النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
٢٥ - بَابُ وقت العشاء إلى نصف الليل
کتاب المواقيت
وخَرَّجه البخاريُّ (١) في أواخر ((المواقيت)) من حديث الحسن ، عن أَنَسِ ،
قَالَ: نظرنا رسول الله بَ خليه ذات ليلة، حتى كان شطر الليل يبلغه، فجاء فصلَّى
لنا، ثم خطبنا ، فقال: ((أَلاَ إِنَّ الناسَ قد صلَّوا ثُم رقدوا، وإِنَّكُم لن تزالوا في
صلاة ما انتظرتم الصلاة)) .
وخرَّج مسلمٌ (٢) من حديث قَتَادَةً، عن أَنَسِ، قال: نَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
لَيْلَةً حَتَّى كَانَ قريبٌ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى، ثم أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ،
فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إلى وَبَيْضِ خَاتِمِهِ فِي يَدِهِ مِنْ فِضَّةً .
ومن حديثِ حمَّد بْنِ سَلَمة، عَنْ ثَابتٍ ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا أَنَسًا عن خَاتَمِ النبيِّ
وَه، فقال: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ العِشاءَ ذاتَ لَيْلَةٍ إلى شَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ كَادَ
يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: ((إنَّ النَّاسَ قد صَلَّوْا وَنَامُوا، وإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا
في صلاةِ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ». قَال ◌َنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إلى وَبَيْصِ خَاتِمِهِ مِن
فِضَّةٍ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُسْرَى بِالخِنْصِرِ .
وفي تأخيرِ العشاءِ إلى نصفِ الليلِ أحاديثُ أُخر، لم تخرَّج في ((الصحيح)).
ورَوَى داودُ بْنُ أبي هند ، عن أبي نَضْرة ، عن أبي سَعيد الخدري ، قال :
صلينا مَعَ رسولِ اللهِ وَلّهِ صلاةَ العَتَمَةِ، فلم يَخْرُجُ حتَّى مَضَى نحوٌ من شطرٍ
الليلِ، فقال: ((خُذُوا مقاعدكم))، فأخذُنا مقاعدنا ، فقال: ((إنَّ الناسَ قد
صلَّوا وأخذُوا مضاجعهم ، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاةَ ، ولولا
ضعفُ الضعيف ، وسقمُ السقيم لأخَّرتُ هذه الصلاةَ إلى شطرِ الليل)) .
خرَّجِه الإمامُ أحمدُ ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه وابنُ خزيمة في
((صحيحه)) (٣)
(١) (٦٠٠) .
(٢) (١١٦/٢).
(٣) أحمد (٥/٣) وأبو داود (٤٢٢) والنسائي (٢٦٨/١) وابن ماجه (٦٩٣) وابن خزيمة (٣٤٥)

٢٠٢
حديث : ٥٧٢
کتاب المواقيت
وإسنادُه على شرط مسلم ، إلا أنَّ أبا معاوية رواه عن داود ، فقال : عن
أبي نَضْرة ، عن جابرٍ .
والصوابُ : قولُ سائرِ أصحابِ داود في قولِهم : عن أبي سعيد - : قَالَه
أبو زُرْعَةٍ ، وابنُ أبي حاتم(١)، والدار قطنيُّ وغيرُهم .
وقد سَبَقَ في حديث ابنِ عبَّاسِ الذي خَرَّجه البخاريُّ قول النبيِّ ◌َةِ: (لَوْلاً
أن أَشْقَّ عَلَى أمتي لأمرتُهم أنْ يُصلُّوا هكذا» .
وهذا مما استدلَّ به مَنْ قَالَ : إنَّ تعجيلَ العشاءِ أفضلُ ؛ لأنَّه لم يأمرهم
بالتأخيرِ ، بل أخبرَ أنَّه لولا أنه يشقُّ عليهم لأمرهم . وما كان ليؤثر ما يشق على
أمتهِ ، فلذلك لم يأمرهم .
وكذلك قولُه: (لَوْلاَ ضعفُ الضعيف، وسقمُ السقيم لأخَّرت))(٢)، فإنه يدلُّ
على أنَّه لم يُؤَخِّر ، وإذا كانَ الأمرُ بذلك مُسْتَلْزِمًا للمشقةِ فهو لا يأمرُ بِمَا يَشُقُ
عليهم .
وقد تقدم أنَّه وَ ◌ّ كان يُراعي حالَ المأمومين في تأخيرِ العشاءِ وتقديمها ، فإن
اجتمعوا عَجَّلَ ، وإنْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ .
وقَدْ أَجَابَ عن ذلك مَنْ قَالَ باستحبابِ التأخيرِ : أن المنتفي هو أمرٌ
الإيجابِ، دُونَ أمرِ الاستحبابِ ، كما في السواكِ .
وقد خرَّج النسائي(٣) الحديث، وقال فيه: ((لولا أنْ أَشُقَّ على أمتي لأمرتُهم
(١) ((العلل)) (٥٣٣).
(٢) أخرجه أحمد (٥/٣) وأبو داود (٤٢٢) والنسائي (٢٦٨/١) وابن ماجه (٦٩٣) من حديث
أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا بلفظ: ((إن الناس قد صلَّوا وناموا ، وأنتم لم
تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة
إلى شطر الليل)).
(٣) (٢٦٨/١) .
1

٢٠٣
٢٥ - بابُ وقت العشاء إلى نصف الليل
كتاب المواقيت
أنْ لا يصلُّوها إلا هكذا)) .
ويدلُّ على ذلك أن ((لولا)) تقتضي جملتين : اسمية ، ثم فعلية ، فيربط
امتناعُ الثانية فيهما بوجود الأُولى ، والأُولَى هنا : خوفُ المشقة ، وهو
موجودٌ ، فالثانية منتفية ، وهو الأمر .
وليس الأمر للإيجاب ؛ لأنه نَدَبَ إلى تأخيرِها ، والمندوب مأمور به ؛ ولأنَّ
في حديث مُعاذٍ، عن النبيِّبَّهِ، قال: ((أَعْتَمُوا بهذه الصَّلاة)).
خَرَّجه أبو داود(١) .
وهذا أمرٌ .
وهاهنا مسألتان يُحتاج إلى ذكرهما :
المسألة الأولى :
هل تأخيرُ العشاءِ إلى آخرِ وقتها المختار أفضلُ ؟ أَمْ تعجيلُها أفضلُ ؟ أَمْ
الأفضلُ مراعاةُ حالِ المأمومين ؟
فيه ثلاثةُ أقوال :
أحدها : أنَّ تعجيلَها أفضلُ ، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ ، بل أشهرُهما ،
وقول مالك .
وفي ((المدونة)) عنه: أنه قال: أُحب للقبائل تأخيرها قليلاً بعد مغيبٍ
الشفقِ، وكذلك في الحرس ، ولا تُؤخر إلى ثلث الليل .
وقال ابنُ عبد البر : المشهورُ عن مالكِ أنَّه يستحب لأهلِ مساجد الجماعات
أن لا يعجلِّوا بها في أوَّل وقتها ، إذا كان ذلك غير مُضِرٍّ بالناس ، وتأخيرُها قليلاً
عنده أفضل .
ورُوي عنه: أنَّ أَوَّلَ الوقتِ أفضلُ في كلِّ الصلواتِ إلا الظهر في شدة الحرِّ.
(١) (٤٢١) .

٢٠٤
حديث : ٥٧٢
کتاب المواقيت
ورجَّح الجوزجانيُّ القولَ باستحبابِ تعجيلِ العشاءِ ، وادَّعى أنَّ التأخيرَ
منسوخٌ، واستدلَّ بما رَوَى حمَّد بن سَلَمَةَ ، عن علي بن زيد ، عن الحسن ،
عن أبي بكرةَ ، أنَّ رسولَ اللَّهُ وَِّ أخَّر صلاةَ العشاءِ الآخرة تسع ليالٍ - وفي
رواية : ثمان ليال - ، فقال أبو بكر الصديق : لو عَجََّت يا رسولَ الله كان أمثل
لقيامنا بالليل ، فكان بعد ذلك يعجِّل .
خرَّجه الإمام أحمد(١).
وعليَّ بْنُ زيد بن جدعان ، ليس بالقوي .
وَرَوَى سُويد بن غَفلة، قال: قال عُمَرُ : عجِّلوا العشاءَ قبلَ أن يكسلَ
ء (٢)
العاملُ (٢).
وقال مَكْحُول : كان عُبادةُ بْنُ الصَّمت وشَداد بن أَوْس إذا غابت الحُمرةُ
بيتِ المقدس صلَّوا العشاءَ .
خرجهما أبو نعيم
.
وهذا منقطع .
والقولُ الثاني: أنَّ تأخيرَها أفضلُ، وحكاه الترمذيُّ في («جامعه»(٣) عن
أكثرِ أهلِ العلم من الصحابة والتابعينَ .
قال عَبْدُ الرحمن بن يزيد : كنتُ أَشْهَدُ مع عَبْدِ الله - يعني : ابن مسعود -
الجماعة ، فكان يُؤْخِّر العشاءَ .
وكان ابنُ عِبَّاسٍ يستحب تأخير العشاء، ويقرأ: ﴿زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾
[هود: ١١٤] .
وممَّن رَأَى تأخيرَ العشاء : أبو حنيفة وأصحابُه ، والشافعيُّ في أحدِ قوليه -
(١) (٥/ ٤٧) .
(٢) عبد الرزاق (١/ ٥٦٠).
(٣) (٣١٢/١) .

٢٠٥
٢٥ ۔ بابُ وقت العشاء إلى نصف الليل
كتاب المواقيت
وقيل : إنه نَصَّ عَلَى ذلك في أكثرٍ كتبه الجديدة - ، وأحمد وإسحاق .
وعلى هذا ؛ فقال أصحابنا وأصحابُ الشافعيِّ : يكون تأخيرُها إلى آخرِ وقتِها
المختارِ أفضل .
والمنصوصُ عن أحمدَ : أنَّ تأخيرَها في الحضرِ حتَّى يغيب البياض ؛ لأنه
يكون بذلك مصليًا بعد مغيبِ الشفق المتفق عليه .
وهذا يدلُّ على أن تأخيرها بعد مغيب البياض لا يُستحب مطلقًا ، أو يكون
مُراعَى بقَدْرِ ما لا يَشُقُّ على الجيران - : كما نَقَلَه عنه الأَثْرمُ.
قال الأَثْرِمُ : قلتُ لأبي عبد الله : قَدْرُ كَمْ تأخير العشاء الآخرة ؟ قال :
ما قَدَرَ ما يُؤَخِر بعد أن لا يَشُقَّ على الجيران .
فقد نَصَّ في روايةٍ غيرٍ واحدٍ على أنَّه يُستحب للحاضرِ تأخيرُ العشاءِ حَتَّى
يغيبَ البياضُ من غيرِ اعتبارِ للمشقة ، ونَصَّ على أنه يُستحب التأخير مهما قدر
بحيث لا يشق على الجيران ، فيحمل هذا على ما بعد مغيب الشَّفَقِ الأبيض .
ويدل على صحة هذا ، وأنَّ التأخيرَ لا يكون على الدوامِ إلى نصفِ الليلِ
ولا إلى ثلثِه: أنَّ النبيَّ ◌ََّ لم يُؤْخِّرِ على الدوامِ العشاءَ إلى آخرِ وقتِها، وإنَّما
أَخَّرِها ليلةً واحدةً أو ليالي يسيرة ، وشَقَّ ذلك على أصحابِه فأخبرهم أنه وقتُها
لولا أن يشقَّ عليهم، ولم يكن وَّ يشقُّ عليهم ، بل كان يُراعي التخفيفَ.
ولهذا صَحَّ عنه ، أنه كان أحيانًا وأحيانًا : إذا رآهم اجتمعوا عجَّل ، وإذا
رآهم أبطئوا أخَّر .
وحديثُ أبي بكرةَ المتقدمُ يدلُّ على مثلِ ذلك - أيضًا .
وخرَّج ابنُ خزيمة في «صحيحه)) (١) وغيره من حديث أبي مسعود الأنصاري ،
عن النبيِّ بَّهِ - فَذَكَرَ مواقيتَ الصلاةِ، وَقَالَ: ويُصَلِّي العشاءَ حين يسود الأفقُ،
(١) (٣٥٢) .

٢٠٦
حديث : ٥٧٢
كتاب المواقيت
وربَّما أخَّرها حتى يجمتعَ النَّاسُ .
وممَّا يدلُ على أنَّهِ وَلَه كان يُؤَخِرِها دائمًا قليلاً، ولم يكن يُؤَخِّرِها إلى آخرِ
وقتها : ما خرَّجه مسلمٌ (١) من رواية سِمَاك، عن جَابرٍ بن سَمُرَةَ، قَالَ : كان
رسولُ اللَّهِ بِهِ يُصَلِّي الصَّلَواتِ نَحْوَا مِنْ صَلاَتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ
صَلاتِكُمْ شَيْئًا ، وكان يُخْفُّ .
وخرَّج الإمامُ أحمد وأبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ (٢) من حديثِ النُّعْمانِ بْنِ
بَشير ، قال : أنا أعلمُ النَّاسِ بوقتِ هذه الصلاة - يعني : العشاء - ، كان
رسولُ اللَّهِ وَ لَوَ يُصلِّيها لسقوطِ القمر لثالثة .
وفي روايةِ الإمامِ أحمد : كان يُصلِّيها بعد سقوطِ القمرِ في الليلة الثالثة من
أوَّلِ الشهرِ .
وفي رواية له : كان يُصلِيها مقدارَ ما يغيبُ القمرُ ليلة ثالثة - أو ليلة رابعة .
وهذا الشَّكُّ من شُعْبةَ ، ولم يذكر الرابعة غيرُه .
قال أحمدُ : وَهِمَ فيه - يعني : في ذِكْرِ الرابعة .
وممَّا يدلُّ على اعتبارِ حالِ المأمومين ، وأَنَّه لا يشقُّ عليهم : ما رَوَى أسامةُ
ابْنُ زيد، عن معاذ بن عبد الله بن خُبَيْب ، عن جابرِ بْنِ عبد الله ، قال : كَانَ
مُعاذٌ يتخلَّفُ عندِ النبيِّ وَّ، فَإِذَا جَاءَ أَمَّ قومَه، فاحتبسَ عنهم معاذٌ ليلةً فصلَّى
سُليمٌ وحدَه وانصرف، فأخبرَ معاذٌ ذلك رسولَ اللَّهِ وَلِّ، فأرسل إلى سُليم ،
فسأله عن ذلك ، فقال : إنَّ رجلٌ أعملُ نهاري ، حتى إذا أمسيتُ أمسيتُ
نَاعسًا، فيأتينا معاذٌ وقد أبطأً علينا ، فلمَّا أبطأً عليَّ أمسيتُ (٣)، ثم انقلبتُ إلى
أهلي. قال: فأرسلَ رسولُ اللَّهِ إِ لّه إلى معاذ: ((لا تكن فَاتنا تفتنُ النَّاسَ، ارجع
(١) (١١٨/٢) .
(٢) أحمد (٢٧٠/٤ - ٢٧٢ - ٢٧٤) وأبو داود (٤١٩) والنسائي (٢٦٤/١) والترمذي (١٦٥).
(٣) كذا، وفي ((الكشف)): ((صليت)).

٢٠٧
٢٥ - بابُ وقت العشاء إلى نصف الليل
كتاب المواقيت
إليهم فصلِّ بهم قبلَ أنْ يَنَامُوا)) .
خرَّجِه البزارُ (١).
وخرَّجه الخرائطيُّ من حديثِ عثمانِ بنِ أبي العاص، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه
[ يقولُ : ((ما بَالُ رجال يُنَفِّرون عن هذا الدين ، يمسون بعشاء الآخرة)).
صَلى الله
وَسَيْلمُ
وإسناده ضعيفٌ .
وقال سُويِدُ بْنُ غَفَلَة: قال عُمَرُ : عَجِّلُوا العشاءَ قبلَ أن يكسلَ العاملُ ،
وينامَ المريضُ .
فقد تبيَّن بهذا أنَّ هذا القولَ الثالث ، وهو مراعاةُ حال المأمومين في التأخير
الكثير دونَ اليسير ، هو الأرجحُ في هذه المسألة .
وقد عَقَدَ له البخاريُّ بابًا منفردًا ، سَبَقَ ذِكْرُهُ والكلامُ عليه .
المسألة الثانية :
في آخرِ وقتِ العشاء الآخرة ، وفيه أقوالٌ :
أحدُها : رُبْعُ اللَّيل، حكاه ابنُ المنذر عن النخعيِّ ، ونَقَله ابنُ منصور ،
عن إسحاق .
والقولُ الثاني : إلى ثُلثِ الليل ، رُوي ذلك عن عُمَرَ ، وأبي هريرة وعُمَرَ
ابْنِ عبد العزيز ، وهو المشهورُ عن مَالِكِ، وأحدُ قولي الشافعيِّ ، بل هو
أشهرُهما ، ورواية عن أحمد ، وقول أبي ثور وغيره .
والقولُ الثالث : إلى نصفِ الليل ، ورُوي عن عُمر بن الخطاب - أيضًا - ،
وهو قولُ الثوريُّ والحسن بن حَي وابنِ المبارك وأبي حنيفة ، والشافعيِّ في قولِهِ
الآخرِ ، وأحمد في الروايةِ الأخرى ، وإسحاقَ ، وحُكي عن أبي ثور - أيضًا .
وتبويبُ البخاريِّ ها هنا يدل عليه .
(١) (٥٢٨ - كشف الأستار).
٠

٢٠٨
حديث : ٥٧٢
کتاب المواقيت
وحَمَلَ ابن سُرَيْجٍ من أصحابِ الشافعيِّ قوليه في هذه المسألة على أنه أَرَادَ
أنَّ أَوَّلَ ابتدائِها ثُلثُ الليل، وآخرَ انتهائها نصفُهُ، وبذلك جَمَعَ بين الأحاديث
الواردة في ذلك ، ولم يُوافق على ما قاله في هذا .
والقولُ الرابعُ : ينتهي وقتُ العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ .
رَوَاه ليثٌ ، عن طَاوس ، عن ابنِ عبَّاسٍ ، وعن أبي هريرة ، قال: إفراط
صلاة العشاء طلوع الفجر .
وهو قولُ داود .
ورواه ابنُ وَهْبٍ ، عن مَالِكِ، إلا أنَّ أصحابَه حَمَلُوه عَلَى حالِ أهلِ
الأَعْذَارِ؛ فإنَّ قولَ مَنْ قَالَ : آخرُ وقتها ثلثُ الليل أو نصفُه، إنَّمَا أَرَادَ وقتَ
الاختيارِ .
وقالوا : يبقى وقتُ الضرورةِ ممتدًا إلى طلوعِ الفجرِ ، فلو استيقظ نائمٌ ، أو
أَفَاقَ مغمَّى عليه ، أو طهرتْ حائضٌ ، أو بَلَغَ صبيٍّ ، أو أَسْلَمَ كافرٌ بعد نصفٍ
الليل لزمهم صلاةُ العشاء ، وفي لزومٍ صلاة المغرب لهم قولان مشهوران
للعلماءِ.
وقد رُوي عن عَبْدِ الرحمن بن عوف : أنَّ المرأةَ إذا طهرت قبل طلوع الفجر
صلَّت المغرب والعشاءَ ، وعن ابنِ عبَّاسٍ - أيضًا - وحكي مثله عن الفقهاء
السبعةِ، وهو قولُ أحمدَ .
وقال الحسنُ وقَتَادةُ وحمَّادُ والثوريُّ وأبو حنيفة ومالكٌ: يلزمُهُم العشاءُ دَونَ
المغربِ .
وللشافعيِّ قولان، أصحُهما : لزومُ الصلاتين .
واختلفوا في تأخيرِ العشاءِ اختيارًا إلى بعد نِصْفِ اللَّيْلِ : فكَرِهَه الأكثرون ،
منهم : مالكٌ وأبو حنيفة .

٢٠٩
٢٥ - بابُ وقت العشاء إلى نصف الليل
كتاب المواقيت
ولأصحابِنا وجهان في كراهتِهِ وتحريمِهِ .
وقال عامةُ أصحابِ الشافعيِّ : هو وقتُ جوازٍ .
واستدلَّ مَنْ لم يحرمه بما في ((صحيح مسلم))(١) من حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ :
أخبرني المغيرةُ بْنُ حكيمٍ ، عن أمِّ كُلْثُومٍ بنةِ أبي بكر ، أنها أخبرتْه ، عَنْ
عائشةَ، قَالتْ: أَعْتَمَ رسولُ اللهِ وَّهِ ذاتَ ليلةٍ حَتَّى ذَهَبَ عامَّةُ الليلِ، ونَامَ
أهلُ المسجِدِ، ثُمَّ خَرَّج فصلَّى، فَقَالَ: (إِنَّه ◌َوَقْتُهَا، لَوْلاَ أنْ أشُقَّ على أُمَّتَي)) .
وهذا إنْ كَانَ محفوظًا دَلَّ على استحبابِ التأخير إلى النصفِ الثاني ، ولا
قائل بذلك ، ولا يُعرفُ له شاهدٌ .
وإنَّما يتعلقُ بهذا مَنْ يقول: يمتدُّ وقتُ العشاء المختارُ إلى طلوعِ الفجرِ ،
كما رُوي عن ابنِ عبَّاسٍ ، وهو قولُ داود وغيرِهِ ، إلا أنَّهم لا يقولون باستحبابِ
التأخيرِ إلى النصفِ الثاني ، هذا ممَّا لا يُعرفُ به قائلٌ ، والأحاديثُ كلُّها تدلُّ على
خلافِ ذلك، مثلُ أحاديث صلاةٍ جبريل بالنبيِّ نََّ عند مغيبِ الشَّفَقِ في اليومِ
الأول ، وفي الثاني إلى ثُلْثِ الليلِ، وقولِهِ: ((الوقتُ ما بين هَذين)).
ومثل حديثٍ بُرَيْدَةَ الذي فيه أنَّ سائلاً سَأَلَ النبيَّ ◌َّهِ عن وقتِ العشاءِ ،
فَأَمَرَه أن يشهدَ معه الصلاةَ ، فصلَّى بهم في أوَّلِ مرة العشاءَ لما غَابَ الشَّفَقُ ،
وفي الثانيةِ إلى ثُلثِ الليل ، وقال : ((ما بَيْنَ هذين وقت)).
وقد خَرَّجه مسلمٌ (٢) .
وخَرَّج(٣) نحوه من حديث أبي موسى .
وخَرَّج(٤) - أيضًا - مِنْ حديثِ عبدِ الله بنِ عَمرو، أنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((وقتُ
(١) (٢ /١١٥ - ١١٦) .
(٢) (١٠٥/٢ - ١٠٦).
(٣) (١٠٦/٢ - ١٠٧).
(٤) (١٠٤/٢) .

٢١٠
حديث : ٥٧٢
كتاب المواقيت
العشَاء إلى نصْفِ اللَّيْلِ)).
وهذا كلُّهُ يدلُّ على أنَّ ما بعدَ ذلك ليس بوقت ، والمراد : أنَّه ليس بوقت
اختيارِ ، بل وقت ضَرورة .
وذَهَبَ الإصْطخْرِيُّ من أصحابِ الشافعي إلى أنَّ الوقتَ بالكليةِ يخرجُ بِنِصْفِ
الليل أو ثلثه ويبقى قضاء .
وقد قَالَ الشافعيُّ : إذا ذَهَبَ ثلثُ الليل لا أُراها إلا فائتة .
وحَمَلَهُ عامّةُ أصحابِه على فواتِ وقتِ الاختيارِ خاصَّةً . والله أعلم .

٢١١
٢٦ - بَابُ فضل صلاة الفجر
كتاب المواقيت
٢٦ - بَابُ
فَضْلِ صَلاَة الْفَجْر
وفيه حديثان :
الأول :
٥٧٣ - حدثنا مُسَدَّدٌ: ثنا يَحْيَى، عَنْ إسماعيلَ: ثنا قَيْسٌ، قال لي جَرِيرُ بْنُ
عَبْدِ اللَّه : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيََِّّ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ
رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لا تُضَامُونَ - أَوْ لاَ تُضَاهُونَ - فِي رُؤْتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ
تُغْلُبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا فَافْعَلُوا)). ثُمَّ قَالَ: ﴿فسيح(١)
بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾ .
قد سَبَقَ هذا الحديثُ والكلامُ عليه في ((باب : فضل صلاة العصر))، وليس
في هذه الرواية زيادةٌ على ما في الرواية السابقة ، إلا الشكَّ في ((تضامون أو
تضاهون)» ، وقد سَبَقَ تفسيرُ : تُضَامون .
وأما (تُضَاهون)): فإنْ كانتْ محفوطةً، فالمعنى - والله أعلم - : أنَّكم لا تُشَبُّهُون
به عند رؤيته شيئًا مِن خَلْقه؛ فإنَّه سبحانه وتعالى لا مثلَ له ولا عدلَ ولا كفء .
ويَشهدُ لهذا : ما رَوَى عليٌّ بْنُ زيد بن جُدْعان ، عن عمارة القرشي ، عن
أبي بُرْدَةً، عن أبي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، قال: ((يَجْمَعُ اللَّهُ الأُمَمَ فِي صَعيد
واحد يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْنِينَا رَبُّنَا وَنَحْنُ عَلَى مَكَانٍ مرتفع فيقُولُ: مَنْ أَنْتُم؟ فَقُولُ:
نَحْنُ المُسْلِمُّونَ. فَيَقُولَّ: ما تَنْتَظِرُونَ. فَتَقُولُ: نَنْتَظِرُ رَبَّا عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ: وَهَلْ
تَعْرِفُونَهُ إِنْ رَأَيْتُمُوه؟ فنقولُ: نَعَمْ؛ إِنَّه لا عِدْلَ لَهُ ، فَيَتَجَلَّى لَنَا ضَاحِكًا ، فَيَقُولُ:
أَبْشِرُوا معاشر المُسْلِمين؛ فإِنَّهُ لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلا جَعَلْتُ في النَّارِ يَهُودِيًّا أَوْ
نَصْرَانِيَا مَكَانَهُ» .
(١) كذا ، وانظر شرح الحديث .

٢١٢
حديث : ٥٧٣
كتاب المواقيت
خَرَّجه الإِمامُ أحمد(١).
وخرَّجه أبو بكر الآجري في كتاب ((التصديق بالنظر)) (٢)، ولفظُه: ((فيقولون:
إنَّ لنا ربًا كُنَّا نعبده في الدنيا لم نره . قال : وتعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون: نَعَمْ.
فيُقال لهم : وكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : إنّه لا شبهَ له ، فيشكف لهم
الحجاب، فينظرون إلى الله عز وجل ، فيخرون له سجدًا)) - وذَكَر الحديث .
ورَوَى أَبُو حُمَةَ محمدُ بْنُ يوسف : حدثنا أبو قُرَّةِ الزَّبِيدي ، عن مالكِ بْنِ
أَنَسٍ ، عن زياد بن سعد ، عن أبي الزَّبير ، عن جابرِ بْنِ عبد الله ، يقول :
سمعتُ رسولَ اللهِ وََّ يقول: ((إذا كان يومُ القيامة جُمعَت الأممُ، ودُعي كلّ
أُناسِ بإمامهم)) - فذَكَرَ الحديثَ بطولِهِ، إلى أنّ قال: ((حتّى يبقى المسلمون،
فيقف عليهم ، فيقول : مَنْ أنتم ؟ فيقولون : نحن المسلمون . قال : خيرُ اسم وخيرُ
داعية . فيقول : مَنْ نبيِّكم ؟ فيقولون : محمد ، فيقول: ما كتابُكم ؟ فيقولون :
القرآنُ ، فيقول : ما تعبدون ؟ فيقولون : نعبد اللَّهَ وحدَه، لا شريكَ له . قال:
سينفعكم ذلك إنْ صدقتم . قالوا : هذا يومُنا الذي وَعَدَنَا. فيقول: أتعرفون اللَّهَ إِنْ
رأيتموه ؟ فيقولون : نَعَمْ. فيقول : وكيف تعرفونه ولم تروه ؟ فيقولون: نعلم أنَّه
لا عدْلَ له . قال: فيتجلَّى لهم تَبَارَكَ وتَعَالى، فيقولون : أنت ربنا تباركتْ أسماؤُك ،
وَيَخَرُّون له سُجَّدًا، ثم يمضي النورُ بأهلِهِ)) .
خَرَّجه أبو إسماعيل الأنصاري في ((كتاب الفاروق)).
ورَوَى شعبةُ ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ حديثَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله ، وقال
في روايته : ((لا تُضَارون في رؤيته)).
وكذا في رواية أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي مَلآ
.
(١) (٤٠٧/٤ - ٤٠٨) .
(٢) برقم (٣٩).

٢١٣
٢٦ - بَابُ فضل صلاة الفجر
كتاب المواقيت
وقد خرَّج حديثهما البخاريُّ في آخرِ ((كتابه)(١) .
ورُويت : ((تضارون)) بتشديد الراء وتخفيفها .
فَمَنْ رواه بالتشديد ، فالمعنى : لا يُخَالف بَعْضُكُم بَعْضًا فيكذبه ، كما يفعلُ
الناسُ في رؤية الأشياء الخفية عليهم كالأهلة . يقال : ضَارَرْته مُضَارَّةً إذا خَالَفْته،
ومنه سُميت الضَّرَّة لمخالفتها الأخرى .
وقيل : المعنى : لا تضايقون ، والمُضَارَّةُ: المضايقةُ - : ذَكَرَه الهرويُّ.
وَمَنْ رواه بتخفيفِ الراء ، فهي من الضَير ، والضير : الضُّر ، يقال: ضَارَهُ
يضيره ويضوره ، إذا ضَرَّ. وهي قريبةٌ من المعنى إلى الأُولى .
وفي روايةِ أبي هريرة (٢)، عن النبيِّ ◌َّةِ: «هل تُمارونَ في القمر ليلة البدرِ
ليس دونه سَحَابٌ؟)) قالوا: لاَ . قَالَ : ((فهل تُمارون في الشمس ليس دونها
سَحَابٍ؟)) قالوا: لاَ. قال: ((فإنكم تَرَوْنَه كذلك)) .
وفُسِّرَ قولُه : ((هل تُمارون)) بأنَّ المعنى : هل تشكون ، والمريةُ : الشَّكُّ .
ويحتمل أن يكونَ المرادُ : هل يَحْصُلُ لكم تمارِ واختلافٌ في رؤيتهما ؟
فكما لا يحصل لكم في رؤيتهما تمارٍ واختصامٌ ، فكذلك رؤيةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلّ .
والتماري والتنازعُ إنَّما يقعُ من الشَّكِّ وعدمِ اليقين، كما يَقَعُ في رؤية الأهلة.
وقولُه في هذه الرواية : ((ثم قال: ﴿فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس
وقبل غروبها﴾)) هكذا في هذه الرواية، وهذا إشارةٌ إلى آية سورة ﴿طه﴾،
وتلك إنَّما هي بالواو ﴿وسبح﴾، وفي الرواية السابقة ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. وهو إشارةٌ إلى آية سورة ﴿ق﴾ وهي
بالفاء كما في الرواية .
(١) (٧٤٣٤) (٧٤٣٥) (٧٤٣٦) (٧٤٣٧) .
(٢) البخاري (٨٠٦).

٢١٤
حديث : ٥٧٤
كتاب المواقيت
الحديث الثاني :
٥٧٤ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالد: ثنا هَمَّامٌ: حدثني أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْر، عَنْ
أبيه، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َلِ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّة)).
وَقَالَ ابْنُ رَجَاءِ: حَدَّثْنَا هَمَّامٌ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، أَنَّأَبَابَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ
أَخْبَرَهُ بِهَذَا .
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: ثنا حَبَّانُ: ثنا هَمَّامٌ: ثنا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
عَنْ أَبِهِ، عَنْ النبيِّ ◌َ - مِثْلَهُ.
((أبو جَمْرة))، هو : نَصرُ بْنُ عِمران الضَّبَعي ، وهو بالجيم والراء المهملة .
وقد خَرَّج هذا الحديثَ مُسلمٌ (١) عن هَدَّاب بْنِ خالد ، وهو هُدْبَةُ الذي
خَرَّجه عنه البخاريُ، ونسَبَ فيه أَبَا جَمْرة، فقال: حَدَّثْني أبو جَمْرَةَ الضُبُعيُّ.
وأمَّا أبو بكرٍ ، فَقَدَ أشارَ البخاريُّ إلى أنَّه أبو بكر بْنُ أبي موسى الأشعري
عَبْدِ الله بن قيس ، واستشهد له بِشَيْئين :
أحدهما : رواية ابن رَجاء التي ذَكَرَها تعليقًا ، عنه ، عن هَمَّم ، عن
أبي جَمْرة ، أنَّ أَبَا بكر بْنَ عَبْدِ الله بنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ .
والثاني : أنَّه أسندَه مِنْ رواية حَبَّان بْنِ موسى(١)، عن همَّم: ثنا أبو جَمْرة،
عن أبي بكر بْنِ عَبْدِ الله - وهو : ابنُ أبي موسى عَبْدِ اللَّه بْنِ قيس .
وخَرَّجه مسلم(٢) من طريق بِشْرِ بنِ السَّرِيِّ وعَمْرِو بْنِ عَاصمٍ ، قالا : ثـ
هَمَّام - بِهذا الإسنادِ ، ونَسَبَا أبا بكر، فَقَالاَ: ابنُ أبي مُوسَى .
وإنَّما احْتِيجَ إلى هذا ؛ لاختلافٍ وَقَعَ بين الحفاظِ في نسبةِ أبي بكر هذا :
(١) كذا، والصواب: ((حَبَّان بن هلال)). ثم إن ابن موسى بكسر الحاء.
(٢) (٢/ ١١٤).

٢١٥
٢٦ - بَابُ فضل صلاة الفجر
كتاب المواقيت
فمنهم مَنْ قال : هو أبو بكر بْنُ أبي موسى ، وتَصرَّفُ الشيخين في
«صحیحهما)» يدلُّ على ذلك .
ومنهم مَنْ قال : هو أبو بكر بنُ عُمارة بْنُ رُؤَيْبَة .
واستدلوا بما خَرَّجه مسلم (١) من روايةِ وَكيعٍ ، عن ابنِ أبي خالدٍ ومِسْعَرٍ
والبَخْتَرِيِّ بْنِ الْمُخْتَارِ ، سَمِعُوا من أبي بكرِ بنِ عُمارَةَ بْنِ رُؤَيْبَة ، عن أبيه ، قال:
سمعتُ رَسُولَ اللهِوَّ يقول: ((لَنْ يَلِجَ النارَ أحدٌ صلَّى قبلَ طلوعِ الشَّمْسِ وقبلَ
غروبِها)» - يعني: الفَجْرَ والعَصْرَ. وعندَهَ رَجُلٌ مِن أهلِ البصرةِ ، فَقَالَ لَه : أَنْتَ
سمعتَ هذا من رسول اللهِ بَّه؟ قال: نَعَمْ. قال الرجلُ: وأنا أَشْهَدُ أني
سمعتُه من رَسُولِ اللهِ وَله، سَمِعتْه أُذُنَايَ، ووَعَاه قَلْبِي.
وخَرَّجه - أيضًا (١) - من حديث ابنِ عُمارة بن رُؤَيْبَة، عن أبيه والرَّجُلِ
البصريِّ. وزاد البصري: قال: سمعتُهُ من رَسُولِ اللَّهِ وَّ بالمكانِ الذي
سمعته منه .
فمِنْ هُنَا قَالَ بعضُهم : أبو بكر الذي رَوَى عنه أبو جَمَرَة هو ابنُ عُمَارة بن
رُؤَيْبَة ، عن أبيه عمارة بن رُؤَيْبَة ، لأنَّ معنى الحديثين متقاربٌ .
قال ابنُ أبي خَيْئمة في ((كتابه)): سألتُ يَحْيَى بْنَ مَعِين عن أبي بكرٍ الذي
رَوَى حديثَ ((البَرْدَين)) : مَن أبوه ؟ قال : يرون أنه أبو بكر بنُ أبي موسى ؛
فلذلك استغربوه . قال : فقال له أبي : يشبه أن يكونَ : أبو بكر بن عمارة بن
رؤية ؛ لأنه يَرْوي عن أبيه عُمارة : ((مَن صلَّى قبلَ الغداةِ وقبلَ غروبٍ
الشمس)).
وقَالَ صالِحُ بْنُ محمد ، عن عليٍّ بْنِ المديني : هو عندي أبو بكر بنُ
عُمارة ؛ لأنَّ معنى الحديثين واحدٌ . قيل له : إنَّ أبا داود الطيالسي وهُدْبَة
(١) (٢ / ١١٤) .

٢١٦
حديث : ٥٧٤
كتاب المواقيت
نسباه ، فقالا : عن أبي بكر بن أبي موسى ؟ فقال : لَيْسَا ممَّن يضبطُ هذا ؛
حدثاه بَهْز وحَبَّن ولم يَنْسِبَاه .
قال أبو بكر الخَطِيبُ : قد نَسَبَه جماعةٌ عن همَّام ، منهم : بِشْرُ بنُ السَّرِيِّ ،
وعَبْدُ الله بن رجاء ، وعَمْرُو بن عاصم وللناسب فضلُ تعرفٍ وبَيَانٍ على من لم
يَنْسِبُهُ .
قال : وكان عَفَان ينسبُهُ كذلك حتَّى قال له بُلْبُلٌ وعليٌّ بنُ المديني : إنه
أبُو بكر بنُ عُمارة ، فَتَرَك نسبته ، وقال : عن أبي بكر ، عن أبيه (١).
ونَقَلَ البرقانيُّ عن الدارقطنيِّ ، أنه كان يقول : هو أبو بكر بن عمارة بن
رؤية ، وعن الإسماعيلي عن مُطَيَّن مثله .
وقَالَ أبو الحسن [العقيليُّ](٢): اختلف فيه ، فالأقوى أنَّه أَبُو بكر بن
أبي موسى الأشعري ، عن أبيه . ويُقال : هُو أبو بكر بن عُمارة بن رُؤَيْبَة ،
عن أبيه .
وكذلك قال مُطين ، وإليه كان يَميلُ شيخُنا أبو الحسن - يعني : الدار قطني
رَحمَهَ اللَّه .
و((البَرْدَان)»: صلاةُ الصبح والعصر؛ لأنهما يصليان في برد النهار من أوَّلِه
وآخرِه .
وأمَّا الظهرُ فتُسمى الهجير كما في حديث أبي بَرْزة ؛ لأنها تُصلَّي بالهاجرة .
ويُقالُ للعصرِ والفجرِ : الْعَصْرَانِ ؛ كذلك رُوي عن النبي ◌ََّ من حديث
فَضَالَةَ اللَِّيِّ ، وأَنَّه وصَّاه بالمحافظةِ عليهما(٣).
(١) انظر: ((المستخرج)) لأبي عوانة (١/ ٣٧٧).
(٢) لعله أبو الحسن العتيقي، ترجمته في ((السير)) (٤٥١/١٦).
(٣) أخرجه أحمد (٣٤٤/٤) وأبو داود (٤٢٨).

٢١٧
٢٦ - بَابُ فضل صلاة الفجر
كتاب المواقيت
وصلاةُ الصبحِ مَنْ صلاَّها فهو في ذِمَّةِ اللَّهِ ، كما في حديث جُنْدَب
ابْنِ سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، قَالَ: ((مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةَ اللّه ، فَلاَ
تُخْفِرُوا اللهَ في ذِمَّتِهِ» .
خَرَّجه مسلم(١) .
وفي رواية له - أيضًا - زيادة: ((فإِنَّه مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكُهُ، ثُمَّ
يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّم)(٢).
وقد رُوي مثله في صلاةِ العصرِ - أيضًا .
خَرَّجْه نُعيم بن حَمَّاد في ((كتاب الفتن)) عن عَبْدِ العزيز الدَّرَاوردي ، عن زيدِ
ابْنِ أَسْلم، عمَّن حدَّثَه، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ له قال: ((مَنْ صلَّى الصبحَ كانَ في
جوَارِ اللَّهِ حَتَّى يُمسى ، ومن صَلَّى العصرَ كانَ في جِوارِ اللَّه حتَّى يُصبح ، فلا
تُخْفِرُوا اللَّهَ في جِوَارِهِ؟ فإنَّه مَنْ أَخْفَرَ اللَّهَ في جِوَارِهِ طَلّبَه اللَّه، ثم أَدْرَكَه، ثم
كبَّ على منخره)» - أي : في جهنم .
(١) (١٢٥/٢ - ١٢٦) .
(٢) (١٢٥/٢) .

٢١٨
حديث : ٥٧٥ - ٥٧٦
كتاب المواقيت
٢٧ - بَابُ
وَقْتِ الْفَجْرِ
صلاةُ الفجر تُسمى صلاةَ الفجر ؛ قال تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾
[النور: ٥٨] وَقَالَ: ﴿وَقُرْأَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: ٧٨].
وتُسمى صلاةَ الصبح ، والأحاديثُ بذلك كثيرةٌ .
قال الشافعيُّ: ولا أحبُ أن تُسمَّى صلاةَ الغَداة(١)، وكَرِهَهُ بعضُ أصحابِهِ ،
ولا دليلَ لقوله ، والأحاديثُ تدلُّ على خلافه ، وقد سَبَقَ حديثُ جَابرٍ :
((والصُّبْحُ كان النبيُّ ◌َهِ يُصلِّيها بِغَلَسٍ)(٢)، وحديثُ أبي بَرْزَةَ، ((أنَّ النبيَّ ◌َ كَانَ
يَنصرفُ مِن صلاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرفُ الرجلُ جليسَه ، ويقرأُ فيها بالستين إلى
المائة)»(٣)، وهذا يدلُّ على شِدَّةِ التغليسِ بها .
وخَرَّج البخاريُّ في هذا الباب ثلاثةَ أحاديث :
الحديث الأول :
٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ: ثنا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ
ثَابِتِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُمْ تَسَخَّرُوا مَعَ النَِّيِّ ◌َ، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ.
قُلْتُ : كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ : قَدْرُ خَمْسينَ أَوْ سِتِّينَ - يَعْني : آيَةً .
٥٧٦ - حدثنا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّحِ: سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َّهِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَخَّرًا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِما
قَامَ نَبِيُّاللّه ◌َ فَصَلَّيا .
(١) ((الأم)) (٦٤/١) ولفظه ((فلها اسمان الصبح والفجر، لا أحب أن تسمى إلا بأحدهما)).
(٢) (٥٦٠، ٥٦٥) .
(٣) (٥٤٧) .

٢١٩
٢٧ - بَابُ وقت الفجر
كتاب المواقيت
قُلْتُ لأَنَس : كَمْ بَيْنَ فَرَاغِهِما مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِما فِي الصَّلاةِ ؟ قَالَ :
قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً .
مقصودُ البخاريِّ : تبيينُ الاختلاف في إسنادِ هذا الحديثِ على قَتَادةَ ، فهمَّامٌ
جَعَلَه عن قَتَادةَ عن أَنَسٍ عن زيدِ بْنِ ثابت، وسعيدُ بن أبي عَرُوبَة جَعَلَه عن قَتَادةَ
عن أنسٍ من مسنده .
وقد خَرَّجه البخاريُّ في («الصيام)»(١) من حديث هشامِ الدستوائي، عن قَتَادةً
ومسلمٌ (٢) مِن روايةِ هِشامٍ وهمَّامٍ وعُمَرَ (٣) بنِ عَامر، كلِّهم عن قتادةَ ، عن
أَنَسٍ ، عن زَيْدٍ .
وفي رواية البخاري : ((كم بين الآذانِ والسحورِ؟ قال: قَدْرُ خمسين آيةً».
وقال عفَّنُ وبَهزُ بن أسد ، عن هَمَّام في حديثه : قلتُ لزيد : كَمْ بَيْنَ
ذلك ؟
فصرَّح بأنَّ المسئولَ زيدٌ .
وقد خَرَّجه عنهما الإمامُ أحمد (٤).
وكذا رواه خالدُ بنُ الحارث ، عن سعيد ، عن قَتَادةَ ، عن أَنَسِ عن زَيْدِ ،
وقال في حديثه : ((أَنَسُ القائل: كم كان بينهما)) .
فخالف خالدٌ سائرَ أصحابِ سعيد في ذكره زيدًا في الإسناد .
وقد خَرَّجه الإسماعيليُّ في ((صحيحه))، وقال: يحتمل أن يكونَ أَنَسٌ سَأَلَ .
زيدًا فأخبرَه ، وأن يكون قتادةُ أو غيرُهُ سَأَلَ أَنَسَّا فَأَرْسلَ له قدرَ ما كان بينهما ،
كما أَرْسَلَ أصلَ الخبرِ ، ولم يقل : عن زَيْد .
(١) (١٩٢١) .
(٢) (١٣١/٣).
(٣) في الأصل ((هـ)): ((محمد)) خطأ.
(٤) (٣ / ١٧٠ - ٢٣٤) .

٢٢٠
حديث : ٥٧٥ - ٥٧٦
كتاب المواقيت
وهذا يدلُّ على أنَّ الصوابَ عندَه : أنَّ الحديثَ عن أَنَسِ ، عن زَيْدٍ ، فهو
من مُسْنَدٍ زيد ، لا من مُسْنَدٍ أنس .
ورواه مَعْمَر ، عن قتادةَ كما رَوَاه سعيدٌ ، جَعَلَهُ مِن مُسْنَدٍ أَنَسِ .
خَرَّجه النسائي(١) من طريقهِ .
ولفظُ حديثه: عن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ وَلّ - وذلك عند السحر (٢) -:
(يَا أَنَسُ، إنِّي أُريدُ الصِّيَامَ، أَطْعِمْني شيئًا))، فأتيتُهُ بِتَمْرِ وإِنَاءِ فيه ماءٌ ، وَذَلِكَ بَعْدَ
مَا أَذَّنَ بِلالٌ. قَالَ: ((يا أَنَسُ، انْظُرْ رَجُلاً يَأْكُلُ مَعي))، فدَعَوْتُ زَيْدَ بْنَ ثابت،
فَجَاءَهُ ، فَقَالَ : إِنِّي شَرِبْتُ شَرْبَةً مِن سَوِيقٍ ، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّه
وَلَه: ((وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ»، فَتَسَخَّرَ مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى
الصلاة .
ومقصودُ البخاريِّ بهذا الحديث في هذا الباب : الاستدلالُ به على تغليسٍ
النبيِّ وَّهِ بصلاة الفجر؛ فإنَّه تَسَخَّرَ ثُمَّ قَامَ إلى الصلاة ، ولم يكن بينهما إلا
قدر خمسين آية .
وأكثرُ الروايات تدلُّ على أنَّ ذلك قدرُ ما بين السَّحورِ والصلاةِ .
وفي رواية البخاريِّ المخرجة في ((الصيام)): أنَّ ذلكَ قدرُ ما بين [الأذان و](٣)
السَّحور .
وهذه صريحةٌ بأنَّ السحورَ كان بعدَ أذان بلال بمدة قراءة خمسين آية .
وفي رواية معمر : أنَّه لم يكن بين سحورِهِ وصلاةِ الفجرِ سوى ركعتي
الفجرِ ، والخروجٍ إلى المسجد .
(١) (٤ / ١٤٧) .
(٢) في النسائي: ((السحور)).
(٣) زيادة للسياق من الموضع المذكور .