النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
١ - بَابُ مواقيت الصلاة وفضلها
كتاب المواقيت
وقد رُوي هذا الحديث عن النبي ◌َُّلّ من روايات متعددة .
وقد كان الصحابةُ يأمرون بذلك ويفعلونه عند ظهورٍ تأخير بني أمية للصلاة
عن أوقاتها ، وكذلك أَعْيان التابعين ومن بعدهم من أئمة العلماء :
قال [أحمد](١) وإسحاق: إنما يصلّي في بيته ثم يأتي المسجدَ إذا صلَّى
الأئمة في غير الوقت ــ : نَقَلَه عنهما ابنُ منصور .
ومرادُهما : إذا صلَّوا بعد خروجِ الوقتِ ، فإنَّ تأخير الصلاة عن وقتها عَمْدًا
في غيرِ حالٍ يجوزُ فيها الجمعُ لا يجوزُ إلا في صورٍ قليلةٍ مُخْتَلَفٌ فِيها ، فأما إنْ
أَخَّروا الصلاة عن أوائلِ وقتها الفاضلةِ ؛ فإنه يصلِّي معهم ويقتصر على ذلك .
وقد رَوَى الشافعيُّ بإسناده ، عن ابنِ عُمَرَ ، أنه أَنْكَرَ على الحجَّاجِ إسفارَه
بالفجر ، وصلَّی معه يومئذ .
وقد قال النخعي : كان ابنُ مسعود يصلي مع الأمراء في زمن عثمان وهم
يؤخَّرون بعضَ التأخير ، ويَرَى أنهم يتحملون ذلك .
وإنَّما كَانَ يفعلُ ذلك في أيام إمارة الوليد بن عُقبة على الكوفة في زمن
عثمان، فإنه كان أحيانًا يؤخِّر الصلاةَ عن أول وقتها .
وفي «مسند الإمام أحمد))، أن الوليد بن عقبة أَخَّر الصلاة مرةً، فقام ابن
مسعود فتقرب ، فصلَّى(٢) بالناس، وقال: أَبَى اللَّهُ ورسولُه علينا أن ننتظرك
بصلاتنا وأنت في حاجتك .
وفي ((سنن أبي داود)): عن صَالح بن عُبيد، عن قبيصة بن وقَّاص ، قال :
قال رَسُولُ اللَّهِ بَطله: ((يكون عليكم أمراء من بعدي، يؤخرون الصلاة، فهي لكم
وعليهم، فصلُّوا معهم ما صلَّوا القِبلة) .
وهذا الحديثُ معلولٌ من وجهين :
(١) في الأصلين ما صورته: ((ط))، ولا أدري ما معناه، والصواب ما أثبته، ويؤكده ما يأتي بعده.
(٢) في ((المسند)) (١ / ٤٥٠): ((فقام ابن مسعود فئوَّب بالصلاة فصلّى ... )).

٢٢
حدیث : ٥٢١ - ٥٢٢
كتاب المواقيت
أحدهما : أن قَبيصة بنَ وقَّاص وإنْ عَدَّه بعضُهم في الصحابة، فقد أَنْكَرَ
ذلك آخرون .
والثاني : أن صالح بن عُبيد ، قال بعضُهم : إنه لا يُعرف حاله ، منهم :
الأثرمُ وغيرُه .
وخَرَّج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه (١) من حديث عَطَّافِ بنِ خالد ، عن
عبد الرحمن بن حَرْمَلة ، عن رجل من جُهينة ، عن عُقْبة بن عامر ، عن النبي
وَالله - معناه.
وفي هذا الإسناد ضعف .
وخَرَّج الإمامُ أحمد (٢) نحوه من حديث عاصم بن عبيد اللّه ، عن عبد اللّه
ابن عامر بن ربيعة، عن أبيه ، عن النبي وَ طار .
وعاصم ، ضعيف .
وإنْ صحتْ هذه الأحاديث ، فهي محمولة على من أخَّر الصلاة عن أوَّل
وقتها الأفضل إلى آخر الوقت ، وحديثُ أبي ذَرِّ وما في معناه محمولٌ على
من أَخَّرها عن الوقتِ حتى خَرَجَ الوقت ، أو إلى وقت يكره تأخير الصلاة إليه ،
كتأخير العصر إلى أن تَصْفُرَّ الشمسُ ، وقد رُويَ ذلكَ عن ابنِ مسعود مَوْقوفًا
ومرفوعًا .
وعلى هذا يدل كلامُ أحمد وإسحاق كما سَبَقَ ذكرُهُ، وأنَّ الإمامَ إذا صلَّى في
آخر الوقت فإنَّه يُصلِّي مَعَه ولا يصلّي قبله في البيت ، كما إذا أخَّرها عن
الوقت .
واستدل الإمامُ أحمد بقول ابنِ مسعود في الذين يؤخّرون الصلاةَ إلى شَرَق
(١) أحمد (١٤٦/٤ - ١٤٧) وأبو داود (٥٨٠) وابن ماجه (٩٨٣).
وعند أبي داود وابن ماجه من طريق ابن حرملة ، عن أبي علي الهمداني ، عن عقبة .
(٢) (٤٤٥/٣ - ٤٤٦) .

٢٣
١ - بَابُ مواقيت الصلاة وفضلها
کتاب المواقيت
الموتى(١)، فأمرهم أنْ يصلُّوا للوقت ، ثم يصلُّوا معهم .
وقد خَرَّجه مسلمٌ في ((صحيحه))(٢) .
ورُوي عن عطاءِ ، أنه يكتفي بالصلاة معهم ولا يصلِّي في بيته ما لم يؤخِروا
حتى تغرب الشمسُ .
ذَكَرَهُ عَبْدُ الرزاق(٣)، عن ابن جُريج ، عنه .
وقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : إذا أَخَّر الإمامُ الصلاةَ عن أوَّلَ الوقت
فإنْ وَجَدَ جماعةً غيرَهَ في أوَّلَ الوقت صلَّى مع الجماعة، وإلا انتظر الإمامَ حتَّى
يصلّي ؛ لأنَّ الجماعةَ عندنا فرضٌ .
وكذلك مذهب مالك وأصحابه : أنَّ تأخيرَ الصلاة لانتظار الجماعة أفضل من
الصلاة في أول الوقت منفردًا .
ونص الإمام أحمد في رجلٍ أَمَرَهُ أبوه أن يصلِّي به ، وكان أبوه يؤخر الظهر
إلى العصرِ ، أنه يصلِّي به . فإنْ كان يؤخِّر الصبح حتى تطلع الشمس لم يفعل .
وللشافعي في ذلك قولان : أحدهما : ينتظر الإمامَ إذا أَخَّرها عن أول
الوقت. والثاني : يصلّي في أول الوقت منفردًا ، وهو أفضل من التأخير
للجماعة.
وقالت طائفة من أصحابه : الأفضلُ أن يجمعَ بين الأمرين ، فيصلِّي في أول
(١) في رواية عبد الرزاق (٢/ ٣٨٢) قال أبو الأحوص: ((وما شرق الموتى؟ قال: إذا اصفرت
الشمس جدًا» .
وقال ابن الأثير (٤٦٥/٢): ((له معنيان: أحدهما : أنه أراد به آخر النهار ؛ لأن الشمس في
ذلك الوقت إنما تلبث قليلاً ثم تغيب ، فشبَّه ما بقي من الدنيا ببقاء الشمس تلك الساعة .
والآخر : من قولهم : شَرق الميت بريقه إذا غصّ به ، فشبه قلة ما بقي من الدنيا بما بقي
من حياة الشرق بريقه إلى أن تخرج نفسه)) .
(٢) (٦٨/٢) .
(٣) (٣٨٤/٢ - ٣٨٥).

٢٤
حديث : ٥٢١ - ٥٢٢
كتاب المواقيت
الوقت منفردًا ، ثم يصلّي مع الجماعة في أثناء الوقت ، وإن أراد الاقتصار على
صلاة واحدة فالتأخير للجماعة أفضل .
ومنهم من ذَكَرَ احتمالاً : إن فَحُشَ التأخير فالانفراد أول الوقت أفضل ، وإن
خفَّ فالانتظار أفضل .
واستدل صاحب ((شَرْح المهذَّب)) لتفضيل الجمع بينهما ، بأنَّ في ((صحيح
مسلم)(١)، عن أبي ذر، عن النبي بَّر، أنه ((سيجيء قومٌ يؤخرون الصلاةَ عن
أول وقتها)) - وذكر الحديث المتقدم .
وليس في ((صحيح مسلم)) ذكر أول الوقت ولا وجدناه في غيره - أيضًا - ،
بل في الأحاديث ما يدل على خلاف ذلك ، وأنهم يؤخرون الصلاة حتى يذهب
وقتُها. كذلك في حديث عُبادة بن الصامت، عن النبي ◌َّد.
وقد خَرَّجه الإمامُ أحمد وأبو داود(٢).
وقد استدل الإمام أحمد بأمر النبي وَّ بالصلاة في الوقت عند تأخير الأمراء
على أن الجمع بين الصلاتين لغير عذرٍ غير جائز .
وسيأتي زيادة بيان لذلك في مَوْضع آخر - إن شاء اللَّهُ سبحانه وتعالى .
وأمَّا تقديمُ الصلاة على وقتها في غيرِ جمعٍ فلا يجوزُ - أيضاً - ، فلو صلَّى
الظهرَ قبل الزوال ، والصبحَ قبل طلوعِ الفجرِ ، والمغربَ قبل غروبِ الشمسِ
فعليه الإعادةُ ، وسواء تعمَّد ذلكَ أو لم يتعمده ، هذا قولُ جمهور العلماء .
قال ابنُ المنذر : اختلفوا في الصلاة قبل دخولِ الوقتِ ، فرُوِّينا عن عُمَرَ (
وأبي موسى الأشعري ، أنهما أعادا الفجر لأنهما كان صلياها قبل الوقت ، وبِهِ
(١) (٢ / ١٢٠) .
(٢) أحمد (٣١٤/٥ - ٣١٥) وأبو داود (٤٣٣) وابن ماجه (١٢٥٧).
(٣) في ((الأوسط)) (٢/ ٣٨٣): ((ابن عمر)) وقد أسنده أيضًا عن ((عمر)) وانظر الآتي (ص ١٢٨).

٢٥
١ - بَابُ مواقيت الصلاة وفضلها
كتاب المواقيت
قَالَ الزهريُّ ومالكٌ والأوزاعيُّ والشافعيُّ وأحمد وأصحابُ الرأي ، وقد رُوِّينا عن
ابنِ عبِّاسٍ ، أنه قَالَ في رجلٍ صلَّى الظهر في السفر قبل أن تزولَ الشمس ، قال:
يجزئه . وقال الحسن : مَضَتْ صلاتُه . وبنحو ذلك قال الشافعيّ .
وعن مالك فيمن صَلَّى العشاء في السفر قبل غيبوبة(١) الشفق جاهلاً وساهيًا
يعيد ما كان في وقت ، فإذا ذَهَبَ الوقتُ قبل أن يعلم أو يذكر فلا إعادةً عليه .
انتھی .
وقال ابنُ عبد البر : لا خلافَ بين العلماءِ أنَّ وقتَ الصلاةِ من فرائضِها ،
وأنَّها لا تجزئ قبل وقتها ، إلا شيءٌ رُوي عن أبي موسى الأشعري وعن بعضِ
التابعين ، أَجْمَعَ العلماءُ على خلافِهِ ، فلم أَرَ لذكره وجهًا ؛ لأنه لا يصح عنهم ،
وقد صَحَّ عن أبي موسى خلافُهُ بما وافقَ الجماعةَ ، فصار اتفاقًا صحيحًا .
قُلْتُ : ليس هذا الاختلاف في جواز تقديم الصلاة على وقتها عَمْدًا، إنَّما
الاختلافُ فيمن اجتهد وصلَّى ثم تبينتْ صلاتُهُ قبلَ الوقت ، وقد مَضَى الوقتُ ،
فهذا في وجوبِ الإعادةِ فيه قولان للشافعيِّ ، والاختلافُ المرويُّ عن السلف
يَرْجِعُ إلى هذين القولين ، وقد حُكي رواية عن أحمد أنه لا يلزمه القضاءُ . قال
القاضي أبو يعلى الصغير في ((تعليقه)): قد تأولها أصحابنا .
وما حكاه ابنُ المنذر عن مالك قد رَوَى صالحُ بنُ أحمد وأبو الحارث ، عن
أحمد في المسافر إذا صلَّى العشاء قبل مَغِيب الشَّفَقِ : أرجو .
وتأوله بعضُ أصحابِه عن الشفقِ الأبيض ، وهو بعيد .
وقد نَقَلَ ابنُ منصورٍ ، عن أحمد ، أنه إذا صلَّى العشاءَ في السفرِ بعد غيبوبةِ
الشَّفْقِ الأحمر وقبل غيبوبة البياض ، فإنَّه يجوز ، وعلَّل بأنه إمّا أن يكون مصليًا
(١) في الأصلين: ((غروب)).
والمثبت من («الأوسط)) لابن المنذر (٣٨٥/٢). وسيأتي مثله قريبًا .

٢٦
حديث : ٥٢١ - ٥٢٢
كتاب المواقيت
في الوقت عند من يَرَى أن الشفق الحمرة ، وإمَّا أن يكون جامعًا بين الصلاتين
في السفر ، وهو جائزٌ .
وهذا يدلُّ على جوازِ الجمعِ في السفر في وقتِ الأولى مع التفريق بين
الصلاتين ، وعلى أن نِيَّةَ الجمعِ لا تُشترط .
ورَوَى حَرْبٌ، عن أحمدَ فيمن صلَّى العشاءَ قبل مغيبِ الشَّفَقِ ، قال : لا
أدري . وفيمن صلَّى العصرَ قبل مصير ظل الشيءٍ مثله : إنه يُعيد ، ولم يُقيد هذا
بالسفر .
ولو كان معللاً يجواز الجمعِ كما نَقَلَهُ عنه ابنُ منصور ، لم يكن فَرَّق بين
العشاءِ والعصرِ ، لأن كِلْتَا الصلاتين تجمع إلى ما قبلها .
والظاهر : أنه أراد بالشفق الحمرة ؛ فإن أحمد متوقفٌ في صلاة العشاءِ قبلَ
مغيبِ البياضِ ، على ما سيأتي ذكره - إن شاء اللّه سبحانه وتعالى.

٢٧
٢ - بَابُ ﴿منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة﴾
كتاب المواقيت
٢ - بَابُ
مُنِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
ولا تكونوا من المشر کین
ء
0 وُ
و
[الروم: ٣١ ]
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: ٣٠].
فأمره بإقامة وَجْهِهِ ، وهو إخلاصُ قصدِهِ وعزمِه وهمِّه للدينِ الحنيف ، وهو
الدينُ القَيَّم ، وهو فطرةُ اللَّهِ التِي فَطَرَ العبادَ عَلَيْها، فإنَّ اللهَ رَكَّب في قلوبِ
عبادِهِ كلِّهم قَبَولَ توحيدِهِ والإخلاصِ لَه ، وإنَّما يغيرهم عن ذلك تعليمُ مَنْ علمهم
الخروج عنه .
و
ولمَّا كان الخطابُ له ◌َ لّ لم تدخل فيه أمته معه قال بعد ذلك: ﴿منيبين
٠
إِلَيْهِ﴾، فجعل ذلك حالاً له ولأمته، وهو إنابتهم إليه، ويعني به: رجوعهم إليه،
وأمَرَهم بتقواه ، والتقوى تتضمن فعلَ جميعِ الطاعات وتركَ المعاصي
والمخالفات .
وخَصَّ من ذلك إقامَ الصلاة ، فلم يذكر من أعمال الجوارح باسمه الخاص
سواها ، والمراد بإقامتها : الإتيان بها قائمة على وجهها التام ، وفي ذلك دليلٌ
على شَرَفِ الصلاةِ وفضلِها ، وأنها أهمَّ أعمالِ الجوارحِ .
ومن جملةٍ إقامتها المأمور به : المحافظةُ على مواقيتها ، فمن صَلَّى الصلاةَ
لغير مواقيتها التي وَقَّتَها اللهُ فلم يُقم الصلاة ، بل ضيَّعها وفَرَّط فيها وسَهَا عنها .
و
و
قال ابنُ عبَّاسِ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [المائدة: ٥٥]،
قال : يقيمون الصلاة بفرضها(١).
(١) ابن جرير (٢٤١/١ - شاكر) .

٢٨
حدیث : ٥٢٣
کتاب المواقيت
وقال قتادة : إقامة الصلاة : المحافظة على مَوَاقيتها ووضوئها ، ورُكُوعِها
و و
وسُجُودِها .
وقال مُقاتل بن حَيَّن : إقامتها : المحافظةُ على مواقيتها ، وإسباغُ الطهورِ
فيها ، وتمامُ ركوعها وسجودِها ، وتلاوةُ القرآن فيها ، والتشهدُ ، والصلاةُ على
النبي وَّر، فهذا إقامتُها .
خَرَّجه كلَّه ابنُ أبي حاتم .
ولهذا مَدَحَ سبحانه الذين هُم على صلاتهم يحافظون والذين هم على
صلاتهم دائمون ، وقد فَسَّرِه ابنُ مسعود وغيرُهُ بالمحافظة على مواقيتها ، وفَسَّره
بذلك مسروقٌ والنخعيُّ وغيرُهما .
وقيل لابن مسعودٍ: إن اللَّه يكثر ذِكْرَ الصلاةَ في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى
صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] و ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾
[المعارج: ٣٤]؟ قال: ذاك على مواقيتها. قيل له: ما كنَّا نَرَى ذَلكَ إلا على
تركِها ، قال : تركُها الكفرُ .
خَرَّجه ابنُ أبي حاتم ومحمد بن نصر المروزي(١) وغيرُهما .
وكذلك فَسَّرَ سعدُ بنُ أبي وقاص ومسروقٌ وغيرُهما السَّهْوَ عن الصلاةِ بالسهوِ
عن مواقيتها .
ورُوي عن سَعْدٍ مرفوعًا، والموقوف أصحُ (٢).
قال البخاريُّ - رحمه الله - :
٥٢٣ - نا قُتََّةُ بْنُ سَعيد: نا عَبَّادٌ - هُوَ: ابْنُ عَبَّادِ -، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ
(١) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٦٢) (٩٣٨).
(٢) وكذا رجح الوقف فيه البزار والبيهقي والحاكم .
انظر ((تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٤٢) (٤٣) و((السنن الكبرى)) (٢١٤/٢ - ٢١٥) .
و(كشف الأستار)» (٣٩٢).

٢٩
٢ - باب ﴿منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة﴾
٩
کتاب المواقيت
عَبَّاس، قَالَ: قَدَمَ وَفْدُ عَبْد الْقَيْسِ عَلَى رَسُول اللَّه ◌َّهِ، فَقَالُوا(١): إنََّ هذَا الْحَيَّ مِنْ
رَبَيِعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، قَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُّهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو
إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. فَقَالَ: ((آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ ، وأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ : الإِيمانِ باللَّهِ))، ثَمَّ
فَسَّرَها لَهُمْ: (شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنِيِّ رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيْنَاءُ
الزَّكَاةِ ، وأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ ، وَأَنْهِى عَنِ الدُّاءِ والحَنْثَمِ وَالنَّقْيرِ
ورق
والْمُقَيّر)) .
قد تقدمَ هذا الحديثُ في ((كتاب: الإيمان)) و((كتاب: العلم)) (٢) خَرَّجه
البخاريُّ فيهما من حديثٍ شُعبةً، عن أبي جَمْرَة ، وذكرنا شَرْحَه في الموضعين
المذكورين .
والمقصود منه هاهنا : أمرُه لهم بإقام الصلاة ، وقد ذكرنا هاهنا تفسيرَ إقام
الصلاة ، وأن مِنْ جملته المحافظة على مواقيتها .
وخَرَّج أبو داود(٣) من حديث عُبادة بن الصامت ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه
وَلَه يقول: ((خمس صلوات افترضهن اللّه، مَنْ أحسن وضوءَهُنّ، وصلاّهُنّ
لِوَقْتِهِنَّ وأتَمَّ ركوعهُنَّ وخُشوعُهُنَّ كان له على اللّه عَهْدٌ أَنْ يغفر له، ومن لم يفعل
فليس له على اللّه عهد، إنْ شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه)).
وخَرَّج ابنُ ماجه (٤) من حديث [أبي] قتادة، أن رسولَ اللّه وَّ قال: ((قال الله
تعالى : افترضتُ على أمتك خمسَ صلوات، وعهدتُ عندي عَهْدًا: أنه مَنْ حَافَظَ
عليهن لوقتهن أدخلتُه الجنة، ومن لم يحافظ عليهنَّ فَلا عَهْدَ له عندي)) .
(١) في الأصلين: ((فقال)) خطأ.
(٢) ((كتاب الإيمان)) (٥٣) و((كتاب العلم)) (٨٧).
(٣) (٤٢٥) .
(٤) (١٤٠٣) وهو عند أبي داود (٤٣٠) .

٣٠
حدیث : ٥٢٣
کتاب المواقيت
وخَرَّج الإمامُ أحمد(١) من حديث كَعب بن عُجْرة: سَمِعَ النبيِ وَّهِ يقول:
((قال ربُّكُم: مَن صَلَّى الصلاة لوقتها، وحافظ عليها ولم يضيعها استخفافًا بحقها ،
فله عليَّ عَهْدٌ أن أُدْخَلَه الجنةَ، ومن لم يصلها لوقتها ، ولم يحافظ عليها وضيعها
استخفافًا بحقها، فلا عهدَ له، إن شئتُ عَذَّبْتُه ، وإن شئتُ غفرتُ له)) .
ومن حديث حَنْظَلة الكاتب(٢)، قال: سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ لَّهِ يقول: ((مَنْ
حَافَظَ على الصلوات الخمس برُكُوعِهن وسُجُودِهن ووضوئِهِن ومواقيتِهن ، وعَلِمَ
أنهَّن حقٌ من عند اللّه عز وجل دَخَلَ الجنة)) - أو قال: ((وَجبتْ له الجنة)) - ،
وفي رواية قال: ((حُرِّم على النارِ)).
ورَوَى محمدُ بنُ نصر المروزيُّ (٣) بإسناد صحيح عن ابن سيرين ، قال :
نُبْتُ أن أبا بكرٍ وعُمَرَ - رضي اللّه عنهما - كانا يعلِّمان الناسَ الإسلامَ: تَعْبد اللَّهَ
ولا تشركُ به شيئًا ، وتقيم الصلاةَ التي افترض اللَّهُ لمواقيتها ، فإنَّ في تفريطها
الهلكة .
(١) (٤/ ٢٤٤) .
(٢) («المسند» (٢٦٧/٤) .
(٣) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٨٩٧/٢) وأخرجه عبد الرزاق (٣٣٠/١١) .

٣١
٣ - بابُ البيعة على إقام الصلاة
كتاب المواقيت
٣ - بَابُ
الْبَيْعَةِ عَلى إِقَامِ الصَّلاةِ
٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: نا يَحْيِى: نا(١) إِسْمَاعيلُ: نا قَيْسٌ ، عَنْ جَرير
ابْنِ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ: بَعْتُ النَِّيََّ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِبْنَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنَّصْحِ لِكُلِّ
مُسْلِمٍ.
خَرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ فيما سَبَق في آخرِ ((كتاب: الإيمان))(٢)، عن
مُسَدَّد، عن يَحْيِى - هو : ابنُ سعيد - ، بمثله .
والنبي وَّ كان بَايَع الناسَ على الإسلامِ، وأركانُ الإسلام خمسٌ:
الشهادتان ، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة ، وحجُّ البيت ، وصيامُ رمضان .
وكان النبيُّ ◌َّهِ يبايعُ - أحيانًا - عليهن كلِّهِنَّ، كما في ((مسند الإمامِ أحمد))(٣)
عن بَشير بن الخَصاصِيَة، قال: أَتَيتُ النبيَّ وَّرَ لأبايعه، فاشترط على: شهادة
أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا عبده ورسوله ، وأن أقيم الصلاة ، وأن أؤدي (1)
الزكاة، وأن أَحُجَّ حجَّةَ الإسلامِ، وأن أصومَ رمضان ، وأنْ أُجَاهِد في سبيل اللّه،
فقلتُ : يا رسولَ اللَّه ، أمَّا اثنتين ، فوالله ما أطيقهما : الجهاد ، فإنهم زعموا
أنَّه من ولى الدبرَ فقد باءَ بغضبٍ من اللَّهِ، فأخافُ إنْ حَضَرْتُ ذلك جَشِعَتْ
نفسي ، وكَرِهْتُ الموت . والصدقة ، فوالله ما لي إلا غُنيمة وعَشْر ذَوْدٍ ، هُنَّ
رُسُلُ أهلي وحَمولتهم. قال: فَقَبَضَ رسول اللّه وَّي يديه، ثم حرّك يده ، ثم
قال : ((فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذًا؟)) قلتُ: يا رسول اللّه،
(١) في الأصل ((م): ((بن)) خطأ. وفي (هـ)): ((محمد بن إسماعيل)) خطأ فاحش.
(٢) برقم (٥٧) .
(٣) (٢٢٤/٥) .
(٤) في الأصل رسمت: ((أوتى)) والمثبت من ((المسند)).

٣٢
حديث : ٥٢٤
کتاب المواقيت
أبايعك ، فبايعته عليهن كُلِّهِن .
وتارة كان يُبَايِع على إقامِ الصلاة وإيتاء الزكاةِ مَعَ الشهادتين ، كما بَايِعِ جريرَ
ابنَ عبد اللّه؛ فإنَّ الصلاةَ والزكاةَ أفضلُ خِصالِ الإسلامِ العملية .
وتارة يكتفي بالبيعة على الشهاتين ؛ لأنَّ باقي الخِصال حقوقٌ لها ولوازمٌ .
وتارة كان يقتصرُ في المبايعة على الشهادتين فقط ، لأنهما رأسُ الإسلام ،
وسائرُ الأعمالِ تبعٌ لهما .
وقد كان أحيانًا يتآلف على الإسلام مَنْ يريد أن يُسَامَحَ بترك بعض حقوقٍ
الإسلام ، فيقبل منهم الإسلامَ ، فإذا دخلوا فيه رَغِبُوا في الإسلام فقاموا بحقوقه
وواجباته كلِّها .
كما رَوَى عبدُ اللّه بن فَضَالة الليثي، عن أبيه، قال: عَلَّمني رسولُ اللَّه
وَّر، فكانَ فيما عَلَّمنى: ((وحَافِظْ على الصلواتِ الخمسِ)). قال: قلتُ: إنَّ
هذه ساعات لي فيها أشغالٌ ، فمرني بأمرٍ جامع ، إذا أنا فعلتُه أَجْزاً عَنَّي . قال :
((حافظْ على العصرين)) - وما كانتْ من لغتنا - قلتُ: وما العصران ؟ قال :
((صلاةٌ قبل طلوع الشمس ، وصلاةٌ قبل غروبها)) .
خَرَّجه أبو داود وابنُ حِبَّان في ((صحيحه)) والحاكم(١).
وظن أن فَضَالة هو ابن عُبيد، ووَهِمَ في ذلك، فليس هذا فَضَالة بن عبيد -:
قاله ابن معين وغيره .
وفي ((المسند)»(٢) مِنْ حديثٍ قَتَادَةَ ، عن نصر بنِ عَاصم الليثي ، عن رجلٍ
منهم، أنه أَتَى النبيَّ ◌َّ فَأَسْلَم على أنْ يصلِّي صلاتين ، فقَبِلَ منه .
(١) أبو داود (٤٢٨) وابن حبان (١٧٤٢) والحاكم (٢٠/١) (٦٢٨/٣).
وأنكره الذهبي في ((المغني)) (٣٥٠/١).
(٢) (٢٥/٥ - ٣٦٣).

٣٣
٣ - بابُ البيعة على إقام الصلاة
كتاب المواقيت
وفي روايةٍ : على أنْ لا يصلِّي إلا صلاتين ، فقَبِل منه(١).
وفيه - أيضًا (٢) - عن جابرٍ، أنَّ ثقيفًا إذْ بايعتْ اشترطتْ عَلَى رسولِ اللهِ وَه
أن لا صدقةً عليها ولا جِهَاد. قال رسولُ اللّه وَلّ: ((يَصَّدَّقُون ويُجاهدون إذا
أسلموا)) .
قال الإمام أحمد في رواية ابنهِ عبدِ اللّه : إذا أسلم على أن يصلي صلاتين
يُقبل منه ، فإذا دَخَلَ يُؤمر بالصلوات الخمس ، وذَكَرَ حديثَ فَتَادَة عن نصرِ بن
عاصم الذي تقدمَ .
(١) وكذا رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) - كما في ((أُسد الغابة)) (٤٤٦/٦) -، وزاد: وقال:
((إذا دخل في الإسلام أمر بالخَمْس)).
وراجع: ((جامع العلوم والحكم)) (٢١٨/١) بتحقيقي.
(٢) (٣٤١/٣) .

٣٤
حدیث : ٥٢٥
کتاب المواقيت
٤ -بابٌ
الصَّلاةُ كَفَّارَةٌ
فيه حديثان :
الأول : كفارة الصلاة :
قال :
٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثنا يحيى، عَن الأَعْمَشِ: حَدَّثَنِي شَقيقٌ: حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ،
قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللّهِوَّهِ فِيِ الفِتْنَةِ؟
قُلْتُ: أَنَا كَمَا قَالَهِ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْها - لَجريءٌ. قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي
أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَاَلنَّهيُ . قَالَ :
لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الْفِتْنَ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا(١)
بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بِيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: يُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ ؟ قَالَ :
يُكْسَرُ. قَالَ : إِذَنْ لاَ يُغْلَقِ أَبَدًا .
قُلنا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البابُ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَمَا أَنَّ دُونَ غدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَُّهُ
حديثًا لَيْسَ بِالأَغَاليط ، فَهِبنا أَنْ نَسْأَلَ حُذِيقَةَ ، فَأَمِرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ : الْبَابُ
ورو
عمر .
أصلُ الفتنة : الابتلاءُ والامتحانُ والاختبارُ ، ويكون تارةً بما يسوء ، وتارةً
بما يَسرُّ، كما قَالَ تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال:
وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
وغَلَبَ في العُرفِ استعمال الفتنة في الوقوع فيما يسوء .
(١) في الأصل ((هـ)): (فيها))، والمثبت من ((اليونينية)).

٣٥
٤ - بابٌ الصلاة كفارة
كتاب المواقيت
والفتنةُ نوعان : أحدهما : خاصة ، تختص بالرجل في نفسه . والثاني :
عامة ، تعم الناسَ .
فالفتنة الخاصة : ابتلاءُ الرجل في خاصة نفسه بأهله وماله وولده وجاره ،
وقد قال [ تعالى]: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالْكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [التغابن: ١٥] ؛ فإنَّ ذلك غالبًا
يُلهي عن طلب الآخرةِ والاستعدادِ لها ، ويشغلُ عن ذلك .
ولمَّا كَانَ النبيُّ وَلَهِ يخطبُ على المنبرِ، ورَأَى الحسن والحسينَ يمشيان ويَعْثُران
وهما صغيران ، نَزَلَ فحملهما، ثُمَّ قَالَ: ((صَدَقَ اللَّهُ ورسولُه، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ
وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، إني رأيتُ هذين الغُلامين يمشيان ويَعْثران فلم أَصْبر))(١) .
وقد ذَمَّ اللهُ تعالى مَنْ ألهاه ماله وولُده عن ذكرِهِ ، فَقَالَ : ﴿لا تُلْهِكُمْ
أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئَكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾
[المنافقون: ٩] .
فِظَهَرَ بهذا : أنَّ الإنسانَ يُبْتَلَى بمالِه وولدِهِ وأهلِه وبجارِه المجاور له ،
ويُفْتتن بذلك ، فتارةً يُلهيه الاشتغالُ به عما ينفعه في آخرتِهِ ، وتارةً تحمله محبتُه
على أنْ يفعلَ لأجله بعضَ ما لا يحبُّ اللهُ ، وتارةً يقصِّر في حقه الواجب عليه ،
وتارةً يظلمه ويأتي إليه ما يكرهُهُ اللهُ مِنْ قولٍ أو فعلٍ ، فيسأل عنه ويطالب به .
فإذا حَصَلَ للإنسانِ شَيْءٌ من هذه الفتن الخاصة ، ثم صَلَّى أو صَامَ أو تصدَّقَ
أو أَمَرَ بمعروفٍ أو نَهَى عن منكرٍ كان ذلك كفارةً له ، وإذا كان الإنسانُ تسوؤه
سيئتُه، ويعمل لأجلها عملاً صالحًا(٢) كان ذلك دليلاً على إيمانه .
وفي ((مسند بَقِيِّ بنِ مَخْلَد))(٣)، عن رجلٍ سَأَلَ النبيّ وَّرِ: ما الإيمان
(١) أخرجه أحمد (٣٥٤/٥) وأبو داود (١١٠٩) والترمذي (٣٧٧٤) وابن ماجه (٣٦٠٠) وابن
خزيمة (١٨٠١) (١٤٥٦) وابن حبان (٦٠٣٩) .
(٢) في ((الأصل)) ((هـ)): ((عمل صالح)).
(٣) راجع: ((جامع العلوم والحكم)) (١ / ٩٤) بتحقيقي.

٣٦
حديث : ٥٢٦
كتاب المواقيت
يا رسولَ اللّه؟ قال: ((أن تُؤْمنَ بالله وَرَسُوله))، فأعادها ثلاثًا ، فقال له في
الثالثة: ((أتحبُّ أن أخبركَ ما صريحُ الإيمان ؟)) فقال : ذلك الذي أردتُ . فقال:
((إنَّ صريحَ الإيمان إذا أَسأتَ أو ظلمتَ أحدًا: عَبْدَك أو أَمَّتَكَ ، أو واحدًا من
الناس، صُمْتَ أو تصدقتَ وإذا أحسنت استبشرتَ)).
وأمَّا الفتن العامة : فهي التي تَمُوجُ موجَ البحر ، وتضطربُ ، ويتبع بعضُها
بعضًا كأمواجِ البحر ، فكان أوّلُهما فتنة قتل عثمان - رضي اللّه عنه - ، وما نَشَأَ
منها من افتراقٍ قلوب المسلمين ، وتشعب أهوائهم وتكفيرٍ بعضهم بعضًا ،
وسفك بعضهم دماءَ بعض، وكان البابَ المغلق الذي بين الناسِ وبين الفتنِ عُمَرُ -
رضي اللهُ عنه - ، وكان قتلُ عُمَرَ كَسْرًا لذلك الباب ، فلذلك لم يُغْلَق ذلك البابُ
بعدَه أبدًا .
وكان حذيفةُ أكثرَ الناسِ سؤالاً للنبيِّ وَّ عن الفتن ، وأكثرَ الناس علمًا بها ،
فكان عنده عن النبي ◌َّ علم بالفتنِ العامة والخاصة، وهو حدَّث عُمَرَ تفاصيل
الفتن العامة ، وبالباب الذي بين الناس وبينها ، وأنه هو عمر ، ولهذا قال : إني
حدثته حديثًا ليس بالأَغَالِيط ، والأَغَالِيط : جمع أُغْلُوطَة ، وهي التي يُغَالَطُ بها ،
واحدها : أُغْلُوطَةٌ ومَغْلَطَةٌ ، والمعنى : أنه حَدَّثَه حَدِيثًا حقًّا ، ليس فيه مريّة ،
ولا إِيْهَام .
وهذا مما يُستدل به على أنَّ روايةَ مثل حذيفة يحصل بها لِمَنْ سَمِعَها العلمُ
اليقينيُّ الذي لا شك فيه ؛ فإنَّ حذيفةَ ذكر أنَّ عُمَرَ عَلِمَ ذلك وتيقنه كما تيقن أنَّ
دونَ غد الليلة لما حدَّثْه به من الحديث الذي لا يحتمل غير الحق والصدق .
وقد كانت الصحابةُ تعرف في زمانٍ عُمَرَ أنَّ بقاءَ عُمَرَ أمانٌ للناسِ من الفتن .
وفي «مسند الإمام أحمد))(١) أنَّ خالد بن الوليد لما عَزَلَه عُمَرُ، قال له رجلٌ :
(١) (٤ / ٩٠) .

٣٧
٤ - بابٌ الصلاة كفارة
كتاب المواقيت
اصبر أيها الأمير ، فإنَّ الفتن قد ظهرتْ. فقال خالد : وابن الخطّاب حَيٌّ ! إنما
يكون بعدَه - رضي اللّه عنهما .
وقد رُوي من حديث عثمان بن مَظْعون، أنَّ النبيَّ ◌ِّ سمى عمر : غلق
الفتنة، وقال: ((لا يزال بينكم وبين الفتنة بابٌ شديدُ الغَلْق ما عاش هذا بين
أظهر كم)) .
خَرَّجه البزار(١) .
ورُوي نحوه من حديث أبي ذر (٢).
ورَوَى كعب ، أنه قال لعمر : أجدُكَ مصراع الفتنة ، فإذا فُتح لم يغلق أبدًا .
الحديث الثاني :
٥٢٦ - حدثنا قُتِيَةُ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ النَّْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمانَ
النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنِ امْرَةٍ قُبْلَةٌ، فَتَى النَِّّ ◌َ فَأَخْبَرَهُ،
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزْلَا مِّنَ الَيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَّيْئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. قَالَ الرَّجُلُ: يا رسولَ اللَّهُ، أَلِي هَذَا؟ قَالَ: ((لِجَمِيعَ
أُمَِّي كُلِّهِمٍ)) .
هذا الذنبُ الذي أصابه ذلك الرجلُ وسأل عنه النبيَّ وَِّ فنزلتْ الآيةُ بسببه
كان مِنِ الصغائر ، وقد ذَهَبَ أكثرُ العلماء إلى أنَّ الصلاةَ إنما تكفِّرِ الصغائرَ دون
الكبائرِ .
وكذلك الوضوء ، غير أنَّ الصلاةَ تكفر أكثرَ ممَّا يكفر الوضوء ، كما قال
سلمان الفارسيّ - رضي اللّه عنه - : الوضوء يكفر الجراحات الصغار ، والمشي
إلى المسجد يكفر أكثر ، والصلاة تكفر أكثر من ذلك .
(١) (٢٥٠٦ - كشف) .
(٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (١٩٤٥).

٣٨
حدیث : ٥٢٦
كتاب المواقيت
خَرَّجه محمد بن نصر المَرْوَزِيّ(١) وغيرُه .
وقد سَبَقَ في حديث حُذيفة : فتنة الرجل في أهلِه ومالِهِ وولدِه وجارِهِ
تكفرِّها الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ ؛ وذلك لأن أكثر ما يصيب الإنسانَ في هذه
الأشياء تكون من الصغائرِ دون الكبائر .
وقد ذكرنا في ((كتاب الوضوء)) الاختلاف في أنَّ الوضوءَ : هل يكفر الصغائر
خاصة ، أم يعم الذنوب كلها ؟ والأكثرون على أنه لا يكفر سوى الصغائر ، وقد
ذَهَبَ قومٌ إلى أنه يكفر الكبائر - أيضاً - ، وسنذكره فيما بعد - إنْ شاء اللّه سبحانه
وتعالى .
(١) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٩٩).

٣٩
٥ - بابُ فضل الصلاة لوقتها
كتاب المواقيت
٥ -باب
فَضْلِ الصَّلاةِ لِوَقْتِها
٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليد هشامُ بْنُ عَبْد الْمَلك: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ : الوَليدُ بنُ
العَيْزَارِ أَخْبَرَنِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِوِ الشََّانِيَّ يَقُولُ: ثنا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ -
وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ-، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِّ ◌َهُ : أَيُّالعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ:
(الصََّةُ عَلَى وَقَّتِها)). قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ)). قَالَ : ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ:
(الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ). قَالَ: حَدَّثْتِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزََّانِي .
وخَرَّجه بهذا الإسناد بعينه في ((كتاب البر والصلة))(١).
وخَرَّجه أول ((الجهاد))(٢) من طريق مالك بن مِغْوَلٍ ، عن الوليدِ ، به ،
ولفظُهُ: سألتُ النبيَّ وَّهِ: أيَّ العمل أفضل؟ قال: قال: ((الصلاةُ على
میقاتها)» ۔ وذَكَرَ باقیه بمعناه .
وفي روايةٍ لمسلم (٣) من حديث أبي يَعْفُور ، عن الوليد - بهذا الإسناد - ،
قلت: يا نبي اللّه ، أيُّ الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال: ((الصلاة على مواقيتها)) -
وذَكَرَ باقیه .
وهذه الألفاظُ متقاربة المعنى أو متحدة؛ لأن ما كان مِنَ الأعمالِ أحب إلى اللّه
فهو أفضل الأعمال ، وهو أقربُ إلى الجنة من غيره ؛ فإنَّ ما كان أحب إلى اللّه
فعامله أقرب إلى اللّه من غيرِه، كما في حديث أبي هريرة، عن النبيِ نَّ فيما
يرويه عن ربه ، قال : ((ما تقرب إليَّ عبدي بمثلِ أداء ما افترضتُ عليه ، ولا يزال
(١) (٥٩٧٠) .
(٢) (٢٧٨٢) .
(٣) (١/ ٦٢ - ٦٣) .

٤٠
حديث : ٥٢٧
كتاب المواقيت
عبدي يتقربُ إليَّ بالنوافل حتَّى أحبه)) - وذكر الحديث .
خرَّجه البخاريُّ في ((الرقاق)) من ((كتابه))(١) هذا .
وقال عُمَرُ بنُ الخطاب: أفضلُ الأعمال أداءُ ما فَرَضَ اللَّهُ .
وكذا قال عمرُ بنُ عبدِ العزيز في خطبته .
فدلَّ حديثُ ابن مسعودِ هذا على أنَّ أفضلَ الأعمال وأقربَها إلى اللَّه وأحبَّها
إليه الصلاةُ على مواقيتها المؤقتة لها .
وقد رُوي في هذا الحديث زيادة، وهي: ((الصلاة في أول وقتها))، وقد خَرَّجها
ابنُ خزيمة وابنُ حِبَّان في ((صحيحهما)) والحاكمُ (٢) والدار قطنيَّ من طرقٍ متعددة.
ورُويت من حديثٍ عثمان بنِ عمر (٣)، عن مالك بن مِغْول، [و] من حديث
علي بن حَفْص المدائني ، عن شُعبة ، ورُويت عن شعبة من وَجْهِ آخر ، وفيه
نظرٌ ، ورُويت من وجوه أخر .
واسْتُدل بذلك على أنَّ الصلاةَ في أول الوقت أفضل ، كما استدل لحديث
أم فَرْوة، عن النبي ◌َِّ، أنه سُئِلَ: أيُّ العَمَلِ أفضل؟ قال: ((الصلاة لأول
وقتها)).
خَرَّجه الإمامُ أحمد وأبو داود والترمذي(٤) .
وفي إسناده اضطراب - : قاله الترمذي والعقيلي(٥).
وقد رُوي نحوه من حديث ابنِ عمر ، إلا أنَّ إسنادَه وَهْمٌ ، وإنما هو حديث
(١) (٦٥٠٢) .
(٢) ابن خزيمة (٣٢٧) وابن حبان (١٤٧٤) (١٤٧٥) والحاكم (١٨٨/١).
(٣) عند ابن حبان (١٤٧٩) وابن خزيمة (٣٢٧).
(٤) أحمد (٤٤٠/٦) وأبو داود (٤٢٦) والترمذي (١٧٠).
(٥) في ((الضعفاء)) (٤٧٥/٣).