النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
٢١ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة ، وليأتها بالسكينة والوقار
كتاب الأذان
يقول ابن عمرَ ، وفي الجلوس(١) بقولِ ابن مسعود، وجَمَعَ بينهما. وابنُ مسعودٍ
مع قوله بهذا ، فإنه (٢) قد قال : ما أدركه فهو آخرُ صلاته ، كما سبقَ عنه .
وزعمَ صاحب ((المغني)) من أصحابنا أن ذلك كلُّه جائز .
ويشكل عليه : أن أحمد نصَّ في رواية مُهنَّا على أنَّه إذا تشهد عقب ركعتين
سجد للسهو .
وكلام ابن مسعودٍ يدلُّ على جوازِ الأمرين كما سبقَ عنه .
وقد تبين بهذا : أَنَّ أكثَرَ العلماءِ ليس لهم في هذه المسألة قولٌ مطَّرد .
ولا خلاف أنَّ التشهدَ الأخرَ في حق المسبوقِ هو الذي في آخرِ صلاته ،
الذي يسلّم عَقِيبه ، فأمَّا التشهدُ الأولُ ، فإن وقع عَقيب ركعتينِ من صلاةِ
المسبوقِ ، فإنه يتشهدُ فيه معَهُ .
واختلفوا : هل يتمَّ التشهدَ مع الإمامِ بالدعاءِ أمْ ينتهي إلى قوله : ((وأشهد أنْ
محمدًا عبدُه ورسولُه))، ثم يرددُه ؟ على قولين .
والثاني : قولُ الحسن وأحمد ، والأولُ : ظاهرُ كلام عطاء .
فإن كانَ تشهدُ الإمام في موضع وترِ من صلاةِ المأمومِ ، فإنّه يتابعه في
جلوسه بغير خلافٍ .
وهل يتشهَّدُ معه فيه ، أم لا ؟ على قولين :
أحدهما : يتشهدُ معه ، وهو قولُ الحسنِ وابن المسيبِ وعطاءٍ ونافعٍ
والزهريِّ والثوريِّ .
وأحمد ، قال : أحبُّ إليٍّ أن يتشهدَ .
والثاني : لا يتشهدُ ، وهو قولُ النَّخعيِّ ومكحول وعَمْرو بن دينار ، وحكاه
(١) في الأصل: ((وبالجلوس)).
(٢) في الأصل: ((قال)).
٥٨٢
حديث : ٦٣٦
كتاب الأذان
ابن المنذرِ عن الحسنِ - أيضًا .
وقال النخعيّ : يسبحُ - يعني : بدلَ التشهد .
وقال الأوزاعيَّ : يكتفي بالتسبيح .
وأكثر العلماءِ على أنه لا سجودَ عليه للسهوِ لزيادة هذا الجلوس متابعةً
للإمامِ ، وحُكي عن ابن عمر أنَّه كان يسجد كذلك للسهو . وعن أبي سعيد
الخدريُّ وعن عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ ، وهو قول الحسنِ .
ورُوي عن عطاءٍ ، عن أبي سعيد وابن عمر وأبي هريرة وابن عباسٍ وابن
الزبير ، أنهم كانوا يسجدونَ سجدتي السَّهوِ إذا أدركَ الإمام في وترِ (١).
قال الإمام أحمد : لم يسمعه عطاءٌ منهم ، بينه وبينهم رجلٌ .
يعني : أنَّ في الإسناد مجهولٌ .
والصحيحُ : قولُ الجمهورِ .
وفي ((صحيح مسلم)) (٢) عن المغيرة، أنه غزا مع النبيِّ وَّهِ تبوكًا، فَتَبَرَّزَ
رسول اللَّهِ فَ لَه وتوضأً، وصبَّ عليه المغيرةُ، ثم أقبلَ . قال المغيرة : وأقبلتُ
حتَّى نجد الناسَ قدَّموا عبد الرحمن بن عوف ، فصلَّى بهم ، فأدركَ رسولُ اللَّه
وَّهُ إحدَى الركعتينِ فصلَّى مع الناسِ الركعةَ الآخرة، فلما سلَّم عبدُ الرحمن بن
عوف قامَ رسولُ اللَّهِ وَ لَه يتمُّ صلاتَه، فلما قضى رسولُ اللَّهُ وَلّهِ صلاته أقبلَ
عليهم ، ثم قال: ((أحسنْتُمْ)) - أو ((أصَبْتُمْ)) - ، يغبطهم أن صلَّوا الصلاة لوقتها .
ولم يذكرِ المغيرةُ أن النبيَّ ◌ََّ سجد للسَّهْوِ.
وخرَّجه أبو داود (٣) من وَجْهِ آخرَ عن المُغيرةِ ، وفيه: فلما سلمَ قام النبيّ
وَ﴿ فصلَّى الركعة التي سُبْق بها ، ولم يزدْ عليها شيئًا .
ءِ
(١) انظر ((سنن أبي داود)) (١٥٢).
(٢) (٢٦/٢) .
(٣) (١٥٢).
٥٨٣
٢١ - بابُ لا یسعی إلى الصلاة ، وليأتها بالسكينة والوقار
کتاب الأذان
وخرَّجه البخاريُّ في ((القراءة خلف الإمام)) والطبراني والبيهقي (١) من وَجْهِ
آخرَ عن المغيرة ، وفيه : فصلينا ما أدْركنَا ، وقَضَيْنَا ما سبقنا .
وقد روى معمر : ليصلِّ ما أدرك ، وليقضِ ما سبق . قال معمر : ولم يذكر
سُجُودًا .
و ء
يعني : أنه لو كان عليه سجود في بعضِ الأحوال لما أخَّر بيانه ؛ لأنه وقتُ
حاجة . وكذلك استدلَّ به كثير من الأئمة بعده ، منهم الإمام أحمدُ والشافعيُّ .
وفي حديث المغيرةِ : أن المسبوق إنما يقومُ إذا سلَّم الإمام ، ولا يقوم حتى
يسلم إمامه التسليمتين معًا ، نصَّ عليه سفيان والشافعي وأحمدُ ؛ لأنَّ التسليمةَ
الثانيةَ مختلفٌ في وجوبها ، [فإذَا](٢) لم يأتِ بها الإمامُ لم يخرجْ من صلاته
بيقين .
قالت طائفةٌ : ويُستحبُّ أنْ لا يقومَ حتى ينحرفَ الإِمام ، لعله أن يذكر
سجود سهوٍ ، إلا أن يطول ذلك فيقوم ويَدَعَهُ ، وهذا قولُ عطاءِ والشعبي
وأحمدَ .
وكان ابن عمرَ إذا سلَّم الإمامُ يقضي ما سُبْق به ، وإِنْ لم يَقُمْ الإمامُ (٣).
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إنْ مَكَثَ المسبوقُ بعدَ سَلامٍ إِمامِهِ جَالسًا ، وطالَ
جُلُوسه ، فإنْ كانَ موضع تشهدِه(٤) الأولِ جازَ ، ولم تبطلْ صلاته؛ لأنه محسوبٌ
من صلاته ، لكنه يكره له تطويلُه ، وإن لم يكنْ في موضع تشهدِهِ لم يجز أن
يجلسَ بعد تسليمٍ إمامِه ؛ لأنَّ جلوسَه كان للمتابعة وقد زالَتْ ، فإنْ فَعَلَ عالمًا
بطلتْ صلاته ، وإن كان ساهيًا لم تبطل ، ويسجدُ للسهو.
(١) البخاري في ((القراءة)) (١٩٦) والطبراني (٤٢٦/٢٠ - ٤٢٧) والبيهقي (٢٩٥/٢ - ٢٩٦).
(٢) في الأصل : ((فيما)).
(٣) البيهقي (٢٩٦/٢).
(٤) فى الأصل: ((تشهد)).
٥٨٤
حديث : ٦٣٦
کتاب الأذان
ولو سُبق جماعةٌ ببعضِ الصلاةِ ، ثم قاموا بعد سلام الإمامِ ، فهل لهم أن
يُقُلُّوا جماعةً يؤمهم أحدُهم ؟ فيه قولان :
أحدهما : نَعَمْ ، وهو قولُ عطاء وابنِ سابط .
والثاني : لا ، وهو قولُ الحسنِ .
وعن أحمد فيه روايتان ، والشافعية وجهان .
ومأخذُهمَا : هل يجوزُ الانتقالُ من الائتمامِ إلى نية الإمامِ ؟
وأمَّا مأخذُ الحسنِ ، فالظاهرُ أنَّه كراهة إعادةِ الجماعةِ في مسجدٍ مرتين .
قال القاضي من أصحابنا والشافعية : ولو كان ذلكَ في الجمعة لم يجز ؛
لأن الجمعةَ لا تقام في مسجدٍ واحدٍ مرتين في يوم .
وقال أبو [علي] الحسن بن البناء(١): في هذا نظرٌ ؛ لأنَّ الجمعةَ تقامُ عندنا في
مواضعَ للحاجةِ ، وإنْ سَبَقَ بعضُها بعضًا .
(١) في الأصل: ((أبو الحسن بن البناء))، وهو الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي
الحنبلي ، ترجم له العليمي في ((المنهج الأحمد))، ونقل عنه هذه المسألة فقال: ((وذكر في
هذا الكتاب - يعني : ((شرح الخرقي)) - أن حكم اقتداء بعض المسبوقين ببعض فيما يقضونه
من صلاتهم لا فرق بين الجمعة وغيرها ، وأن الخلاف جارٍ في الجميع ، وهذا بخلاف
ما ذكره القاضي وأصحابه موافقةً للشافعي أن الجمعة لا يجوز ذلك فيها وجهًا واحدًا ؛ لأنها
لا تقام في موضع واحد في جماعتين ، قال ابن البناء : وفي هذا عندنا نظر ؛ لأنه يجوز
إقامتها مرتين - يعني: للحاجة)) انتهى من ((المنهج الأحمد)) (٢/ ١٤٠ - ١٤١).
٥٨٥
٢٢ - بَابُ متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة
كتاب الأذان
٢٢ - بَابٌ
مَتَّى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوُ الإِمَامَ عِنْدَ الإِقَامَةِ
٦٣٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيِى بْنُ
أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َ: ((إِذَا
أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي)) .
هذا رواه هشامٌ الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير مكاتبةً ، وقد رواه عن
يحيى غيرُ واحد : شيبان ، وحجاج الصواف ، وأيوب ، وأبان العطار ،
ومعمر ، وغيرهم .
وخرجه البخاري(١) من رواية شيبانَ، وخرجه مسلم(٢) من رواية حجاج
ومعمر .
وفي رواية له من رواية شيبان ومعمر : ((حتى تروني قد خرجتُ)) .
وقال أبو داود: لم يذكر: ((قد خرجت)) إلا معمرٌ .
وذكر البيهقيَّ : أنها قد رويت عن حجاج - أيضًا .
وخرجها ابن حبان في ((صحيحه))(٣) من رواية معمرٍ، ولفظه: ((حتى تروني
قد خرجتُ إلیکمْ)) .
وهذه اللفظة: يُستدلُّ بها على مراده بَّله برؤيته: أن يخرج من بيتهِ ، فيراه
من كان عند بابِ المسجد ، ليس المراد : يراه كل من كان في المسجد .
وهذا كقوله {وَلَه: ((لا تصُوموا حتى تروا الهلال))(٤)، ومعلومٌ أنه لو رآه
(١) (٦٣٨)
(٢) (٢/ ١٠١).
(٣) (٢٢٢٣) .
(٤) أخرجه البخاري (١٩٠٦) ومسلم (١٢٢/٣) وغيرهما من حديث ابن عمر .
٥٨٦
حديث : ٦٣٧
کتاب الأذان
واحدٌ أو اثنان لاكتفي برؤيتهما ، وصام الناس كلهم .
ويدلُّ على هذا : ما خرَّجه مسلم (١) من حديث الزهري ، قال : أخبرني
أبو سلمة ، سمع أبا هريرة يقول : أُقيمت الصلاة ، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن
يخرج إلينا رسول اللَّه وَّه، فأتى رسول اللّه بَ ل حتى إذا قام في مصلاه قبل أن
يكبر ذكرَ فانصرفَ - وذكر تمامَ الحديث .
ويحملُ ذلك على قيامهم قبل أن يطلع على أهلِ المسجد من المسجد ، لما
علموا خروجه من بيته وتحققوه .
وخرَّج - أيضًا - بهذا الإسناد ، عن أبي هريرة ، قال : إِنْ كانت الصلاة تقام
لرسول اللّهِ وَ له، فيأخذُ الناس مصافَّهم قبل أن يقومَ النبيِ وَلّ مقامه.
فهذه الروايةُ تصرحُ بأن الصفوف كانت تعدَّلَ قبل أن يبلغ النبيّ مَّه إلى
وِ
مصلاه ، ولكن كان قد خرج من بيته ، ورآه من كان بقرب بيته .
وقد ذكر الدارقطنيَّ وغير واحد من الحفاظ أن هذا الحديثَ اختصره الوليد
ابن مسلم من الحديث الذي قبله ، فأتي به بهذا اللفظ .
فإن قيل : فقد خرَّج مسلم(٢) من حديث جابر بن سمرة ، قال : كان بلالٌ
يؤذن إذا دَحضَتْ، فلا يقيمُ حتى يخرج النبي ◌َّ، فإذا خرج أقام الصلاة حين
يراه .
فلو اكتفي برؤية واحد للنبي وَّ لاكتفي برؤية بلال له ، واكتفي بإقامة بلال
في قيام الناسِ، فإنَّه كان لا يقيم حتَّى يَرَى النبي ◌ِّلَه قد خَرَجَ.
قيل : هذا إنَّما وردَ في صلاة الظهر بالمدينة خاصة ، وأما في غيرِها من
الصلوات ، فقد كان بلالٌ يجيء إلى النبيِ بَّهَ إلى بيته، فيؤُذِنُه(٣) بالصلاة،
(١) (٢ / ١٠١) .
(٢) (٢/ ١٠٢) .
(٣) في الأصل: ((فيؤذن)).
٥٨٧
٢٢ - بَابُ متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة
كتاب الأذان
فكان يفعل ذلك في صلاة الفجر ، كما في حديث عائشة وابن عباسٍ ، وكان
أحيانًا يفعله في السفر في غير الفجر ، كما روى أبو جحيفة ، أنَّه رأى بلالاً آذَنَ
النبيَّ وَّه بصلاة الظهر .
فالظاهرُ: أن بلالاً كان إذا آذَنَ النبيَّ بَّ بالصلاة رجع، فأقام قبل خروج
النبيِ بَّ من بيته، واكتفى بتأهُّبِهِ للخروجِ [بإيذانه](١) له، فوقع النهيُ في قيامِ
الناسِ إلى الصلاة قبل خروجه في مثل هذه الحالة . والله أعلم .
وقد اختلف العلماءُ في الوقت الذي يقومُ فيه الناسُ للصلاة :
فقال طائفة : يقومونَ إذا فرغ المؤذنُ من الإقامةِ ، سواء خرج الإمامُ أو لم
يخرج .
وحكى ذلك بعضُ الشافعية عن أبي حنيفة والشافعي .
ورجَّح بعض متأخري الشافعية أنهم لا يقومونَ حتى يروه ؛ لحديث
أبي قتادة .
وحكى ابن المنذرِ ، عن أبي حنيفة، أنَّه إِذَا لم يكنِ الإِمامُ معهم كُرِهَ أن
يقوموا في الصفِّ والإمام غائبٌ عنهم .
وممن روي عنه ، أنهم لا يقومون (٢) حتى يروا الإمام : عمر بن الخطاب ،
وعلي بن أبي طالب .
خرَّجْه وكيعٌ ، عنهما .
واختلفت الروايةُ عن أحمدَ في هذه المسألة :
فروى عن جماعة من أصحابه ، أنهم لا يقومون(٢) حتى يروه ؛ لحديث
أبي قتادة ، ولو علموا به ، مثل أن يكون الإمام هو المؤذنُ ، وقد أقامَ الصلاةَ
في المنارةِ وهو نازلٌ .
(١) كذا، ولعل الصواب: ((عن إذنه)).
(٢) في الأصل: ((لا يقوموا)).
٥٨٨
حديث : ٦٣٧
كتاب الأذان
وروى عنه الأثرم وغيره : أنهم يقومونَ قبل أن يْروه إذا أقيمت الصَّلاة ؛
لحديث أبي هريرة الذي خرَّجه مُسْلم .
وروى عنه المروذيَّ وغيره : أنه وسع العمل بالحديثينِ جميعًا ، فإن شاءوا
قاموا قَبْل أنْ يروْه ، وإن شاءوا لم يقوموا حتى يروه .
ورجح بعض أصحابنا الروايةَ الأولى ؛ لحديث أبي قتادةَ ، وادَّعى أنه ناسخٌ
لحديث أبي هريرة ؛ فإنه يدلُّ على أن فِعْلهم لذلك كان سابقًا ، ثم نُهي عنه .
وكذا ذكرَ البيهقيُّ (١)، لكن قال : إنَّما نُهي عنه تخفيفًا عليهم ، ورفقًا بهم ،
وهذا لا يمنعُ العملَ به كالصائمِ فِي السَّفْرِ ونحوه .
ورُوي عن أبي خالدِ الوالبي ، قال : خرج إلينا عليّ بن أبي طالبٍ ونحن
ءِ
قيامٌ ، فقال : مالي أراكم سَامِدِين - يعني : قيامًا(٢).
وسئل النخعي : أينتطرونَ الإمام قيامًا أو قُعودًا؟ قال : قعودًا .
وقال ابن بريدة في انتظارهم قيامًا : هو السُّمود .
وكذا روي عن النخعي ، أنه كرهه ، وقال : هو السّمُود .
وحكي مثلُه عن أبي حنيفةَ وإسحاق .
قال بعضُ أصحابنا : وروي عن أبي حنيفةَ وأصحابه ، والشافعي ، وداود ،
أنه إن كانَ الإمامُ خارجًا من المسجد فلا تقوموا حتى تروه ، وإن كانَ في المسجدِ
فهو كالمشاهد ؛ حملاً للرؤية في الحديثِ على العملِ ، وكذا قال ابن بطةَ من
أصحابنا .
وإن كان الإمامُ في المسجدِ ، فهو مَرِئِي للمصلين أو بعضهم ، لكن هل
(١) (٢٠/٢) .
(٢) ذكره البيهقي، وهو في ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٣٥٦/١).
وكذا الذي بعده .
٥٨٩
٢٢ - بَابُ متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة
کتاب الأذان
يكتفى برؤيته قاعداً، أو لا بدَّ من رؤيته قائمًا متهيئًا للصلاة ؟ هذا محلٌّ نظر .
والمنصوصُ عن أحمدَ ، أنه إذَا كان في المسجد فإنَّ المأمومينَ يقومونَ إذا
قال المؤذنُ : ((قد قامت الصلاة))، وإنْ لم يقمِ الإِمامُ .
والقيامُ للصلاةِ عند الإقامةِ متفقٌ على استحبابه للإِمامِ ، إذا كان حاضرًا في
المسجد ، وللمأمومينَ مَعَه .
واختلفوا في موضعِ القيامِ من الإقامةِ على أقوال :
أحدها: أنَّهم يقومونَ في ابْتِدَاء الإقامة ، روي عن كثيرٍ من التابعينَ ، منهم:
عمر بن عبد العزيز ، وحكاهُ ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ، وهو غريبٌ عن
أحمدَ .
والثاني : إذا قالَ: ((قد قامت الصَّلاة»، روي عن أنس بن مالك ،
والحسن بن عليٍّ ، وعطاءٍ ، والحسنِ ، وابن سيرين ، والنخعيِّ ، وهو قول ابن
المبارك ، وزُفَر ، وأحمد ، وإسحاق .
والثالث: إذا قالَ: ((حيَّ على الفلاحِ))، وحُكي عن أبي حنيفة ، ومحمد.
والرابع : إذا فرغت الإقامةُ ، وحُكي عن مالك ، والشافعي .
وحكى ابن المنذر عن مالك ، أنه لم يوقّتْ في ذلك شيئًا .
وقال الماوردي - من الشافعية - : إن كان شيخًا بطيءَ النَّهْضَةِ قامَ عند قولهِ :
((قد قامت الصلاةُ»، وإن كان سريعَ النهضة قام بعدَ الفراغ ؛ ليستووا قيامًا في
وقت واحد .
فإن تأخَّر قيامُ الإِمام عن فراغِ الإقامةِ لعذرٍ كما كانَ النبيُّ بَّ أحيانًا يناجي
بعضَ أصحابه طويلاً، فهل يتأخرُ قيام المأمومين إلى حين قيامه ؟ الأظهرُ : نعم.
ويدل عليه ما خرَّجه البخاري(١) - وسيأتي قريبا إن شاءَ اللَّه - ، عن أنس،
(١) (٦٤٢) .
٥٩٠
حديث : ٦٣٧
كتاب الأذان
قال: أقيمتِ الصَّلاة والنبي وَّ يناجي رَجُلاً في جانبِ المسجد ، فما قامَ إلى
الصلاة حتى نامَ القومُ .
ونومهم يدلُّ على أنَّهم كانوا جلوسًا ؛ إذْ لو كانوا قيامًا ينتظرونَ الصلاةَ كان
أبعدَ لنومهم .
وروى حجاج بن فروخ ، عن العوام بن حوشب ، عن ابن أبي أوفى ،
قَالَ: كَانَ بلالُ إذَا قالَ: قد قامتِ الصَّلاةُ، نهضَ النَّبِيُّ وَّةِ.
حجاج ، واسطي ، قال أحمدُ ويحيى : لا نعرفه . وقال يحيى - أيضًا - :
ليس بشيء . وقال أبو حاتم : مجهولٌ ، وضعفه النسائيُّ ، وقال الدارقطنيُّ :
متروكٌ .
وذكر هذا الحديثُ لأحمدَ فأنكره ، وقال : العوام لم يلق ابن أبي أوفى .
هذا في القيامِ المبتدإ للصلاة ممن كان جالسًا ، فأمَّا مَنْ دَخَل المسجدَ إمامًا
كان أو مأمومًا ، والمؤذنُ يقيم الصلاةَ، فهل يجلس ليبتدىءَ القيامَ ، إمَّا بعد
الفراغ أو عند قوله : ((قدْ قامتِ الصَّلاةُ»، أم يستمرُّ قائمًا؟ فيه قولان :
أحدهما : أنه يجلسُ ليقومَ إِلَى الصلاة في موضعِ القيامِ المشروعِ ، وكذلك
كان الإمام أحمد يفعل - : نقله عنه ابن منصور ، وقاله طائفة من الشافعية ،
منهم : أبو عاصمِ العباديّ .
وفيه حديث مرسلٌ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن النبي وَلّ جاءَ
وبلالُ في الإِقامَة ، فقعد .
خرجه الخلال .
والقول الثاني : أنه يستمرُّ قائمًا ولا يجلس - : قاله طائفة من الشافعية ،
منهم : البغوي وغيره ؛ لئلا يدخلَ في النهي عن القيامِ الصَّلاةِ قبلَ رؤية الإِمَامِ ؛
لأن النهي إنما يتناول القيام المبتدأ ، وهذا لم يبتدىء القيامَ ، بل استمرَّ عليه .
٥٩١
٢٢ - بَابُ متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة
کتاب الأذان
ويتخرج لأحمدَ مثلُ هذا ؛ لأنه فرَّقَ بين القيامِ المبتد! والمستمرِّ في القيامِ
للجنازة ، فحملَ النهي عن القيام المبتدإ لمن كان جالسًا ، فأمَّا من تبعها فإنه
يستمرُّ قائمًا، ولا يجلسُ حتَّى توضَع بالأرضِ ، ولم ير هذا القيامَ المستمر داخلاً
في القيامِ للجنازةِ المنهيِّ عنه ، وجمعَ بذلك بين الحديثين .
وقد يفرق بينهما : بأن في الجنازة حديثين مختلفينٍ ، فجمع بينهما بالتفريق
بين القيامِ المبتد! والمستمرِّ ، وأما في النهي عن القيامِ قبل رؤيةِ الإمامِ فليسَ فيه
حديثٌ يعارضه ، بل مرسلُ ابن أبي ليلى يوافقه ، فلذلك سوّى فيه بين القيام
المبتد! والمستمر . والله أعلم .
وأما إن خرجَ الإمامُ إلى المسجدِ ، ورآه المأمومونَ قبل إقامة الصلاة ، فلا
خلاف أنهم لا يقومونَ للصلاةِ برؤيته .
وخرَّج البيهقيُّ (١) من رواية عبد المجيدِ بنِ عبد العزيزِ بن أبي روّاد ، عن
ابن جريج: أخبرني موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، أن النبي ◌َّ كان
يخرجُ بعد النِّدَاءِ إلى المسجدِ ، فإذا رأى أهلَ المجلس (٢) قليلاً جلَس حتى يرى
منهم جماعةً ، ثم يصلي ، وكان إذا خَرَجَ فرأى جماعةٌ أقامَ الصلاةَ .
وقالَ: وحدثني موسى بن عقبة - أيضًا - ، عن نافع بن جبير، عن مسعود بن
الحكم الزرقي ، عن علي بن أبي طالب، عن النبيِّ وَِّ - مثل هذا الحديث.
وخرّجه أبو داود(٣) منْ رواية أبي عاصمٍ ، عن ابن جريجٍ بالإسنادین -
أيضًا - ، لكنْ لفظه: كان رسولُ اللَّهُ نَِِّّ حين تُقامُ الصلاة في المسجد إِذَا
رآهم قليلاً جلَس، ثم صلَّى، وإذا رآهم جماعة صلَّى .
وخرَّجه الإِسماعيليَّ في ((مسند علي)) من طريق أبي عاصم ، عن ابن جريج
(١) (٢ / ٢٠) .
(٢) في البيهقي ((المسجد)).
(٣) (٥٤٥) (٥٤٦) .
٥٩٢
حديث : ٦٣٧
كتاب الأذان
بالإسنادين - أيضًا -، ولفظُ حديثه: أنَّ النبيَّ وَجَلّ كان إذَا دخل المسجد فرأى
جماعةً أقامَ الصلاة ، وإن رآهم قليلاً جلَسَ .
وخرَّجه من طريق عبد المجيد - أيضًا - بنحو رواية البيهقيِّ ، وفي آخره :
يعني : أمَرَ المؤذن ، فأقامَ .
وأشار إلى أنه إنَّما يُعرف بهذا الإسنادِ عن علي القيام للجنازة ثم الجلوس
قال : ولعلَّ هذا أن يكون [خبرًا](١) آخر . والله أعلم .
(١) في الأصل ((مشتبهة)).
٥٩٣
٢٣ - بَابُ لا يسعى إلى الصلاة، ولا يقوم إليها مستعجلاً
كتاب الأذان
٢٣ - بَابٌ
لاَ يَسْعَى إِلَى الصَّلاةِ، وَلاَ يَقُومُ إِلَيْهَا مُسْتَعْجِلاً
وَلَيَقُمْ بِالسََّةِ وَاَلْوَقَارِ
٦٣٨ - حَدَثْنَا أَبُو نُعَيْمٍ: ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ بَحْيِى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَادَ، عَنْ أَبِهِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِ: ((إِذَا أُقِيمَت الصَّلاةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكَيْنَة).
و و
تابعه : علي بن المبارك .
قد سبق هذا الحديثُ بدون هذه الزيادة ، وهي : ((وعليكم السكينة))(١)، وقد
ذكر أنه تابعَ شيبانَ عليها عليّ بن المبارك .
وقد خرّجه في كتاب ((الجمعة)) (٢) عن أبي قتيبة - وهو: سَلْم بن قتيبة -، عن ابن
المبارك، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة - قال أبو عبد اللَّه: لا أعلَمُ إلا عن
أبيه -، عن النبيِّ وَّ، قال: ((لا تقومُوا حتى تروني، وعليكم السكينة))، فشكَّ في وصله.
وقال أبو داود : رواه معاوية بن سلام ، وعلي بن المبارك ، وقالا فيه :
((حتى تروني، وعليكم السكينةَ)).
وخرَّجه الإسماعيليَّ في ((صحيحه)) من رواية معاوية ، كما ذكر أبو داود .
وقد سبق القول في النهي عن السَّعي إلى الصلاة ، والأمر بالمشي إليها
بالسكينة والوقار .
وإنما المراد بهذا الباب : النهي عن القيام إلى الصلاة عند رؤية الإمامِ
باستعجالٍ في القيامِ ، والأمر بالقيام برفقٍ وتُؤَدَّةٍ ، وعليكم السَّكينة والوقارَ (٣).
(١) برقم (٦٣٧)، لكن تقدم قبله برقم (٦٣٥) ، وفيه هذه الزيادة .
(٢) (٩٠٩) .
(٣) كذا السياق بالأصل، ولعله : ((تعلوهم السكينةُ والوقارُ)).
٥٩٤
حديث : ٦٣٩
كتاب الأذان
٢٤ - بَابٌ
هَلْ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِعَلَّةِ؟
٦٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ
كَيْسَانَ، عَنْ ابْنِ شِهَبٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ خَرَجَ
وَقَدْ أُقْيَمَتِ الصَّلاةُ، وُعُدِّلَتِ الصُّغُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ في مُصَلَاهُ انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ ،
انْصَرَفَ . قَالَ: (عَلَى مَكَانِكُمْ))، فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ
مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ .
مقصود البخاري بهذا الباب : أنه يجوزُ لمن كان في المسجد بعد الأذان أو
بعدَ الإقامة أن يخرجَ منه لعذرٍ .
والعذرُ نوعانِ :
أحدهما : ما يحتاجُ إلى الخروجِ معه من (١) المسجدِ ، ثم يعود لإدراك
الصلاة فيه ، مثل أنْ يذكرَ أنه على غير طهارة ، أو ينتقضَ وضوؤه حينئذٍ ، أو
يدافعه الأخبثان ، فيخرجُ للطهارةِ ، ثم يعود فيلحق الصلاةَ في المسجدِ .
وعلى هذا : دلَّ حديثُ أبي هريرة المخرج في هذا الباب .
والثاني : أن يكون العذرُ مانعًا من الصلاة في المسجدِ كبدعة إمامِه ونحوه ،
فيجوز الخروجُ منه - أيضًا - للصلاة في غيره ، كما فعل ابن عمر - رضي الله
عنه .
روى أبو داود(٢) من حديث أبي يحيى القتات ، عن مجاهد ، قال : كنْتُ مع
ابن عمر ، فَثَوَّب رجلٌ في الظهرِ أو العصر ، فقال : اخرجْ بنا ؛ فإن هذه بدعةٌ.
(١) في الأصل: ((إلى)).
(٢) (٥٣٨).
٥٩٥
٢٤ - بَابُ هل يخرج من المسجد لعلة
کتاب الأذان
وأبو يحيى هذا ، مختلف فيه .
وقد استدلَّ طائفة من أصحابنا بهذا الحديث ، وأخذوا به .
وأما الخروجُ بعد الأذانِ لغيرِ عذرٍ ، فمنهيٌّ (١) عنه عند أكثرِ العلماء.
قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب : إذا أذَّن المؤذن وأنت في
المسجد ، فلا تخرجْ حتى تصلِّ .
قال ابن المسيب : يقال : لا يفعلُه إلا منافقٌ .
قال : وبلغنا أنَّ مَن خرج بين الأذان والإقامةِ لغير الوضوءِ أنه سيصاب .
ذكره مالك في ((الموطٍ)(٢) عنه .
قال أصحابنا : لا يجوزُ ذلك .
وقال أصحاب الشافعي : هو مكروهٌ .
قال الترمذي في ((جامعه))(٣): العملُ عند أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيِّ ◌َِّ
ومَن بعدهم أنْ لا يخرجَ أحدٌ من المسجدِ بعدَ الأذانِ ، إلا من عذرِ : أن يكون
على غير وضوء ، أو أمرٌ لا بد منه .
ويروى عن إبراهيم النخعي ، أنَّه قال : يخرجُ ما لم يأخذِ المؤذن في
الإقامة .
قال أبو عيسى الترمذي: وهذا عندنا لمن له عذرٌ في الخروجِ منه .
والمرويُّ عن إبراهيمَ في هذا : ما رواه مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : إذا
سمعتَ الإقامةَ وأنت في المسجدِ فلا تخرج .
فمفهومه : جوازُ الخروجِ قبل الإقامةِ .
(١) في الأصل بدون الفاء .
(٢) بمعناه (ص ١١٨).
(٣) عقب حديث (٢٠٤) .
٥٩٦
حديث : ٦٣٩
كتاب الأذان
وقد حملَه الترمذي على العذرِ ، ويشهدُ لذلك : ما رواه وكيع ، عن عقبة
أبي المغيرة ، قال : دخلنا مسجدَ إبراهيم وقد صلينا العصرَ ، وأذَّن المؤذنُ ،
فأردنا أن نخرجَ ، فقال إبراهيمُ : صلُّوا .
وقد دلَّ على النهي عن ذلكَ ما روى أبو الشعثاء سليمُ بن الأسودِ ، قال :
كُنَّا قعودًا في المسجدِ مع أبي هريرة ، فأذَّن المؤذن ، فقام رجلٌ من المسجد
يمشي ، فأتبعه أبو هريرة بصره ، حتى خرج من المسجد ، فقال أبو هريرة : أمَّا
هذا فقد عَصَى أبا القاسمِ بَلَّ(١).
وخرَّجه الإمامُ أحمد(٢)، وزادَ: ثم قال: أمرنا رسولُ اللَّهُ بَّهِ ((إذا كنتمْ في
المسجد ، فنودي بالصّلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلِّي)» .
وهذا كله إذا أذَّن المؤذن في وقت الصلاة ، فإذا أذَّن قبل الوقتِ ، فإن كان
لغير الفجر فلا عبرةَ بهذا الأذان ؛ لأنه غير مشروعٍ ، وإن كانَ للفجرِ فيجوز
الخروجُ من المسجد بعد الأذانِ قبل طلوع الفجر للمؤذن - : نصّ عليه الإمام
أحمد .
وغيرُ المؤذن في معناهُ ؛ فإنَّ حُكمَ المؤذنِ في الخروج بعد الأذانِ من
المسجدِ كحكم غيره في النهي عند أكثر العلماء ، ونص عليه أحمدُ ، وإسحاق ،
وقال : لا نعلم أحدًا من السلفِ فعل خلاف ذلك .
ورخص فقهاء أهلِ الكوفة ، منهم : سفيانُ وغيره في أن يخرج المؤذن من
المسجد بعد أذانه للأكل في بيته .
(١) أخرجه مسلم (١٢٥/٢) وأبو داود (٥٣٦) والنسائي (٢٩/٢) والترمذي (٢٠٤) وابن ماجه
(٧٣٣) .
(٢) (٥٣٧/٢) .
٥٩٧
٢٥ - بَابُ إذا قال الإمام : مكانكم حتى أرجع انتظروه
كتاب الأذان
٢٥ _ بَابُ
إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ((مَكَانَكُمْ حَتَّى أَرْجِعَ)) انْتَظَرُوهُ
a
٦٤٠ - حَدَّثْنَا إِسْحَاقُ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: قَ الْأَوْزَاعِيُ ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ : أُقِيمَتِ الصَّلاةُ ، فَسَوَّى النَّاسُ
صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ، فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ: ((عَلَى مَكَانِكُمْ)) ،
فَرَجَعَ فَاعْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ .
قد تقدم الكلامُ في القيامِ قبل خروج الإمام ، وانتظارِ المأمومين له قيامًا قبل
خروجه ، فأما إذا ذكر حاجةٌ فانصرف من المسجدِ وقال لهم : ((مكانَكم حتى
أرجع))، فإنهم ينتظرونه قيامًا حتى يرجع إليهم، كما فعل النبي بَّل في هذا
الحدیث .
وفي الرواية المذكورة في الباب الماضي ، قال : ((فمكثْنَا على هيئتنا حتى
خَرَجَ إلينا)) ، وهذا يدلُّ على أنهم انتظروه قيامًا .
ورواه بعضهم : ((على هينَتْنَا)) من الهَيْنَة ، وهي الرفق ، وكأنها تصحيف .
والله أعلم .
وفي رواية لمسلم(١) في هذا الحديث : ((فَلَمْ نَزَلْ قيامًا ننتظره حتى خرجَ
إلينا ، وقد اغتسلَ)) .
وفي رواية لمسلمٍ - أيضًا - في هذا الحديث: ((فأومأ إليهمْ بيده أن مكانكم)).
وفيه : دليلٌ على أن إيماء القادرِ على النطقِ يكتفى به في العلم ، والأمر ،
والنهي ، وقد سبق ذلك مستوفَى في ((كتابِ العلمِ)).
وفي رواية لمسلمٍ - أيضًا - في هذا الحديث: ((فأتى رسول اللَّه وَلّ حتى إذا
(١) (٢/ ١٠١) .
٥٩٨
حديث : ٦٤٠
كتاب الأذان
قام في مصلاه قبل أن يُكبرَ ، ذكرَ فانصرف وقال لنا: ((مكانكم)) .
وهذه الروايةُ صريحةٌ في أنَّه انصرفَ قبل التكبير ، وهو - أيضًا - ظاهر رواية
البخاري .
قال الحسنُ بن ثواب : قيل لأبي عبد اللَّه - يعني : أحمدَ بن حنبل - وأنا
أسمعُ: النبيُّ وَّ حين أوماً إليهم أن امكثوا، فدخل فتوضأ ثم خرجَ ، أكان
كَبَّر ؟ فقال : يُروى أنه كَبَّر ، وحديثُ أبي سلمة لمَّا أخذ القوم أماكنهم من
الصفِّ، قال لهمُ: ((امكثوا)) ، ثم خرجَ فكِّر .
فبيّنَ أحمد أن حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة يدلَّ على أنه لم يكن كَّر ،
وأما قوله : ((يُروى أنه كَبَّر))، فيدلُّ على أن ذلك قد روي، وأنه مخالفٌ لحديث
أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وأن حديث أبي سلمة أصحّ ، وعليه العمل .
وقد خرَّج أبو داود (١) من حديثِ زيادِ الأعلمَ ، عن الحسنِ ، عن أبي بكرةَ،
أن رسول اللَّه وَ له دخل في صلاة الفجر، فأوماً بيده أَنْ مكانكم ، ثم جاء
ورأسه يقطرُ ، فصلى .
وفي رواية له - أيضًا (٢) -: ((فكبّر)) وقال فيه: فلما قضى الصلاة قال: ((إنما
أنا بشرٌ، وإني كنت جُنُبًا)) .
وخرَّجه الإمام أحمدُ (٣) بمعناهُ - أيضًا .
قال أبو داودَ : ورواه أيوبُ وهشامٌ وابنُ عون ، عن محمد ، عن النبي
وَّ - مرسلاً، قال: فكَبَّر، ثم أومأً إلى القومِ أنِ اجْسلوا ، فذهبَ واغتسلَ ،
وكذلكَ رواه مالكٌ ، عن إسماعيل بن أبي حكيم ، عن عطاء بن يسارِ : أن
رسول اللَّه وَلَّ كَّر في صلاةٍ.
(١) (٢٣٣) .
(٢) (٢٣٤) .
(٣) (٤١/٥) .
٥٩٩
٢٥ - بَابُ إذا قال الإمام : مكانكم حتى أرجع انتظروه
كتاب الأذان
قال أبو داود : وكذلك حدثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا أبان ، عن يحيى -
يعني: ابن أبي كثير -، عن الربيع بن محمد، عن النبيِّ وَلَه، أنه كَّر.
انتهى .
وهذه كلها مرسلات .
وحديث الحسن ، عن أبي بكرة في معنى المرسل ؛ لأن الحسن لم يسمع
من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين .
وقد رُوي حديثُ ابن سيرينَ مسندًا، رواهُ الحسنُ بن عبد الرحمن الحارثي ،
عن ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة - مسنداً .
قال البيهقي(١): والمرسل أصحُ .
وقد رُوي موصولاً من وجه آخر :
خرَّجه الإمام أحمدُ ، وابن ماجه(٢) من رواية أسامة بن زيد، عن عبد اللَّه
ابن يزيد مولى الأسود بن سفيان ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن
أبي هريرة، قال: خرجَ رسولُ اللَّهِ وَّ إلى الصلاة، وكَبَّر، ثم أشارَ إليهم
فمكثوا ، ثم انطلق فاغتسل ، وكان رأسُه يقطر ماءً، فصلَّى بهم ، فلما انصرفَ
قال : ((إنِّي خرجت إليكم جنبًا ، وإني أُنسيتُ حتى قمتُ في الصلاة)).
وأسامة بن زيد ، هو الليثي ، وليس بذاك الحافظ .
وروى معاذ بن معاذ : حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ،
قال: دخل النبيُّ بَّر في صلاته، فكَبَّر فكبّرنا معه، ثم أشار إلى الناس أنْ كما
أنتم، فلم نَزَلْ قيامًا حتى أتَانَا رسولُ اللَّه ◌ِله، قد اغتسلَ ورأسه يقطرُ.
قال البيهقي(٣): خالفه عبد الوهاب بن عطاء ، فرواه عن سعيد ، عن قتادة ،
(١) (٢/ ٣٩٨) .
(٢) أحمد (٤٤٨/٢) وابن ماجه (١٢٢٠).
(٣) (٣٩٩/٢).
٦٠٠
حديث : ٦٤٠
كتاب الأذان
عن بكر المزني .
وقد بنى الشافعيّ على رواية مَن روى: أنه وَّ كان كبّر ثم ذكر، ووافقه
الإمام أحمد في رواية الأثرمٍ وغيره .
وهؤلاء استدلُّوا بهذا الحديث على أن مَن صلَّى خلف مُحْدِثٍ ناسٍ لحدثه أن
صلاته مجزئه عنه ، ويعيدُ الإمام وحدَه إذا ذكر بعد تمام صلاته ، كما روي عن
عمر وعثمان .
وقيل : إنه لا مخالف لهما من الصحابة ، بل قد رُوي مثله عن علي ، وابن
عمر - أيضًا - ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ ، منهم : النخعي ، وسفيان ،
ومالك ، والشافعي ، وأحمد .
قال ابن مهدي : قلتُ لسفيان الثوري : تعلمُ أنَّ أحدًا قال : يعيدُ ويعيدون
عن حماد ؟ قال : لا .
وهذا إذا استمرَّ نسيانُ الإمامِ حتى فرغ من صلاته ، فأمَّا إن ذكر في أثناءِ
صلاته فخرجَ ، فتطهر ثم عادَ ، فإنَّ الإمامَ لا يبني على ما مضى من صلاته بغير
طهارة بغير خلاف ، فإن من صلى بغير طهارة ناسيًا فإنَّ عليه الإعادة بالإجماع ؛
لقولِ النبيِ وَّل: ((لا يقبلُ اللَّه صلاة أحدكم إذا أحدثَ حتى يتوضأ))(١)، وقوله:
((لا يقبلُ اللَّه صلاةً بغير طُهُورِ))(٢) .
وحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم جوَّزوا البناءَ على ما مضى من صلاته
محدثًا ناسيًا ، وأشار إلى أنه قولٌ مخالفٌ للإجماع ، فلا يعتدُّ به .
وليسَ في الحديث أنَّ النبي ◌َّهَيبنى على ما مضى من تكبيرة الإحرامِ وهو
ناسٍ لجنابته ، فإن قدر أن ذلك وقع فهو منسوخ ؛ لإجماع الأمَّة على خلافه ،
(١) البخاري (١٣٥) ومسلم (١ /١٤٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) مسلم (١ / ١٤٠) من حديث ابن عمر .