كانوا ثلاثةً فصلاتهم بخمسة
وسبعين ، وكانت ثلاثمائة ، فإذا كانوا خمسةً خُمِّست الثلاثمائة ، فكانت ألفًا
وخمسمائة ، فإذا كانوا ستة سُدِّستَ ألفًا وخمسمائة ، فكانت تسعةَ آلاف ، فإذا
كانوا مائةً فلو اجتمعَ الكتَّاب والحسَّاب ما أحصوا ماله من التضعيف . ثم قال
العمر: لو لم يكنْ مما أنزلَ اللَّه على محمدٍ وَلِّ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾
[القدر: ٣] ثلاثة وثمانين سنة لكنت مصدقًا. فقال عمر : صدقت .
خَرَّجه أبو موسى المديني في ((كتاب الوظائف)) بإسناده .
(١) أخرجه البخاري (١١٩٠) ومسلم (١٢٤/٤) وغيرهما من حديث أبي هريرة . وأخرجه أحمد
(١٦/٢ - ٢٩ - ٥٣ - ٥٤ - ٦٨ - ١٠٢) ومسلم (١٢٥/٤) من حديث ابن عمر ، وعند
أحمد زيادة : ((فإنه أفضل)).
(٢) (١٤١٣) .

a
٣٤
حديث : ٦٤٥ - ٦٤٧
کتاب الأذان
وخرج فيه أحاديث أُخرَ مرفوعة وموقوفة في هذا المعنى .
وروى - أيضًا - بإسناد جيد ، عن كعب ، قال : أجدُ في التوراة أنَّ صلاة
الجماعة تضاعف بعدد الرجال درجة ، إن كانوا مائةً فمائةً ، وإن كانوا ألفًا فألفَ
درجة .
وخرج الطبراني وغيره من رواية عبد الرحمن بن زياد ، عن قباث بن أشيم ،
عن النبيِّ وَّ، قال: ((صلاةُ الرّجلين يؤمُّ أحدهما [ صاحبَه أزْكى عند اللَّه من
صلاة أربعة تترى ، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهُم أزكى عند الله من صلاة ثمانية
تترى، وصلاة ثمانية يؤم أحدُهم](١) أزكى عند اللَّه من صلاة مائة تَتْرَى)).
وخرجه البزار - أيضًا - بمعناه .
وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاريُّ : ((صلاةُ الرجل في الجماعةِ
تُضَعَّفُ)، وهو يدلُّ على أن صلاة المرأة لا تضعف في الجماعة ؛ فإنَّ صلاتها
في بيتها خير لها وأفضل .
وروى بقية ، عن أبي عبد السلام ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعًا - :
((صلاةُ المرأة وحدها تفضلُ على صلاتها في الجمع خمسًا وعشرين درجة)) .
خرجه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان))(٢).
وهو غريب جداً ، وروايات بقية عن مشايخه المجهولين لا يعبأ بها .
وقد احتجَّ كثيرٌ من الفقهاء بأنَّ صلاةَ الجماعةِ غير واجبةٍ بهذه الأحاديثِ التي
فيها ذكر تفضيلٍ صلاة الجماعة على صلاة الفذُ، وقالوا : هي تدلُّ على أن صلاة
الفذ صحيحة مثابٌ عليها . قالوا : وليسَ المراد بذلك صلاة الفذ إذا كان له عذر
في ترك الجماعة ؛ لأن المعذور يكتب له ثواب عمله كله ، فعلمَ أنَّ المرادَ به
غير المعذور .
(١) زيادة من الطبراني في ((الكبير)) (٣٦/١٩). وكذا البزار (٤٦١ - كشف).
(٢) (٢/ ٥٨).

٣٥
٣٠ - بَابُ فضل الجماعة
کتاب الأذان
وهذا استدلالٌ لا يصحُّ ، وإنَّما استطالوا به على داود وأصحابه القائلين بأن
صلاة الفذِّ لغير عذرِ باطلة ، فأمَّا من قال : إنها صحيحة ، وأنَّه آثم بتركِ حضورِ
الجماعة ، فإنه لا يبطلُ قولُه بهذا ، بل هو قائلٌ بالأحاديثِ كلها ، جامعٌ بينها ،
غيرُ رادِّ لشيء منها .
ثم قولُهم : الحديث محمولٌ على غير المعذور ، قد يمنع .
وقولهم : إن المعذورَ يكتب له ما كان يعمل .
جوابه : أنَّ كتابة ما كان يعملُ لسبب آخر ، وهو عمله المتقدم الذي قطعه
عنه عذره ، فأما صلاة الفذ في نفسها فلا يزيد تضعيفها على ضعف واحد من
صلاة الجماعة ، سواءٌ كان معذوراً أو غير معذور ، ولهذا لو كان المصلي فذًا له
عذرٌ ، ولم يكنْ له عادةٌ بالصلاةِ في حالِ عدمِ العذر جماعة ، لم يكتب له سوى
صلاة واحدة .
ء
فإن قيلَ : يلزمُ من القولِ بوجوبِ الجماعةِ أنَّ تكونَ شرطًا للصلاة ، وأنْ
لا تصحَّ بدونها ، كما قلتم في واجبات الصَّلاةِ كالتَّسْبيح في الركوعِ والسجودِ ،
وأنَّه تبطُلُ بتركِهِ عمْدًا ؛ لكونه واجبًا ؛ ولأنَّ القاعدةَ : أنَّ ارتكاب النهي في
العبادة إذا كان لمعنّى مختص بها أنه يبطلها ، مثل الإِخْلال بالطَّهَارة والاستقبال ،
فكذلك الجماعة .
قيلَ : قد اعترفَ طائفةٌ من أصحابِنَا بأنَّ القِياسَ يقتضي كَوْنَ الجَمَاعَةِ شرطًا ؛
لما ذكر، لكنَّ الإمامَ أحمدَ أخذ بالنصوصِ كلها ، وهي دالّة على وجوبِ
الجمعِ ، وعلى أنَّها ليْسَتْ شَرْطًا ، فعلمَ بذلك أنه لا يرى أن كلَّ ارتكاب نهي
في العبادةِ يكونُ مبطلاً لها ، وسواءٌ كان لمعنَى مختصٌّ بها كالجماعَةِ ، أو لمعنّی
غيرٍ مُخْتَصِّ .
ولهذا ؛ تبطلُ الصلاةُ بكشفِ العورةِ ، وهو لمعنى غير مختص بالصلاة ،
وفي بطلانها في المكان المغضوبِ والثوبِ المغضوبِ والحريرِ عنه روايتان ، وقد

٣٦
حديث : ٦٤٥ - ٦٤٧
كتاب الأذان
يجبُ في العباداتِ ما لا تبطلُ بتركِهِ ، كواجباتِ الحجُ .
وما دلَّتْ عليه الأحاديثُ من القَوْلِ بوجوبِ الجماعةِ في الصلواتِ
المكتوباتِ ، وأَنَّها تصحُّ بدونِها دليلٌ واضحٌ على بُطْلاَنِ قولِ عن قالَ : إِنَّ النَّهي
يقتضي الفسادَ بكلِّ حالٍ ، أو أن ذلك يختصُّ بالعبادات ، أو أنه يختصُّ بما إذا
كان النهي لمعنى يختصُّ بالعبادة(١)؛ فإن هذا كله غير مطَّرد. والله سبحانه وتعالى
أعلم .
(١) في الأصل ((يختص العبادة).

٣٧
٣١ - بَابُ فضل صلاة الفجر في جماعة
كتاب الأذان
٣١ - بَابُ
فَضْلِ صَلاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةِ
فيه ثلاثة أحاديث :
الأول :
٦٤٨ - حَدَّثْنَا أَبُو الَيمَانِ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ
المُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ◌ِ
يقول: ((تَفْضُلُ صَلَةُ الجَمِيعِ صَلاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ،
وَتَجْتَمِعُ مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَةِ الفَجْرِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ :
﴿ إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: ٧٨] .
فَاقْرَءُوا إِنْ ششُمْ :
٦٤٩ - قَالَ شُعَيْبٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَفْضُلُهَا بِسَبْعِ
وَعِشْرِينَ دَرَجَةً .
قد سبقَ في البابِ الماضي أول حديث أبي هريرة هذا ، بلفظ آخر ، وبقيةُ
الحديث قد ذكرناه فيما تقدم في ((باب: فضل صلاة العصرِ))، وذكرنا قولَ من
قال : إن هذا الفضل - وهو اجتماع الملائكةِ في صلاة الفجر ، وفي الحديثِ
الآخرِ : وفي صلاة العصر - يختصُّ بالجماعاتِ ، كما أشارَ إليه البخاريُّ هاهنا ،
وهو الذي رجّحه ابن عبد البر وغيره .
ويشهد له : ما رواه أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) له : حدثنا هشام بن سعد :
ثنا صالح بن جبير الأزدي ، عن رجلٍ من أهل الشام ، قال : صلَّيت وراءَ معاذ
ابن جبل الصبحَ ، فلما انصرفَ قال : إن هذه الصلاةَ مقبولةٌ مشهودةٌ، يحْضُرُهَا
ملائكةُ اللَّيْلِ وملائكةُ النهار ، ويطَّلِعُ اللَّه فيها عَلَى عِبَادِه فيغفر لهم ، فارغَبُوا
فيها ، واشهدُوها ، واحضرُوها .
وحديث ابن عمر تقدم في الباب الماضي ، عنه مرفوعًا ، مع الكلام عليه .

٣٨
حديث : ٦٤٨ - ٦٥٠
کتاب الأذان
الحديث الثاني :
قال :
٦٥٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْص: ثَنَا أَبِي، قَالَ: ثَنَا الأَعْمَشُ ، قَالَ: سَمِعْتُ
سَالِمًا، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ ،
فَقْلَتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: وَللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ(١) مُحَمَّدٍ وَِّ شَيْئًا، إِلَّ أَنَّهُمْ
ورء
يُصَلُّونَ جَميعًا .
وليس في هذا الحديث ذكرٌ للجماعة في صلاة الفجرِ بخصوصها ، وإنما فيه
أنَّ الصلاةَ في الجماعة من أمرٍ محمد نَّهُ ودينه وشرعه ، فهو كقولِ ابن مسعودٍ:
إن اللَّه شرع لنبيه سننَ الهُدى، وإنَّهنَّ من سننِ الهُدى. وقد تقدَّم ذكره .
وفي رواية للإمام أحمد (٢) في هذا الحديث : ((إلا الصَّلاة)).
وهذا بخلافِ قول أنسٍ: ما أعرف شيئًا ممَّا كانَ على عهْدِ رسولِ الله وَلّ
.
قيلَ الصَّلاة ؟ قال : أليسَ قد صنعتمْ ما صنعتمْ فيها ؟ .
وقد خرَّجه البخاريُّ في موضع آخر(٣).
وخرجه - أيضًا - بلفظ آخر (٤)، وهو أنَّه قالَ - وهو يبكي - : لا أعرفُ شيئًا
مما أدركتُ إلا هذه الصلاةَ ، وهذه الصلاةُ قد ضيعت .
وأشارَ أنس إلى ما أحدثه بنو أمية من تضييع مواقيتِ الصَّلاة ، وكان
أبو الدَّرداء قد توفي قبل ذلك في زمن معاوية .
يبين هذا : ما خرجه الإمام أحمد(٥) من روايةٍ ثابت ، عن أنس ، قال : ما
أعرفُ فيكمُ اليومَ شيئًا كنتُ أعهدُه على عهد رسول اللَّهُ وَّ، ليسَ قولكم:
(١) في ((اليونينية)): ((من أمة محمد)) أو ((من أمر أمة محمد)).
(٢) (٦/ ٤٤٣) .
(٣) (٥٢٩) .
(٤) (٥٣٠) .
(٥) ((المسند)) (١٠٠/٣ - ١٠١) من حديث أبي عمران الجوني، عن أنس بمعناه.

٣٩
٣١ - بَابُ فضل صلاة الفجر في جماعة
کتاب الأذان
لا إله إلا اللَّه. قلت: يا أبا حمزةَ الصلاةَ؟ قال : قد صليتمْ حين تغربُ
الشمسُ، أفكانتْ تلكَ صلاة رسولِ الله وَلِّ؟
وفي رواية للإمامِ أحمدَ (١) من حديثِ عثمان بن سعدٍ ، عن أنسٍ ، قال :
أوليسَ قد علمتَ ما قد صنعَ الحجاجُ في الصلاة ؟!
وكانَ هذا الإنكار على الأمراء ، كما روى أبو إسحاق ، عن معاوية بن قرة ،
قال : دخلتُ أَنَا ونفرٌ معي على أنس بن مالك، فقال : ما أمراؤكم هؤلاء على
شيءٍ ممَّا كانَ عليه محمد وأَصْحابه ، إلا أنَّهم يزعمون أنَّهم يصلُّون ويصومونَ
رمضانَ .
الحديث الثالث :
٦٥١ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ
أبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ النَِّيُّ ◌َ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرَا فِي الصَّلاةِ
أَبْعَدُهُمْ فَبْعَدُهُمْ مَمْثَى، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حَتَّى يُصَلِيَّهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا
مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّيَامُ)) .
وهذا الحديث - أيضًا - إنما يدلُّ على فضل المشي إلى المسجدِ من المكانِ
البعيدِ ، وأنَّ الأجرَ يكثر ويعظمُ بحسبِ بُعدِ المكانِ عن المسجدِ ، وعلى فضلٍ
السبقِ إلى المسجدِ في أوَِّ الوقْتِ ، وانتظارِ الصَّلاةِ فيه مع الإِمَامِ .
وقد ذكرْنَا فيما سبقَ : أنَّ هَذَا كله مما تضاعف به الصَّلاةُ في الجماعةِ ،
وتزداد به على صلاة الفذّ فضلاً وأجراً عند اللَّه عزَّ وجل ، وليسَ يختصُّ ذلك
بصلاة الفجر دونَ غيرها من الصلوات .
(١) ((المسند)) (٢٠٨/٣)

٤٠
حديث : ٦٥٢ - ٦٥٤
كتاب الأذان
٣٢ - بَابُ
فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ
٦٥٢ - حَدَّثَنِي قُتَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ
السَّمَانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ
غُصْنَ شَوْكِ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ)) .
٦٥٣ - ثُمَّ قَالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسٌ: المَطْعُونُ، والمَبْطُونُ ، والغَريقُ ،
وَصَاحِبُ الهَدْمِ والشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّه). وَقَالَ: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ
والصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّلَمْ يَجِدُوا إِلَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا عَلَّيْهِ)) .
٦٥٤ - ((وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ
وَالصُّبْحِ لِأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوً)) .
إنَّما ساقَ الحديثَ بتمامه ؛ لأنَّه أولَى من اخْتصاره وتقطيعه ، وإنْ كان ذلكَ
جائزًا كما سبقَ ذِكْرُه، واقتدَى بمالك - رحمه الله - ؛ فإنه ساقَه بتمامه في ((كتاب
الصَّلاة)) من ((الموطإ)) هكذا(١).
والكلامُ على إزالَةِ الشَّوْكِ من الطريقِ ، وعلى عددِ الشهداء يأتي في
موضعهما - إنْ شاءَ اللَّهُ تعالىَ .
وأما ما يتعلقُ بالصلاة من الحديث ، فثلاثة أشياء :
أحدها : ذكرُ الاستهام على النداءِ والصفِّ الأوَّل، وقد سبقَ الكلامُ على
ذلك في ((الأذان)) ..
الثاني : الاستباقُ إلى التهجيرِ
(١) (ص ٦٥).