النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١
١٨ - بَابُ الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة
کتاب الأذان
أحدهما : أنَّه صلاَها في آخر وقتها قبلَ دخولِ وقت العصرِ .
والثاني : أنَّه أخرها إلى دخولِ وقتِ العصرِ وجمعَ بينهما في وقت العصرِ .
فإن كان قد أخَّرِها إلى وقتِ العصرِ استدلَّ بالحديثِ حينئذٍ على أنَّ تأخيرَ
الصلاة الأولى من المجموعتين إلى وقتِ الثانية للجمع في السفرِ لا يحتاج إلى نيةِ
الجمع ؛ لأنَّهم كانوا يؤذنونَه بالصلاةِ في وقتها ، وهو يأمرُ بالتأخيرِ ، وهم لا
يعلمونَ أَنَّه يريدُ جمعَها معَ الثانيةِ في وقتها ، ولا أَعْلَمَهُمْ بذلك .
ولكنَّ الأظهرَ هو الأولُ ، ولا يلزمُ من مصيرِ ظلِّ التلول مثلها أن يكونَ قد
خرج وقتُ الظهر؛ فإن وقت الظهر إنما يخرج إذا صار ظَلَّ الشيء مثله بعد الزوالِ.
وقد خرجه البخاريّ فيما تقدمَ من وجهين عن شعبة ، وفيهما: ((حتَّى رأينا
فيْءَ التلول)) .
ويدلُّ على هذا : أَنَّه إنما أَمَرَه بالإبْرادِ ، لا بالجمعِ .
الحديث الثاني :
٦٣٠ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ : ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدِ الحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ،
عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَنَى رَجُلاَنِ إِلَى (١) النََِّّ يُرِيدَانِ السَّفَرَ ، فَقَلَ
النََِّّّهِ: (إِذَا أَنْتَمَا خَرَجْتُمَا فَأَذََّا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لَيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)) .
في هذه الرواية : التصريح بأنه أمرهما بذلك من حين خروجهما من المدينة
مسافرينِ .
وخرجه النسائي(٣)، ولفظُه: قال: ((إِذَا سَافرتما، فأذنَا واقيمَا)).
ولكنَّه أمَرهما معًا بالأذان والإقامة ، فهذا إمَّا أنْ يُحمل على أذانهما مجتمعينِ.
أو مُنْفَردین .
(١) ((إلى)) ليست في ((اليونينية)).
(٢) (٢ / ٨ - ٩) .
٥٤٢
حديث : ٦٣٠ - ٦٣٢
كتاب الأذان
وبكلِّ حالٍ ؛ فيدلُّ على أنَّه يُستحبُّ فِي السَّفَرِ الزِّيَادَةُ على مؤذنٍ واحدٍ .
فهذه روايةُ خالد الحذاء عن أبي قلابة تخالفُ روايةَ أيوب عن أبي قلابة في
ألفاظ عديدة من هذا الحديث .
قال الإمام أحمدُ : لا أعلمُ أحدًا جاء به إلا خالدٌ - يعني: في الأَذانِ والإِقامَة
في السَّفَرِ - ، وقالَ : هذا شديدٌ على الناس . انتهى .
وقد روي بلفظ آخر عن خالد الحذاء ، وهو : ((إذَا حضرت الصَّلاة)) - من
غير ذكرِ سفرٍ ولا حضرٍ .
وقد خرجه البخاري في موضع آخر(١).
الحديث الثالث :
قال :
٦٣٢ - (٢) [ثَنَا] (٣) مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْتَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ،
قَالَ : أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَة بَارِدَةَ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِوَ ◌ِّ كَانَ يَأْمُرُ مُؤْذّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِه: ((أَلاَ صَلّوا في الرِّحَال في
اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ في السَّفَرِ)) .
((ضَجَنان)): بالضاد المعجمة والجيم، كذا محركتان(٤)، كذا قيده صاحبُ
((معجم البلدان))، وقال: هو جَبَلٌ بتهامة ، وقيل : هو على بريد من مكة.
وقيلَ : بَيْنْه وبَيْنَ مكةَ خمسة وعشرونَ ميلاً .
(١) (٢٨٤٨) .
(٢) وقع في رواية ابن أبي الوقت هنا حديث قبل هذا، وهو حديث مالك بن الحويرث مطولاً نحو
ما مضى في الباب قبله ، وسيأتي بتمامه في ((باب خبر الواحد)) برقم (٧٢٤٦). وقد التزمت
ترقيم الأستاذ عبد الباقي، كما ذكرت آنفًا ، وإن كنت أتعجب كيف أثبت ذلك في شرح ابن
حجر في هذا الموضع مع أن ابن حجر نفسه لم يشرحه في هذا الموضع، وأشار إلى ما ذكرت.
(٣) سقط من الأصل .
(٤) كذا وفي ((المعجم)): ((بالتحريك ونونين)).
١
١
٥٤٣
١٨ - بَابُ الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة
کتاب الأذان
والمتداولُ بين أَهْلِ الحديث : أَنَّه بسكونِ الجيمِ .
وقد رَوَى هذا الحديثَ ، عن نافع : مالكٌ - وقد خرج البخاريُّ حديثَه في
موضع(١)- ، ويحيى الأنصاري ، وأيوب السجستاني .
وفي رواية ابن عليَّةً(٢)، عنه: أنَّ الذي نادى بضجنان هو مُنادي النبيِّ وَ().
والظاهرُ : أَنَّه وَهْم .
ورواه ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نادى منادي النبيِّ وَلآه
بذاك بالمدينة في الليلة المطيرة ، والغداة القَرَّةَ .
خرجه أبو داود(٤) .
فخالف الناس في ((ذكر المدينة))، وفي أنَّه إنما كان يأمرُ المنادي أن يقولَهُ
بعد تمامٍ أذانِه .
وقد روي معنى حديث ابن عمر من حديث أبي المليح بن أسامة ، عن أبيه،
عن النَّبِيِّ ◌َ .
خرجه الإمام أحمدُ وأبو داود والنسائي وابنُ خزيمة وابن حبان في
((صحيحهما)) والحاكم(٥) وصححه .
وفي حديث ابن عمر : دليلٌ على أنَّ الأذانَ في السفر مشروعٌ في غير صلاة
الفجرِ ليلاً [كان ينادي بذلك ليلاً](٦).
(١) (٦٦٦) .
(٢) تصحف في الأصل إلى: ((ابن عيينة)).
(٣) أبو داود (١٠٦١).
(٤) (١٠٦٤) .
(٥) أحمد (٧٤/٥) وأبو داود (١٠٥٩) والنسائي (١١١/٢) وابن خزيمة (١٨٦٣) وابن حبان
(٢٠٧٩) والحاكم (٢٩٣/١).
(٦) كذا، وفي الأصل ضرب على هذا القدر: ((كان ينادي)) وقد يكون الصواب: ((لأنه كان
ينادي بذلك ليلاً)). والله أعلم. وانظر شرح الحديث الآتي .
٥٤٤
حديث : ٦٣٣
کتاب الأذان
الحديث الرابع :
قال :
٦٣٣ - ثَنَا إسْحَاقُ: أَبْنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْن: ثَنَا أُبُو العُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ
أَبِ جُحَيّفَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ بَالأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلاَلٌّ فَاذَنَهُ
بِالصَّلاةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلالٌ بالعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللَّهِ وَهَ بِالأبطَحِ، وَأَقَامَ
الصَّلاةَ .
في هذه الروايةِ : التصريحُ بالإقامةِ دونَ الأذانِ ، وكانَ ذلك بالأبطح في
حجة الوداعِ .
وقد خرجَ البخاريَّ فيه ذكرَ الأذانِ في البابِ الأتي ، ولكن اخْتصَرَهُ ،
وسنذكره بتمامه فيه - إنْ شَاءَ اللَّه تعالى .
وفي هذا الحديث : أنَّ بلالاً آذَن النَّبِيَّ وََّ بالصلاة ، وخرَج بين يديه
بالعنزة ، وأقامَ الصلاةَ ، وهذا موافقٌ لحديث عائشةَ المتقدم الذي خرجه البخاري
93
في ((باب: انتظارِ الإقامة)).
وقد دلَّتْ هذه الأحاديثُ على مشروعيةِ الأذانِ في السفر لجميع الصلواتِ ،
فإنَّ منها ما فيه الأذانُ في السفر ليلاً كحديث ابن عمرَ ، ومنها ما فيه الأذانُ في
السفرِ نهارًا كحديث أبي جحيفة ، فإن فيه الأذانَ للظهرِ والعصرِ بالأبطحِ ،
وحديثُ أبي ذرٍّ ، فإن فيه الأذانَ للظهرِ ، وحديث مالكِ بن الحويرث يعمَّ سائرَ
الصلواتِ ، وأحاديثُ الأذان بعرفة تدلُّ على الأذانِ للجمعِ بين الظهرِ والعصرِ ،
وأَحاديث الأذانِ بالمزدلفةِ تدلُّ على الأَذانِ للجمعِ بين المغربِ والعشاءِ ، وقد
اختلفت الرواياتُ في ذلك ، وتذكر في موضعها - إن شاء الله .
وقد تقدم حديث الأَذانِ الصَّلاة في السَّفْرِ بعد فواتِ وقتها . وفي حديث
أبي محذورة، أنهم سَمِعوا الأذانَ مع النبيِّ بَّهَ، وقد قفلَ من حنينِ راجعًا .
٥٤٥
١٨ - بَابُ الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة
کتاب الأذان
وقد اختلفَ العلماءُ في الأذانِ في السفر :
فذهبَ كثيرٌ منهم إلى أنه مشروعٌ للصلواتِ كلِّها .
قال ابنُ سيرينَ : كانوا يؤمرونَ أَنْ يؤذنوا ويقيموا ويؤمّهم أقرؤهم .
خرجه الأثرم .
وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي .
ونقلَ ابنُ منصورِ ، عن أحمد وإسحاقَ ، أنه يؤذنُ ويقامُ في السفر لكلِّ
صلاة ، واحتجًّا بحديثِ مالكِ بنِ الحويرث .
ولكنَّ أكثرَ أصحابنا على أنَّ الأذانَ والإقامةَ سنَّةٌ في السفر ، ليس بفرضِ
كفاية ، بل سنة بخلاف الحضر .
ومن متأخريهم من سوَّى في الوجوبِ بين السفرِ والحضرِ ، والواحد
والجماعة ، وهو قول داودَ .
وقال ابن المنذرِ : هو فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر .
وظاهرُ تبويب البخاريِّ يدلُّ عَلَى أنَّه يرى الأذان إنَّما يُشرع في السفر
للجماعة ، دونَ المنفردِ .
قال مجاهدٌ (١): إنْ نسي الإِقامةَ في السفر أعاد .
وهذا يدلُّ على أنه رآها شرطًا في حقِّ المسافر وغيره .
وقالت طائفةٌ : لا يؤذنُ إلا للفجرِ خاصة ، بل يقيم لكل صلاة .
روي هذا عن ابن عمر (٧).
وروي عنه مرفوعًا .
خرجه الحاكم(٣).
وفي إسنادِهِ ضعفٌ واضطرابٌ .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٨/١).
(٢) أخرجه البيهقي (١/ ٤١١).
(٣) (٢٠٥/١) .
٥٤٦
حديث : ٦٣٣
کتاب الأذان
قال البيهقي(١): رفعه وهم فاحشٌ ، ولا يصحّ رفعه .
وروي عن ابن سيرين مثل قول ابن عمر .
ونقلَه حربٌ ، عن إِسحاقَ .
ونقل الميموني ، عن أحمدَ ، قالَ في المسافرِ في الفجرِ خاصة يؤذنُ
ويقيمُ ، وفي غير الفجر يقيمُ - إنْ شاء اللَّه .
ونقلَ ابنُ منصورٍ ، عن إِسحاقَ : لا بدَّ للمسافرِ أن يقيمَ بخلافِ الحاضرِ ؛
لأن الحاضرَ يكتفي بأذانِ غيرِهِ وإقامته .
واختلفتِ الرِّوايةُ عن مالك :
فنقلَ عنه ابنُ القاسمِ : الأذنُ إنَّما هوَ في المصر للجماعةِ في المساجدِ .
وروى أشهبُ، عن مالك: إنْ تركَ المسافرُ الأذانَ عمْدًا فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الصَّلاةِ.
ذكرهُ ابنُ جريرٍ ، عن يونسَ بن عبد الأعلى ، عنْه .
وقال الحسنُ والقاسم بن محمد : تُجْزئه إقامةٌ في السفرِ .
وقالتْ طائفةٌ: هو بالخيارِ ، إن شاء أذَّنَ ، وإن شاء أقَامَ في السفرِ .
روي عن علي وعروة بن الزبير ، وبه قال سفيان .
وكانَ ابن عمر يقول : إنَّما الأذانُ للإمامِ الذي يجتمع إليه الناسُ .
رواه مالكٌ (٢) عن نافعٍ، عن ابن عمرَ ، أَنَّه كانَ لا يزيدُ على الإِقَامةِ في
السفرِ في الصلاةِ إلا في الصَّبْحِ ؛ فإنَّه كانَ يؤذنُ فيها ويقيمُ ، ويقولُ : إنَّما
الأَذانُ للإِمامِ الذي يجتمعُ إليه الناسُ .
وقالَ أبو الزبيرِ ، سألتُ ابن عمرَ : أؤذنَ في السفرِ ؟ قال : لمن يؤذنُ
للفأر(٣)؟!
(١) (١ / ٤١٢) .
(٢) (ص ٦٨).
(٣) أخرجه البيهقي (١/ ٤١١) .
٥٤٧
١٨ - بَابُ الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة
كتاب الأذان
وأَمَّا الذين(١) رأوا الأذانَ في السَّفَرِ، فقالوا : الأذانُ للإعلامِ بالوقتِ ،
وهذا مشروعٌ في الحضرِ والسفرِ .
وأما إنْ كان المصلي منفردًا وحده في قريةٍ ، فقد ورد في فضلِ أذانِهِ
وإقامته غيرُ حديث :
روى سليمانُ التميمي ، عن أبي عثمانَ النهدي ، عن سلمانَ ، قال : لا
يكونُ رجلٌ بأرضِ [قيٍّ]، فتوضأً إِنْ وجدَ ماءً وإلا تيممَ ، فينادي بالصلاة ثم
يقيمُها إلا أمَّ من جنودِ اللَّه ما لا يُرى طرفاه - أو قال: طرفه(٢) .
ورواه القاسم بن غُصْن - وفيه ضعفٌ - ، عن داود بن أبي هند ، عن
أبي عثمان ، عن سلمان - مرفوعًا .
ولا يصحُّ ، والصحيحُ موقوفٌ - : قاله البيهقي.
وروى مالك (٣)، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، أنه كان
يقول: من صلَّى بأرض فلاةٍ صلَّى عن يمينه ملك، وعن شماله ملكٌ ، فإن أذن
وأقامَ صلَّى وراءه من الملائكةِ أمثال الجبالِ .
وقد روي عن النبيِّ وَّ ما يدلُّ على استحبابِ الأذانِ للمنفردِ في السفر :
فخرج مسلم(٤) من رواية حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال :
كان النبيُّ ◌َّهَ يغيرُ إذا طلع الفجرُ ، وكان يستمعُ الأذانَ ، فإن سمع أذانًا أمسك،
وإلا أغارَ ، فسمع رجلاً يقول: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، فقال رسولُ اللَّه ◌َِةُ:
(١) في الأصل: ((الذي)).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٨/١) والبيهقي (٤٠٥/١ - ٤٠٦).
ورواه عبد الرزاق (١ / ٥١٠ - ٥١١) عن ابن التيمي ، عن أبيه - مرفوعًا .
وهذا خطأ . الصواب : الموقوف .
وما بين المعقوفين سقط من الأصل .
(٣) (ص ٦٩).
(٤) (٢ / ٣ - ٤) .
٥٤٨
حديث : ٦٣٣
کتاب الأذان
((على الفطرة))، ثم قال: أشهدُ أنْ لاَ إله إلاَّ اللَّه، قالَ رسول اللّه ◌َلَةِ:
(خَرَجْتَ من النَّارِ))، فنظروا فإذا هو رَاعى مِعْزَى .
ستا - بمعناه ،
صَلى الله
وخرج الإمامُ أحمدُ (١) من حديث ابن مسعود ، عن النبي
وفيه : فابتدرنَاهُ ، فإذا هو صاحبُ ماشية ، فأدْركتُهُ الصلاةُ ، فنادَى بها .
وخرَّج - أيضًا(٢) - بمعناه من حديث معاذٍ، عن النبيِّ مَّة.
وخرج الإمام أحمدُ وأبو داود والنسائي(٣) من حديث عقبة بن عامر ، عنِ
النبيِّ ◌ِّه، قال: ((يَعْجِب رَبُّكَ من راعي غنم، في شَظِيَّة بجبل يؤذنُ للصلاة
ويصلي ، فيقولُ عز وجل : انظروا إلى عَبَدي هَذَا ، يؤذنُ ويقيمُ ويَصلِّي ، يخافُ
مني ، قد غفرتُ لعبدي وأدخلته الجنَّةً)) .
واستدلَّ النسائيُّ للإقامةِ في حقِّ المنفردِ بحديثٍ خرجه من رواية رفاعةً بن
رافع ، أنَّ النبيَّ ◌َّ قالَ للمسيء في صلاتِه : ((إِذَا قُمْتَ إلى الصَّلاة فتوضأ كما
أمرك اللَّه، ثم تشهَّد، ثم كبِّر)) - وذكر له صفةً بقية الصَّلاةِ، وقال في آخر ذلك:
«فإذا فعلتَ ذلك فقد تَّمت صلاتك ، وإن أَنقصت منه شيئًا انتقص من صلاتك ،
ولم تذهب كلها)) .
وإن صلى وَحْدَه في مصر ، فإن شاء أذن وأقام ، وإن شاءَ أجْزأه أذانُ أهل
المصر ، واكتفى بالإقامة - : نصَّ عليه أحمدُ .
وممن قال : يكفيه الإقامة : سعيد ، وميمون بن مهران ، والزهري ،
ومالك ، والأوزاعيّ .
وقد تقدمَ عن إسحاقَ : أنَّ الحاضر إنْ شاءَ صلَّى بغير أذان ولا إقامة ،
ے
(١) (٤٠٦/١) .
(٢) (٢٤٨/٥).
(٣) أحمد (١٥٧/٤) وأبو داود (١٢٠٣) والنسائي (٢/ ٢٠) .
٥٤٩
١٨ - بَابُ الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة
کتاب الأذان
والمسافر لا بد له أن يقيم .
وأما الشافعيّ ، فنص على أن المنفرد يؤذن ويقيم .
وخرج له أصحابه قولاً آخر : أنه لا يؤذن ويكتفي بالإقامة .
ومن أصحابهِ من قال : إنْ بلغه أذانُ غيره لم يؤذنْ، [وإلا أذن](١).
وحكى ابن المنذر ، عن الكوفيين ، أنَّ له أنْ يصلِّي في المصر وحده بغير
أذان ولا إقامة ، منهم : الشعبيُّ والأسودُ وأبو مجلز والنخعيّ .
وحكى مثله عن مجاهد وعكرمة .
وعن أبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور : يجزتُه أذانُ أهل المصرِ .
وعن ابن سيرين والنخعي : تجزئه الإقامةُ ، إلا في الفجرِ ؛ فإنه يؤذنُ
ويقيمُ .
وحكى ابن عبد البرِ ، عن أبي حنيفة وأصحابه : أنَّ المسافر يُكْره له أن
يصليَ بغيرِ أذانٍ وإقامة ، وأما الحاضر إذا صلَّى وحده فيستحبُّ أنْ يؤذن ويقيم ،
وإنِ اكتفى بأذانِ أهلِ المصرِ وإقامتهمْ أجزأهُ .
قلت : وقال سفيان : إن سمعَ إقامةَ أهل المصرِ فاكتفى بها أجزأه ، فلم
يكتفِ بالإقامةِ حتى يسمعها .
وروي عن علقمةَ ، قال : صلَّى ابن مسعود بي وبالأسودِ بغير أذان ولا
ے
إقامة ، وربما قالَ : يجزئنا أذانُ الحي وأقامتهم .
خرجه البيهقي (٢).
وخرج - أيضًا (٣) - بإسناد ضعيف جدًّا، عن ابن عمرَ ، أنه كانَ يقول : من.
(١) في الأصل: ((والأذان)) خطأ.
(٢) (٤٠٦/١) .
(٣) (٤٠٧/١) .
٥٥٠
حديث : ٦٣٣
كتاب الأذان
صلَّى في مسجد قد أقيمتْ فيه الصَّلاة أجزأته إقامتهم .
ثم قالَ : وبه قالَ الحسنُ والشعبيُّ والنخعيَّ .
قال : وقال الشافعيُّ: لم أعلم مخالفًا أنَّه إذا جاء المسجد وقد خرج الإمام
من الصلاة كانَ له أن يصلِّيَ بِلا أَذانٍ ولا إِقامةٍ .
قال البيهقيُّ : وكان عطاءٌ يقول : يُقيمُ لنفسِهِ .
ثم روى بإسنادٍ صحيحٍ ، عن أبي عثمان ، قالَ : جاءنا أنس بن مالك وقد
صلينا الفجرَ ، فأذنَ وأقامَ ، ثم صلى الفجرَ لأصحابهِ .
قال وروِّناهُ عن سلمةَ بن الأكوعِ في الأذانِ والإقامةِ ، ثمّ عنِ ابنِ المسيبِ
والزهريِّ .
وروى من طريقِ الشافعيِّ : حدثنا إبراهيمُ بن محمد : أخبرني عمارة بن
غَزَيَّة ، عن خُبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، قال : سمع النبيّ
ءِ
١
{َّ رجلاً يؤذنُ للمغربِ، فقال النبيُّ وَّرَ مثلَ ما قالَ، فانتهى النبيُّ وَّ ، وقدْ
قال: قد قامت الصَّلاةُ، فقال النبيِّ وَّهِ: («انزلوا فصلوا المغربَ بإقامة هذا
العبد الأسود)) .
وهذا ضعيف ؛ إبراهيم ، هو : ابن أبي يحيى ، تركوا حديثهَ .
وروى وكيعٌ في ((كتابه)) عن دلهم بن صالح ، عن عون بن عبد اللَّه ، أنَّ
رسولَ اللَّهِ وَ لَ كانَ في سفرٍ، فسمع إِقامةَ مؤذنٍ ، فصلَّى بأَصْحابهِ بإقامتهِ .
وهو مرسلٌ - أيضًا .
وقال أكثر أصحابنا : من صلَّى في مسجدٍ قد صُلِّيَ فيه بغيرِ أذان ولا إقامة
فلا بأسَ .
ومن متأخريهم من قال : لا يسقطُ وجوبُ الأذان إلا عمَّن صلَّى مع
٥٥١
١٨ - بَابُ الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة
كتاب الأذان
المؤذن ، ولا يسقطُ عمَّن لم يصلِّ معه وإنْ سَمعَه ، سواءٌ كان واحدًا أو
جماعةً في المسجد الذي صُلِّيَ فيه بأذانِ أو غيرِهِ .
وهذا شذوذ لا يعوّل عليه .
وهو خلافُ نصِّ أحمدَ : أنَّ المصلي وحده في مصر يجزئه أذانُ المصرِ .
ونصَّ الإمامُ أحمدُ في روايةِ جعفر بنِ محمدٍ على أنَّه لا يتركُ الأذان في
المسجد .
وظاهره : يدلُّ على أن الأذانَ واجبٌ في مساجدِ الجماعاتِ .
وقال أبو بكرٍ عبد العزيز بن جعفر : الواجبُ في المصر أذانٌ واحدٌ ، وما
زاد عليه في المساجد فهو سنّة .
ولم يفرق بين أن يكون أهلُ المصر يبلغهمْ ذلك الأذانُ ، أوْ لا .
وقال المتأخرونَ من أصحابنا : الواجبُ من الأذانِ في المصرِ ما حصلَ به
الإعلام في أقطاره ونواحيه غالبًا ، فلا يجرئُ فيه أذانٌ واحدٌ إذا كانَ لا يبلغُ
أقطاره .
وأمَّا ما بوَّب عليه البخاريُّ من قول المؤذن في الأذان في الليلةِ المطيرةِ أو
الباردةِ : ((الصلاةُ في الرحال)» ، فحديثُ ابن عمر يدلُّ على أنَّه يقولُ بعد فراغٍ
أذانه .
وقد تقدَّم في ((باب : الكلام في الأذانِ)) : حديث ابن عباسٍ في قولها في
الحضر في أثناءِ الأذان قبل فراغه ، وسبق الكلام عليه .
٥٥٢
حديث : ٦٣٤
كتاب الأذان
١٩ - بَابٌ
هَلْ يَتَتَعُ المُؤَذِّنُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا؟ وهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ ؟
وَيُذْكَرُ عَنْ بِلاَلٍ، أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيَّهِ فِي أُذُنَيْهِ .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنِهِ .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَاَ بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوء .
وَقَالَ عَطَاءٌ : الوُضُوءُ حَقِّ وَسِنّةٌ .
وَقَالَتْ عَائشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ يَذْكُرُ اللَّه عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ .
٦٣٤ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبيه،
أَنَّهُ رَأَى بِلاَلاً يُؤَذِّنُ، فَجَعَلْتُ أَتَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا بِالأَذَانِ .
هكذا خرجه البخاريُّ هاهنا عنِ الفريابي ، عن سفيان الثوري - مختصراً .
ورواهُ وكيعٌ عن سفيانَ بأتمَّ من هذا السياقِ .
خرَّجه مسلم(١) من طريقه، ولفظ حديثه: قال: أتيتُ النبيِّ وَّه بمكةَ وهو
بالأبطحِ في قبَّةَ لهُ حمراء من أَدَمِ ، قال : فخرجَ بلالُ بوضوئه ، فمن نائلٍ
وناضحٍ. قال: فخرجَ رسولُ اللَّهِ بِّهِ فِي حُلَّةٍ حمراءَ ، كأني أنظر إلى بياضٍ
ساقيْهِ. قال: فتوضأ، وأَذَّنَ بلالُ، فجعلتُ (٢) أتبعُ فاهَ هَاهُنَا وهاهنا - يقول :
يميناً وشمالاً - ، يقولُ: حيَّ على الصلاةِ، حِيَّ على الفلاحِ . قال : ثم رُكُزتْ
له عَنَزَةٌ ، فتقدمَ فصلَّى الظهرَ ركعتين ، يمر بينَ يديه الحمارُ والكلبُ، لا يُمْنع ،
ثم صلَّى العصر ركعتين ، ثم لمْ يزلْ يصلّي ركعتينَ حتى رَجَعَ إلى المدينة .
ورواه عبد الرزاق ، عن سفيان ، ولفظُ حديثه : عن أبي جحيفة ، قالَ :
(١) (٢ / ٥٦) .
(٢) فى الأصل: ((فعجلت)) خطأ.
٥٥٣
١٩ - بَابُ هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا؟
کتاب الأذان
رأيتُ بلالاً يؤذنُ ويدورُ ويتتبع فاهُ هاهنا وهاهنا ، وإِصبعاه في أُذنيه، ورسولُ اللَّه
وَلَّه فِي قبَّة له حمراءَ - وذكر بقية الحديث.
خرجه الإمام أحمد (١) عن عبد الرزاقِ .
وخرجه من طريقه الترمذيُّ (٢)، وقال: حسنٌ صحيحٌ .
وخرجه البيهقي(٣)، وصححه - أيضًا .
وهذا هو الذي علَّقه البخاريُّ هاهنا بقوله : ((ويُذكر عن بلال ، أَنَّه جعل
إصبعيه في أُذنيه)» .
وقال البيهقيَّ : لفظةُ الاستدارة في حديث سفيان مدرجةٌ ، وسفيان إنما
روى هذه اللفظة ، في ((الجامع)) - رواية العدني ، عنه - عن رجلٍ لم يسمه ،
عن عون .
قالَ : وروي عن حماد بن سلمةَ ، عن عون بن أبي جحيفةَ - مرسلاً ، لم
يقل: ((عن أبيه)). والله أعلم.
قلت : وكذا روى وكيع في ((كتابه)) ، عن سفيان، عن عون ، عن أبيه ،
قال: أتينَا النبيَّ نَّهِ، فقام بلالٌ فأذَّن، فجعلَ يقولُ في أذانِهِ، يَحْرِفُ رَأْسَه
يمينًا وشمالاً .
وروى وكيع ، عن سفيانَ ، عن رجلٍ ، عن أبي جحيفة ، أنَّ بلالاً كان
يجعل إصبعيه في أُذنيْه .
فرواية(٤) وكيع ، عن سفيان تُعلَّلُ بها رواية عبد الرزاق عنه .
ولهذا لم يخرجها البخاري مسندةً ، ولم يخرجها مسلمٌ - أيضًا - ، وعلَّقها
(١) (٣٠٨/٤) وهو في ((المصنف)) (٤٦٦/١).
(٢) (١٠٩٧) .
(٣) (٣٩٥/١ - ٣٩٦) .
(٤) في الأصل : ((فرواه)).
٥٥٤
حديث : ٦٣٤
كتاب الأذان
البخاريُّ بصيغة التمريضِ ، وهذا من دقة نظرهِ ومبالغتهِ في البحثِ عنِ العللِ
والتنقيبِ عنها - رضي اللَّهُ عنه .
وقد خرج الحاكمُ (١) من حديث إِبراهيمَ بن بشارِ الرمادي ، عن ابن عيينة ،
عن الثوريِّ ومالكِ بن مِغْول ، عن عونِ بن أبي جحيفةَ ، عن أبيه ، قال : رأيتُ
رسولَ اللَّهِ وَ لَّ نزلْ بالأبطح - فذكر الحديثَ بنحو رواية عبد الرزاق، وذكر فيه
الاستدارةَ ، وإدخالُ الإِصبعين في الأُذنين .
وقال : هو صحيحٌ على شرطهما جميعًا .
وليس كما قال ؛ وإبراهيمُ بن بشارِ لا يقبلُ ما تفردَ به عن ابن عيينة ، وقد
ذمَّ الإِمام أحمد ذمَّا شديدًا ، وضعفه النسائيّ وغيره .
وخرج أبو داودَ (٢) من روايةِ قيس بن ربيعٍ ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن
أبيه ، قال : رأيتُ بلالاً خرجَ إلى الأبطحِ فأذَّن ، فلما بلغ ((حيّ على الصلاة ،
حيَّ على الفلاحِ)) لَوَى عُنْقَه يمينًا وشمالاً ، ولم يستدر .
وخرج ابن ماجه(٣) من رواية حجاج بن أرطاة ، عن عون بن أبي جحيفة ،
عن أبيه قال: أتيتُ رسول اللَّه وَ لَو بالأبطحِ، وهو في قبة حمراءَ، فخرج بلالٌ
فأذَّن ، فاستدارَ في أذانِهِ ، فجعل إصبعيه في أذنيه .
وحجاج مدلِّس .
قال ابن خزيمة(٤): لا ندري هلْ سمعَه من عونٍ ، أَمْ لا ؟
وقال البيهقيَّ (٥): يحتملُ أن يكونَ أرادَ الحجاج باستدارته التفاتَه يمينًا
(١) (١/ ٢٠٢) .
(٢) (٥٢٠) .
(٣) (٧١١) .
(٤) (٣٨٨) .
(٥) (٣٩٥/١) .
٥٥٥
١٩ - بَابُ هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا؟
کتاب الأذان
وشمالاً ، فيكون موافقًا لسائرِ الرواةِ . قال : وحجاجٌ ليس بحجة .
وخرجه(١) من طريق آخر عن حجاج ؛ ولفظُ حديثه : رأيتُ بلالاً يؤذنُ ،
وقد جَعَل إِصبعيه في أُذنيه ، وهو يَلْتوي في أذانِهِ يمينًا وشمالاً .
وقد رويتْ هذه الاستدارة من وجه آخر : من رواية محمد بن خُلَيْد
الحنفي - وهو ضعيفٌ جدًا - ، عن عبد الواحد بن زياد ، عنه ، عن مسعر ،
عن علي بن الأقمر ، عن عون ، عن أبيه .
ولا يصحّ - أيضًا .
وخرج ابن ماجه(٢) من حديث أولاد سعد القَرَظ، عن آبائهم، عن سعد ، أن
رسولَ اللَّهُ وَّهِ أَمَرَ بلالاً أن يجْعلَ إِصبعيه في أُذنيهِ، وقال: ((إنه أرفعُ لصوتكَ)).
وهو إسنادٌ ضعيفٌ ؛ ضعََّه ابنُ معينٍ وغيرُهُ .
وروي من وجوه أُخر مرسلة .
وقد ذكر البخاريُّ في هذا الباب ثلاث مسائل :
الأُولى :
الالتفاتُ في الأذانِ يمينًا وشمالاً .
والسنَّة عند جمهورِ العلماءِ أنْ يؤذنَ مستقبل القبلةِ ، وَيُدير وجهه في قول :
((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) يمينًا وشمالاً .
وأنكر ابن سيرينَ الالتفاتَ ، حكاهُ ابن المنذرِ وابنُ أبي شيبةَ (٣) بإِسنادٍ
صحيح عن ابن سيرينَ ، أَنَّه إِذَا أَذَّن المؤذنُ استقبل القبلةَ ، وكان يكره أن
يستدير في المنارة .
(١) (٣٩٦/١) .
(٢) (٧١٠) .
(٣) (١٩٥/١).
٥٥٦
حديث : ٦٣٤
کتاب الأذان
وروى وكيع ، عن الربيع ، عن ابن سيرين ، قال : المؤذنُ لا يزيل قدمَيْه .
وكأنَّ الروايتينِ لا تصرحان(١) بكراهةٍ لوي العنق .
وكذلك مالكٌ .
وفي ((تهذيب المدونة)): ولا يدور في أذانَه ، ولا يلتفتُ ، وليسَ هذا من
الأَذان ، إلا أَن يريدَ بالتفاتِه أن يُسمعَ الناسَ فيؤذنُ كيفَ تيسر عليه . قال :
ورأيتُ المؤذنينَ بالمدينة يتوجهونَ القبلةَ في أذانهم ويقيمون عرضًا ، وذلكَ
واسع يصنع كيف شاء . انتهى .
وفي حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذانَ في منامه أنه رأى الذي علمه
النداء في نومه قامَ فاستقبل القبلةَ فأذنَ .
خرجه أبو داود(٢) من حديث معاذ .
والذين رأوا الالتفاتَ . قال أكثرهم : يلتفتُ بوجهه ، ولا يلوي عُنقه ، ولا
يزيلُ قدميه ، وهو قولُ الثوريِّ، والأوزاعيِّ ، والشافعيِّ ، وأحمد في المشهور
عنه ، وأبي ثور ، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة وأصحابه .
وحكي - أيضًا - عن الحسنِ والنخعي والليث بن سعد .
وروى الحسن بن عمارة ، عن طلحة بن مصرف ، عن سويد بن غَفلة ، عن
بلال، قال: أَمَرنا رسول اللّه وَ لَه إذا أذنَّا أو أقمنَا أنْ لا نزيلَ أقدامنا عن
مواضعها .
خرجه الدار قطني في «أفراده))(٣).
والحسن بن عمارة ، متروك .
وقالت طائفة : إن كان في منارة ونحوها دار في جوانبها ؛ لأنه أبلغُ في
(١) في الأصل: ((تصرح)) بالإفراد .
(٢) (٤٩٩) .
(٣) (١٣٧٨ - أطرافه) بتحقيقي .
٥٥٧
١٩ - بَابُ هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا؟
كتاب الأذان
الإعلامِ والإِسماعِ ، وهو روايةٌ عن أحمد وإسحاق ، وظاهر فيه مالك إذا أراد
(١)
الإعلام(١).
وروي عن الحسنِ(٣) أنه يدورُ .
وظاهرُ كلام أصحابنا اختصاص الالتفات بالأذان .
وللشَّافعية في الالتفاتِ في الإقامة وجهان .
والفرق بينهما : أنَّ الأذانَ إعلام للغائبين ، فلذلكَ يلتفت ليحصلَ القصدُ
بتبلغيهم ، بخلاف الإقامة ؛ فإنها إعلام للحاضرينَ ، فلا حاجةَ إلى التَلَفُّت
فيها ، ولذلك لم يشرع في الموعظة في خطب الجمع وغيرها الالتفات ؛ لأنَّها
خطاب لمن حضر ، فلا معنى للالتفاتِ فيها .
وقال النخعيِّ: يستقبلُ المؤذنُ بالأذان والشهادة والإقامة القبلةَ.
خرجه ابن أبي شيبة(٣).
وروى بإسناده(٤) عن حذيفة، أنه مرَّ على ابن النََّّاحِ وهو يؤذنُ، يقول: اللَّهُ
أكبرُ [اللَّهُ] أكبرُ، أشهدُ أنْ لا إله إلا اللَّهَ ، يهوي بأذانه يمينًا وشمالاً ، فقال
حذيفةُ : من يردِ اللَّه أن يجعلَ رزقه في صوتِه فعلَ .
وهذا يدلُّ على أنه كره التَّلَفُّتَ في غيرِ الحَيْعَلَةِ ، وجعله مُنَاكلاً بأذانه .
المسألة الثانية :
جَعْلُ الإِصبعين في الأذنينِ .
(١) كذا السياق بالأصل .
ولعل الصواب: ((وظاهره أن ذلك إذا ... )).
(٢) ابن أبي شيبة (١/ ١٩٠).
(٣) (١٩٥/١) .
(٤) (١ / ١٩١ - ٢٠٧) وقد تقدم.
٥٥٨
حديث : ٦٣٤
کتاب الأذان
وقد حَكَى عن ابن عمرَ ، أنه كانَ لا يفعلُ ذلك .
وظاهر كلام البخاري : يدلُّ على أنه غير مستحبٌّ ؛ لأنه حكى تركه عن ابن
عمر ، وأما الحديثُ المرفوعُ فيه فعلَّقه بغير صيغة الجزمٍ ، فكأنَّه لم يثبت عنده .
وذكر في ((تاريخه الكبير)) (١) من رواية الربيع بن صبيح ، عن ابن سيرين ،
قال : أَوَّل من جعلَ إِصبعيه في أذنيه في الأذانِ عبد الرحمن بن الأصم مؤذنُ
الحجاج .
وهذا الكلامُ من ابن سيرين يقتضي أنه عِنْده بدعةٌ .
وروي عن ابنِ سيرينَ بلفظ آخر .
قال وكيع في ((كتابه)) : عن يزيد بن إبراهيم والربيع بين صبيح ، عن ابن
سيرين ، قال : أَوَّلُ من جعل إصبعًا واحدة في أذنه ابن الأصم مؤذن الحجاج .
وقال ابن أبي شيبةَ (٢) : ثنا ابن علية ، عن ابنِ عونٍ ، عن محمدٍ ، قال :
كانَ الأذانُ أَنْ يقولَ : اللَّهُ أكبرُ ، اللَّهُ أكبرُ ، ثم يجعلُ إِصبعيه ، وأول من تركَ
إحدى إصبعيه في أذنيه ابنُ الأصمِّ .
قال : وثنا أبو أسامة ، عن هشامٍ ، عن ابن سيرين ، أنه كان إذا أذَّنَ
استقبلَ القبلةَ، فأرسلَ يديه، فإذا بلَغَ: ((حيَّ على الصلاة ، حيًّ على الفلاح)»
أدخلَ إِصبعيه في أذنيه .
وهذا يقتضي أنَّه إنَّما يجعلهما في أذنيه في أثناءِ الأذانِ .
وروى وكيع (٣)، عن سفيانَ، عن نُسير(٤) بن ذُعْلُوق ، قال : رأيتُ ابنَ عمر
يؤذن على بعيرٍ .
(١) (٣/ ١ / ٢٥٩) .
(٢) (١٠ / ١٩١).
(٣) وابن أبي شيبة (١٩١/١) وعبد الرزاق (١/ ٤٧٠).
(٤) في الأصل: ((بشير)) خطأ.
٥٥٩
١٩ - بَابُ هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا؟
کتاب الأذان
قال سفيان : قلتُ له : رأيتَه جعلَ إصبعيه في أذنَيْهِ ؟ قال : لا .
وهذا هو المروي عن ابنِ عمرَ ، الذي ذكره البخاريُّ تعليقًا .
وأكثرُ العلماءِ على أنَّ ذلك مستحبٌّ .
قال الترمذيُّ في «جامعه»(١): العملُ عند أهلِ العلمِ على ذلك ، يستحبُّ أن
يُدخل المؤذنُ إصبعيه في أذنيه في الأذان . وقال بعض أهل العلم : وفي
الإِقَامَةِ - أَيْضًا - ، وهو قولُ الأَوْزاعيِّ . انتهى .
وقال إسحاقُ كقولِ الأوزاعيِّ .
ومذهب مالك : إن شاء جعل إِصبَعْيه في أَذانِه وإقامتَهِ ، وإن شاء تَرَكَ - :
ذكره في ((التهذيبٍ)).
وظاهرُ هذا : يقتضي أنَّه ليس بسنة .
وقد سهل أحمد في تركه ، وفي جعلِ الإِصبعينِ في إحدى الأذنينِ .
وسئلَ الشعبيُّ : هل يضعُ إصبعيه على أذنيه إذا أَذَّنَ ؟ قال : يَعُمُّ عليهما ،
وأحدهما يجزئك.
خرجه أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)).
واختلفتِ الروايةُ عن أحمدَ في صِفَةِ ذلكَ :
فروي عنه ، أنه يجعلُ إِصبعيه في أُذنيه ، كقول الجمهورِ .
وروي عنه ، أنه يضمُّ أَصابعه ، ويجعلُها على أُذنيه في الأذانِ(٢) والإقامة .
واختلفَ أصحابُنا في تفسيرِ ذلك :
فمنهم من قال : يضمُّ أصابعَه ، ويقبضهُما على راحتيه ، ويجعلهُما على
أذنيه ، وهو قولُ الخرقي وغيره .
(١) (١/ ٣٧٧) .
(٢) في الأصل: ((الأذنين)) خطأ.
٥٦٠
حديث : ٦٣٤
كتاب الأذان
ومنهم من قال : يضمّ الأصابعَ ، ويبسطُها ، ويجعلُها على أُذنه .
قال القاضي : هو ظاهرُ كلام أحمدٍ .
قال أبو طالب : قلت لأحمدَ : يُدخل إصبعيه في الأُذن ؟ قال : ليسَ هذا
في الحديث .
وهذا يدلُّ على أنَّ روايةَ عبد الرزاقِ ، عن سفيان التي خرجها في ((مسنده))
والترمذي في ((جامعه))(١) غير محفوظة، مع أن أحمد استدلَّ بحديث أبي جحيفة
في هذا في رواية محمد بن الحكم . وقال في رواية أبي طالب - أيضًا - : أحبُّ
إليَّ أنْ يجعلَ أصابع يديه على أُذُنَيْهِ ، على حديث أبي محذورةَ ، وضمَّ أصابعه
الأربع ، ووضعهما على أذنيه .
قال القاضي أبو يعلى : لم يقع لفظ حديث أبي محذورةَ .
قال : وروى أبو حفص العكبري بإسنادِه ، عن [أبي](٢) المثنى، قال : كان
ابن عمرَ إذا بعثَ مؤذنًا يقولُ له : اضْمُمْ أصابعَك مع كفيك ، واجعلها مضمومةً
على أُذُنَيْكَ .
واستحبَّ الشافعيةُ إدخال الإِصبعينِ في الأذنين في الأذانِ ، دونَ الإقامة .
المسألة الثالثة :
الأذانُ على غيرِ وضوءٍ .
حكى البخاريُّ عن عطاء ، أنَّه قال: الوضوءُ حقٌّ وسنّةٌ - يعني في الأذانِ - ،
وعن النخعيِّ ، أَنَّه قال : لا بأسَ أنْ يؤذِّنَ على غيرِ وضوءٍ .
ورجحَ قولَه بقولِ عائشةَ: كان النَّبِيُّ ◌َّةِ يذكر اللَّه على كلِّ أحيانه.
وقد خرجه مسلم(٣) من حديث البهي ، [ عن عروةً ] ، عن عائشةَ .
(١) ((المسند)) (٤٦٧/١) و((جامع الترمذي)) (١٩٧).
(٢) زيادة مني، وهو مسلم بن المثنى، ترجمته في ((التهذيب)).
(٣) (١٩٤/١). والزيادة منه .