النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
٣٠ - بابُ الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس
کتاب المواقيت
وخَرَّج الطبراني(١) نحوَهَ من حديث ابنِ المسيّب ، عن أبي هريرة ، عن النبيِّ
صلى الله
TE
وله عنه طرقٌ .
ورُوي عن ابْنِ المسيَّب مرسلاً (٢)، وهو أَصَحُّ .
ومراسيلُ ابنِ المسيَّب أَصَحُّ المراسيل .
وفي (صحيح مسلم))(٣)، عن حَفْصَةً، قالتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ إِذَا طَلَعَ
الفَجْرُ لا يُصَلِّي إِلَّ رَكْعتين خَفَيِفَتْنِ .
وخَرَّجَ الإمامُ أحمد(٤) من حديث شَهْرِ بْنِ حَوْضَبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَسَةَ ،
قَالَ : قلتُ: يَا رسولَ اللَّه، أيُّ السََّعَاتِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((جَوْفُ اللَّيْلِ الآخرُ،
ثُمَّ الصلاةُ مَكْتُوبَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ ، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلاَ صَلاةَ ، إلَّ
الرَّكْعَتَيْن حَتَّى تُصَلِّيَ الفجرَ)) .
وخَرَّجه ابنُ ماجه(٥) من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلَمَانِيِّ، عن عَمْرِو بْنٍ
عَةَ، عن النبيِّنَّ ـ بمعناه، وقال فيه: ((فصلِّ مَا بَدَا لَكَ حَتَّى يطلعَ الصُّبْحُ،
ثم انْتَهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» .
وخرَّجه النسائي(٦)، وعنده: ((حتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْح)).
فقد تَعَارضتْ الروايتان في حديثِ عَمْرو بْنِ عَبَسَةَ .
وممَّا يدلُ على أنَّ وقتَ النهي يدخلُ بطلوعِ الفجرِ: قولُ النبي ◌َّهِ: ((إنّ
(١) في ((الأوسط)) (٨١٦).
(٢) البيهقي (٤٦٦/٢).
(٣) (١٥٩/٢) .
.(٤) (٣٨٥/٤) .
(٥) (٢٨٣). هذه الرواية مختصرة ليس فيها الشاهد .
(٦) (١/ ٢٨٣) .

٢٦٢
حديث : ٥٨١
كتاب المواقيت
بِلاَلاَ يُؤَذَّنُ بِلَيْلٍ حَتَّى يَرْجِعَ فَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ)) .
وقد خَرَّجاه في ((الصحيحين)) (١) من حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ .
فإن معنى: ((يَرْجِعَ قَائِمَكُمْ)) : أنَّ المصلِّي بالليل يُمْسكُ عن الصلاةِ ويكفُّ
عنها .
وقد رخَّصَ طائفةٌ من العلماء في بعضِ الصلواتِ بعد طلوع الفجر ، قبل
صلاة الفجر ، كالوترِ وصلاةِ الليل .
رُوي عن عُمر وعائشة في صلاةِ الليل .
وإلى ذلك ذَهَبَ مالكٌ في الوترِ وقضاءِ صلاة الليل .
ورُوي عن عطاءٍ .
ونَصَّ أحمدُ عليه في الوترِ ، وحَكَى ابْنُ أبي موسى مذهبَ أحمدَ جوازَ
قضاءِ صلاةِ اللَّيلِ فيه بغيرِ خلافٍ حكاه في المذهب ، وحَكَى الخلافَ في بقيةِ
ذواتِ الأسباب ، كتحية المسجدِ وغيرِها .
وقَالَ آخرونَ : لا يدخلُ وقتُ النهي حتَّى يصلِّي الفجر .
ورُويت الرخصةُ في الصلاةِ قبلَ صلاةِ الفجرِ عن الحسنِ وطَاوس .
والمشهورُ عند عامةِ أصحابِ الشافعيِّ من مذهبِهِ : الرخصةُ في ذلك ، حتى
يصلّي الفجر .
وحُكي روايةً عن أحمد .
وفي ((صحيح مسلم)) (٢) عن عَمْرو بْنِ عَبَسة، أنَّه قال للنبيِّ وَجَةِ:
يا رسولَ اللّه، أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: ((صلِّ صلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ
الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، حَتَّى تَرْتَفِعَ ؛ فَإِنَّها تَطْلُعُ حينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانِ،
(١) البخاري (٦٢١) ومسلم (١٢٩/٣). وعندهما: ((وينبه نائمكم)).
(٢) (٢٠٨/٢).

٢٦٣
٣٠ - بابُ الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس
كتاب المواقيت
وَحِينَئِذْ يَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ)) - وذَكَرَ الحديثَ .
وهذا إنَّما يدلُّ بمفهومه ، وقَدْ عارضَ مفهومُهُ منطوقَ الروايات الأولى ،
فيُقدم المنطوقُ عليه .
وقولُهُ : ((حتى تشُرِق الشَّمْسُ) هكذا الرواية: ((تُشْرِق)) بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ
الراءِ ، مِن قولِهِم : أَشْرَقَتْ الشَّمْسُ .
وزَعَم بعضُهم(١): أنَّ الصوابَ: ((تَشْرُقُ)) بفَتْحِ التاءِ، وضَمِّ الراءِ ، من
قولهم: شَرَقَت الشمسُ ، إذا طَلَعَت .
قال : ومعنى أَشْرَقَتْ : أضاءَتْ وَصَفَت .
قال : والمناسبُ هُنَا ذِكْرُ طلوعها ، لا ذِكْر إضاءَتها وصفائِها .
وهذا ليس بشيءٍ، والصواب: ((تُشرق))، والمعنى: حتَّى ترتفعَ الشمسُ،
كما بَوَّبَ عليه البخاريُّ .
والنهي يمتدُّ إلى أنْ ترتفعَ وتضيءَ ويَصْفُو لونُها ، كما في حديث أبي سَعيدٍ،
عن النبيِّ نَ ◌ّهِ: ((لَ صَلاَةَ بَعْدَ الصَّبْحَ حتَّى ترتفعَ الشمسُ)) . وسيأتي - إنْ
شَاءَ اللَّهُ .
مَعَ أنَّ كلا الحديثين قد رُوي فيه : ((حتَّى تطلعَ الشمسُ)) ، وهو من رواية
بعضِ رواتِه بالمعنى الذي فَهِمَهُ منه(٢). واللَّهُ أَعْلَمُ .
وحديث ابْنِ عُمَرَ :
قال البخاريَّ :
٥٨٢ - حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ: ثنا يحيى بنُ سَعيد، عن هشام، قَالَ : أخبرني أبي ،
قال: أخبرَنِي ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لا تَحَرَّوْا بِصَلَائِكُمْ طُلُوعَ
(١) لعله الخطابي. راجع ((شرح البخاري)) له (٤٣٦/١ - ٤٣٧).
(٢) في الأصل: ((فيه)» .

٢٦٤
حديث : ٥٨٢ - ٥٨٣
کتاب المواقیت
الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا)) .
٥٨٣ - قَالَ: وَحدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((إِذَا طَلَعَ حاجِبُ
الشَّمْسِ فَأَخِرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ ، وَإِذَا غَابَ حاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخْرُوا الصَّلاَةَ،
حَتَّى تَغِيبَ)) .
تَابَعَهُ : عَبْدَةٌ .
وحديث عَبْدة الذي أَشَار إلى مُتَابعته: قد خَرَّجه في ((كتاب بدء الخلق))(١):
أخبرنا عَبْدةُ، عن هشامٍ بنِ عُرُوةَ، عن أبيهِ، عن ابنِ عمرَ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه
وََّ: ((إِذَا طَلَعَ حاجبُ الشمسِ فدَعوا الصلاةَ حتَّى تبرُزَ ، وإذا غابَ حاجبُ
الشمسِ فدَعوا الصلاةَ حتَّى تَغيب، لا تَحَيُّوا بصلاتِكم طُلُوعَ الشمسِ ولا غُرُوبَها؛
فإنها تَطْلُعُ بينَ قَرني شيطان)) - أوِ ((الشيطان)) ، لا أدري أيَّ ذَلكَ قال هشامٌ ؟
وخَرَّجه مسلم(٢) من رواية وكيعٍ وابْنِ نُمَيْرٍ ومُحمدِ بنِ بِشْرٍ ، كلُّهم عن
هِشامٍ - بنحوِه .
وفي روايةٍ له : ((فإِنَّها تَطْلُعُ بِقَرْنَي الشَّيِّطَانِ)) .
وإنَّما احتاج البخاريُّ إلى ذِكْرِ المتابعة في هذا الإسناد ؛ لأنَّ عُروةَ قد اختُلُف
عليه فيه :
وهُمَا حديثان: حديثُ : ((لا تَحَرَّوا بِصَلاتكم))، وحديثُ: ((إِذَا طَلَعَ
حاجِبُ الشمسِ)) .
وقد رَوَى ابنُ إسحاق ، عن هِشامٍ ، عن أَبِيهِ ، عن عائشةً: حديثَ : ((إذَا
طَلَعَ حاجِبُ الشمسِ)) - الحديث، ووَهِمَ في قولِهِ: ((عن عائشة))(٣).
(١) (٣٢٧٢) .
(٢) (٢٠٧/٢) .
(٣) انظر ((التمهيد)» (٢٢/ ٣٢٧، ٣٢٩).

٢٦٥
٣٠ - بابُ الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس
کتاب المواقيت
ورَوَاَهما عن مالكٍ وعُرُوة(١)، عن هشامٍ ، عن أبيه - مرسلاً .
ورَوَى مسلمة بن قَعْنَب(٢)، عن هِشامٍ ، عن أبيه ، عن ابنِ عمر - أو : ابن
عَمْرو -، عن النبيِّ وَِّ: حديث: ((لا تَحرَّوا)).
والصحيح : قول القطان ومن تابعه -: [رواه](٣) الدار قطني.
وذَكَرَ ابنُ عَبْدِ البر(٤) أنّ أيوبَ بْنَ صالحٍ رَوَاه ، عن مالكٍ ، عن هِشامٍ ، عن
أبيه ، عن عائشةَ .
قال : وأيوب هذا لَيس ممن يُحتج به ، ولَيْسَ بالمشهورِ بحَمْلِ العلم .
ورَوَى ابْنُ لَهِيعة ، عن أبي الأسود ، عن عُروة ، عن عائشة ، عن النبيِّ
وَله : حديث : النهي عن الصلاة عند الطلوعِ والغروب.
خَرَّجه الإمامُ أحمد (٥) .
ورَوَىَ ابنُ إسحاق ، عن محمدِ بنِ جعفر بن الزبير ، عن عُرْوة ، عن
عائشةَ - موقوفًا - : إذا طَلَعَ حاجبُ الشمس .
والصواب : حديثُ عُرْوة ، عن ابنٍ عُمَرَ .
ومَنْ قَالَ : ((عن عائشة)) فقد وَهِمَ : ذَكَرَه الدار قطنيُّ وغيرُه .
فإنَّ عُرْوةَ عن عائشةَ سلسلةٌ معروفةٌ يسبقُ إليها لسانُ من لا يَضْبط ووهمُه ،
بخلافِ : عُرْوة، عن ابنِ عُمَرَ ، فإنَّه غريبٌ ، لا يقوله إلا حافظ متقن .
ورَوَه الدَّرَاوردِيُّ ، عن هشام ، عن أبيه ، عن سالمٍ ، عن أبيه .
(١) كذا بالأصل ((هـ))، ولعل الصواب: ((ورواهما مالك وغيره)).
(٢) في الأصل : ((سعيد)) خطأ .
(٣) كذا، ولعل الصواب: ((قاله)).
(٤) في ((التمهيد)) (٣٢٧/٢٢).
(٥) (٦/ ٧٤) .

٢٦٦
حديث : ٥٨٤
کتاب المواقيت
ووَهِمَ في قولِه: ((عن سالم))، ولم يُتَابَع عليه - : قاله الدار قطنيَّ - أيضًا .
واختلف في معنى قولِه : ((تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْني الشيطان)) على قولين :
أحدهما : أنه على ظاهرِه وحقيقته .
وفي حديثِ الصّنَابِحِيِّ، عن النبيِ نَّهِ، قال: ((إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قرني
شيطان ، فإذا ارتفعتْ فَارَقَهَا، فإذا كانتْ في وسط السماء قَارَنَها، فإذا دَلَكَتْ)) -
أو قال: ((زَالَتْ - فَارَقَها، فإذا دَنَتْ للغُرُوبِ قَارَنَهَا، فإذا غَرَبَتْ فَارقها ، فلا
تُصَلُّوا هذه الساعات الثلاث)) .
خرَّجه مالكٌ وأحمدُ والنسائيُّ وابنُ ماجه(١).
ورَوَى أبو بكر الهُذَلِيُّ ، عن عِكْرمة ، عن ابْنِ عَّاسٍ : إنَّ الشمسَ إذا
طَلَعَتْ أَتَاهَا ملكٌ عن اللَّهِ يأمرها بالطلوع، فيأتيها شيطانٌ يُريدُ أنْ يصدَّها عن
الطلوعِ ، فتطلع بَيْنَ قَرْنَيْهِ ، فيحرقه اللهُ فيها ، وما غربت الشمس قطُّ إلا
خَرَّتْ للَّه ساجدة ، فيأتيها شيطانٌ يريدُ أنْ يصدَّها عن الغروبِ ، فتغرب بين
قَرْنَيْهِ، فيحرقه اللَّه تحتها ، وذلك قولُهُ مِّهِ: ((ما طلعتْ إلا بَيْنَ قَرْنَي شيطانٍ،
ولا غَرَبَتْ إلا بَيْنَ قَرْنَي شيطان)) .
خَرَّجِه ابنُ عَبْد البر(٢) .
والهُذَلِيُّ ، متروك الحديث .
وأهلُ هذا القولِ ، منهم من حَمَلَ القرنَ على ظاهرِهِ ، وقَالَ : يمكن أن
يكونَ للشيطانِ قرنٌ يُظْهره عند طلوعِ الشمسِ وغروبِها .
ومنهم من قال : المرادُ بِقَرْنَيْهِ جَانبي رأسِهِ ، وإليه ميل ابن قتيبة .
والقول الثاني : أنَّ المرادَ بطلوعِها وغروبِها بَيْنَ قَرْنَي الشيطان : مَنْ يَسْجُدُ
(١) مالك (ص ١٥٣) وأحمد (٣٤٨/٤ - ٣٤٩) والنسائى (٢٧٥/١) وابن ماجه (١٢٥٣).
(٢) (٤ / ٧) .
١

٢٦٧
٣٠ - بابُ الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس
كتاب المواقيت
لها من المشركين ، كَمَا في حديث عَمْرو بن عَبَسة المتقدم ، ((إنَّها تَطْلُعُ بين قَرْنَي
الشيطان ، وحينئذ يسجدُ لها الكفارُ)).
والقرن: الأُمَّةَ (١). ونَسَبَه إلى الشيطان؛ لطاعتهم إياه، كما قال: ﴿أَوْلَئِكَ
حِزْبُ الشَّيْطَانِ ﴾ [المجادلة: ١٩] .
ومنه : قولُ خَبَّب في القُصَّاصِ للإنكارِ عليهم: هذا قَرْنٌ [قد] طَعَ (٢).
ورَجَّحَ هذا القولَ كثيرٌ من المتأخرين أو أكثرُهم ، وفيه نظرٌ ؛ فإنَّ حديثَ
عَمْرو بن عَبَسةَ يدلُّ على أنَّ طلوعَها بين قَرْنَي الشيطان غير سجودِ الكفَّارِ لها ؛
ولأنَّ الساجدينَ للشمسِ لا ينحصرون في أمتين فقط .
وقالتْ طائفةٌ: معنى: ((بين قَرْنَي الشيطان)): أنَّ الشيطانَ يتحركُ عندَ
طُلُوعِها ويَتَسلَّط - : قاله إبراهيم الحربي، ورَجَّحه بعضُهم بأنَّه يُقال: أنا مُقْرِنٌ
لهذا الأمرِ ، أي: مُطِيقٌ لَه(٣) .
وهذا بعيدٌ جدًا . واللهُ أعلم .
وحديث أبي هريرة :
قال البخاريُّ :
٥٨٤ _ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إَسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْد اللَّه، عن خُبَيْب بْن
عَبْدُ الرَّحْمنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َ نَهِى عَنْ
بَيْعَيْنِ ، وَعَنْ لِبْسَيْنِ ، وَعَنْ صَلاَتَيْنِ: نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ
الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ اشْتمال الصِّمَّاءِ ، وَعَنِ الاحْتِباءِ
(١) ((التمهيد)) (١٠/٤).
(٢) خرَّجه ابن عبد البر في «التمهيد (١١/٤، ١٢) والزيادة منه، ومن ((النهاية)) (٥٢/٤).
(٣) انظر ((شرح الخطابي)) (١٥٠٨/٣) وفيه وفي ((النهاية)) بأتم مما هنا؛ وقيل : معنى القرن:
القوة .

٢٦٨
٠٠
حديث : ٥٨٤
كتاب المواقيت
فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، يُقْضِي فَرْجَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَعَنِ المُنَابَذَةِ وَالمُلاَمَسَةِ .
النهي عن اشتمالِ الصَّمَّاءِ والاحتباءِ سَبَقَ الكلامُ عليه .
والنهي عن المنابذة والملامسةِ موضعه البيعُ .
وأمَّا النهي عَنِ الصَّلاَتَين ، فهو موافقٌ لحديثِ عمر المتقدم .

٢٦٩
٣١ - بَابُ لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
کتاب المواقيت
٣١ - بَابٌ
لا يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ
فيه أربعةُ أحاديث :
الأوَّل :
٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أنا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أنَّ
رَسُولَ اللَّهِ بَ قَالَ: ((لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلاَ عِنْدَ
غُرُوبِها)) .
هكذا في رواية البخاريِّ: ((لاَ يَتَحَرَّى))، على أنَّه خبرٌ أريد به النهي . وفي
رواية لمسلم(١): ((لاَ يَتَحَرَّ)، على أنه نهي .
وهذا الحديثُ موافقٌ لروايةٍ عُرْوة ، عن ابنِ عمر ، كما تقدم .
وقد رَوَى هذا الحديثَ - أيضًا - عُبيد اللَّه بنُ عُمَرَ ، عن نَافِعِ ، عن ابْنِ
عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِوَ نَهَى أنْ يُصَلَّى مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أو مَعَ غُرُوِها.
:
خَرَّجَهُ النَّسَائِيُ (٢) من طريقِ خالدٍ ، عنه .
ورواه يحيى بن سليم وعبد الرحيم بن سليمان ، عن عُبيد اللَّه ، عن
نَافِعِ(٣)، عن النبي ◌ِّ، أنه نَهَى عن الصلاةِ بعد الصبحِ حتَّى تطلعَ الشمسُ،
وبعد العصرِ حتى تغربَ الشمسُ .
وهو حديثٌ منكر - : قاله أبو حاتم الرازي وغيرُه .
(١) (٢٠٧/٢) .
(٢) (١/ ٢٧٧) .
(٣) كذا الحديث في الأصل مرسلاً ، وما أظنه هكذا ، بل الظاهر أنه عن نافع ، عن ابن عمر ،
عن النبي ◌َّي. ثم وجدته في ((العلل)) (٥٤٤) عن نافع عن عمر. فالله أعلم .

٢٧٠
حديث : ٥٨٥ - ٥٨٦
كتاب المواقيت
وذَكَرَ الدَّار قطنيُّ أنهما وَهِمَا في إسنادِه على عُبيد الله بن عمر ؛ فإنَّ عُبيد الله
إنما رَوَى هذا المتن عن خبيب بْنِ عبد الرحمن ، عن حَفْصِ بنِ عاصمٍ ، عن
أبي هريرة كما سَبَقَ .
ورَوَى - أيضًا - ابنُ أبي ذئب ، عن مسلم الخياط ، عن ابنِ عمر ، عن
النبيِ وَجّل، قال: ((لاَ صَلاةَ بعدَ العصر حتَّى تغرب الشمسُ، ولا بعدَ الصبحِ
حتّی ترتفع الشمسُ وتضحی))(١).
مسلمٌ ، وثقه ابنُ معين وغيرُه .
وهذا غريبٌ عن ابنِ عُمَرَ ، بل منكر ؛ فإنَّه لا يصح عنه روايةٌ في النهي عن
الصلاةِ بعد الفجرِ والعصرِ ؛ فقد صَحَّ عنه أنَّه رَخَّصَ في ذلك ، كما خَرَّجه
البخاريّ ، وسيأتي - إن شاء الله تعالى .
الحديث الثاني :
٥٨٦ - حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْد اللَّه: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْد، عن صالحٍ ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ: حَدَثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الجُنْدَعِيُّ ، أَنَّه سَمِعٌّ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيّ
يقولُ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ بَ يَقُولُ: ((لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتّى تَرْتَفِعَ
الشَّمْسُ ، وَلَاَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ)) .
وقد رُوِيَ هذا عن أبي سَعيدٍ مِنْ وجوه متعددة :
وخَرَّجه البخاريُّ في «الصيام)»(٢) من طريقِ عَبْدِ الملكِ بْنِ عُمَيْرِ ، عن قَزَعة،
عن أبي سعيدِ الخُدُرِيِّ، عَنِ النبيِ وَهِ، قَالَ: ((لاَ صَلاةَ بَعدَ الصَّبْحِ حتَّى تَطْلُعَ
الشمسُ ، وَلَاَ بَعْدَ العصر حتَّى تَغْرُبَ الشمس)) .
ومن حديث(٣) عَمْرو بنِ يَحْيَى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن
(١) أخرجه أحمد (٤٢/٢).
(٢) (١٩٩٥).
(٣) (١٩٩١) .
....

٢٧١
٣١ - بَابُ لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
كتاب المواقيت
النبيِ وََّ، أَنَّه نَهَى عن صلاة بعد الصَّبِحِ والعصرِ.
الحديث الثالث :
قال :
٥٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بُنْ أَبَانَ: ثنا غُنْدَرٌ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي التّيَّاح ، قال:
سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ، عَن مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : إِنَّكُمْ لَتُصَلُونَ صَلاَةً ، لَقَدْ
صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِيها، وَلَقَدْ نَهَى عنها - يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ
الْعَصْرِ .
قال الإسماعيليُّ: قد رَوَاه عثمانُ بنُ عُمَرَ ، عن شُعْبة ، عن أبي النَّاحِ ،
عن مَعْبَدِ الجُهني ، عن مُعَاوية - جعل بدل حُمْران : مَعْبَدًا .
قلتُ : غُنْدَر مقدمٌ في أصحابِ شُعْبة على عثمانَ بْنِ عُمَرَ وغيرِهِ .
قال أحمد : ما في أصحابِ شعبة أقلَّ خَطَأْ من غُنْدَر .
وقد تُوبع عليه؛ فخَرَّجه الإمامُ أحمد في ((مسنده)(١) عن غُنْدَر وحجَّاج ،
عن شُعْبة ، عن أبي النََّّاحِ ، عن حُمْرَان .
وكذا رَوَاَه شَبَابة بن سَوَّار وقُرَاد أبو نوح ، عن شُعْبة .
ورَوَاه أبو داود الطيالسي(٢)، عن شعبة، قال: أخبرني أبو التّاح ، عن
مَعْبدِ الجُهني ، قال : خَطَبَ معاويةُ ، فَقَالَ : أَلا مَا بَالُ أقوامٍ يُصَلُّون صلاةً ، قد
A
صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ وَ جليه فما رأيناه يصليها، وقد سمعناه نَهَى عنها - يعني :
الركعتين بعد العصر .
وهذه متابعةٌ لعثمانَ بْنِ عمر .
قال البيهقيُّ : كأنَّ أبا النََّّحِ سَمِعَه منهما . والله أعلم.
(١) (٤/ ٩٩ ) .
(٢) أخرجه البيهقي (٢/ ٤٥٣).

٢٧٢
حديث : ٥٨٨
كتاب المواقيت
الحديث الرابع :
قال :
٥٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمِ: ثنا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الَّه ◌ِله
عَنْ صَلاَتَيْنِ: بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ .
وهذا الحديثُ سَبَقَ في البابِ الماضي بأتمَّ من هذا السياقِ .
ومقصودُ البخاريِّ بهذا : ذِكْرُ الوقتين الضيقين المنهي عن الصلاة فيهما ،
وهما : عند غروبِ الشمسِ ، وعند طلوعِها .
ومقصودُه بالباب الذي قبلَه : ذكْرُ الوقتين المتسعين ، وهما : بعدَ الفجرِ ،
وبعدَ العصرِ .
فهذه أربعةُ أوقات :
الوقتُ الأول : أوَّلُهُ : طلوعُ الفجرِ عندَ جمهورِ العلماءِ ، ومنهم مَنْ قَالَ :
الانصرافُ مِن صلاةِ الفجر .
وقد سَبَقَ ذِكْرُ هذا الاختلافِ في الباب الماضي .
وآخرُهُ : أَخْذُ الشمسِ في الطلوع .
والوقتُ الثاني : أوَّلُّه : أخذُ الشمس في الطلوعِ ، وهو بدوَّ حاجبها ، كما
في حديثِ ابْنِ عُمَرَ .
وآخرُهُ : أن ترتفعَ الشمسُ ، كما في حديثِ ابْنِ عُمَرَ وأبي سعيدِ وغيرِهِما .
وجاءَ من حديثِ ابنِ مسعودٍ - مرفوعًا - : ((حتَّى ترتفعَ وتبيضَّ)) .
خَرَّجه الهيثمُ بْنُ كُلَيْبٍ بإسنادٍ فيه انقطاعٌ .
وجاءَ في حديث كَعْب بن مُرَّةً - أو مُرَّةَ بن كَعْب -، عن النبيِ نَّهِ: ((حتّى

٢٧٣
كتاب المواقيت ٣١ - بَابُ لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
تَرْفعَ قِيْدَ رُمْحٍ ، أَوْ رُمْحَين)) .
خَرَّجه الإمامُ أحمد (١).
وفي إسناده اختلافٌ .
وخَرَّجه الإسماعيليُّ من حديثِ عُمَرَ بْنِ الخطاب ، عن النبي ◌َّر ، بإسناد
حديثه الذي خَرَّجه البخاريّ هاهنا ، ولكن متنه بهذا الإسنادِ منكرٌ غيرُ معروف .
وفي ((مسند الإمام أحمد))(٢) عن سَعيدٍ(٣) بْنِ نَافِعٍ ، قال: رآني أبو بَشِير
الأنصاريُّ صَاحِبُ النبيِ نَّهِ وَأَنَا أُصَلِي صَلاَةَ الضُّحَى حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ،
فَعَبَ ذَلِكَ عَلَيَّ، وَهَانِ، وَقَالَ: إنَّ رسولَ اللّهِ وَ لَ قَالَ: ((لا تُصَلُّوا حَتَّى
تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ فِي (٤) قَرْنِي الشيطانِ» .
وسعيدُ بن نَافِعِ ، رَوَى عن جماعةٍ من الصحابة ، وذَكَرَه ابنُ حِبَّن في
((ثقاته)) .
وخَرَّج النسائي(٥) من حديث عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ البَيْلَمَانِيِّ، عن عَمْرو بنِ
عَبَسَةَ، أَّ سَأَلَ النبِيَّ نَّهِ: هَلْ مِنْ سَاعَةِ أَقْرَبُ من اللَّه؟ قال: ((نَعَمْ؛
جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ ، فَصَلِّ مَا بَدَاَ لَكَ حتَّى تُصلِّي الصُّبْحَ، ثُمَّ انْتَهِ حَتَّى تَطْلُعَ
الشَّمْسُ ، فَمَا دَامَتْ كَأَنَّهَا حَجَفَةٌ حَتَّى تَنْتَشِرَ، ثُمَّ صَلِّ مَا بَدَا لَكَ)) - وذَكَرَ
الحديثَ .
وخَرَّجه - أيضًا (٦) - من حديث أبي أُمَامة الباهلي، عن عَمْرو بن عَبَسَةَ ، عن
(١) (٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ٣٢١) .
(٢) (٢١٦/٥) .
(٣) في الأصل ((هـ)): ((بشير)) خطأ. وراجع: ((التعجيل)) (ص ١٥٥).
(٤) كذا، وفي ((المسند)): ((بَيْنَ)).
(٥) (٢٨٣/١ - ٢٨٤) .
(٦) (٢٧٩/١ - ٢٨٠).

٢٧٤
حديث : ٥٨٨
كتاب المواقيت
النبىُّ بَّهُ، وفيه: قال : ((فَدَعِ الصَّلاةَ حتَّى تَرْتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ، وَيَذْهَبَ شُعَاعُهَا)).
وخَرَّجه أبو داود(١)، وعنده: ((ثم أَقْصِرْ حتَّى تطلعَ الشمسُ قِيدَ رُمْحٍ - أو
رمحين)) .
وقال سفيانُ ، عن هِشامٍ ، عن ابنِ سيرين : تَحْرُمُ الصلاةُ إذا طلعت
الشمسُ حتَّى تكونَ قِيدَ نَخْلَة ، وتَحْرُمُ إِذَا تغيرتْ حتَّى تغرب(٢).
والوقت الثالث : أوَّلَه : إذا فَرَغَ المصلِّي من صلاةِ العصرِ .
وآخرُهُ : دخولُ الوقتِ الرابع .
والوقتُ الرابع : آخرُهُ : تكاملُ غروبِ الشمسِ بغير خلافٍ .
ولم يَرِدْ ما يخالفُ هذا إلا حديث : ((لا صلاةَ بعدَها - يعني : العصرَ - حتّى
يطلعَ الشاهدُ) ، وهو النجمُ .
وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُه، وأنَّ من الفقهاءِ من تَعلَّق به في قولِه بكراهةِ التنفلِ قبلَ
صلاة المغرب ، وهو قولُ أبي حنيفة وغيرِه .
وقال إسحاقُ : صلاةُ الركعتينِ قبلَ المغربِ رخصةٌ ، فلا يزاد حينئذ على
ركعتين وليست بسنة ، نقله عنه ابن منصور .
ويكون عنده ما بعد غروب الشمس وقبلَ صلاة المغرب ، كما بين طلوع
الفجر وصلاة الصبح ، لا يُزاد فيه على ركعتين .
وأمَّا أوَّله : ففيه قولان :
أحدُهما : أنه أَخْذُ الشمسِ في الغروبِ حتَّى تَتَكامَل ؛ لحديثِ ابنِ عُمَرَ :
(١) (١٢٧٧) .
(٢) رواه عبد الرزاق (٤٢٧/٢) عن هشام بن حسان عن ابن سيرين، لكن فيه: ((تكره بعد
الصبح حتى ترتفع قيد نخلة ، وتحرم حين تصفر حتى يستوي غروبها .... )) .
ورواه يزيد بن هارون عن هشام عن ابن سيرين مختصرًا ، رواه عن يزيد بن أبي شيبة
(١٣٢/٢) .

٢٧٥
٣١ - بَابُ لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
کتاب المواقيت
((إذا غَابَ حاجبُ الشمسُ فَدَعُوا الصلاةَ حتَّى تَغيب))(١).
وهذا قولُ الحنفية ، وأكثرُ أصحابِنا وغيرِهم .
والثاني : أوَّلَه : إذا اصْفَرَّتِ الشمسُ ، وقد تقدمَ عن ابنِ سيرين ، وحُكي
عن مالك والشافعيِّ وإسحاقَ ، وحكاه ابنُ المنذرِ عن أهلِ الرأي ، ورَجَّحَه
بعضُ أصحابِنا ، ومنهم مَنْ حَكَاهما روايتين عن أحمد .
ورأى شُرِيحٌ رَجُلاً يصلّي حين اصفارت الشمسُ ، فقال : انْهوه أن يصلِّي ؛
فإنَّ هذه ساعةٌ لا تَحِلُّ فيها الصلاة(٢) .
وتبويبُ البخاريُّ هاهنا يشهدُ لهذا القول ، ولكنه لم يستشهد له إلا بالنهي عن
الصلاةِ بعدَ العصرِ ، وفيه نظرٌ ؛ فإنَّه يجعلُ الوقتين وَقْتًا واحدًا .
وإنما يُستدل له بحديثٍ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عن النبيِ وََّ، أَنَّه نَهَى عن الصلاة
حين تَضَيَّفُ الشَّمْسُ للغروبِ حَتَّى تَغْرُبَ .
خرجه مسلم (٣).
ومعنى : تَضَيَّفُ للغروبِ : تَميلُ إليه .
وفي روايةٍ للإمامِ أحمد(٤) من حديث كَعْب بن مُرَّةً - أو مُرَّةً بن كَعْب - ، عن
النبيِ نَّه، أنه قَالَ بعدَ زوالِ الشمسِ: ((ثم الصلاةُ مقبولةٌ حتَّى تكونَ الشمسُ
قيد رمح - أو رُمْحَين -، ولا صلاةَ حتَّى تغربَ الشمسُ)) .
وخَرَّج - أيضًا (٥) - من حديثٍ عَمْرو بن عَبَسَة، عن النبيِ وََّ، قال: ((إذَا
وستِلم
تَدَلَّتِ الشَّمْسُ للغُروبِ فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» .
(١) أخرجه أحمد (١٣/٢، ١٩، ٢٤، ١٠٦) والبخاري (٥٨٣) ومسلم (٢٠٧/٢).
(٢) ابن أبي شيبة (١٣٥/٢).
(٣) (٢٠٨/٢) .
(٤) (٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ٣٢١) .
(٥) (٣٨٥/٤) .

٢٧٦
حدیث : ٥٨٨
كتاب المواقيت
وسنذكره بتمامه فيما بعد - إنْ شاء اللَّهُ تعالى .
فأمَّا الوقتانِ الضيقانِ عندَ طلوعِ الشمسِ وغروبِها ، فجمهورُ العلماءِ على
النهي عن التنفلِ بالصلاةِ فيهما ، وقد حكَاه غيرُ واحد إجْمَاعًا ، ولكن رُوي عن
ابنِ الزبير ، أنه كَانَ يُصلِّي عند غروبِ الشمسِ .
فخَرَّجَ النسائي(١) من طريقِ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ ، قال : سألتُ أَبَا مِجْلَز عن
الرَّكْعتينِ عندَ (٢) غروبِ الشمسِ ؟ فَقَال : كانَ عبدُ اللَّه بنُ الزُّبير يصليهما ،
فَأَرْسَلَ إليه معاويةُ: مَا هَاتَانِ الركعتانِ عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فاضْطَرَّ الحديثَ إِلى
أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ يُصلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ العصرِ،
فشُغِلَ عنهما فَرَكَعَهُمَا حِينَ غَابتِ الشَّمْسُ، وَلَمْ أَرَهُ يُصَلِّيهِمَا قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ .
وروى محمدُ بْنُ حُبَيِّ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَّةً، عن أبيه ، قَالَ : رأيتُ يَعْلَى بن
أَمَّةَ صلَّى قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشمسُ، فَقِيلَ له : أَنْتَ رَجُلٌ من أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه
وَه، تُصَلِّي قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ؟ قَالَ يَعْلَى: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ:
((إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنِي شيطان، فلأن تَطْلُع وَأَنْتَ في أَمْرِ اللَّه خَيْرٌ من أَنْ تَطْلُعَ
وأنتَ لاَ)) .
خَرَّجه الإمام أحمد (٣) .
ومحمد بن حُبَيِّ بن يَعْلَى بن أُميَّة ، قال ابنُ المديني: هو مجهولٌ . قال:
وأبوه معروفٌ ، قد روي عنه .
مع أنَّ يَعَلَى إنَّما كانتْ صلاتُهُ قبلَ طلوعِ الشمسِ ، لكن تعليله يقتضي عدمَ
كراهةِ الصلاةِ عند طلوعِها .
وأمَّا الوقتان المتَّسعانِ ، وهما : بعدَ الفجرِ ، وبعدَ العصرِ، فاختلف العلماءُ:
(١) (١/ ٢٨٢) .
، (٢) في النسائي: ((قبل)).
(٣) (٢٢٣/٤) .
٠

٢٧٧
٣١ - بَابُ لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
كتاب المواقيت
فمنهم مَنْ قَالَ : لاَ بَأْسَ بالصلاة فيهما ، وهذا مرويٌّ عن جماعة من
الصحابة :
منهم : ابنُ عمر .
وقد خرَّج البخاريُّ قولَه في الباب الآتي .
ومنهم : عائشةُ .
ففي ((صحيح مسلم))(١) عن طَاوُسِ ، قَالَ : قالتْ عَائشةُ: وَهِمَ عُمَرُ ، إنما
نَهَى رسولُ اللَّهِ وَّهِ أنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشمسِ وغُرُوبُها .
وَمَعْنى قولِها : وَهِمَ عُمَرُ - أي : فيما رَوَى من النهي عن الصلاةِ بعدَ الفجرِ
وبعدَ العصرِ .
وفي ((صحيح ابنِ حِبَّان))(٢) من روايةِ شُعْبة ، عن المقدامِ بْنِ شريح ، عن
أبيه، قال : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَتْ: صَلِّ؛ إنَّمَا نَهَى
رَسُولُ اللَّهِ لَ عَنِ الصَّلاةِ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَإِذَا غَرَبَتْ الشمسُ.
ومنهم : بلالٌ .
رَوَى قَيْسُ بْنُ مُسْلِم، عن طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ بِلاَلٍ ، قال: لم يكُنْ
يُنْهَى عَنِ الصَّلاَةِ إِلاَّ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ .
وخَرَّجه الإمامُ أحمد(٣).
وخَرَّجه ابنُ أبي شَيْبَةً(٤)، وعنده: ((عندَ غُرُوبِ الشمسِ)) .
والظاهرُ : استواءُ الطلوعِ والغروبِ ، ولا يُعلمُ عن أحدِ التفريقُ بينهما .
(١) (٢ / ٠ ٢١) .
(٢) (١٥٦٨). وليس في آخره: ((وإذا غربت الشمس)).
(٣) (١٢/٦) .
(٤) (٢ / ١٣٤) .

٢٧٨
حديث : ٥٨٨
كتاب المواقيت
واختار ابنُ المنذر أنَّ أوقات النهي ثلاثة : وقتُ الطلوعِ ، ووقتُ الغروبِ ،
ووقتُ الزوال خاصَّةً .
وممَّن رَخَّص في الصلاةِ بعدَ العصرِ والشمسُ مرتفعةٌ : عليّ بنُ أبي طالب ،
والزبيرُ ، وتميمٌ الداري ، وأبو أيوب ، وأبو موسى ، وزيدُ بنُ خالد الجهني ،
وابنُ الزبير ، والنعمانُ بْنُ بشير، وأمُّ سَلَمَةَ - رضي الله عنهم .
ومِن التابعينَ : الأسودُ ، ومسروق ، وشريح، وعَمْرو بنُ ميمون ،
وعبدُ الرحمن بن الأسود ، وعَبيدة ، والأَحْنَفُ بْنُ قيس ، وطاوس .
وحَكَاه ابنُ عبد البر ، عن عطاءٍ ، وابنِ جُرَيْجِ ، وعَمْرِو بنِ دِينار .
قال : ورُوي عن ابنِ مسعودٍ نحوه .
ولم يُعلم عن أحدٍ منهم الرخصةُ بعدَ صلاة الصبحِ .
وهو قولُ داود ، فيما حكَاه ابنُ عَبْدِ البر .
وحُكي رواية عن أحمد :
قال إسماعيلُ بْنُ سعيدِ الشَّالَنْجِي: سألتُ أحمدَ : هل تَرَى بَاسًا أن يُصلِّي
الرجلُ تطوعًا بعد العصرِ والشمسُ بيضاءُ مرتفعةٌ ؟ قال : لا نفعله ، ولا نعيب
فاعله .
قال : وبه قال أبو حنيفة .
وهذا لا يدلُّ على أن أحمدَ رَأَى جَوَازَه، بل رَأَى أَنَّ مَنْ فَعَلَه متأوِّلاً ، أو
مقلِّدًا لمن تأوَّله لا يُنكر عليه ، ولا يُعاب قوله ؛ لأنَّ ذلك من مواردِ الاجتهادِ
السَّائغ .
ومما استدلَّ به مَنْ ذَهَبَ إلى ذلك : ما رَوَاه هلالُ بن يَسَاف ، عن وَهْبٍ بْنِ
الأَجْدَعِ، عن عَلِيٍّ، عن النبيِ نَّهِ، قال: ((لاَ تُصَلُّوا بَعْدَ العَصْر، إلاَّ أنْ
تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفعَةٌ» .

٢٧٩
٣١ - بَابُ لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
کتاب المواقيت
خَرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود(١) .
والنسائي(٢)، وعنده: ((إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً مُرْتَفِعَةً)).
وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))(٣).
وثَبَتَهُ ابنُ المنذر .
ووَهْبُ بنُ الأَجْدَعِ ، قال محمدُ بْنُ يَحْيَى الذهلي : ليس بمجهول ؛ قد رَوَى
عنه الشعبي - أيضًا .
واحتجوا - أيضًا - بأنَّ النبيَّ ◌َ صلَّى ركعتين بعدَ العصرِ.
وقد خَرَّجه البخاريُّ فيما بعد (٤) .
وخَرَّج النسائيُّ (٥) من حديث أبي أُمَامَةً، عن عَمْرو بن عَبَسة ، عن النبي
وَ لَّهِ، أَنَّه قال: ((إن استطعتَ أنْ تكونَ ممَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ في تلكَ السَّاعَةِ)) - يعني:
جَوْفَ اللَّيْلِ - ((فَكُنْ ؛ فإنَّ الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ إلى طلوعِ الشَّمْسِ؛ فإِنَّها
تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَان)) - وذَكَرَ الحديثَ، وقال فيه: (ثُمَّ الصلاةُ مَشْهُودَةٌ)) .
يعني : بعد أن يَفِيءَ الْفَيءُ - ((حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ؛ فإنَّها تَغِيبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانِ)) .
وخَرَّجه الإمامُ أحمد(٦) - بنحوهِ من حديثِ سُلَيْمٍ بْنِ عَامِرٍ، عن عَمْرو بن
عَبَسَة، عن النبي ◌ََّ، وقال فيه - في ذِكْرِ جَوْفِ اللَّيْلِ - : ((فَصَلِّ حَتَّى تَطْلُعَ
الشَّمْسُ))، وَقَالَ فيه: ((فَإِذَا فَاءَ الْفَيْءُ فَصَلِّ ، فَإِنَّ الصَّلاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى
تَدَلَّى الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ ، فَإِذَا تَدَلَّتْ فَأَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» .
(١) أحمد (١/ ٨٠ - ٨١، ١٢٩ - ١٤١) وأبو داود (١٢٧٤) . وهذا لفظ حديث عاصم بن
ضمرة عن علي ، أخرجه أحمد وابن خزيمة ، وحديث وهب بن الأجدع عن علي بمعناه .
(٢) (١/ ٢٨٠) .
(٣) ابن خزيمة (١٢٨٤) (١٢٨٥) وابن حبان (١٥٤٧) (١٥٦٢).
(٤) (٥٩٠) (٥٩١) (٥٩٢) (٥٩٣) .
(٥) (٢٧٩/١ - ٢٨٠) .
(٦) (٣٨٥/٤) .

٢٨٠
حديث : ٥٨٨
کتاب المواقيت
وهذا كلُّه تصريحٌ بجواز الصلاةِ بَعْدَ العصرِ وبَعْدَ الفجرِ ؛ ولكن في هذه
الروايات(١)؛ فإنَّ مسلمًا (٢) خرَّج حديثَ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ من طريقِ أبي أُمَامَة عنه ،
وذَكَرَ فيه : أَنَّه أَمَرَهَ أن يقصرَ عن الصلاةِ بَعْدَ صلاةِ الصبحِ حتَّى تطلعَ الشمسُ ،
وبعدَ صلاةِ العصرِ حتَّى تغربَ .
وكذا في أكثرِ الروايات .
وهذه زيادةٌ صحيحةٌ ، سَقَطَتْ في تلك الروايات .
وذَهَبَ أكثرُ العلماءِ إلى النهي عن الصلاةِ بعدَ الفجرِ حتَّى تطلعَ الشمسُ ،
وبعدَ العصرِ حتَّى تغربَ الشمسُ ، وهذا هو الثابتُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخطّاب ، وكان
يضربُ مَنْ صلَّى بعدَ العصرِ ، وكذلك رُوي عن خالدِ بْنِ الوليد - أيضًا - ، وهو
قولُ ابنِ عبَّاسٍ ومُعَاوية ، ورُوي عن ابنِ عُمَرَ وجماعةٍ من الصحابة .
وحكاه الترمذيُّ عن أكثرِ أهلِ العلمِ من الصحابةِ ومَنْ بعدَهم ، وهو قولُ
مالكِ والأوزاعيِّ والثوريِّ وأبي حَنِيفة والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَوْرُ .
وفي ((صحيح مسلم)(٣) عن المُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ، قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالك
عَنِ التَّطَوِّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فقال: كَانَ عُمر يَضْرِبُ الأَيْدِي عَلَى صَلاةٍ بَعْدَ العَصْرِ .
ورَوَى الأعمشُ ، عن أبي وائل ، عن ابنِ مسعودٍ ، قَالَ : كَرِهَ عُمَرُ الصلاةَ
بَعْدَ العصرِ ، وأَنَا أَكْرَهُ مَا كَرِهِ عُمَرُ .
وقد صحَّ عن النبيِ نَّهِ النّهيُ عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصبحِ حتَّى تطلعَ الشمسُ ،
وبَعْدَ العصرِ حتَّى تغربَ كَمَا سَبَقَ ذلك مِن حديثٍ عُمَرَ وغيرِهِ مِن الصحابةِ ، الذي
رَوَه عنهم ابنُ عبَّاس ، ومن حديث أبي هُرَيْرَة ، وأبي سعيد ، ومعاوية .
(١) كذا السياق، ولعل سقطًا وقع ، وتقديره: ((ولكن في هذه الروايات سقط)) يدل على ذلك ما
يأتي بعده .
(٢) (٢٠٨/٢ - ٢٠٩) .
.(٣) (٢١١/٢ - ٢١٢) .