النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ ١٤ - بَابُ إثم من فاتته العصر كتاب المواقيت وقد خرَّجه الإمامُ أحمد (١) بالوجهين ، وهذه الرواية إنْ كانت محفوظةً فإنها تدلُّ على أنَّ الزُّهْرِي سَمِعَه من أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن ابن عُمرَ ، عن النبيِ وَ ﴿، كما سَمِعَه من سالمٍ ، عن أبيه . وقد أَشَارَ الإمامُ أحمد في رواية ابنه عبد اللّه إلى أنَّ الصحيحَ حديثُ الزُّهْريِّ، عن سالمٍ ، عن أبيه كما سَبَقَ . ويدلُّ على صحةِ ما ذَكَرَه: أنَّ البيهقيَّ(٢) خرَّج حديثَ ابنِ أبِي ذِئْبٍ، ولفظه: ((مَنْ فاتته الصلاةُ فكأَنَّما وُتُرَ أهلَه ومالَه))، وزاد : قال ابنُ شِهَاب : فقلت: يا أبا بكر ، أتدري أنت [أية] صلاة هي؟ قال ابنُ شِهَاب: بلغني أنَّ عَبْدَ اللّه بْنَ عُمَرَ قال: قال رسولُ اللّهِ وَّ: ((مَنْ فاتته صلاةُ العصر فكأَنَّما وُتُر أهلَه ومالَه)). قال : وراه أبو داود الطيالسيُّ، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ ، وقال في آخره : قال الزهريُّ: فذكرتُ ذلك لسالمٍ ، فقال: حدثني أبي، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّ قَالَ: (مَنْ تَرَكَ صلاةَ العصرِ)) . وأمَّا روايةُ صالح بن كيسان ، عن الزهري المخرجة في ((الصحيحين))، فقد سَبَقَ لفظُها ، وهو : ((إنَّ في الصلاة صلاةٌ مَنْ فاتته فكأنما وُتُر أهلَه ومالَه)) . ولحديث نَوْفل طريقٌ آخر : من رواية جَعفر بن رَبيعة ، عن عِراك بن مالك، عن نَوْفل بن معاوية، أنه حدَّثْه، أنه سَمِعَ رسولَ اللّه وَ لَّ يقول: ((مَنْ فاتته صلاةٌ فكأنما وُثُر أهلَه ومالَه)). قال عِراكٌ: فأخبرني عَبْدُ اللّه بن عُمر أنَّه سَمِعَ رسولَ اللّهِ وَ له يقول: ((مَنْ فاتته صلاةُ العصر فكأنما وُتُرَ أهله وماله)). خَرَّجه النسائي(٣) . وخرَّجه - أيضًا - من طريق الليثِ ، عن يَزَيدِ بنِ أبي حَبيب ، عن عِرَاك ، (١) (٤٢٩/٥) . (٢) (٤٤٥/١) . (٣) (٢٣٨/١) . ١٢٢ حديث : ٥٥٢ کتاب المواقيت أنه بَلَغَهَ أنَّ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيةَ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ وَلِّ: ((من الصلاة، صلاةٌ منْ فاتته فكأنما وُتُرَ أهلَه ومالَه))؛ قال ابنُ عمر: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ بَلَه يقول: ((هي صلاةُ العَصْرِ)). وخرَّجه - أيضًا(١) - من طريق ابن إسحاقَ : حدثني يزيدُ بْنُ أبي حَبيب ، عن عِراك، قال : سمعت نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيةَ يقول : صلاةٌ، مَنْ فَاتَتْهُ فكأنمَّا وُتِرَ أهلَه ومالَه؛ قال ابن عُمَرَ: قال رسولُ اللَّهِ بِّهِ : ((هي صلاةُ العَصْرِ)). ففي روايةِ ابنِ إسحاق وجعفر بن ربيعة ، أنَّ عِراكًا سَمِعَهُ من نَوْفُلٍ ، وفي حديث الليثِ أن عِراكًا بلغه عن نَوْفَلٍ . قال أبو بكر الخطيب : الحكم يوجب القضاء في هذا الحديث لجعفر بن ربيعة بثبوت اتصاله للحديث ؛ لثقته وحفظه . قال : وروايةُ الليثِ ليست تكذيبًا؛ لأنه يجوز أنْ يكونَ عِراكٌ بَلَغَه الحديث عن نَوْفل ثم سَمِعَه منه ، فرواه على الوجهين جميعًا . انتهى . وخرَّج الطحاويُّ حديثَ ابن إسحاقَ بزيادة حسنة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عِراكِ بْنِ مَالِكِ، قال : سَمِعْتُ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوية وهو جالسٌ مع عبد الله بن عُمر بسوقِ المدينة يقول: سَمِعْتُ رسولَ اللّهِ وَ لَه يقول: ((صلاةٌ مَن فاتته فكأنهًّاً وُتُرِ أهلَه ومالَه)). فقال ابن عُمَرَ: قال رسولُ اللّه ◌ِوَلِّ: ((هي العصرُ)) . وهذه الرواية إنْ كانت محفوظةً دَلَّتْ على سَمَاعِ عِراكِ للحديث من نَوْفل وابنِ عُمر . وقال البيهقي(٢): الحديثُ محفوظٌ عنهما جميعًا؛ رواه عراكٌ عنهما ، إمَّا بلاغًا أو سماعًا . وهذا يدل على توقفه في سماعِ عِراكِ لَه منهما . (١) (٢٣٨/١ - ٢٣٩) . (٢) (١ / ٤٤٥) . ١٢٣ ١٥ - بَابُ من ترك العصر كتاب المواقيت ١٥ - بَابُ مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ ٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ ثنا هِشَامٌ: أبنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ ، فَقَالَ : بِكِّرُوا بِصَلاة الْعَصْرِ؛ فَإِنَّ النَّبِّنَلِ قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبَطَ عَمَلُهُ). قد سَبَقَ القولُ مَبْسُوطًا في حبوطِ العمل بتركِ بعضِ الفرائض وارتكاب بعض المحارم في ((كتاب الإيمان))، وبينًّا أنَّ أكثر السلف والأُمة (١) على القول بذلك، وإمرارِ الأحاديث الواردة فيه على ما جاءتْ من غير تعسفٍ في تأويلاتها ، وبينًّا أن العملَ إذا أُطلق لم يدخلْ فيه الإيمانُ وإنما يراد به أعمالُ الجوارح ، وبهذا فَارَقَ قولُ السلف قولَ الخوارج ؛ فإنهم أحبطوا بالكبيرة الإيمان [والعمل](٢)، وخلَّدوا بها في النار ، وهذا قولٌ باطلٌ . وأمَّا المتأخرون فلم يوافقوا السلفَ على ما قالوه ، فاضطربوا في تأويلٍ هذا الحديثِ وما أشبهه ، وأتوا بأنواعٍ من التكلف والتعسف . فمنهم مَنْ قَالَ : تَرْكُ صلاةِ العصرِ يُحْبِطُ عَمَلَ ذلكَ اليومِ . ومنهم مَنْ قَالَ : إنَّما يُحْبِطُ العملَ الذي هو تلك الصلاة التي تركها فيفوته أجرُها ، وهذا هو الذي ذَكَرَهُ ابن عبد البرِّ (٣) . وهو مِن أضعفِ الأقوال ، وليس في الإخبار به فائدة . ومنهم مَنْ حَمَلَ هذا الحديث على أن مَنْ تَرَكَ صلاةً واحدةً متعمدًا حتَّى يَخْرُجَ وقتها فإنَّه يصير بذلك كافراً مرتداً ، كما يقول ذلك مَنْ يقوله ممن يَرَى أن (١) لعلها: ((الأئمة)). (٢) من ((م)). (٣) (١٤ /١٢٥) . ١٢٤ حديث : ٥٥٣ کتاب المواقيت تركَ الصلاة كفرٌ . وهذا يُسْقِطُ فائدةَ تخصيص العصر بالذكر ، فإنَّ سائرَ الصلوات عنده كذلك . وقد رُوِيَ تقييد تركها بالتعمد : فروى عَبَّد بن راشد(١)، عن الحسن وأبي قلابة ؛ أنَّهما كَانَا جالسين ، فقال أبو قلابة: قال أبو الدرداء: قال رسول اللّه وَله: ((مَنْ تَرَكَ صلاةَ العصر متعمداً حتى تفوته فقد حَبَطَ عملُه)) . خرَّجه الإمام أحمد (٢). وأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء . ورواه أَبَانُ بْنُ أبي عَيَّاش - وهو متروكٌ - ، عن أبي قلابة ، عن أمِّ الدرداء ، عن النبي وَلَّم. ورَوَى راشدٌ أبو محمد ، عن شَهْرِ بْنِ حَوشب ، عن أمِّ الدرداء ، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني خليلي وَِّ: ((لا تتركْ صلاةً مكتوبةً متعمداً، فمن تركها متعمدًا فقد بَرتَتْ منه الذمةُ» . خرَّجه ابن ماجه(٣). وخرَّجه البزارُ، ولفظه: ((فقد كَفَرَ). وهذا مما اسْتُدل به على كُفرِ تارك الصلاة المكتوبة متعمدًا ؛ فإنه لم يفرقْ بين صلاة وصلاة . ورَوَى إسماعيلُ بْنُ عيَّش ، عن صفوان بن عَمْرو ، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، عن معاذ بن جبل ، قال: أوصاني خليلي ◌َّهِ - فذكره بنحوه ، (١) جاء في ((المسند)): ((عباد بن راشد المنقري)) والمنقري هو عباد بن ميسرة من نفس الطبقة وروى عن الحسن أيضًا وعنه هشيمٌ كذلك . (٢) (٦ / ٤٤٢) . (٣) (٤٠٣٤) والبخاري في ((الأدب)) (ص ١٤). ١ ١٢٥ ١٥ - بَابُ من ترك العصر کتاب المواقيت وقال : ((فقد بَرئت منه ذمةُ اللَّه عز وجل)). خرَّجِه الإمامُ أحمد(١) . ورواه - أيضًا - عَمْرو بن واقد - وهو ضعيف - ، عن يُونس بن ميسرة ، عن أبي إدريس ، عن معاذ . خرَّجه الطبرانيَّ ومحمد بن نصر المروزيّ (٢). وخرَّجه المروزيُّ - أيضًا (٣) - من طريق سيار بن عبد الرحمن، عن يزيد بن قوذر ، عن سَلَمَةَ بْنِ شريح، عن عبادة بْنِ الصامت، عن النبي ◌َّ - بنحوه، وقال : ((فمَن تركها متعمدًا فقد خَرَجَ من الملَّةِ)) . وقال البخاريُّ في ((تاريخه))(٤): لا يُعرف إسنادُه . وروَى مكحولٌ عن أمِّ أيمن، أنَّ النبيَّ وَ لِّ قال: ((لا تتركي(٥) الصلاة متعمدًا ؛ فإنه من تَرَكَ الصلاةَ متعمدًا فقد برئت منه ذمةُ اللّه ورسوله)) . خَرَّجه الإمام أحمد(٦). وهو منقطع ؛ مكحولٌ لم يلق أمَّ أيمن . ورواه غيرُ واحد؛ عن مكحول، عن النبيِّ وٍَّ(٧) - مرسلاً . ورواه عبد الرزاق(٨)، عن محمد بن راشد ، عن مكحول ، عن رجلٍ ، عن أبي ذَرٍّ، عن النبيِّ وَلِهِ . (١) (٢٣٨/٥) . (٢) الطبراني (٢٠/ ٨٢) والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٩٢١/٢). (٣) (٨٨٩/٢). (٤) (٢ / ٢ / ٧٥) . (٥) كذا الأصل وفي ((المسند))، والصواب: ((تترك)) فالخطاب لمذكر، وهو ثوبان. راجع ((المسند الجامع)) (٢٠/ ٧١٠)، و((تعظيم قدر الصلاة)) (٩١٣). (٦) (٦ / ٤٢١) . (٧) في ((هـ)): ((عن مكحول ، عن رجل ، عن النبي (٨) وهو عند المروزي في ((الصلاة)) (٩١٤/٢). ١٢٦ حديث : ٥٥٣ کتاب المواقيت قال عَبْدُ الرزاق : وأبنا شيخٌ من أهلِ الشامِ ، عن مكحول ، قال : ومَنْ بَرِئتْ منه ذمةُ اللَّهِ فقد كَفَرَ (١). ورواه أبو فَرْوة الرهاويُّ - وفيه ضعف - ، عن أبي يَحْيَى الكلاعيِّ ، عن جُبير بن نُفير، عن أُميمةَ مولاة النبيِّ وَه، عن النبيِّ بَ - بمعناه. خَرَّجه محمد بن نصر المروزي(٢) . وذَكَرَ عن محمد بن يَحْيَى الذهلي ، أنه قال : هذه هي أمَّ أيمن ، فقال أبو فَروة: أميمة - يعني : أنَّه أَخْطَأَ في تسميتها . فأسانيد هذا الحديث كلُّها غيرُ قوية . وأما حديثُ بُريدة ، فصحيحٌ، وقد رَوَاه عن يَحْيَى بن أبي كَثير : هِشامٌ الدستوائي والأوزاعيُّ ، فأمَّا هشام فرواه كما خرَّجه البخاريُّ من طريقه ، وأما الأوزاعيَّ فخالفه في إسناده ومتنه . أمَّا إسنادُه: فقيل فيه : عن الأوزاعيِّ: حدثني يحيى، وثني أبو (٣) قِلابة: حدثني أبو المهاجر ، عن بُريدة . وخَرَّجه من هذا الوجه الإمام أحمد وابن ماجه(٤). وقال الإمامُ أحمد في رواية مهنًّا : هو خَطَأُ من الأوزاعي ، والصحيحُ حديث هشام الدستوائي . وذكر - أيضًا - أنَّ أبا المهاجر لا أصلَ له ، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة ، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأً ، وذِكْرُه في هذا الإسناد من أصله خطأٌ، فإنَّه لَيْسَ من روايته ، إنَّما هو مِن رواية أبي المليح، وكذا قاله الإمامُ أحمد في رواية ابنه عبد الله . (١) انظر «تعظيم قدر الصلاة)) (٩١٥/٢). (٢) (٢ / ٩١٢) . (٣) كذا، وفي المصادر: ((عن أبي)). (٤) أحمد (٣٦١/٥) وابن ماجه (٦٩٤). ١٢٧ ١٥ - بَابُ من ترك العصر كتاب المواقيت وقيل : عن الأوزاعي ، عن يَحْيَى ، عن أبي قلابة ، عن أَبي المَليح ، كما رواه هشام ، عن يَحْيَى . وخرَّجه من هذا الوجه الإسماعيليُّ في ((صحيحه)) . وقيل : عن الأوزاعي ، عن يَحْيَى ، عن ابن بريدة . وقيل : عن الثوريِّ، عن الأوزاعيِّ، عن يَحْيَى ، عن أبي قلابة ، عن بُريدة ، بغيرِ واسطةٍ بينهما . وهذا كلُّه مما يدلُّ على اضطرابِ الأوزاعي فيه ، وعدم ضبطه . وأما متنُه، فقَالَ الأوزاعيُّ فيه: إِنَّ بُريدةَ قال: كُنَّا مَع رسولِ اللّه وَلَّ في غَزْوة، فَقَالَ : ((بكروا بالصلاة في اليوم الغَيْمِ فإنّه من فاتته صلاةُ العصر فَقَدْ حَبَطَ عملُه)) . كذلك خرَّجه الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه (١) والإسماعيلي وغيرهم . فخَالَفَ هشامًا في ذلك ؛ فإنَّ هِشامًا قال في روايته : إن أبا المليح قال: كنّا مع بُريدة في غزوة في يوم غَيْمٍ ، فقال : بكروا بصلاة العصر ؛ فإنَّ رسولَ الله وَ﴿ قال: ((مَن تَرَكَ صلاةَ العصر فقد حَبَطَ عملُه)). فلم يرفع منه غيرَ هذا القدرِ ، وجَعَلَ الذين كانوا معه في الغزوة في يومٍ الغيم ، والذي أَمَرَ بالتكبير بصلاة العصرِ هو بُريدة ، وهو الصحيح . واللفظ الذي رواه الأوزاعيُّ لو كان محفوظًا لكان دليلاً علي تأخيرِ العصرِ في غيرِ يومِ الغيم ، ولكنه وَهَمٌ . وقد خرَّج البخاريُّ (٢) حديثَ بُريدة فيما بعد وبَوَّبَ عليه : (بَاب : التبكير بالصلاةِ في يومٍ غيم))، ثم خرَّج فيه حديث(٢) بُريدة، عن معاذِ بنِ فَضَالة ، عن (١) أحمد (٣٦١/٥) وابن ماجه (٦٩٤). (٢) (٥٩٤) . ١٢٨ حديث : ٥٥٣ کتاب المواقيت هشامٍ ، فذَكَرَه كما خَرَّجه هاهنا ، غير أنه لم يذكرْ : ((في غزوة)) ، وقال فيه : عن بريدة: ((بكروا بالصلاة))، ولم يقلْ: ((صلاة العصر)). قال الإسماعيليُّ: جَعَلَ الترجمَة لقول بُريدة، لا لما رواه عن النبيِّ ◌َّ، وكان حَقُّ هذه الترجمة أن يكونَ الحديث المقرون بها ما فيه عن النبي وَّ الأمر بتعجيل العصر في اليوم الغَّم . ثم ذَكَرَ حديث الأوزاعي بإسناده ولفظه ، ثم قال : فإنْ كان هذا الإسنادُ لا يصح عنده كان تَرْكُ هذه الترجمة أولى . وإنما أراد البُخاريُّ قول بُريدة في يوم غَيْمٍ: ((بكروا بالصلاة))، ولهذا سَاقَ الرواية التي فيها ذكرُ الصلاة ، ولم يسقه كما ساقه في هذا الباب بتخصيصِ صلاةٍ العصر ، يشيرُ إلى أَنَّه يُستحب في الغيم التبكيرُ بالصلواتِ والقول بالتبكير لجميع الصلوات في يومٍ الغيم مما لا يُعرف به قائلٌ من العلماء ، ولم يُرِدْ بريدة ذلك إنما أراد صلاةَ العصر خاصة ، ولا يقتضي القياس ذلك ، فإنَّ التبكير بالصلوات في الغيم مطلقًا يُخشى منه وقوع الصلاة قبل الوقت ، وهو محذورٌ ، والأفضلُ أن لا يصلّي الصلاة حتى يتيقن دخولَ وقتِها . فإِنْ غَلَبَ على ظنِّه ، فهل يجوز له الصلاةُ حينئذٍ ، أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : أنَّه جائزٌ ، وهو قول الثوريِّ والشافعيِّ وأكثرِ أصحابِنا . والثاني : لا يجوز حتَّى يتيقن ، وهو وَجْهٌ لأصحابنا وأصحابِ الشافعي . واستدل الأولون : بأنَّ جماعةً من الصحابة صلَّوا ثم تبين لهم أنهم صَلَّوا قبلَ الوقتِ ، فأعادوا ، منهم : ابنُ عُمَرَ (١) وأبو موسى ، وهذا يدل على أنهم صلَّوا عن اجتهادٍ ، وغَلَبَ على ظنهم دخولُ الوقت من غيرِ يقين . وقال الحسنُ : شكُّوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس ، فَأَمَرَ مؤذنَه فأقامَ الصلاةَ . (١) قارن بما تقدم (ص ٢٤) وما سيأتي (ص ٢٢٦) . ١٢٩ ١٥ - بَابُ من ترك العصر کتاب المواقيت خرَّجه ابن أبي شيبة (١) . وقال أبو داود : ((باب: المسافر يصلِي ويشك في الوقت))، ثم خرَّج(٢) من حديث المِسْحَاجِ بن موسى، أنَّ أَنَسًا حَدَّثْه، قال: كنَّا إذا كنَّا مع النَّبِيِّ بَّ فِي السفر، فقلنا : زَالتِ الشمسُ ، أو لم تَزَلْ ، صلَّى الظهر ثم ارتحل . والمنصوصُ عن أحمد : أنه لا يصلِّي الظهر حتى يتيقن الزوالَ في حضرٍ ولا سَفَرَ، وكذا قال إسحاقُ في الظهرِ والمغربِ والصبحِ ؛ لأنَّ هذه الصلوات لا تُجمع إلى ما قبلها . ولكنْ وَقَعَ في كلامٍ مَالكِ وأحمدَ وغيرِهما من الأئمة تسميةُ الظن الغالب يقينًا ، ولعل هذا منه . والله أعلم . وقد اختلف العلماء في الصلاة في يوم الغيم : فقال الشافعي : ويحتاط ويتوخى أن يصلي بعد الوقت أو يحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف خروج الوقت . وقال إسحاق نحوه . ولا يُستحب عند الشافعي التأخير في الغيم مع تحقق دخول الوقت ، إلا في حال يستحب التأخير في الصحو كشدة الحرِّ ونحوه . وحَكَى بعضُ أصحابنا مثل ذلك عن الخِرَقي ، وحكاه - أيضًا - رواية عن أحمد . وعن أبي حنيفة رواية باستحباب تأخير الصلوات كلها مع الغيم . وقالت طائفةٌ : يُؤخر الظهر ويُعجل العصر ، ويُؤخر المغرب ويُعجل العشاء مع الغيم ، وهو قول أبي حنيفة والثوريِّ وأحمد ، وحُكي - أيضًا - عن الحسن والأوزاعي ، ونَقَلَه ابن منصور عن إسحاقَ . (١) (١ / ١٩٤) . (٢) (١٢٠٤) . ١٣٠ حدیث : ٥٥٣ كتاب المواقيت وقال النخعي : كانوا يُؤْخِّرون الظهرَ ويُعجِّلون العصرَ ، ويُؤخر المغربُ في يوم الغيم . قال ابنُ المنذر : رُوِيِنا عن عُمَرَ ، أنه قال : إذا كان يومُ الغيم فعجلوا العصرَ وأخِّروا الظهرَ . قال أصحابنا : يُستحب ذلك مع تحققِ دخولِ الوقت . واختلفوا في تعليل ذلك : فمنهم مَنْ علَّل بالاحتياط لدخول الوقت ، ولو كان الأمرُ كذلك لاستوت الصلوات كلها في التأخير . ومنهم مَنْ علَّل بأنَّ يوم الغيم يُخشى فيه وقوعُ المطر ، ویکون فيه ریح وبرد غالبًا ، فيشق الخروج إلى الصلاتين المجموعتين في وقتين ، فإذا أخر الأولى وقدم الثانية خرج لهما خروجًا واحدًا ، فكان ذلك أرفق به ، وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه . واختلفوا : هل يختص ذلك بمن يُصلي جماعة ، أو تعم الرخصة من يصلّي وحده ؟ وفيه وجهان : ومن المتأخرين مَنْ قال : المعنى في تأخير الأولى من المجموعتين في يوم الغيم وتعجيل الثانية : أن تعجيل الأولى منهما عن الوقت غير جائز ، وتعجيل الثانية جائز في حال الجمع ، والجمع يجوز عند أحمد للأعذار ، والاشتباه في الوقت نوع عذر ؛ فلهذا استحب تأخير الأولى حتى يتيقن دخول الوقت دون الثانية ، فهذا احتياط للوقت لكن مع وقوع الصلاة في الوقت المشترك فكان أولى . وقد نص أحمد على أن المسافر حال اشتباه الوقت عليه في الصحو - أيضًا - يُؤْخر الظهرَ ويُعجل العصرَ ؛ لهذا المعنى، وهو يدلُّ على أنَّ التفريقَ بين ١٣١ ١٥ - بَابُ من ترك العصر كتاب المواقيت المجموعتين في وقتِ الأولى لا يضر وأن نيةَ الجمع لا تُشترط ، وقد سَبَقَت الإشارةُ إلى ذلك في أول ((أبواب المواقيت)). ويدل - أيضًا - على أنَّه يجوز تعجيلُ الثانية من المجموعتين ، وإن لم يتيقن دخول وقتها ، ويُستحب تأخير الأولى منهما حتى يتيقن دخول وقتها في السفر والغيم ، وهذا أشبه بكلام الإمام أحمد . ومن أصحابِنا مَنْ استحب تأخيرَ الظهرِ وتعجيلَ العصرِ في الغيم دونَ المغرب لما في تأخيرها من الكراهة ؛ فإنَّ وقتها مضيق عند كثيرٍ من العلماء ، والمنصوص عن أحمد خلافُه . ورُوي عن ابن مسعود ، قال : إذا كان يوم الغيم فعجلوا الظهر والعصر ، وأخروا المغربَ والإفطار . وعن عبد العزيز بن رُفَيع ، قال : عَجَّلُوا صلاة العصر(١)؛ فإنه بلغنا أنَّ رسول اللّه ◌َ له قال: ((عجِّلوا الصلاة)) - يعني: صلاة في اليوم الغيم. وفي رواية، قال: قال رسول اللّه وَله: ((عَجِّلوا الصلاة في يوم غيم، وأَخِّروا المغرب)) . وكان الربيع بن خُثَّيْم إذا كان يومُ غيمٍ قال لمؤذنه : أَغْسِقِ ، أَغْسِقِ - يعني : أَخِّر حتى يظلم الوقت . ورُوي استحباب التبكير بالصلاة في اليوم الغيم من وجوه : فخرَّج محمد بن نصر المروزي في ((كتاب الصلاة))(٢) بإسناد فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري - مرفوعًا - ، قال: ((أربع مَنْ كُنَّ فيه بَلَغَ حقيقةَ الإيمان)) - فَذَكَرَ منها - : ((ابتدار الصلاة في اليوم الدَّجْن)). (١) في ((هـ)): ((عجلوا الصلاة)). (٢) (٤٤٣/١). وعنده: ((ست)) بدل ((أربع)). ١٣٢ حدیث : ٥٥٣ كتاب المواقيت وخرَّج ابن وهب في ((مسنده)) بإسنادٍ ضعيف - أيضًا - ، عن أبي الدرداء - مرفوعًا - ، قال : ((تعجيل الصلاة في اليوم الدّجْن من حقيقة الإيمان)). وروى ابن سعد في ((طبقاته))(١) بإسناده ، أن عمرُ بن الخطاب - رضي اللّه عنه - وصَّى ابنه عند موته بخصال الإيمان ، وعدَّ منها : تعجيل الصلاة في يوم الغيم . وقال الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير : ست مَنْ كُنَّ فيه فقد استكمل الإيمان ، فذكر منها : التبكير بالصلاة في اليوم الغيم . ١ : (١) (٣/ ١ / ٢٦١) . ١٣٣ ١٦ - بَابُ فضل صلاة العصر كتاب المواقيت ١٦ - بَابُ فَضْلِ صَلاةِ العَصْرِ فيه حديثان : أحدهما : قال : ٥٥٤ - حدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ: ثنا مَرَوَانُ بن مُعَاوِيَةَ : ثنا إِسْمَاعيلُ ، عن قَيْس ، عَن جَرِير بْن عَبْد اللَّه، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َهِ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوَنَ رَبَّكُمْ كَاتَرَوْنَ هذَا القَمَرَ ، لاَ تُضَمُونَ فِي رُؤْتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلُبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَسَبِحْ بِحَمْدِ رَبَّكَ قَبْلَ طُلُّوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قال إِسْمَاعيلُ : افْعَلُوا لاَ تَفُوتَنَّكُمْ . هذا الحديث نَصِّ في ثبوت رؤية(١) المؤمنين لربهم في الآخرة ، كما دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، ومفهوم قوله في حق الكفار : ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَعَذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ و [المطففين: ١٥] . قال الشافعيّ وغيره : لما حَجَب أعداءَه في السخط دلَّ على أن أولياءه يرونه في الرضا . والأحاديث في ذلك كثيرة جدًا، وقد ذَكَرَ البخاري بعضها في أواخر ((الصحيح)) في ((كتاب التَّوْحِيد))، وقد أجمع على ذلك السَّلف الصالح من الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسان من الأئمة وأتباعهم . (١) في الأصلين: ((رؤيته)). ١٣٤ حديث : ٥٥٤ كتاب المواقيت وإنما خالف فيه طوائف أهل البدع من الجهميّة والمعتزلة ونحوهم ممَّن يردُّ النصوصَ الصحيحةَ لخيالات فاسدة وشبهات باطلة ، يخيلها لهم الشيطانُ ، فُيُسرعون إلى قَبولها منه ، ويوهمهم أنَّ هذه النصوصَ الصحيحةَ تستلزم باطلاً ، ويسميه تَشْبِيهًا أو تَجْسيمًا، فينفرون منه ، كما خيَّل إلى المشركين قبلهم أن عبادةَ الأوثان ونحوها تعظيمٌ لجنابِ الربِّ، وأنه لا يُتوصل إليه مِن غيرِ وَسَائط تعبد فتقرب إليه زُلْفًا، وأنَّ ذلك أبلغُ في التعظيم والاحترام ، وقاسه لهم على ملوك بني آدم ، فاستجابوا لذلك ، وقبلوه منه . وإنَّما بَعَثَ اللهُ الرسل وأنزل الكتبَ لإبطال ذلك كله ، فمن اتَّبع ما جاءوا به فقد اهتدى ، ومَنْ أَعْرض عنه أو عن شيءٍ منه واعترض فقد ضلِّ . وقوله : ((كَمَا تَرَوْنَ هذا القَمَرَ)) شَبَّه الرؤيةَ بالرؤية ، لا المرئي بالمرئي سبحانه وتعالى . وإنما شَبَّه الرؤية برؤية البدر ؛ لمعنيين : أحدهما : أنَّ رؤيةَ القمر ليلةَ البدر لا يُشك فيه ولا يُمترى . والثاني : يستوي فيه جميعُ الناس من غيرِ مشقة . وقد ظَنَّ المريسي ونحوه ممن ضلَّ وافترى على اللّه ، أنَّ هذا الحديث يُرد؛ لما يتضمن من التشبيه ، فضلَّ وأضلَّ . واتفق السلف الصالح على تَلَقِّي (١) هذا الحديث بالقبول والتصديق . قال يزيد بن هارون : من كذَّب بهذا الحديث فهو بريء من اللّه ورسوله . وقال وكيعُ : مَنْ رَدَّ هذا الحديث فاحسبوه من الجهميّة . وكان حسينٌ الجعُفَيُّ إذا حدَّث بهذا الحديث قال : زَعَمَ المريسي . (١) في ((هـ)): ((التلقي)). وكذا وقع في ((م))؛ لكنه ضرب على الألف واللام . ١٣٥ ١٦ - بَابُ فضل صلاة العصر كتاب المواقيت وقوله : ((لا تضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» . قال الخطابي(١): ((لا تضامون)) ، رُوي على وجهين : مفتوحة التاء ، مشددة الميم ، وأصله تتَضامُون ، أي : لا يضامّ بعضكم بعضًا ، أي : لا يُزَاحم، من الضمِّ ، كما يفعلُ الناسُ في طلبِ الشيءِ الخفي ، يريد أنكم ترون ربكم وكلُّ واحدٍ منكم وادِعٌ في مكانه ، لا ينازعه فيه أحدٌ . والآخر : مخفف : تُضامُون - بضم التاء - من الضَّيم ، أي : لا يضيم بعضكم بعضًا فيه . انتهى . وذَكَرَ ابنُ السمعاني فيه رواية ثالثة: ((تُضامَّون)) - بضم التاء ، وتشديد الميم - ، قال : ومعناها : لا تزاحمُون ، قال : ورواية فتح التاء مع تشديد الميم معناها : لا تزاحَمُون . وقوله : ((كَما تَرَوْنَ القمرَ ليلةَ البدر)) يقوي المعنى الأول . وجاء التصريحُ به في رواية أبي رَزين العُقيلي ، أنه قال : يا رسولَ اللّه ، أكلُّنا يَرَى رَبَّه يومَ القيامة؟ وما آيةُ ذلك في خَلْقِه ؟ فقال رسولُ اللّه وَاخِهِ: (أَلَيْس كُلُّكُمْ ينظرُ إلى القمر مُخْليًا به؟)) قال: بَلَى، قال: ((فاللّه أعظم)). خرّجه الإمام أحمد (٢). وخرَّجه ابنُه عبدُ اللّه في ((المسند))(٣) بسياق مطول جدًا، وفيه ذكر البعث والنشور ، وفيه : ((فَتَخْرُجُونَ من الأصواءِ(٤) - أو مِنْ مَصَارِعِكُمْ -، فَتَنْظُرُون إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إليكُمْ)). قال: قلتُ: يا رسولَ اللّه، وَكَيْفَ وَنَحْنُ مِلْءَ الأَرْضِ وَهُوَ (١) في ((شرح البخاري)) (٤٣٠/١). (٢) (٤ / ١١ - ١٢) . (٣) (٤/ ١٣ - ١٤) . (٤) في الأصل: ((الأهوال))، والأصواء : القبور. ١٣٦ حديث : ٥٥٤ کتاب المواقيت شَخْصٌ وَاحِدٌ، يَنْظُرُ إلينا ونَنْظُرُ إليه؟ قال: ((أُنبئِكَ بمثل ذلك، الشَّمْسُ والقَمَرُ، آيةٌ مِنْهُ صَغيرةٌ، تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ سَاعَةً وَاحِدةً ، لا تضارون(١) في رُؤْيَتَهِمَا، وَلَعَمَّرُ إِلهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ مِن(٢) أنْ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ، لا تُضَارُّونَ فِي رؤيَتَهِما)) - وذَكَرَ بقيةَ الحديث(٣). وخرَّجه الحاكم(٤) وقال: صحيح الإسناد . وقد ذَكَرَ أبو عبد الله بن منده إجماعَ أهل العلم على قَبول هذا الحديث ونَقَلَ عبَّاسُ الدُّوري ، عن ابن مَعِين أنَّه استحسنه . وقوله : ((فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبها فَافْعَلُوا)). أمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين، وهما صلاة الفجر وصلاة العصر ، وفيه إشارةٌ إلى عظم قَدْرِ هاتين الصلاتين، وأنهما أشرفُ الصلوات الخمس ، ولهذا قيل في كلٌّ منهما : إنها الصلاةُ الوسطى ، والقولُ بأنَّ الوسطى غيرُهما لا تعويلَ عليه . وقد قيل في مناسبة الأمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين عقيب ذكر الرؤية : أنَّ أعلى ما في الجنَّة رؤيةُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ، وأشرفُ ما في الدنيا من الأعمال هاتان الصلاتان ، فالمحافظة عليهما يُرجى بها دخولُ الجنة ورؤيةُ اللّه عزَّ وجلَّ فيها . كما في الحديث الآخر: ((مَنْ صلَّى البردين دَخَلَ الجنَّة)) ، وسيأتي - إن شاء الله - في موضعه(٥). وقيل: هو إشارةٌ إلى أنَّ دخولَ الجنَّة إنَّما يحصلُ بالصلاة مع الإيمان ، فمَنْ (١) في الأصل: ((وتريانهما لا تضامون)). (٢) في الأصل : ((منهما)). (٣) وصححت ما فيه من تصحيف من ((المسند)) وكذا ((المسند الجامع)) (١٧/١٥) حيث اعتمد صاحبه على أصل خطي للمسند . (٤) (٤ / ٥٦٠ - ٥٦٤) . (٥) برقم (٥٧٤) . ١٣٧ ١٦ - بَابُ فضل صلاة العصر كتاب المواقيت لا يصلي فليس بمسلم ، ولا يدخلُ الجنَّةَ بَلْ هو من أهل النار ، ولهذا قال أهلُ النَّار لما قيل لهم : ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣] . ويظهر وَجْهٌ آخر في ذلك ، وهو : أنَّ أَعْلى أهلِ الجنَّة منزلةً من ينظر في وَجْهِ اللَّه عزَّ وجلَّ مرتين بُكرة وعشيًا ، وعُموم أهل الجنّة يرونه في كل جمعة في يوم المزيد ، والمحافظة على هاتين الصلاتين على ميقاتهما ووضوئهما وخشوعهما وآدابهما يرجى به أن يوجب النظر إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ في الجنَّة في هذين الوقتين . ويدل على هذا ما رَوَى ثُوَيْرُ بْنُ أبي فاخِتَةِ ، قال : سَمِعْتُ ابنَ عُمَرَ يقول : قال رسولُ اللَّهِ بِّهِ: ((إِنَّ أَذْنَى أَهلِ الجنَّةَ مَنْزِلَةٌ لَمَنْ يَنْظُرُ إلى جِنَانِهِ وَأَزْوَاَجه وَنَعِيمِه وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَةٍ ، وأَكْرَمَّهُم على اللَّهِ مَنْ ينظَرَّ إلى وجهِهُ غدْوَةً وَعَشْيًا))، ثم قَرَأَ رسولُ اللَّهِ وَهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٣٦) إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. خرَّجه الإمام أحمد والترمذي(١)، وهذا لفظه. وخرَّجه - أيضًا - موقوفًا على ابنِ عُمر . وتُوَيْرٌ فيه ضعفٌ . وقد رُوي هذا المعنى من حديث أبي بَرْزة الأسلميُّ مرفوعًا - أيضًا - ، وفي إسناده ضعفٌ . وقاله غيرُ واحدٍ من السَّلَفِ ، منهم : عَبْد اللّه بْنُ بُريدة وغيرُه . فالمحافظةُ على هاتين الصلاتين تكون سببًا لرؤية اللهِ في الجنَّة في مثلٍ هذين الوقتين، كما أنَّ المحافظة على الجمعةِ سببٌ لرؤية اللّه في يومِ المزيد في الجنَّةِ، كما قال ابن مسعود : سَارعُوا إلى الجُمُعات ؛ فإنَّ اللّه يبرز لأهل الجنة في كلِّ (١) أحمد (١٣/٢ - ٦٤) والترمذي (٢٥٥٣) (٣٣٣٠) . ١٣٨ حديث : ٥٥٤ کتاب المواقيت جمعة على كَثيب من كافور أبيض ، فيكونون منه في الدنو على قَدْرِ تبكيرهم إلى و ء الجُمُعَاتِ . ورُوي عنه مَرْفُوعًا . خرَّجه ابْنُ ماجه (١) . ورُوي عن ابن عباس ، قال : مَنْ دَخَلَ الجنَّة من أهلِ القُرى لم ينظر إلى وَجْه اللّه ؛ لأنَّهم لا يشهدون الجمعة . خرَّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ((كتاب الشافي)) بإسنادٍ ضعيف . وقد رُوي من حديث أَنَسِ - مَرْفوعًا - : ((إنَّ النساءَ يَرَيْنَ ربهنّ في الجنة في یومي العیدین)) . والمعنى في ذلك : أنهنَّ كُنَّ يشاركن الرجال في شهود العيدين دون الجُمع. وقوله : ثم قَرَاً: ﴿فَسَبَحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] الظاهر أن القارئ لذلك هو النبيُّ وَله. وقد رُوي من رواية زيد بن أبي أُنيسة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن جَرِير البَجَلي في هذا الحديث: ثم قَرَأَ رسولُ اللّهِ وَّ: ﴿فَسَبْحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ - الآية . خرَّجه أبو إسماعيل الأنصاريَّ في ((كتاب الفاروق)). وقد قيل : إنَّ هذه الكلمة مدرجة ، وإنما القارئ هو جَرير بن عبد الله البَجَلي . وقد خرّجه مسلمٌ في ((صحيحه)) (٢) عن أبي خيثمة ، عن مروان بن معاوية - فذكر الحديث ، وقال في آخره: ثم قَرَأَ جَرِير: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعٍ (١) (١٠٩٤) . (٢) (٢ /١١٣ - ١١٤). ١٣٩ ١٦ - بَابُ فضل صلاة العصر كتاب المواقيت الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغَرَوبِ﴾ [ق: ٣٩]. وكذا رواه عَمْرو بن زرارةٍ(١) وغيرُهُ (٢)، عن مروان بن معاوية ، وأدرجه عنه آخرون . الحديث الثاني : ٥٥٥ _ حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفُ: أبنا مَالكُ، عَن أَبِي الزَّنَّادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِهِ، قَالَ: «يَتَعَاقُبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّْلِ، ومَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَةِ الفَجْرِ وَصَلاَةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَغْرُجُ الَّذِينَ كَانُوا فِيَكُمْ ، فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ -: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّون، وَأَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّون)) . قوله : ((يَتَعاقبون فيكم ملائكةٌ)) جَمَع فيه الفعل مع إسنادِه إلى ظاهرِ ، وهو مخرج على اللُّغة المعروفة بلغة («أكلوني البراغيث)) ، وقد عرَّفها بعضُ متأخري النحاة بهذا الحديث ، فقال : ((هي لغةُ يتعاقبون فيكم ملائكةٌ)). والتعاقبُ: التناوبُ والتداولُ، والمعنى: أنَّ كلَّ ملائكة تأتي تعقب الأخرى. وقد دلَّ الحديثُ على أنَّ ملائكةَ اللَّل غيرُ ملائكة النَّهار . وقد خرَّجا في ((الصحيحين)) (٣) من حديث الزُّهْرِي، عن سعيد وأبي سَلَمَةَ ، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ، قال: «تجتمعْ ملائكةُ الليل، وملائكةُ النَّهار في صلاة الفجر)). ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إنْ شئتم: ﴿إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْرِ كَانَ ٠٬٠٠ مشهودا ﴾ [الإسراء: ٧٨] . (١) أخرجه البيهقي (٣٥٩/١). (٢) البخاري (٥٥٤) من حديث الحميدي ، عن مروان بن معاوية . به . ومسلم (١١٣/٢ - ١١٤) من حديث أبو خيثمة زهير بن حرب ، عن مروان بن معاوية ، به ، وقد سبقت هذه الرواية . (٣) البخاري (٦٤٨) ومسلم (١٢٢/٢). ١٤٠ حدیث : ٥٥٥ كتاب المواقيت ففي هذه الرواية : ذكر اجتماعهم في صلاة الفجر ، واستشهد أبو هريرة بقولِ اللّه عز وجل: ﴿إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: وقد رُوي في حديث من رواية أبي الدرداء - مرفوعًا - ، أنَّه يشهده اللهُ وملائكته . وفي رواية : ((ملائكة الليل وملائكة النهار)). خرَّجه الطبراني وابن مَنْده وغيرهما . فقد يكون تخصيصُ صلاة الفجر لهذا ، وصلاةُ العصر يجتمع - أيضًا - فيها ملائكة اللَّيل والنَّهار ، كما دلَّ عليه حديث الأَعْرج ، عن أبي هريرة . وقد رُوي نحوه مِن حديث حُميد الطويل، عن بَكْرٍ المزني ، عن النبيِّ وَّل ـ مُرْسِلاً . وهؤلاء الملائكة ، يحتمل أنهم المعقبات ، وهم الحَفَظَة ، ويحتمل أنهم كتبة الأعمال . وروى أبو عبيدة ، عن أبيه عبد اللّه بن مسعود، في قوله: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال : يعني صلاة الصبح ، يتدارك فيه الحرسان ملائكة الليل وملائكة النَّهار(١). وقال إبراهيم ، عن الأسودِ بْنِ يزيد : يلتقي الحارسان من ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار عند صلاة الصبح ، فيسلَّم بعضهم على بعض ، ويحيى بعضهم بعضًا ، فتصعد ملائكة الليل وتبسط ملائكة النهار . قال ابنُ المبارك : وُّل بابنِ آدم خمسةُ أملاك : ملكا الليل ، وملكا النهار، يجيئان ويذهبان ، والخامس لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً . وممن قال : إن ملائكةَ الليل وملائكة النهار تجتمع في صلاة الفجر ، وفَسَّرَ (١) أخرجه الطبراني (٢٦٥/٩) . ١