النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
٤٠ - بَابُ السمر في الفقه والخير بعد العشاء
كتاب المواقيت
وخَرَج ابن مسعود وأبو موسى من عند الوليد ، وقد تحدَّثوا ليلاً طويلاً ،
فجاءوا إلى سُدَّة المسجد ، فتحدثوا حتى طلعَ الفجر(١).
وقد ذكر البخاري في أواخرِ ((كتاب العلم)»: ((باب: السمر بالعلم))، وقد
سبق في موضعه ، وذكرنا فيه زيادةً هاهنا(٢). والله أعلم .
(١) ابن أبي شيبة (٧٩/٢)، وفيه : أن حذيفة وابن مسعود سمرا عند الوليد بن عقبة.
(٢) لعل الصواب: ((على ما هاهنا)).
:

٣٨٢
حديث : ٦٠٢
کتاب المواقيت
٤١ - بَابُ
السَّمَرِ مَعَ الأَهْلِ وَالضَّفِ
٦٠٢ - ثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ .. ثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: ثَنَا أَبِي: ثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ الصُّغَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ
وَ قَالَ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالث، وَإِنْ أَرْبَعَةٌ فَخَامسٌ أَوْ سَادسٌ)
وَإِنَّ أَبَا بَكْرِ جَاءَ بِثَلاثَةٍ ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ◌َّ بِعَشَرَةٍ. قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - وَلاَ
أَدْرِي هَلْ قَالَ: وَأَمْرَأَنَّي - وَخَادِمِّ بَيْنَ بِيْنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عَنْدَ
الَِّّ ◌َ، ثُمَّ ◌َبِثَ حَتَّى صُلْتِ العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ قَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيَُِّّ، فَجَاءَ
بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَنُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ
قَالَ: ضَيْفِكَ _؟ قَالَ: أَوَ مَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْاْ حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا .
قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، قَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُّوا لَ هَنَيئًا .
فَقَالَ: وَاللَّهِ، لاَ أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَأَيْمُ اللَّه، مَا كُنَّا نَأخُذُ منْ لُقْمَة إلا رَبَا مِنْ أَسْفَلَهَا
أَكْثَرُ مِنْهَا، حَتَّى شَبِعُوا، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ،
فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ. قَالَ لإِمْرأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسِ ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لاَ
وَقُرَّةٍ عَيْنِيٍ ، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرََّتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْر، وَقَالَ:
إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي: يَمِنَهُ -، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى
النَّبِّ ◌َ، فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَعَرَّفْتَ اثنَيْ
عَشَرَ رَجُلاً ، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ ، فَأَكَلُوا مِنْهَا
أَجْمَعُونَ - أَوْ كَمَا قَالَ .

٣٨٣
٤١ - بَابُ السمر مع الأهل والضيف
كتاب المواقيت
في هذا الحديث فوائدُ كثيرة :
منها : استحبابُ إيثارِ الفقراءِ بالشِّبَعِ من الطعامِ ومواساتهم فيه ، فلهذا أمر
من كان عنده طعامُ اثنينِ أن يذهب بثالث ، ومن كان عنده طعامُ أربعة أنْ يذهب
بخامسٍ - أو سادسٍ - ، وهذا شكٍّ من الراوي .
ولفظ مسلم(١) في هذا الحديث : (مَنْ كان عنده طعامُ اثنينٍ فليذهبْ بثلاثة ،
ومن كانَ عنده طعامُ أربعة فليذهبْ بخامسٍ - بسادس)) - أو كما قال .
وهذا يدلُّ على أنَّ الراوي شكَّ .
وفي ((الصحيحين)) (٢)، عن أبي هريرة، عن النبيِّبَّه، قال: ((طعامُ الاثْنَيْن
كافي الثلاثةِ ، وطعامُ الثلاثةِ كافي الأربعةِ» .
وفي ((صحيح مسلم))، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، عن النبيِّ بَِّ: ((طعامٌ
الواحد يَكْفي الاثْنَيْنِ ، وطعامُ الاثْنَيْنِ يكفي الأربعةَ، وطعامُ الأربعة يكفي
الثمانيةَ)) .
وفي هذا إشارةٌ إِلى أنَّ البركةَ تَتَضاعفُ مع الكثرةِ والاجتماعِ على الطعامِ .
وفي ((سنن ابن ماجه))(٣) بإسنادٍ ضعيف، عن عمرَ - مرفوعًا - : ((كُلُوا
جميعًا ولا تَفَرَّقُوا ؛ فإنَّ البركةَ معَ الجَمَاعَةِ» .
وخرَّج أبو داود وابن ماجه(٤) من حديث وَحْشِيٍّ، أَنَّ أصحابَ النبيِّ ◌ِله
قَالُوا : يا رسولَ اللَّهِ، إِنَّا نَأْكُل وَلاَ نَشْبَعُ؟ قال: ((فلعلكم تَتَفَرَّقُون؟)) قالوا:
نَعَمْ . قَالَ : ((فَاجْتَمِعُوا على طعامكم، واذكروا اسمَ اللَّهِ يُبَارِكْ لكمْ فيه)) .
ومعنى : ((يكفي)): أَنَّه يَكْتَفِي به، وإن لم يُشْبِعْهُ .
(١) (٦ / ١٣٠) .
(٢) البخاري (٥٣٩٢) ومسلم (١٣٢/٦).
(٣) (٣٢٨٧) .
(٤) أبو داود (٣٧٦٤) وابن ماجه (٣٢٨٦) وأحمد - أيضاً - (٥٠١/٣).

٣٨٤
حديث : ٦٠٢
کتاب المواقيت
وكان عمرُ في عامِ الرمادةِ يُدْخِلُ على أهلِ البيتِ منَ المُسلمينَ مِثْلَهُمْ ،
ويقولُ : لَنْ يَهْلِكَ امرؤٌ وعنده نصفُ قُوتِه .
فهذا مأخوذٌ مِنْ هذا الحديثِ . والله أعلم .
ومجيء (١) أبي بكرِ بثلاثة، إن كان هو وامرأتُه وابنُه فقط، فقد أتى بنظيرٍ (١)
عِدَّتِهِمْ، وَإِنْ كَانوا خمسةً - على رواية الشك - ، فقد صاروا ثمانية ، وطعام
الأربعةِ يكفي الثمانيةَ .
وأخذ النبيِّ بَّهَ عَشَرَةَ على قَدْرِ قُوَّتِهِ على الإيثارِ ، وما خصَّه اللَّه به من
الجود والكرم في اليُسرِ والإعسارِ .
ومنها : أَنَّه إذا أتى الإنسانُ بضيوفٍ إلى منزله ، فإِنَّه يجوز له أن يَكِلَهُمْ إلى
أهله وولده ، ولا يحضر معهم في الأكلِ ؛ فإنَّ في ذلك كفايةً إذا وَثِقَ من أهله
وولده بالقيام بحقِّهِمْ .
ومنها: اختصاصُ أبي بكرِ بالنبيِّ وَّ فِي عَشائه عنده ، واحتباسِه إلى أن
يمضي ما شاء اللَّه منَ اللَّيْلِ .
وقد سبق حديث عمر في سمرِ أبي بكرٍ وعمرَ عند النبيِّ وَّ في البابِ
الماضي
.
وأَما سبُّ أبي بكرٍ وَلَدَهُ ؛ فَظَنَّهُ أَنَّه قصَّر فى حقِّ ضيفه ، ولم يَقُمْ به كما
ينبغي .
ومعنى ((جَدَّع)) - أي: قَطَّعَهُ بالقولِ الغليظِ .
وأما قوله : ((يا غُنْثَر))، فروي بوجهين - ذكرهما الخطابي (٢ - :
أحدهما : ((عَنْرَ)) بالعين المهملة ، والتاء المثناة من فوق ، وهما مفتوحتان.
(١) في الأصل مشتبهة .
(٢) في ((شرح البخاري)) (٤٥٤/١ - ٤٥٥).

٣٨٥
٤١ - بَابُ السمر مع الأهل والضيف
كتاب المواقيت
قال الخطابي : إن كانت هذه محفوظةً ، فالعنتر : الذبابُ - : قاله ثعلب .
سُمِّيَ به لصوته ؛ وكأنَّه حين حَقَّره وصفَّره شَبَّهه بالذُّباب .
والثاني : ((غُنْثَر)) - بالغين المعجمة المضمومة وبالثاء المثلثة - ، فهو مأخوذٌ
من الغَثَارَةِ ، وهي : الجهْلُ، يقال : رجلٌ أغْثَر وغُنْثَر . والنون زائدة .
ومنها : إثباتُ كراماتِ الأولياءِ وخرقُ العوائدِ لهم .
وهو قول عامة أهل السنة ، ووافق على ذلك المعتزلةُ في زمنِ الأنبياء
خاصة ، كما جرى لأبي بكر في هذه القضية ، وجعلوها من جملة معجزاتهم
حينئذ .
والتحقيق : أنها من جملة معجزات الأنبياء على كل حال ، وفي كل زمان ؛
لأن ما يُكرِمِ اللَّه بذلك أولياءَه ، فإنما هو من بركةِ اتَّبَاعِهِمْ للأنبياءِ ، وحُسْنِ
اقتدائهم بهم ، فدوام ذلك لأتباعهم وخواصِّهم من جملة معجزاتهم وآياتهم .
ومنها : جوازُ الإهداء إلى الإخوان الطعامَ بالليل ، مع العلم بإنهم قد تعشوا
واكتفوا ، وإن أدَّى ذلك إلى أن يبيتَ الطعامُ عِنْدَهُمْ .
واستمرت هذه الآيةُ في ذلك الطعامِ حتى أَكَل منه الجمعُ الكثير من الغَد .
ومعنى : ((عرفنا اثنى عشر رجلاً)) - أي: جعلناهم عرفًا.
وروي : ((ففرقنا)).
ومنها : من حَلَف على يمينِ ، فرأى غيرها خيرًا منها ، فإنَّه يأتي الذي هو
خَيْرٌ ، ولا تُحَرِّم عليه يمينُهُ فعل ما حلف على الامتناع منه ، وهذا قول جمهور
العلماء .
وقد ثبتَ، أن النبيِّ وَّ أَمَرَ بأن يأتي الذي هو خير ويكفِّر ، وكان في نفسه
يفعلُ ذلك .
وقد قيل : إن اليمين تحرِّم المحلوفَ عليه تحريمًا ترفعه الكفارة .

٣٨٦
حديث : ٦٠٢
كتاب المواقيت
والصحيح : خلافه ؛ لأنه يجوز الإقدام على فعلِ المحلوف قبل التكفير
بالاتفاق ، ولو كان محرمًا لوجب تحليلُه بالكفارة قبله ، كالظِّهار .
وفي ((سنن أبي داود))(١) هذا الحديث ، قال : ((ولم يبلغني كفارة)) وهذا من
قول بعض الرواة .
وهذا بمجرده لا ينفي أن يكون أبو بكر كفَّر عن يمينه ، بل الظاهر - أو
المجزومُ به - أنه (٢) كفَّرها .
وقد ثبت من حديث هشامٍ بنِ عروةَ ، عن أبيه ، عن عائشةَ ، قالت : كان
أبو بكرٍ(٢) إذا حَلَفَ على يمينٍ لا يَحْنَثُ، حتى نزلتْ آيَةُ الكفَّارة ، فقال: لا
أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ ، وكفَّرْتُ يميني .
كذا رواه يحيى القطان والليث والثوري وابن المبارك وغيرهم ، عن هشام .
وخرجه البخاري في ((صحيحه هذا))(٤) من رواية النضر بن شُمَّيْل، عن هشام.
وخالفهم الطفاوي ، فرواه عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة (٥).
ورفعه وَهْم منه ، والصحيح : كان أبو بكرٍ - : كذا قاله البخاري(٦)
والدار قطني .
وفي ((صحيح مسلم)) (٧) عن أبي هريرة، قال: أَعْتَمَ رجلٌ عند النبيِّ وَِّ ،
ثم رجع إلى أهله ، فوجد الصِّبيَةَ قد ناموا ، فأتاه أهله بطعام ، فحلف لا يأكل ؛
من أجلِ صِبْيَتَّةٍ ، ثم بدا لهُ فأكلَ، فأتي رسولَ اللَّهُ وَّهِ [فذكر] ذلك [له]، فقال
(١) (٣٢٧١) .
(٢) في الأصل: ((أن)).
(٣) في الأصل: ((كان النبي ◌َّ أبو بكر ... )) وذكر النبي ◌َّر هاهنا إقحام، يدل عليه ما سيأتي.
(٤) (٤٦١٤) (٦٦٢١) .
(٥) أخرجه ابن حبان (٤٣٥٣) والحاكم (٣٠١/٤).
(٦) حكاه عنه الترمذي في ((العلل الكبير)) (ص ٢٥١ - ٢٥٢).
(٧) (٨٥/٥). واستدركت الساقط منه.

٣٨٧
٤١ - بَابُ السمر مع الأهل والضيف
كتاب المواقيت
رسولُ اللَّهِ وَلَّ: ((مَنْ حَلَفَ على يمين فرأى غيرَها خيرًا منها فليأتهَا ، وليكفر
[عن] یمینہ)) .
ولعل هذا الرجلَ هو أبو بكر الصديق ، وتكون الإشارةُ إلى هذه القصة ، إلا
أنَّ حديث عبد الرحمن يدلُّ على أنَّه لم يكن لأبي بكرٍ صبية .
وقد ذهب قومٌ إلى أن من حلَفَ على شيْءٍ فرأى غيره خيرًا منه أنَّه يأتي الذي
هو خيرٌ ، ويكون ذلك كفارةَ يمينه ، وَلاَ يَحتاجُ إلى كفارةٍ بمالٍ أو صومٍ .
وهذا معروفٌ عن ابنِ المسيبِ والشعبيِّ وسعيد بن جبير وسالم وعكرمة ،
وزادَ عليه ، فجعل من حَلَفَ بطلاقٍ على معصيةٍ ، أَنَّه لا يفعل ما حلف عليه ،
ولا طلاقَ عليه .
وهذا شذوذٌ .
وروي أصلُ هذا عن ابن عباسٍ .
وروي عنه مرفوعًا .
خرَّجه ابن حبان في ((صحيحه)(١).
ولا يصحّ رفعه .
وروى مالكُ بن يحيى بن عمرو بن مالك النكري ، عن أبيه ، عن جدِّه ،
عَنْ أبي الجوزاءِ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النبيِّ بََّ: ((من حَلَفَ على يمين، فرأى
غَيْرَها خيراً منها ، فليأتها ؛ فإنها كفارتُها ، إلا طلاقًا أو عتَاقًا)).
خرجه ابن عدي(٢).
وقال : هو غيرُ محفوظ ؛ تفرد به يحيى ، عن أبيه .
ويحيى هذا ، ضعفه ابن معين وغيره .
(١) (٤٣٤٤) .
(٢) (٢٦٦٢/٧) .

٣٨٨
حديث : ٦٠٢
كتاب المواقيت
وقد روي عن النبيِّ بَّ من وجوه متعددة ، أنها كفارتُها أنْ يَأْتي الذي هو
خيرٌ ، وفي أسانيدها كلها مقالٌ .
والأحاديث الصِّحاح كلها تدل على أنه يكفر يمينَه ، قال ذلك أبو داود
ومسلم في ((كتاب التمييز)) (١) وغيرُهما .
وكانت يمينُ أبي بكرٍ ألاَّ يأكلَ هذا الطعام في غضب ، ولهذا قال : إنَّما ذلك
من الشيطان - يعني : يمينَه .
وفيه: دليل على انعقادٍ يمينِ الغضبانِ، كما حلف النبي ◌ِّ في غَضبه أَلاَّ
يَحْمِلَ النَّفَرَ من الأشعريين، ثم حَمَلَهُمْ ، وقال: ((لا أحْلِفُ على يمين ، فأرى
غيرها خيراً منها إلا كفَّرتُ عن يميني ، وأتيت الذي هو خير))(٢).
وفي الحديث: جوازُ الحَلِفِ بقرَّةِ العينِ ؛ فإنَّ امرأة أبي بكر حَلَفَتْ بذلك ،
ولم ينكره عليها .
وقرَّةُ عين المؤمن : هو ربُّه وكلامُه وذكرُه وطاعتُه .
ومقصود البخاريِّ من هذا الحديثِ : جواز السَّمَرِ عند الأهلِ والضيفِ ؛ فإن
أبا بكر سَمَر عند أهله وضيفه لمَّا رجع من عند النبيِّ بَّ ، بعد أن ذهب من
الليلِ ما ذهبَ منه. والظاهرُ - أيضًا -: أنه سَمَرَ عِنْدَ النبيِّوَّر.
وفي السَّمر عند الأهلِ: حديثُ ابن عباسٍ ، أنَّ النبيَّ بَّهِ صلَّى العشاء، ثم
دخل بيته ، فتحدث مع أهله ساعة .
وقد خرّجه [ البخاري ](٣) في موضع آخر .
وقد روي عن عائشة ، أنها رأتْ قومًا يَسْمُرُون ، فقالت : انصرفوا إلى
(١) (ص ٢٠٤ - ٢٠٦) .
(٢) مسلم (٥/ ٨٢) وأحمد (٤٠٤/٤ - ٤١٨) والنسائي (٩/٧) وابن حبان (٤٣٥٤) .
(٣) (٤٥٦٩) وفي الأصل: ((الترمذي)) تحريف.

٣٨٩
٤١ - بَابُ السمر مع الأهل والضيف
كتاب المواقيت
أهْلِيكُمْ، فإن لهم فيكم نصيبًا (١).
وهذا يدل على أنها استحبَّتِ السَّمَرَ عند الأهْلِ لما فيه من المؤانسةِ لَهُمْ ،
وهو من حُسْنِ العشرة .
وقد روي عن النبيِّ بَّ، أنه كان يَسْمُرُ مع بعضِ الوفودِ الذين يَفْدُون عليه
المدينةَ ، وهو من نوعِ السَّمَرِ مع الضَّفِ .
فَخَرَّجَ أبو داود وابن ماجه (٢) من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى
الطائفي ، عن عثمان بن عبد الله بن أوس ، عن جده أوس بن حذيفة ، قال :
كنت في وفد ثقيفٍ، فكان النبيُّ وَ يَأْتينا كُلَّ ليلة بعد العشاء ، فيحدثنا قائمًا
على رجليه ، حتى يتراوحَ بين رجلَيْهِ ، وأكثرُ ما يحدثنا ما لقي من قومِهِ من
قريشٍ - وذكر الحديث .
وسُئِل أبو حاتم (٣) عن هذا الحديث، فقال : حديث أبي بَرْزَة أصحّ منه .
يعني : حديثه : كان يكرهُ الحديثَ بعدَهَا .
وروي الرخصةُ في السَّمر للمصلي والمسافرِ [ ... ](٤) خاصةً .
خرجه الإمام أحمدُ (٥) من رواية خيثمة ، عن رجلٍ من قومه من قريش ،
عن عبد الله، قال: قال رسول اللَّهِ وَ له: ((لاَ سَمَرَ بعد الصّلاة)) - يعني:
العشاء الآخرة - ((إلا لمصلٍّ أو مسافر)).
قال ابن المديني(١): في إسناده انقطاع ؛ لأن الرجل الذي لم يسمِّه خيثمة لا
(١) ابن أبي شيبة (٢/ ٨٠).
(٢) أبو داود (١٣٩٣) وابن ماجه (١٣٤٥) .
(٣) ((العلل)) لابنه (٢٠٣).
(٤) كلمة غير واضحة، ولعلها: ((فيه)).
(٥) (٣٧٩/١ - ٤٤٤) .
(٦) في الأصل: ((أنس المديني)) خطأ واضح. والنص في ((العلل)) له (ص ١٠١).

٣٩٠
حديث : ٦٠٢
كتاب المواقيت
أدري هو من أصحاب عبد اللَّه ، أو لا ؟ وقد روى خيثمةُ عن غيرِ واحدٍ من
أصحابِ عبد اللَّه، منهم : سويد بن غَفَلة، وأرجو أنْ يكون هذا الرجلُ
منهم .
وقال الأَثْرَمُ : هو حديثٌ غيرُ قويٌّ ؛ لأن في إسناده رجلاً لم يُسَمَّ .
وقد أخذ به الإِمامُ أحمدُ ، فكره السَّمَر في حديثِ الدنيا ، ورخَّص فيه
للمسافرِ .
وروي من وجه آخر بزيادة ، من رواية ابن وهب ، عن معاويةً ، عن
أبي عبد الله الأنصاري، عن عائشةَ، أن النبيَّ ◌َّ قال: ((لا سَمَرَ إلا لثَلاثة:
مصلٍّ ، أو مسافر، أو عروسٍ)) .
خرجه سَمُّويه الأصبهاني الحافظ : نا عبد اللَّه بن الزبير(١): نا ابنُ وهب -
فذكره .
وخرجه بقيّ بن مَخْلد في ((مسنده)) : ثنا ابن مقلاص : ثنا ابن وهب :
أخبرني معاوية ، عن أبي حمزة، عن عائشة زوجِ النبيِّ بَّرَ، قالت: ما رأيت
رسول اللَّهِ وَ ﴿ نائمًا قبل العشاء، ولا لأَغِيًّا بعدها، إِمَّا ذاكراً فَيَغْنَمُ، أو نائمًا
فَيَسْلَمُ .
قال معاوية : وحدثني أبو عبد الله الأنصاري ، عن زوج النبيِّ
قالت : السَّمَرُ لثلاثة : لعروس ، أو لمسافرٍ ، أو لمتهجد بالليل .
وهذا موقوفٌ على عائشة .
وأبو عبد اللَّه وأبو حمزة ، مجهولان .
وروى الحسين بن إسحاق التُّسْتَري ، عن أحمد ، أنه سُئل عن السَّمَرِ بعد
(١) في الأصل: ((عبيد الله بن الزبير))، ولعل الصواب ما أثبته، ((عبد الله)) مكبرًا، وهو
الحميدي صاحب («المسند»؛ فإنه من شيوخ سمُّويه ، وهو إسماعيل بن عبد اللَّه بن مسعود ،
لكن لم أر للحميدي رواية عن ابن وهب . فالله أعلم .

٣٩١
٤١ - بَابُ السمر مع الأهل والضيف
كتاب المواقيت
العشاء الآخرة ؟ قال : لا ، إلا لمسافرٍ أو مصلٌّ ، فأما الفقه فأرجو أن لا يكونَ
به بأس .
ونقل عبد الله بن أحمد (١)، عن أبيه ، أنه سُئِلَ عن الحديث [الذي] نهى
رسول اللَّهُ وَّه عن النَّومِ قبل العشاء، والحديثِ بعدَها، والرجلُ يقعدُ مع عياله
بعدما يصلِّي يتحدث ثُمَّ ينامُ : هل يُحَرَّج ؟ قال : ينبغي أن يجتنبَ الحديثَ
والسمرَ بعدها .
وهذا يدلُّ على كراهةِ السَّمر مع الأهل - أيضًا .
وقال سفيانُ الثوريُّ : كان يقال : لا سَمَرَ بعد العشاء ، إلا لمصلٍّ ، أو
مسافرٍ . قال : ولا بأس أن يكتب الشيء ، أو يعملَ بعد العشاء .
وهذا يدلُّ على أنَّ سَهَرَ الإنسان في عملٍ يعمله وحده ، من غير مسامرة
لغيره ، أنه لا كراهةَ فيه ، بخلافِ المسامرةِ والمحادثةِ . والله سبحانه وتعالى
أعلم .
(١) في ((مسائله)) (ص ٨٣) .

1

١٠
يِتَابُ الْآذَاثْ

1

٣٩٥
١ - بَابُ بدء الأذان
کتاب الأذان
بِشِلهِالرَّحِ الرَّحْمَةُ
١ - بَابُ
بَدْء الأذان
وَقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًّا وَلَعَبَّا ذَلكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ [المائدة: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ
الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىْ ذِكْرِ اللّهِ ﴾ [الجمعة: ٩].
يشيرُ إلى أنَّ الأَذَانَ مذكورٌ في القرآن في هاتين الآيتين :
الأُولى منهما : تَشْتمل النداءَ إلى جميع الصلوات ؛ فإنَّ الأفعالَ نكراتٌ ،
والنكرة في سياقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ كلَّ صلاة .
والثانية منهما : تَخْتص بالنداءِ إلى صلاة الجمعة .
وقد رَوَى عبد العزيز بن عمران ، عن إبراهيم بن أبي حَبيبة ، عن داود بن
الحُصَين، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: الأَذان نزل على رسول اللَّه ◌ِ له
مع فَرْضِ الصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ الصَّلاة من يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَاسْعَوْا
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
هذا إسنادٌ ساقطٌ لا يصح .
وهذه الآيةُ مدنية، والصلاة فُرضت بمكة، ولم يصح أن النبي ◌َّ صلَّى
بمكة جُمُعَة. وقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوا﴾ مدنية - أيضاً -،
ولم يُؤذن للصلاة بمكة .
والحديث الذي رُوي أن جبريل لمَّا أَمَّ النبي ◌َّ أول ما فُرضت الصلاة أَمَرَه
أن يُؤذن بالصلاة ، قد جاء مفسراً في رواية أخرى ، أنه يؤذن : الصلاة جامعة .

٣٩٦
١ - بَابُ بدء الأذان
كتاب الأذان
وقد سَبَقَ ذِكرُهُ في أول ((كتاب الصلاة)).
وقد رُوي أن النبي ◌َِّ ليلةَ أُسْرِي خَرَجَ مَلَكٌ مِن وراء الحجاب فأَذَّن ،
فحدَّثْه ربُّه عز وجل والنبي ◌َّ يسمع ذلك، ثم أخذ الملك بيد محمد فقدَّمه فأمَّ
أهل السماء ، منهم آدم ونوح .
قال أبو جعفر محمد بن علي: فيومئذٍ أكمل اللَّه لمحمد وَّ الشَّرفَ على
أهل السماء وأهل الأرض .
وقد خَرَّجه البزار(١) والهيثم بن كُليب في ((مسنديهما)) بسياق مُطَوَّلٍ من طريق
زياد بن المنذر أبي الجارود ، عن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن
جده ، عن علي .
وهو حدیث لا يصح .
وزياد بن المنذر أبو الجارود الكوفي ، قال فيه الإمام أحمد : متروك . وقال
ابنُ معين : كذَّاب عدو اللَّه ، لا يساوي فِلْسًا . وقال ابن حبَّان : كان رافضيًا
يضعُ الحديث .
ورَوَى طلحة بن زيد الرقي ، عن يونس ، عن الزَّهري ، عن سَالمٍ ، عن
أبيه ، أن النبي ◌َّ لما أُسْرِي به إلى السماء أوحى الله إليه الأذان، فنزل به ،
فعلَّمه جبريل .
خرَّجه الطبراني(٢).
وهو موضوع بهذا الإسناد بغير شك .
وطلحة هذا ، كذاب(٣) مشهور .
ونبهنا على ذلك لئلاَّ يُغْتَرَّ بشيءٍ منه .
(١) (٥٠٨) .
(٢) في ((الأوسط)) (٩٢٤٧).
(٣) في الأصل : ((باب)) كذا .

٣٩٧
١ - بَابُ بدء الأذان
كتاب الأذان
وإنما شُرع الأذان بعد هجرة النبي وَجُلّ إلى المدينة، والأحاديث الصحيحة
كلُّها تدل على ذلك .
والأذان له فوائد :
منها : أنه إعلامٌ بوَقْتِ الصلاة أو فعلها .
ومِنْ هذا الوجه هو إخبار بالوقت أو الفعل . ولهذا كان المؤذِّنُ مُؤْتَمَنًا .
ومنها : أنه إعلام للغائبين عن المسجد ؛ فلهذا شُرِعٍ فيه رفع الصوت ،
وسُمِّي نداءً ؛ فإن النِّدَاءَ هو الصوتُ الرفيع .
ولهذا المعنى قال النبي بَ ﴿ لعبد الله بن زيد: ((قم فألقه على بلال ؛ فإنه
أندي صوتًا منك))(١).
ومنها : أنه دعاء إلى الصلاة ؛ فإنه معنى قوله : ((حي على الصلاة ، حي
على الفلاح)) .
وقد قيل : إن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مَمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ
صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] الآية: نزلتْ في المؤذنين، رُوي عن طائفة من الصحابة.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾
[القلم: ٤٣] : إنها الصلوات الخمس حين يُنادى بها .
ومنها : أنه إعلان بشرائع الإسلام من التوحيد والتكبير والتهليل والشهادة
بالوحدانية والرسالة .
خرَّج البخاري في هذا الباب حديثين :
الحديث [الأول] :
قال :
٦٠٣ - ثنا عمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ثنا عَبْدُ الْوَارث: ثنا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ
(١) أخرجه أحمد (٤٣/٤) وأبو داود (٤٩٩) والترمذي (١٨٩) وابن ماجه (٧٠٦). وسيأتي قريبًا.

٣٩٨
حديث : ٦٠٣
کتاب الأذان
أَنَس، قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ والنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأُمَرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ
الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ.
وخَرَّجه البخاري في الباب الآتي ، بلفظ آخر ، وهو: «قال: لما كَثُرَ النَّاسُ
وانتشروا في المدينة. قَالَ: ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلاَةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَه، فَذَكَرُوا
أن يُورُوا نَارًا أو يَضْرِبوا ناقُوسًا، فأُمر بلالُ أن يشفعُ الأذانَ ويُوتر الإقامة)).
وخرَّجه مسلم(١) - أيضًا.
وهذا يدل على أنَّ الأذانَ تَأَخَّرَ عن أول قدومِ النبيِ نََّ المدينة حتى كَثُر
الناسُ وانتشروا في المدينة ومِنْ حولها ، واحتاجوا حينئذٍ إلى تعليم وقت الصلاة
بشيءٍ يَعْرِفُونه معرفةً تامة .
وقوله في هذه الرواية : (فذكروا اليهود والنصارى)) - يعني: أنهم كَرِهُوا
النار والناقوس ؛ لمشابهة اليهود والنصارى في أفعالهم .
ولا يُعرف ذكر ((النار)) إلا في هذه الرواية ، وإنما في أكثر الأحاديث ذكر
الناقوس والبوق ، وفي بعضها ذكر راية تنصب ليراها الناس .
وقد رُوي من حديث خالد ، عن أبي قلابة ذكر النَّاقوس والبُوق - أيضًا .
خرَّجها ابن خزيمة في (صحيحه)) والطبراني(٢) من رواية رَوْح بن عطاء بن
أبي مَيْمُونة ، عن خالدِ الحذَّاء ، عن أبي قِلاَبة ، عن أنسٍ ، قال : كانت
الصلاةُ إذا حضرتْ على عهد النبي ◌ِّ سَعَى رجل إلى الطريق، فنَادَى: الصلاةَ
الصلاةَ ، فاشتد ذلك على الناس ، فقالوا : لو اتخذنا ناقوسًا يا رسولَ اللَّه ؟
قال: ((ذَلك للنَّصَارَى)). قالوا: فلو اتخذنا بُوقًا؟ قال: ((ذلك لليهود)).
فأُمر بلال أن يشفعَ الأذانَ ويُوتر الإقامةَ .
وقال الطبراني : لم يروه - بهذا التمام - عن خالد إلا رَوح . انتهى .
(١) (٢ / ٤) .
(٢) ابن خزيمة (٣٦٩) والبيهقي (١/ ٣٩٠).

٣٩٩
١ - بَابُ بدء الأذان
كتاب الأذان
ورَوْحٌ ، متكلّمٌ فيه .
وفي حديث عبد الله بن زَيْد، أن النبيَّ نَّلَ أَمَرَ بالنَّاقُوس يُعمل ليُضرب به
للناس لجمع الصلاة .
خَرَّجه أبو داود وغيره(١) .
ويعضِّدُه: أن النبي ◌َّ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤْمر فيه
بشيءٍ .
وفي رواية إبراهيم بن سعد ، عن ابن إسحاق لحديث عبد الله بن زيد ،
قال: لمَّا أَجْمَعَ رسولُ اللَّه ◌َلَهِ أن يضرب بالناقوس لجمع الناس للصلاة،
وهو كاره لموافقة النصارى .
وهذا يدلُ على أن النَّاسَ قد اجتمعوا على ذلك، ووافقهم وَّ مع كراهتهِ لَهُ.
وقوله : ((فأُمر بلال)) لا يشك أن الآمر له هو رسولُ اللّهِ وَلَّ، كما صرَّح به
ابن عمر في حديثه الآتي .
قال الخطابي (٢): الأذانُ شريعةٌ من الشرائع، والأمر المضاف إلى الشريعة
في زَمَانِ النبيِ وََّ لا يُضاف إلى غيره. قال: ومن زَعَمَ أن الآمر لبلال به أبو
بكر فقد غَلِطَ ؛ لأن بلالاً لم يُقِمْ بالمدينة بعد موتِ النبي ◌َِّ، وإنَّما لَحقَ
بالشامِ أيامَ أبي بكر . انتهى .
ولقد أبطل مَنْ زَعَم أنَّ أَمرَ بلال بالأذان تأخر إلى زمن أبي بكر ، وأنَّ مدة
النبي وَّ خَلَتْ عن أذان، وهذا لا يقوله مَنْ يَعْقِل ما يقول .
ولعل هذا الزاعم إنما زَعَمَ أن أبا بكر أَمَرَ بإيتارِ الإقامة بعد أن كانت على غير
ذلك في زمن النبي وَلّ .
وهذا في غاية البُطْلاَن - أيضًا - ، وإنما يَحْمِلُ عليه الهَوَى والتعصبُ، وكيف
· (١) أبو داود (٤٩٩) وابن ماجه (٧٠٦).
(٢) في ((شرح البخاري)) (٤٥٦/١).

٤٠٠
حديث : ٦٠٤
كتاب الأذان
يُغيِّرُ أبو بكر بعد موتِ النبي ◌َّ شَرِيعَتَهُ في إقامة الصلاة ويُقرَّه الناس على ذلك ؟
والحديث صريح في أن أمر بلال بذلك كان في أول أَمْر الأذان ، حيث كانوا
يترددون فيما يحصل به إعلامُ الناس بِوَقْتِ الصَّلاةِ ، فحينئذٍ أُمر بلالٌ بأن يَشْفَعَ
الأذان ويُوتر الإقامةَ ، لا يَحتملُ الكلامُ غير هذا المعنى . والله أعلم .
وقد خَرَّج النسائي(١) هذا الحديث من رواية عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب ،
عن أبي قلابة، عن أنس، أن النبي ◌ََّ أَمَرَ بلالاً أَنْ يَشْفَعَ الأَذانَ ويوتر الإقامةَ.
ونَقَلَ عباسٌ الدُّوري ، عن ابن معين ، قال : لم يرفعه إلا الثقفي .
وقد خَرَّجه الدارقطني(٢) من طرق أخرى مُصرِّحًا برفعه - أيضًا - كما رواه
الثقفي .
الحديث الثاني :
٦٠٤ - ثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلان: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاق: ثنا ابْنُ جُرَيْج: أخبرني نَافِعٌ،
أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حينَ قَدمُوا الْمدينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيْنُونَ
الصَّلاَةَ، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا
مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ : أَوَلا
تَبْعَثُونَ رَجُلاً مِنكُمْ يُنَادِي بِالصَّلَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِله: ((يا بِلالُ، قُمْ فَنَادِ
بالصَّلاَة)) .
وخرَّجه مسلم(٣) من طريق عبد الرزاق وحجَّاج، كلاهما عن ابن جُرَيْج
به ، بنحوه.
والحديث صريحٌ في أن المسلمين أول ما قَدمُوا المدينة ورسولُ اللَّهِ وَه
(١) (٣/٢) .
(٢) (١ / ٢٤٠) .
(٣) (٢/٢) .