النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ ١٣ - بابُ وقت العصر كتاب المواقيت وقيل: بقاءُ حَرِّها ولونِها - : قاله الخطابي(١) وغيرُه . وحديثُ أَنَسٍ : خَرَّج له ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : ٥٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالك، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّيَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَتَجِدُهُمْ يُصَلُونَالْعَصْرَ. وكذا خَرَّجه مسلمٌ(٢)، عن يَحْيَى بن يَحْيَى، عَنْ مالك، به . وكذا هو في ((الموط))(٣). ورواه ابنُ المبارك وعتيقُ بن يعقوب(٤)، عن مالك، عن إسحاقَ ، عن أَنَسٍ، قال : كُنَّا نصلِّي العصرَ مَعَ رسولِ اللّه وَّهِـ فذكرا(٥) الحديث، وصَرَّحَا برفعه . والروايةُ المشهورةُ عن مالكِ في معنى المرفوعِ ؛ لأنَّ أَنَسًا إنما أخرجه في مخرج الاستدلال به على تعجيلِ العصر . وبنو عَمْرو بن عوف على ثلثي فرسخٍ من المدينة ، ورُوي ذلك في حديثٍ عن عُرْوة بن الزبير . وفي الحديث : دليلٌ على جوازِ تأخيرِ العصر ، ما لم يدخل وقتُ الكراهة ؛ فإنَّ الصحابةَ فيهم مَن كان يُؤْخِّرُها عن صلاةِ النبيِّ وَّ في عهدِه ، والظاهر: أنَّه (١) في ((شرح البخاري)) (٤٢٦/١). (٢) (١٠٩/٢ - ١١٠). (٣) (ص ٣٢) . (٤) في الأصل: ((عتيق بن منصور)) خطأ، وعلى الصواب جاء في ((التمهيد)) (٢٩٥/١)، وهو مترجم في ((الثقات)) لابن حبان (٥٢٧/٨) . (٥) في الأصل ((هـ)): ((فذكر)) بالإفراد . ١٠٢ حديث : ٥٤٨ - ٥٤٩ كتاب المواقيت كان ◌َّيهِ يعلم ذلك، ويُقرُّ عليه . ورَوَى رِبعي بن حِراش ، عن أبي الأبيض ، عن أَنَسٍ ، قال : كُنْتُ أصلِّي مع رسولِ اللّه وَّوَل العصرَ والشمسُ بَيْضَاءُ مُحَلِّقَةٌ، ثم آتي عشيرتي وهم جلوسٌ، فأقولُ: ما مجلسكُم؟ صَلُّوا؛ فقد صلَّى رسولُ اللّه وَه. خَرَّجه الإمامُ أحمد(١) . وخرَّج النسائي(٢) إلى قوله: ((مُحَلِّقَةٍ))(٣). وخرَّجه الدار قطني(٤) بتمامه ، وزَادَ فيه : وهُمْ في ناحية المدينة(٥). وأبو الأبيض هذا ، قال الإمامُ أحمد : لا أعرفه ، ولا أعلمُ رَوَى عنه إلا رِبعي بن حِراش . الحديث الثاني : ٥٤٩ - حَدَّثْنَا ابْنُ مُقَاتِل: أبنا عَبْدُ اللَّه: أبنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حٍُّ، قال: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَّجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالكِ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ وَ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ . أبو أُمَامَة ، هو : ابنُ سهلٍ بْنِ حُنَّف . وصلاةُ عُمَرَ بْنِ عبدِ العزيز هذه كانتْ بالمدينة ، حيث كان أميرًا مِن قِبَل الوليد، وقد تقدم أنه حينئذٍ لم يكن عنده علم من مواقيت الصلاة المسنونة ، فكان يجري على عادة أهل بيتِهِ وعمومِ الناسِ معهم في تأخيرِ الصلاة أحيانًا ، فلما (١) (٣ /١٣١ - ١٦٩ - ١٨٤ - ٢٣٢) . (٢) (١/ ٢٥٣) . (٣) وكذا هو عند أحمد في بعض المواضع المذكورة . (٤) (١ / ٢٥٣) . (٥) وكذا هو - أيضًا - في بعض المواضع عند أحمد . ١٠٣ ١٣ - بابُ وقت العصر كتاب المواقيت بلغته السُّنَّةُ اجتهدَ حينئذٍ على العملِ بها ، ولكنَّه لم يعمل القيام بها على وجهها إلا في أيامٍ خِلافته ، فإنَّه بالغ حينئذٍ في إقامةِ الحق على وجهه ، ولم يترخص في شيءٍ مما يقدر عليه ، ولا أخذته في اللّه لومة لائم - رضي اللّه عنه. [الحديث الثالث] : ٥٥٠ - حدثنا أَبُو الْيَمانِ: أبنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِك، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّهِبُ إِلَى الْعَوَالِي، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفَعَةٌ . وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيالٍ أَوْ نَحْوِهِ . ٥٥١ _ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أبنا مَالكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَلك، قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ، فَيَتَيْهِمْ وَالشَّمْسُ ء مُْتَفَعَةٌ. إنما خرَّجه من هذين الوجهين ؛ ليبين مخالفته لأصحاب الزهريِّ في هذا الحديث . وقد خالفهم فيه من وجهين : أحدهما: أنَّه لم يذكر فيه النبيَّ نَّهِ، وَذَكَرَهُ أصحابُ الزهريِّ، كما خَرَّجه البخاريُّ هنا من رواية شُعيب . وخَرَّجه في أواخرٍ ((كتابه)» (١) من رواية صالح بن كَيْسَان، ثم قال: زَادَ الليثُ، عن يونسَ : ((وبُعْدُ العوالي أربعةُ أميال أو ثلاثة)). وخَرَّجه مسلم (٢) من رواية الليث وعَمْرو بن الحارث - كلاهما - ، عن الزهري، به . ورواه أبو صالح ، عن الليث ، عن يونسَ ، عن الزهري . (١) (٧٣٢٩) . (٢) (١٠٩/٢). ١٠٤ حديث : ٥٥٠ - ٥٥١ کتاب المواقيت وما ذَكَرَه البخاريُّ في رواية شُعيب من قوله : ((وبَعْضُ العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه)) ، فهو من قولِ الزهري ، أُدرج في الحديث . قال البيهقي(١): وقد بَّنَ ذلك معمرٌ ، عنه . ثم خَرَّجه من طريق معمر عنه ، وقال في آخر حديثه : قال الزهريّ : والعوالي من المدينة عَلَى مِيلين(٢) وثلاثة - أو حسبه قال: وأربعة. والوجه الثاني : أنَّ مالكًا قال في روايته : ((ثم يذهب الذاهبُ إلى قُبَاء))، كذا رواه أصحابُه عنه، وكذا هو في ((الموطأ)(٣). وخالفه سائرُ أصحابِ الزهري ، فقالوا: ((إلى العوالي)). وقد رواه خالد بن مَخْلد ، عن مالك ، فقال فيه: ((العوالي)) ، وليس هو بمحفوظ عن مالك . قال النسائي : لم يتابع مالكًا أحدٌ على قوله في هذا الحديث : ((إِلى قُبَاء)»، والمعروف: ((إلى العوالي)). وقال ابنُ عبد البر(٤): رواه جماعة أصحاب الزهري عنه ، فقالوا: ((إلى العوالي))، وهو الصواب عند أهلِ الحديث. قال: وقول مَالِكِ: ((إلى قُبَاء)» وَهْم لا شك فيه عندهم ، ولم يتابعه أحدٌ عليه . وكذا ذَكَرَ أبو بكر الخطيب وغيرُه . (١) (١ / ٤٤٠) . (٢) وقع في الأصلين ((م)) و((هـ)): ((ميل)) والمثبت من ((سنن البيهقي)). (٣) (ص ٣٢) . (٤) ((التمهيد)) (١٧٨/٦). وعنده كلام النسائي وكذا الدارقطني . وانظر: ((التتبع)) للدارقطني (ص ٤٥٧ - ٤٥٩) و((السنن)) له (٢٥٣/١) و((هدي الساري)) (ص٣٥١ - ٣٥٢) و((الفتح)) لابن حجر (٢٩/٢). ١٠٥ ١٣ - بابُ وقت العصر کتاب المواقيت قلتُ: قد رَوَاه الشافعي في القديم: أنا [أبو] صفوان ابن سعيد بن عبد الملك ابن مَرْوان ، عن ابنِ أبي ذِئْب ، عن الزُّهريِّ، عن أَنَسِ ، قال: كَانَ رسولُ اللَّه وَلِّ يُصلِّي العصرَ، ثم يذهب الذاهبُ إلى قُبَاءِ فيأتيها والشمسُ مرتفعةٌ . ورواه عن ابنِ أبي فُدَيْك، عن ابنِ أبي ذئب، وقال: ((إلى العوالي))(١). وكذا رَوَاه الواقدي ، عن معمر ، عن الزهريِّ . وهذا لا يُلتفت إليه . قال ابنُ عبد البر : إلا أنَّ المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت ؛ لأنَّ العوالي مختلفة المسافة ، فأقربُها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة ، ومثل هذا هي المسافة بين قُباء وبين المدينة ، وقُباء من بني عمرو بن عوف ، وقد نَصَّ على بني عمرو بن عوف في [حديث أنس](٢) هذا إسحاقُ بنُ أبي طلحة . يشير إلى حديثه المتقدم ، وخَرَّجه من طريق إبراهيم بن أبي عبلة ، عن الزهري، عن أَنَسٍ، عن النبيِ بَّهِ، وقال فيه: ((والعوالي من المدينة على عشرة أميال)) ، وكان الزهري ذكر في هذه الرواية أبعدَ ما بين العوالي والمدينة ، كما ذكر في الرواية المتقدمة أقربَ ما بينها وبين المدينة . وفي الباب حديث آخر : خَرَّجه البخاريُّ في ((القسمة)) (٣)، فقال: نا محمد ابن يوسف : نا الأوزاعي : نا أبو النجاشي ، قال : سمعت رافع بن خديج [قال]: كنَّا نُصلِّي مع النبيِّ وَِّ العصرَ، فَتَنْحَرَ جَزورًا، فَتُقْسَم عَشر قِسَمٍ ، فتأكل لحمًا نَضِيجًا قبل أنْ تغربَ الشمسُ . قال الدارقطنيُّ : أبو النجاشي ، اسمه : عطاء بن صُهيب ، ثقة مشهور ، صَحِبَ رَافع بين خَديج سِتَّ سنين . (١) انظر (التمهيد)) (٦/ ١٨١). (٢) زيادة من ((التمهيد)). (٣) في ((الشركة)) (٢٤٨٥) ومسلم (١١٠/٢ - ١١١). ١٠٦ حديث : ٥٥٠ - ٥٥١ كتاب المواقيت والكلام هَاهُنا في مسألتين : إحداهما : في حَدٍّ وقت العصر : أوله وآخره : فأما أوله : فحَكَى ابنُ المنذر فيه أقوالاً ، فقال : اختلفوا في أوَّلِ وقتِ العصرِ : فكان مالكٌ والثوريُّ والشافعيُّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور يقولون : وقت الظهر(١) إذا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مثله . واختلفوا بعد ، فقال بعضُهم : آخرُ وقتِ الظهرِ أولُ وقتِ العصر ، فلو أنَّ رجلين صلَّى أحدُهما الظهرَ والآخرُ العصرَ حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله لكانا مصليين الصلاتين في وقتها ، قال بهذا إسحاقُ ، وذَكَرَ ذلك عن ابنِ المبارك . وأمَّا الشافعيُّ فكان يقول : أولُ وقتِ العصر إذا جاوز ظلُ كلِّ شيءٍ مثله ما كان ، وذلك حين ينفصل من آخرٍ وقت الظهر . قلت : هذا هو المعروفُ في مذهبِ أحمدَ وأصحابه ، وحَكَى بعضُ المتأخرين رواية عنه كقولِ ابنِ المبارك وإسحاقَ ، وهي غير معروفة . قال ابن المنذر : وحُكِيَ عن ربيعة قولٌ ثالثٌ، وهو : أنَّ وقتَ الظهرِ والعصرِ إذا زالتْ الشمسُ . وفيه قولٌ رابع ، وهو : أنَّ وقت العصر أن يصير الظل قائمتين بعد الزوال ، ومن صلاها قبل ذلك لم تجزئه ، وهذا قولُ النعمان - يعني : أبا حنيفة . وحكَى ابن عبد البر(٢)، عن مالك مثل قول ابن المبارك وإسحاق ، وعن الثوري والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور مثل قول الشافعي ، وعن أبي حنيفة : آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثليه. (١) كذا وفي (الأوسط)) (٣٢٩/٢): ((أول وقت العصر))، فقد يكون هذا هو الصواب و((العصر)) تصحفت إلى ((الظهر))، أو يكون: ((آخر وقت الظهر))، وكلاهما صواب . (٢) ((التمهيد)) (٧٣/٨ - ٧٦). وراجعه إذ فيه ((ومحمد بن جرير)) بدل: ((أبي ثور)). ١٠٧ ١٣ - بابُ وقت العصر كتاب المواقيت قال : فخالف القياس في ذلك ، وخالفه أصحابه فيه . وذكر الطحاوي رواية أخرى عن أبي حنيفة ، أنه قال : آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثله ، كقول الجماعة . ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيءٍ مثليه ، فترك بين الظهر والعصر وقتًا مفردًا لا يصلح لأحدهما . قال : وهذا لم يتابع عليه - أيضًا . وحكى ابنُ عبد البر(١)، عن أبي ثور والمزني مثل قول ابن المبارك ومَنْ تابعه، بالاشترك بين الوقتين إذا صَارَ ظلُّ كُلِّ شيءٍ مثليه بقدر أربع ركعات ، فمن صلى في ذلك الوقت الظهر والعصر كان مؤديًا لها . وحُكي عن عطاء وطاوس ، أن ما بعد مصير ظل كل شيءٍ مثله وقت الظهر والعصر معًا ، قال طاوس : إلى غروب الشمس ، وقال عطاء : إلى اصفرارها ، وقد سَبَقَ ذكرُ قولهما ، وأنه حُكي رواية عن مالك . وقد نَصَّ الشافعيُّ على أنَّ وقتَ العصر لا يدخل حتَّى يزيد ظل الشيءٍ على مثله ، وكذلك قاله الخِرَقي من أصحابنا . واختلف أصحابُ الشافعي في معنى قوله : ((بالزيادة)): فمنهم من قال : هي لبيان انتهاءِ الظل إلى المثل ، وإلا فالوقتُ قد دَخَلَ قبل حصولِ الزيادةِ بمجرد حصول المثل ، فعلى هذا تكون الزيادةُ من وقتِ العصر . ومنهم مَنْ قال : إنها من وقت الظهر ، وإنَّما يدخل العصر عقبها ، وقيل : إنَّه ظاهرُ كلامِ الشافعيِّ والعراقيين من أصحابه . ومنهم مَنْ قال : ليستْ الزيادةُ من وقت الظهر ولا مِن وقتِ العصرِ ، بل هي فَاصِلٌ بين الوقتين . وهو أضعفُ الأقوالِ لهم . (١) في الأصل: ((وحكى عن ابن عبد البر)). ١٠٨ حديث : ٥٥٠ - ٥٥١ كتاب المواقيت وأمَّا المنقولُ عن السلف، فأكثرهم حَدِّدَه بقدر سير الراكب فرسخًا أو فرسخين قبل غروب الشمس . فرَوَى مالك(١)، عن نافعٍ، أنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلى عماله: صَلُّوا الظهرَ إذا كان الفيءُ ذراعًا ، إلا أن يكون ظل أحدكم مثله ، والعصرَ والشمسُ بيضاءُ نقية ، قدر ما يسيرُ الراكب فرسخين أو ثلاثة ، قبل غروبِ الشمس . ورواه غيره : عن نافع ، عن ابن عُمَرَ ، عن عمر . ورَوَى أبو نُعيم الفضلُ بن دُكَين : نا سَعَد بن أوس(٢)، عن بلال العبسي ، أن عُمَرَ كَتَب إلى سعد : صلِّ العصر وأنت تسيرُ لها ميلين أو ثلاثة . نا يزيد بن مَرْدَانَه ، قال : سألتُ أنسَ بن مالك عن وقت العصر ؟ فقال : إذا صلَّيتَ العصرَ ثم سِرتَ ستةَ أميالٍ حَتَّى إلى (٣) غروبِ الشمس فذلك وقتُها . نا ابنُ عيينة ، عن أبي سنان ، عن سعيدِ بْنِ جُبير ، قال : تُصلِّي العصرَ قدر ما تسير البعير المحملة فَرسخين . نا ابن عيينة ، عن أبي سنان ، عن عبد اللّه بن أبي الهُذَيْل، قال: فرسخ. وأما آخرُ وقتِ العصرِ ، ففيه أقوال : أحدها : أنه غروبُ الشمس ، رُوي ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وعِكْرِمة وأبي جعفر محمد بن علي . والثاني : إلى مصيرِ ظِلِّ كُلِّ شيءٍ مثليه ، رُوي عن أبي هريرة ، وهو قولُ الشافعيِّ ، وأحمد في رواية . والثالث : حتَّى تصفر الشمسُ ، رُوي عن عبد اللّه بن عَمْرو بن العاص ، (١) «الموطأ)) (ص ٣١). وفيه: ((ذراعًا إلى أن يكون ... )). (٢) في ((م)): ((سعيد بن أويس)) وفي ((هـ)): ((سعيد بن سويد)) . والصواب ما أثبته، وهو العبسي أبو محمد . (٣) كذا . ٠ ١٠٩ ١٣ - بابُ وقت العصر كتاب المواقيت وهو قولُ الأوزاعيِّ ، وأحمد في روايةٍ ، وأبي يوسف ، ومحمد . وفيه حديث ، عن عَبْد اللّه بن عَمْرو ، اخْتُلِفَ في رفعِه ووقفه ، وقد خَرَّجه مسلمٌ في ((صحيحه))(١) مرفوعًا . وأكثر مَنْ قَالَ بهذا القولِ والذي قبلَه ، قالوا : لا يخرجُ وقتُ العصرِ بالكلية باصفرارِ الشمسِ ولا بمصير ظل كلِّ شيءٍ مثليه ، إنما يخرجُ وقتُ الاختيار ، وَيَبْقَى ما بعده وقت ضرورة . وهل يكونُ التأخيرُ إليه لغير ذوي الأعذار مُحَرَّمًا ، أو مكروهًا كراهة تنزيه ؟ فيه وجهان لأصحابنا . وقال الإصْطخْرِيُّ من الشافعية : يخرجُ وقتُ العصرِ بالكلية حين يصير ظِلُّ الشيءِ مثليه ، ويصير بعد ذلك قضاء ، ولم يوافقه على ذلك أحدٌ . والمشهور عند الشافعية : أنه بعد مصير ظل كلِّ شيءٍ مثليه إلى اصفرار الشمس يجوز التأخير إليه بلا كراهة ، ولكن يفوتُ وقتُ الفضيلة والاختيار ، وقالوا : يفوتُ وقتُ الفضيلة بمصير ظلِّ الشيءِ مثله ونصف مثله ، ووقتُ الاختيار بمصير ظل الشيءٍ مثليه ، ووقتُ الجواز يمتد إلى اصفرارِ الشمس ، ومن وقتِ الاصفرار إلى أنْ تغربَ الشمسُ وقتُ كراهة لغير ذوي الأعذار . وحَكَى ابنُ عبد البر(٢) عن مَالِكِ وغيرِه من العلماء : أن مَنْ صلى العصر قبل اصفرار الشمسِ فقد صلاها في وقتها المختار ، وحكاه إجماعًا ، وحكاه(٣) عن الثوري وغيره . قال : وهذا يدلُّ على أنَّ اعتبار المثلين إنما هو للاستحباب فقط . وحكى عن أبي حنيفة : أن وقتَ الاختيارِ يمتدُ إلى اصفرارِ الشمس . (١) (١٠٤/٢ - ١٠٥) . (٢) ((التمهيد)) (٧٦/٨) . (٣) السابق (٨/ ٧٧) . ١١٠ حديث : ٥٥٠ - ٥٥١ کتاب المواقيت وحكى عن إسحاق وداود : آخرُ وقتِ العصرِ أنْ يدرك المصلِّي منها ركعةً قبل الغروب ، وسواء المعذور وغيره . وسيأتي القولُ في ذلك فيما بعد - إنْ شاء اللّه سبحانه وتعالى. وحكَى الترمذيُّ في («جامعه»(١) عن أبي بكرة أنه نام عَنْ صلاةِ العصرِ ، فاستيقظ عند الغروب ، فلم يصلِّ حتى غربت الشمس . وهذا قد ينبني على أنَّ وقتَ العصرِ يخرج بالكلية باصفرارِ الشمس ، فتصير قضاءً ، والفوائت لا تُقْضَى في أوقاتِ النهي عند قومٍ من أهلِ العلم. ونَهَى عُمَرُ بْنُ الخطاب مَنْ فاته شيءٌ من العصرِ أنْ يطوِّل فيما يقضيه منها ، خشية أنْ تدركه صفرةُ الشمس قبلَ أنْ يفرغَ من صلاتِه . المسألة الثانية : هل الأفضلُ تعجيلُ العصر في أول وقتها ، أو تأخيرها ؟ فيه قولان : أحدهما - وهو قولُ الحجازيين وفقهاء الحديث - : أنَّ تعجيلها في أولِ وقتها أفضل، وهو قولُ الليث، والأوزاعيِّ، وابن المبارك ، والشافعيِّ ، وأحمد ، وإسحاق ، وقولُ أهلِ المدينة : مالكِ وغيرِه . ولكن مالك يستحبُّ لمساجد الجماعات أنْ يؤخروا العصرَ بعدَ دخولٍ وقتها قليلاً ؛ ليتلاحق الناسُ إلى الجماعة . وقد تقدم إنكارُ عُرْوة على عُمَرَ بْنِ عبدِ العزيز تأخيره العصر شيئًا ، وإنكارُ أبي مسعود الأنصاري على المغيرة تأخيره العصر شيئًا . والأحاديث التي خَرَّجها البخاريُّ في هذا الباب كُلُّها تدلُ على استحباب تعجيلِ العصر وتقديمها في أول وقتها . والقول الثاني : أنَّ تأخيرَها إلى آخر وقتِها ما لم تصفر الشمس أفضل ، وهو (١) (٣٣٦/١) . ١١١ ١٣ - بابُ وقت العصر كتاب المواقيت قولُ أهلِ العراق ، منهم : النخعيُّ ، والثوريُّ ، وأبو حنيفة . قال النخعيُّ: كان مَن قبلكم أشدَّ تأخيرًا للعصر منكم، وكان إبراهيمُ يَعْصِرُ العصرَ - أي : يضيقُها إلى آخرِ وقتِها . وقَالَ أبو قلابة وابنُ شُبْرمة : إنما سُميت العصر لتُعصر . وقد رُوي هذا القول عن علي ، وابنِ مسعود وغيرِهما ، وفيه أحاديث مرفوعة ، كلُّها غيرُ قوية . قال العُقيليُّ : الرواية في تأخيرِ العصر فيها لين . وذَكَرَ الدار قطنيُّ أنه لا يصح منها شيءٌ يقاوم أحاديث التعجيل ؛ فإنَّها أحاديث كثيرة ، وأسانيدُها صحيحة من أصحُّ الأسانيد وأثبتِها . وقال : أحاديثُ تأخير العصر لم تثبت ، وإنَّما وجهها - إن كانت محفوظة - : أن يكونَ ذلك على غيرِ تعمدٍ ، ولكنْ للعذرِ والأمر يكون(١). (١) كذا . وربما كان معناه : أن تأخير العصر يكون لعذرٍ أو لأمرٍ عرض. ١١٢ حديث : ٥٥٢ كتاب المواقيت ١٤ - بَابُ ◌ِمِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ ٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ : أنا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أنَّ النَّبَِّ قَالَ: (الَّذِي تَفُوْتُهُ صَلَةُ العَصْرِ فَكَأَنَمَّا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَلَهُ) . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿يَتِرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]: وَتَرْتَ الرَّجُلَ، إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتَيْلاً، وأَخَذْتَ مَالَه(١). فواتُ صلاة العصر : أُريد به : فواتها في وقتها كلِّه، كذا فَسَّرِه ابنُ عبد البر وغيرُه . وقد فَسَّرِه الأوزاعيُّ: بفواتٍ وقتِ الاختيار ، بعد أن رَوَى هذا الحديثَ عن نافع ، قال الأوزاعيّ : وذلكَ أن تَرَى ما على الأرضِ من الشمس مصفراً . خرَّجه أبو داود في ((سننه))(٢) ومحمد بن يحيى الهمداني في (صحيحه)). وقد أدرج بعضهم هذا في الحديث : قال ابنُ أبي حاتم (٣) : سألتُ أبي عن حديثٍ رواه الوليد ، عن الأوزاعي ، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال رسولُ اللّه ◌َلِّ: ((مَنْ فاتته صلاةُ العصر - وفواتُها: أن تَدخل الشمسَ صفرةٌ - فكأنمَّا وُتُرَ أهْلِه ومالُه)) ؟ فقال أبي : التفسيرُ من قولِ نافعٍ . انتهى . وقد تبين أنَّه مِن قولِ الأوزاعي كما سَبَقَ . وقد رُويت هذه اللفظة من حديث حجاج والأوزاعي ، عن الزهري ، عن ابن عمر ، عن النبي وَلها . (١) في ((اليونينية)): ((أو أخذت ماله)) وفي نسخة: ((أو أخذت له مالاً)). (٢) (٤١٤) (٤١٥). وفيه: ((صفراء)). (٣) في ((العلل)) (٤١٩). ١ ٠ ١١٣ ١٤ - بَابُ إثم من فاتته العصر كتاب المواقيت ورَوَى هذا الحديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ وَّر. خَرَّجه من طريقه مسلمٌ (١) . ورواه حفص بن غَيلان ، عن سالم ، وزاد فيه: ((في جماعة)). وهذه - أيضًا - مدرجةٌ، وكأنَّها من تفسير بعضِ الرواة ، فَسَّر فواتها المرادَ في الحديث بفواتِ الجماعة لها ، وإنْ صلاها في وقتها ، وفي هذا نظرٌ . وعلى تفسيرِ الأوزاعي يكون المرادُ : تأخيرَها إلى وقتِ الكراهة ، وإنْ صلاها في وقتها المكروه . وعلى مثل ذلك يُحمل ما رواه مَالكُ في ((الموطٍ)(٢) عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ ، أنه قال: إنَّ الرجل ليُصلِّي الصلاة وما فاتته ، ولَمَاَ فاته من وقتها أعظم - أو أفضل - من أهلِه ومالِه . وقد رواه الليثُ بنُ سَعْدٍ ، عن يَحْيى بن سعيد ، عن يَعلى بن مسلم ، عن طَلق بن حَبيب، عن النبي ◌ِّو - مرسلاً. ورواه جعفر بن عَون ، عن يَحْيى بن سعيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن يعلى، عن طَلق، عن النبي ◌َِّ . ورواه حماد بن زيد ، عن يَحْيَى بن سعيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن طَلق بن حَبيب، قال: كان يُقال - فذكره، ولم يذكر: النبيِّ ◌َلِّ. خَرَّجه محمدُ بْنُ نصر المروزيُّ مِن هذه الوجوه كلِّها(٣). وقد رُوي موصولاً من وجوه أخر : فرَوَى وَكيع في ((كتابه)) (٤) عن شُعبة عن سَعْد بن إبراهيم ، عن الزهري ، (١) (٢/ ١١١) . (٢) (ص ٣٤) . (٣) ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٠٤٠) (١٠٤١) (١٠٤٢). (٤) ومن طريقه محمد بن نصر المروزي (١٠٤٣) . ١١٤ حديث : ٥٥٢ كتاب المواقيت عن ابن عمر، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إنَّ الرجلَ ليدرك الصلاة، وما فاته مِن وقتها خير له من أهله وماله)) . ورواه نُعيم بن حمَّد ، عن ابنِ المبارك ، عن شُعبة ، به . والزهريُّ لم يسمعْ من ابنِ عمر عند جماعة ، وقيل : سمع منه حديثًا أو حديثين . ورواه هُشيم(١)، عن يَعلى بن عطاء ، عن الوليد بن عبد الرحمن القرشي ، عن ابنِ عمر، عن النبي ◌َّ - بنحوه. خرَّجه محمدُ بنُ نصر المروزي(٢) . والوليد هذا ، لا أعرفه ، إلا أنْ يكون الجُرَشي الحمصي، فإنَّه ثقةٌ معروف. ورَوَى إِبراهيم بنُ الفضل المدني ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي ◌ََّ، قال: ((إنَّ أحدكم ليصلِّي الصلاة لوقتها، وقد تَرَكَ من الوقتِ الأول ما هو خیرٌ له من أهله وماله» . خَرَّجه الدار قطني (٣) . وإبراهيم هذا ، ضعيفٌ جدًاً . ورواه - أيضًا - يعقوبُ بْنُ الوليد المدني، عن ابنِ أبي ذِئْبٍ ، عن المقبري، عن أبي هريرة ، عن النبي ◌َّ - نحوه(٤). ويعقوب هذا ، منسوب إلى الكذب . قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) : وقد رُوي هذا الحديث من وجوه ضعيفة. وزَعَم في ((التمهيد)) أنَّ حديث أبي هريرة هذا حسن ، وليس كما قال. (١) في الأصلين: ((هشام)) خطأ. (٢) (١٠٤٤) . (٣) (٢٤٨/١) . (٤) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٤٢/٤). ١١٥ ١٤ - بَابُ إثم من فاتته العصر كتاب المواقيت قال ابنُ عبد البر : كان مالك - فيما حكَى عنه ابن القاسم - لا يعجبه قول يحيى بن سعيد هذا - يعني : الذي حَكَاه عنه في ((الموطأ)). وذَكَرَ ابن عبد البر أنَّ سببَ كراهةٍ مالكِ لذلك - واللهُ أعلم - أنَّ وقتَ الصلاة كلَّه يجوزُ الصلاةُ فيه، كما قال: ((ما بين هذين وقتٌ) ، ولم يقل : أوله أفضل . والذي يصحُّ عندي في ذلك : أنَّ مالكًا إنَّما أنكرَ قولَ يُحيى بنِ سعيدٍ ؛ لأنه إنما صَحَّ عن النبيِّ وَّ أنَّه قال ذلك فيمن فاتته العصرُ بالكلية حتّى غربتِ الشمسُ ، فكأنَّ مَالِكًا لم يَرَ أن بَيْنَ أول الوقت ووسطه وآخره من الفضل ما يبلغ ذهاب الأهل والمال ؛ لأنَّ ذلك إنما هو في ذهابِ الوقت كله . وفي هذا الحديثِ : أن ذهاب بعض الوقت كذهاب الوقت كلّه، وهذا لا يقوله أحدٌ من العلماء ، لا مَنْ فضَّل أول الوقت على آخره ، ولا مَنْ سَوَّى بينهما ؛ لأن فَوْتَ بعض الوقت مُبَاحٌ ، وفَوْت الوقت كلِّه لا يجوز ، وفاعله عاصٍ للّه إذا تعمَّد ذلك، وليس كذلك مَنْ صلَّى في وسطِ الوقتِ وآخرِه ، وإنْ كان مَنْ صلى في [أوَّلَ] (١) وقته أفضل منه . انتهى. وقد تقدم أنَّ الأوزاعيَّ حَمَلَهُ على مَنْ فَوَّت وقتَ الاختيار ، وصلَّى في وقتِ الضرورة ، وهو يدلُّ على أنَّه يَرَى أنَّ التأخير إليه مُحرَّم ، كما هو أحدُ الوجهين لأصحابِنا ، وهو قولُ ابنِ وَهْبٍ وغيرِه . ومنهم مَنْ حَمَلَه على مَنْ فوتها حتَّى غربت الشمسُ بالكلية . وظاهرُ تبويبِ البخاريِّ يدلُّ على أنَّ الحديث محمولٌ على مَنْ فَوَّت العصرَ عَمْدًا لتبويبه عليه : ((باب: إثم من فاتته العصر)). فأمَّا مَنْ نَامَ عنها أو نسيها فإنَّ كفارته أن يصليها إذا ذَكَرَها ، وإذا كان ذلك كفارةً له فكأنه قد أدرك بذلك فضلَها في وقتها . (١) زيادة ليست بالأصل . ١١٦ حديث : ٥٥٢ کتاب المواقيت وفي هذا نَظَرٌ ، ولا يلزمُ مِن الإتيانِ بالكفارة إدراك فضلِ ما فاته مِن العملِ ، وفي الحديث : ((مَنْ تركَ الجمعة فليتصدق بدينار، أو بنصف دينار))(١)، ولا يلزمُ مِنْ ذلك أن يلحقَ فضل مَنْ شَهِد الجمعة . ولهذا المعنى يقول مالك والأوزاعي وغيرُهما فيمن صلَّى في الوقتِ صلاةً فيها بعضُ نقص : إنَّها تُعاد في الوقت ، ولا تعاد بعده ؛ لأن نقص فواتِ الوقت أشد من ذلك النقص المستدرك بالإعادة بعده ، فلا يقوم الإتيانُ به خارج الوقت مقامَ الإتيان به في الوقت ، بل الإتيانُ في الوقت بالصلاة على وجْهٍ فيه نقصٌ أكمل من الإتيان بالصلاة كاملة في غير الوقت . ويدلُّ عَلَى ما قاله البخاريُّ: ما خَرَّجه الإمامُ أحمد (٢) من رواية حجَّاجِ بن أرطاة ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر، عن النبي ◌ِّهِ، قال: ((الذي تَفُوتُه صلاةُ العصر متعمدًا حتى تغرب الشمسُ فكأنما وُتُرَ أهله وماله)) . ويدل عليه - أيضًا - حديث أبي هريرة، عن النبيِّ بَّ: ((مَنْ أَدْرَك ركعةٌ من العصر قبل أن تغرب الشمسُ فلم تفته)) . خَرَّجه الإمام أحمد(٣) من رواية يَحْيَى بن أبي كثير ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرة، عن النَّبِّ ◌َِّ . ورواه أبو غسَّن وهِشامُ بْنُ سَعَد ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلِم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ وَّ - بمعناه. وقد رُوِيَ ما يدلُّ على أنَّ الناسي لا تكون الصلاة فائتة له كالنائم : (١) أخرجه أحمد (١٤/٥) وأبو داود (١٠٥٣) (١٠٥٤) وابن حبان (٢٧٨٨) (٢٧٨٩) من حديث سمرة بن جندب ، وهو حديث ضعيف لا يصح . : (٢) ((المسند)) (١٣/٢ - ٢٧ - ٧٦) . (٣) (٢٥٤/٢) . ورواه مالك ، عن زيد . أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٢) . ١١٧ ١٤ - بَابُ إثم من فاتته العصـ كتاب المواقيت فَرَوَى الإمام أحمد(١): ثنا محمد بن جعفر: ثنا سعيد (٢)، عن قَتَادَةَ ، عن عَبْدِ اللّه بن رَبَاح، عن أبي قَتَادَةَ الأنصاري - فذَكَرَ قصةَ نومهم مع النبي ◌ِّ ◌ُلّ عن صلاة الصبح حتَّى طلعت الشمسُ -، وفيه: قال: فقلتُ: يا رسولَ اللّه ، هَلَكْنَا، فَاتَتْنَا الصلاةُ، فَقَالَ رسولُ اللَّهِ وََّ: ((لَمْ تهلكوا ولم تفتكم الصلاةُ ، وإنما تفوتُ اليقطانَ ولا تفوتُ النائمَ)) - وذَكَرَ الحديث . وقد حَمَلَ بعضُ السلف هذا الحديث على مَنْ فاتته العصرُ بكلِّ حالٍ ، وإنْ کان ناسيًا . فرَوَى زُهير بن معاوية : نا أَسيد بن شُبْرُمَة الحارثي ، قال : سمعتُ سالمًا يحدث عن عبد اللّه بن عمرُ، عن النبي ◌ِّر، قال: ((الذي تفوتُه صلاةُ العصر فكأنمًّا وُتُر أهلَه ومالَه)) قال : فقلت : وإن نَسِيَ ؟ قال : وإن نَسِيَ ، فصلاةٌ ينساها أشدُّ عليه من ذهابِ أهلِه وماله . خرَّجه الدارقطنيُّ في أولِ كتابِه ((المختلف والمؤتلف)). وذَكَرَ أن أَسيد بن شُبْرُمَة، يقال: فيه ((أُسيد)) - أيضًا - بالضم ، قال : ولا أعرف له غير هذا الحديث ، وحديث آخر رواه عن الزهري . وقوله : ((وترَ أهلَه ومالَه)). قيل : معناه : حرب أهله وماله وسلبهما ، من وَتَرْتَ فلانًا إذا قَتَلْت حَمِيمه، والوتر : الحقد ، بكسر الواو ، ولا يجوز فتحُهَا ، وذلك أبلغ من ذَهابِ الأهل والمال على غير هذا الوجه ، لأنَّ المَوْتُور يهمُّ بذَهابِ ما ذَهَبَ منه ويطلب ثاره حتَّى يأخذ به(٣). (١) (٣٠٢/٥) . (٢) في ((المطبوع)): ((شعبة))، لكن في ((أطراف المسند)) (٥٢/٧): ((سعيد)) كما هنا. وراجع: ((المسند الجامع)) (٣٣٦/١٦ - ٣٤٢). (٣) راجع: ((النهاية)) لابن الأثير . ١١٨ حديث : ٥٥٢ كتاب المواقيت وقيل : معناه : أُفردَ عن أهله وماله ، من الوَتر - بكسر الواو وفتحها - ، وهو الفَرْد - أي : صار هو فَرْدًا عن أهله وماله . وعلى هذا والذي قبله ، فالمعنى : ذَهابُ جميع أهله وماله . وقيل : معناه: قُلِّل ونُقص، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] . و ((أهلَه ومالَه)): روايتهما بنصب باللام، على أنَّه مفعولٌ ثان لـ ((وتر))؛ لأنَّ (وتر)) و((نقص)) يتعديان إلى مفعولين، ولو رُوي بضم اللام على المفعول الأول لم يكن لَحْنًا ، غير أنَّ المحفوظ في الرواية الأولُ ـ : قاله الحافظُ أبو موسى المدينيّ . وقال أبو الفرج ابن الجوزي في ((كشف المُشْكِل)) : في إعراب الأهلِ والمالِ ، قولان : أحدُهما : نصبُهُمَا ، وهو الذي سمعناه وضبطناه على أشياخنا في كتاب أبي عبيد وغيره ، ويكون المعنى : فكأنما وُتِرَ في أهله وماله ، فلمَّا حذف الخافض انتصب . والثاني : رفعُهُمَا على من لم يُسمَّ فاعلُه ، والمعنى : نَقَصَا . وكأنه يشير إلى أنَّ النصبَ والرفعَ يُبنى على الاختلاف في معنى ((وَتُر)): هل هو بمعنى : سُلُب ، أو بمعنى : نَقص ؟ واللّه أعلم . وفي الحديث : دليلٌ على تعظيمٍ قَدْرِ صلاةِ العصر عند اللّه عزَّ وجلَّ وموقعها من الدين ، وأنَّ الذي تفوته قد فُجِعَ بدينه وبما ذَهَبَ منه ، كما يُفْجَع مَنْ ذَهَبَ أهلُه ومالُه . وهذا مما يُستدل به على أنَّ صلاةَ العصرِ هي الصلاةُ الوسطى المأمور بالمحافظة عليها خُصوصًا بعد الأمر بالمحافظة على الصلوات عمومًا . ١١٩ ١٤ - بَابُ إثم من فاتته العصر کتاب المواقيت وقد زَعَمَ بعضُ العلماءِ : أنَّ هذا لا يختص بفوات العصر ، وأنَّ سائرَ الصلواتِ فواتُها كفواتِ العصرِ في ذلك ، وأنَّ تخصيصَ العصر بالذكر إنما كان بسؤالِ سائلٍ سألَ عنه فأُجيب ، ورَجَّحَه ابنُ عبد البر ، وفيه نظرٌ . وقد يُستدل له بما خرَّجه الإمام أحمد(١) وغيرُه من حديث عمرو (٢) بن شُعيب، عن أبيه، عن عَبْد اللّه بن عَمْرو، عن النبيِّ وَّ، قال: ((مَن تَرَكَ الصلاةَ سُكْرًا مرةً واحدة فكأنمًّا كانتْ له الدنيا وما عَلَيها، فسُلُبَهَا)) . واستدل مَنْ قال : إنَّ جميعَ الصلوات كصلاة(٣) العصرِ في ذلك بما رَوَى ابنُ أبي ذِئْبٍ ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هِشام، عن نَوْفل بن معاوية الدِّيلي، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَن فاتته الصلاةُ فكأنمًا وُتُرَ أهلَه ومالَه)) . قال : وهذا يَعم جميع الصلوات ، فإن الاسم المعرف بالألف واللام كما (٤) في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَأَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وهذا ليس بمتعين ؛ لجواز أن يكون الألف واللام هنا للعهد ، كما في قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهَمَا مِن بَعْد الصَّلاة﴾ [المائدة: ١٠٦] على تأويل من فَسَّرها و بصلاة العصر . وحديث نَوْفل بن مُعَاوية قد اختُلِفَ في إسناده ومتنِه ، وقد خرَّجه البخاريّ ومسلمٌ في ((الصحيحين))(٥) في ضمن حديث آخر تبعًا لغيره مخرجًا من حديث صالح بن كَيسان ، عن الزهري ، عن ابنِ المسيَّب وأبي سَلَمَةَ ، عن أبي هريرة ، عن النبيِّ نَّهِ: ((ستكون فتنٌ القاعد فيها خيرٌ من القائم)) - الحديث . (١) (١٧٨/٢) . (٢) في الأصلين: ((ابن عمرو)) خطأ. (٣) في الأصلين : ((كالصلاة)). (٤) لعل سقطًا وقع هنا ويكون الصواب: (فإن الاسم المعرف بالألف واللام [يعمُّ] كما ... )). (٥) البخاري (٣٦٠٢) ومسلم (١٦٨/٨). ١٢٠ حديث : ٥٥٢ کتاب المواقيت وعن الزُّهْرِي : حدَّثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود ، عن نَوْفَل بن مُعَاوية ، مثل حديث أبي هريرة، إلا أن أبا بكر يزيد : ((من الصلاة صلاةٌ مَنْ فانته فكأنَّما وُتُرَ أهلَه ومالَه)). كذا خرَّجه البخاريُّ في ((علامات النبوة)) من ((صحيحه))(١)، وخرَّجه مسلم في ((كتاب الفتن))(٢) . وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريِّ بهذا الإسناد لحديث نوفل. ورواه ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، فأسقط من إسناده : عبد الرحمن بن مُطيع . وكذلك رُوي عن مَعْنِ ، عن مَالِكِ ، عن الزهريِّ . قال النسائيّ : أَخافُ أنْ لا يكون محفوظًا عن مالك ، ولعله: مَعْن ، عن ابن أبي ذِئْبٍ . وقد رُوي ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهريِّ ، عن أبي سَلَمَةَ ، عن نَوْفلٍ ، وهو وَهَم على ابنِ أبي ذِئْبٍ . وأمَّا الاختلافُ في متنِ الحديث ، فقد رُوي عن [ابن] أبي ذئب أنه قال في الحديث: ((مَن فاتته الصلاةُ) كما تقدم ، ورُوي عنه أنه قال في حديثه : ((مَن فاتته صلاةٌ))، ورُوي عنه في حديثه : ((مَنْ فاتته صلاةُ العصر)). وفي رواية له : ((من فاتته الصلاة )) وفي آخر الحديث - قلت لأبي بكر : ما هذه الصلاة؟ قال: هي العصر؛ سمعتُ ابن عمر يقول: قال رسولُ اللّه وَلِهِ: ((مَنْ فاتته صلاة العصر)) - الحديث . وفي رواية : قال أبو بكر : لا أدري . (١) (٣٦٠٢) . (٢) (١٦٨/٨) . ٠٠