النص المفهرس

صفحات 681-700

٦٨١
١٠١ - بَابُ إثم المار بين يدي المصلي
كتاب الصلاة
٠٠٠٠٠٠٠٠٠
به خيرٌ له من أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ .
ورَوَى أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) : ثنا سليمان بن المغيرة ، عن حُميد بن
هلال ، قال : قال عُمَرُ - رضي الله عنه - : لَوْ يَعْلَمُ المارُّ بين يَدَيِ المصلِّي ما
ے
يصيبُ من الإثم ما مرَّ أحدٌ بين يَدَيْ أحدٍ وهو يُصلِّي .
٠
ورَوَى أبو بكر النجَّاد الفقيه الحنبلي ، بإسناده عن ابنِ عمر ، قال : لأن
يكون الرجل رمادًا يُذرى به خيرٌ من أن يَمُرَّ بين يَدَيْ رجلٍ وهو يصلِّي .
وبإسنادِهِ ، عن قتادةَ ، أن عُمَرَ وأبا الدرداء قالا : لو يعلمُ المارُّ بين يَدَيِ
المصلِّ كان أنْ يقومَ حَوْلاً أهونَ عليه من أنْ يَمُرِّ بین یدیه .
ورَوَى أبو نُعيم - أيضًا - : ثنا أبو خلدة ، عن أبي العالية ، قالا : إن
الإنسانَ إذا صلَّى بين يديه(١) مَلَكٌ يكتبُ ما يقول، فما أحبُّ أَنْ يَمُرَّ بين يديّ
شيءٌ .
وفي هذا إشارةٌ إلى عِلَّة كراهةِ المرورِ بين يَدَيِ المُصَلِّي ، وهو قُرْبُ
الملائكة منه ، فالمارُّ يصير دَخِيلاً بين المصلِّي وملائكته الموكلين به .
وفي حديثِ أبي هريرة المتقدم : إشارةٌ إلى أنَّ المصلِّي مُشْتَغِلٌ بمناجاة ربِّه ،
والربُّ تعالى يُقرِّبُ المصلِّي له إليه ، قُرْبًا لا يشبه قُرْبَ المخلوقين ، كما سَبَقَ
ذكْرُه في ((أبواب: البصاق في القبلة)).
فالداخل بين المصلِّي وبين ربِّه في حالِ مناجاته له ، وتقريبه إيّاه ، وإقباله
عليه ، واستماعه منه ما يناجيه ، وردِّه عليه جوابَ ما يتلوه من كتابه متعرض
لمقت الله ، ومستحقٌ لعقوبته .
وهذا كلُّه يدلُّ على تحريمِ المرورِ بين يَدَيِ المُصَلِّي ، وهو الصحيحُ عند
أصحابنا ، والمحققين من أصحابِ الشافعيِّ.
(١) كذا ، ولعل سقطًا وقع، ولعله: ((يكون بين يديه)).

٦٨٢
حديث : ٥١٠
كتاب الصلاة
وطائفةٌ منهم ومن أصحابِنا أَطْلَقُوا الكراهة .
وكذلك أطلقها غيرُهم من أهلِ العلم ، منهم : ابنُ عبد البر وغيرُهُ .
وحكاه الترمذيُّ عن أهلِ العلم .
وقد حُمِلَ إطلاقُ هؤلاء للكراهة على التحريم ؛ فإنَّ متقدمي العلماء كانوا
يستعملون ذلك كثيرًا .
وقد حكَى ابنُ حزم في ((كتاب الإجماع)) (١) الاتفاقَ على أنَّ المارَّ بين المصلِّي
وسترتِه آئمٌ .
وفي الحديث : دليلٌ على تحريم المرورِ بين يَدَىِ المصلِّي ، سواء كان
يصلِّي إلى سُتْرةٍ أو لم يكن ، فإنْ كان يُصلِّي إلى سُتْرَةٍ حَرُمَ المرورُ بينه وبينها ،
إذا لم يتباعد عنها تباعدًا كثيرًاً .
وإنْ لم يكن بينه وبين القبلة سُتْرة، أو كانت سترة وتباعد عنها تباعدًا فَاحِشًا،
ففي تحريمِ المرورِ وجهان لأصحابنا :
أصحُّهما : التحريم ؛ لعموم حديث أبي جُهيم .
والثاني : يُكره ولا يَحْرُمُ ، وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ .
والذي نَصَّ عليه الشافعيُّ في ((كتاب اختلاف الحديث)) أنَّه مباحٌ غيرُ مكروهِ ،
واستدل [عليه](٣) بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ والمطلب بن أبي وَداعة .
وفي قدرِ القُرْبِ الذي يمنعُ من المرورِ فيه وجهان لأصحابنا :
أحدهما : أنه محدودٌ بثلاثة أذرعٍ ؛ لأنها منتهى المسنون في وضع السترة ،
على ما سبق .
والثاني : حدَّه بما لو مَشَى إليه لدَفَع المارَّ أو غيره ، لم تبطلْ صلاتُه .
(١) (ص ٣٠) .
(٢) ليس في ((ق)).

٦٨٣
١٠١ - بَابُ إثم المار بين يدي المصلي
كتاب الصلاة
وجاءَ في حديثٍ مرفوعٍ من حديث ابن عباس : تقديره بقدر قذفةٍ بحَجَرٍ .
خرَّجِه أبو داود(١). وسنذكرُه فيما بعدُ - إن شاء اللّه تعالى.
وحُكي عن الحنفية ، أنه لا يُمنع من المرورِ إلا في محل سجودِ المصلِّي
خاصَّةً .
وحكى أبو بَكْر ابنِ العربي(٢)، عن قومٍ أنَّهم قدَّروه بمثلِ طولِ الرَّمحِ ، وعن
آخرين أنَّهم قدَّروه برميةِ السهم ، وقالوا : هو حريمٌ للمصلِّي . قال : وأَخَذُوه
من لفظِ المقاتلة ، ولم يفهموا المرادَ منها . قال : والمقاتلةُ هنا : المنازعة
بالأيدي خاصة .
وقال الشافعيّ: قوله : ((فليقاتله)) - يعني : فليدفعه .
فأمَّا من وَقَفَ في مجازِ النَّاسِ الذي ليس لهم طريق غيره وصلَّى، فلا إثمَ
في المرورِ بين يَدَيْهِ، صرَّح به أصحابُنا وغيرُهم؛ لأنه مفرط بذلك، فلا حُرْمَةً له.
وحكَى القرطبيُّ، عن أصحابِهِم المالكية ، أنَّ المصلِّي إذا كان في موضعٍ لا
يأمن المرورَ عليه اشترك هو والمارَّ في الإثم .
ءِ
وهذا يدل على أنَّه يحرم المرور بين يديه - أيضًا - ، ولكنه يأثم المارّ
والمصلِّي جميعًا .
وكذلك قال بعضُ الشافعية : إنَّه إذا صلَّى على الطريق ، أو قصر في الدفعِ
شَارَكَ المارَّ في الإثم، وحَمَلُوا روايةَ السَّرَّاج المتقدمة : ((لو يعلم المارّ بين يدي
المصلِّي والمصلِّي ما عليهما)) على ذلك .
وحُكي عن بعضِ الفقهاء ، أنه إنْ كَانَ للمارِّ مندوحةٌ عن المرورِ ، وكان
المصلِّي متعرضًا لذلك أَثْمَا جميعًا، وإنْ لم يكن للمارِّ مندوحةٌ ، ولا المصلِّي
(١) (٧٠٤) .
(٢) في ((ق)) و((ك)): ((أبو بكر بن العزيز)) وفي ((هـ)): ((أبو بكر بن عبد العزيز))، لكنه ضرب
عليه في ((ق)) ، ثم صوَّه .

٦٨٤
حديث : ٥١٠
كتاب الصلاة
متعرضًا لذلك فلا إِثْمَ على واحدٍ منهما ، وإنْ لم يتعرض المصلِّي لذلك ، وكان
للمارِّ مندوحةٌ أَثْمَ المارُّ وحدَه ، وإن تعرض المصلِّي لذلك ، ولم يكن للمارِ
مندوحة أثم المصلِّي وحدَه .
وقال أبو عُمَرَ ابنُ عبد البر : الإثمُ على المارِّ بين يَدَيِ المصلِّي فوقَ الإثمِ
عَلَى الذي يدعه يمر بين يديه ، وكلاهما عاصٍ إذا كان بالنهي عالمًا ، والمارُّ أشدُ
إِثْمًا إذا تعمدَ ذلك ، وهذا ممَّا لا أَعْلَمُ فيه خِلاَفًا .
كذا قال ؛ مع أنَّه ذَكَرَ في موضع آخر : أن الدفعَ ليس بلازمٍ ، ولا يأْثُمُ مَنْ
تَرَكَه ، وأَنَّه قولُ الثوري وغيرِه .
وخرَّج ابنُ أبي شيبة(١) من رواية الأسود ، قال : قال عبدُ اللّه - هو: ابنُ
مسعود - : مَنِ استطاع منكم أن لا يُمَرَ بين يديه [وهو يصلي](٢) فليفعل ؛ فإنَّ
المارَّ بين يدي المصلِّي أَنْقَصُ من المُمَرِّ عليه .
ولعله أرادَ أنَّ المارَّ أنقصُ علمًا أو دينًا أو خيرًا من المُمرِّ عليه ، ولم يُرِدْ -
والله أعلم - أنه أنقصُ منه إِثْمًا ، اللهم إلا أنْ يُحمل على ما إذا كان المصلِّي
مفرطًا بصلاته في موضعٍ مرورِ الناس ، والمارُّ لا يجد بُدًا من مرورِه كما سَبَق .
وقد رُوي عن جماعة من الصحابة ، أنَّ الصلاةَ تنقصُ بمرورِ المار :
فرَوَى أبو نُعيم : ثنا سُليمان بنُ المُغيرة - أظنه : عن حُميد بن هِلالٍ - ،
قال: قال عُمَرُ بنُ الخطّابِ - رضي الله عنه -: لو يعلمُ المصلِّي قدر ما ينقصُ
من صلاته ما صلَّى أحدُكم إلاَّ إلى شيءٍ يَسْتُرُهُ من النَّاسِ .
وهذا منقطعٌ .
وقد رُوي عن ابنِ مسعود ، أنه ينقص نصف صلاته .
(١) (١ / ٥٣ ٢) .
(٢) من ((المصنف)).
١

٦٨٥
١٠١ - بَابُ إثم المار بين يدي المصلي
کتاب الصلاة
قال أبو طالب : قلتُ لأحمد : قولُ ابن مسعود : إن مَمَرَّ الرجل يضع
نصفَ صلاته ؟ قال : نَعَمْ ، يضع من صلاتِهِ ، ولكن لا يقطعُها ، ينبغي له أنْ
يمنعه .
وهذا الذي أشار إليه خرَّجه أبو بكر النجَّاد بإسناده ، عن عبد الرحمن بن
الأسود ، عن أبيه ، قال : كان عبد اللّه إذا مر بين يديه رجل وهو يصلِّي التزمه
حتى يرده . قال : وقال عبد اللّه: إنَّ مرورَ الرجل بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ ليضعُ نصفَ
(١)
صلاته(١) .
قال القاضي أبو يعلى : وينبغي أن يكون هذا محمولاً على ما إذا أمكنه أنْ
يرده فلم يرده ، فيكون قد أخلَّ بفضيلة الردِّ .
کذا قال ؛ وفيه نظر .
ومذهبُ أحمد وأصحابِهِ : أنَّ مرورَ الكلب الأسود يبطلُ الصلاةَ ويقطعُها ،
سواء أمكنه الردَّ وتركه ، أو تركه عَجْزًا، كما سيأتي ذِكْرُه - إنْ شاء اللّه تعالى.
وعلى هذا ؛ فلا يبعد القولُ بنقصِ كمالِ الصلاةِ بمرورِ غيرِ الكلبِ ، وإنْ
عَجَزَ عن دفعِ ذلك .
ولهذا المعنى رَدَّ طائفةٌ من العلماء حديثَ قطعِ الصلاةِ بمرورِ الكلب وغيره ،
وقالوا : إنه مخالفٌ للقرآن في قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرَ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
[الأنعام: ١٦٤]، كما ذَكَرَ ذلك الشافعيّ (٢)
٠
وقد رُوي : أن مرورَ الرجل بين يدي الرجل في صلاته يقطع صلاتَه .
وخرَّجه أبو داود في ((سنته))(٣) بإسناد فيه نظر، أنَّ النَّبِيَّ نَِّ صلَّى بِتَبُوك
إلى نَخْلَة، فأقبل غُلاَمٌ يَسْعَى حتَّى مَرَّ بَيْنَه وبين قِبْلته، فقال: ((قَطَعَ صلاتَنَا،
(١) وانظر ابن أبي شيبة (٢٥٢/١).
(٢) في ((مختلف الحديث)) (ص ١٣٨ - ١٤٠).
(٣) (٧٠٧) .

٦٨٦
حديث : ٥١٠
كتاب الصلاة
قَطَعَ اللهُ أَثَرَهُ). قال: فما قُمْتُ عَلَيْهَا إلى يَوْمِي هَذَا.
وهذا مما يُستدلُّ به على أنَّ قطعَ الصلاةِ يُراد به إذهابُ كمالِ فضلها ، دونَ
إيطالِها مِنْ أصلِها ، وإيجابِ إعادتها ، كما سيأتي ذِكْرُه - إنْ شاء اللّه تعالى.
ورَوَى عَبْدُ اللّه ابن الإمامِ أحمد في ((المسند))(١): ثنا سويد بن سعيد : ثنا
إبراهيم بن سعد : حدثني أبي ، عن أبيه ، قال : كنتُ أُصلِّي ، فَمَرَّ رجلٌ بَيْنَ
يديَّ فمنعتُهُ ، فسألتُ عثمانَ بنَ عفَّان ، فقال : لا يضرك يا ابنَ أخي .
وظاهر هذا : أنه لا ينقص الصلاة ، ويحتمل أنه أراد أنه لم تبطل صلاتُه ،
أو لعله أراد أنَّه إذا منعه من المرورِ فلا يضره إذا رَجَعَ ولم يمرَّ .
وقد رُوي ، عن عائشةَ ما يدلُّ على أنَّ المرورَ بين يدي المصلِّي إذا لم يقطع
صلاته فهو جائز :
قال : عبدُ اللّه ابن الإمام أحمد في ((مسائله)): ثنا أبي : ثنا حجاج : أبنا
شعبة ، قال : سمعتُ عبد الرحمن بن سعيد [بن وهب](٢)، قال : سمعت صَفية
بنت شَيبة ، قالت : كانت امرأة تصلِّي عند البيت إلى مرفقة ، وكانت عائشةُ
تطوف ، فمرتْ عائشة بينها وبين المرفقة ، فقالت عائشة : إنَّما يقطعُ الصلاةَ
الهرُّ والكلبُ الأسودُ .
ولعلَّ عائشة - رضي اللّه عنها - كانت تَرَى أنَّ المسجدَ الحرام لا يُمنع فيه
المرورُ بين يدي المصلِّي كما سَبَقَ ، وإنَّما ذَكَرَتْ أنَّ الصلاةَ لا تُقْطَع(٣) بذلك
لئلاً؛ تظن تلك المرأةُ بطلانَ صلاتها . واللهُ أعلم .
(١) (١/ ٧٢) .
(٢) من ((ق)).
(٣) في ((ق)): ((تنقطع)).

٦٨٧
١٠٢ - بَابُ استقبال الرجل الرجل وهو يصلي
كتاب الصلاة
١٠٢ - بَابُ
اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَهْوَ يُصَلِّي
وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهْوَ يُصَلِّي.
وَهَذَا إِذَا اشْتَغَلَ به ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِه ، فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابت: مَا بَالَيْتُ؛
إِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ .
حكَى البخاريُّ عن عثمانَ - رضي اللّه عنه - ، أنه كَرِه أن يُسْتَقبل الرجلُ وهو
يصلِّي ، وعن زيد بن ثابت ، أنَّه قال : لا يُبَالي بذلك؛ إنَّ الرجلَ لا يقطع
صلاةَ الرجل .
وجَمَعَ بينهما بأنَّ الكراهة إذا اشتغل به المصلِّي عن صلاته ، وعدم الكراهة
إذا لم يشتغل به عن صلاته .
وقد روى في هذا حديث مرفوع يشهد لما قاله :
رواه عَبْدُ الأعلى الثعلبي، عن محمد بنِ الحَنَّفِيَّة، أن النبيِّ وَّ نَظَرَ إلى
رجلٍ يصلِّي إلى رجلٍ ، فَأَمَرَه أنْ يُعيد الصلاةَ ، فقال : يا رسولَ اللّه، إني قد
أتممتُ ؟ فقال : ((إِنَّكَ صليتَ وأنتَ تنظر إليه مستقبله)) .
خرَّجه أبو داود في ((المراسيل))(١).
وخرَّجه البزارُ في «مسنده))(٢) والإسماعيليُّ في ((مسند علي))، وعندهما:
عن ابنِ الحَنَّفِيَّة، عن أبيه، عن النبيِّ وَّ.
وعَبْدُ الأعلى هذا ، ضعيف الحديث .
وقد علل الإعادة بالنظر إليه ، وهو يشعر بأنَّ نظره إليه ألهاهُ عن صلاته.
(١) (٣٠) .
(٢) (٦٦١) .

٦٨٨
حديث : ٥١١
كتاب الصلاة
وقال البزارُ بعد تَخريجه للحديث : إنما أُمَرَه بالإعادة ؛ لاستقباله وجهَ الرجل
من غيرِ انحرافٍ عنه .
ورَوَى أبو نُعيم : ثنا مِسْعَر ، قال : أُراني أول من سمعته (١) من القاسم ،
قال : ضرب عمر رجلين ، أحدهما مستقبل الآخر وهو يصلِّي .
وهذا منقطع .
ونص أحمد على كراهة أن يصلِّي مستقبل رجل - : نَقَلَه عنه المرُّوذي .
ونَقَل عنه ابنُه صالح ، أنه قال : هذا منهي عنه .
وعلل الأصحابُ كراهة ذلك بأن فيه تشبهًا بعبادة المخلوقين ، فكره كما تكره
الصلاة إلى صورة منصوبةٍ .
وعلى هذا التعليل ، فلا فَرْقَ بين أن يشتغل بالنظر إلى ذلك ، أو لا يشتغل.
والله أعلم .
وكَرِهَ أصحابُ الشافعيِّ الصلاةَ إلى آدمي ، يستقبله ويراه ، وعللوه بأنه يشغل
المصلِّي ويلهيه نظره إليه .
قال البخاريّ - رحمه الله - :
٥١١ - ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَليل: أبنا عَلَيَّ بْنُ مُسْهر، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِم،
عَنْ مَسْرُوق، عَنْ عَائشَةَ ، ذُكرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ، فَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ
وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ: لَقَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلابًا؛ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َلَ يُصَلِّي، وإِنِّي
لَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ ، فَتَكُونُ لِيَ الحاجَةُ ، فَأَكْرَهُ أَنْ
أَسْتَقْبِلَهُ، فَأَنْسَلُّ أْسِلاَلاً .
وَعَنِ الأَعْمَثِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ - نَحْوَهُ.
(١) كذا .

٦٨٩
١٠٢ - بَابُ استقبال الرجل الرجل وهو يصلي
كتاب الصلاة
وقد رَوَى هذا الحديثَ أبُو معاوية ، عن الأعمش ، بالإسناد الثاني ، وقال
في حديثه : فأنسل من قِبَل رِجْلَى السَّرير ، كراهةَ أنْ أستقبله بوجهي .
خرَّجه عنه الإمامُ أحمد (١) .
ورواه ابنُ أبي زائدة ، عن الأعمش بالإسنادين ، وقال فيه : وأكره أنْ
أستقبلَه بوجهي فأوذيه ، فأنسل من قِبل رِجْلَي السرير .
وهذا يدلُّ على أنَّها كانت تعلمُ أنَّ النَّبِيَّ بَِّ كان يَكْرَهُ أنْ يستقبله أحدٌ بوجهه
وهو يصلِّي ، وكان ذلك ليلاً ، ولم يكن في البيوت مصابيح ، كما صرَّحت به
عائشةُ في حديثها الآخر ، فدلَّ على أنَّ كراهة استقبال المصلِّي وَجْهَ إنسانٍ
ءِے
والإنسانَ ليس هو لمعنى الاشتغال بالنظر إليه عن الصلاة ، كما يراه البخاريّ .
.
والله أعلم
والظاهرُ: أنَّ البخاريَّ استدلَّ بصلاةِ النَّبِيِّ وَّهِ إلى عائشةَ على أنَّه لا تُكره
الصلاة مستقبلَ إنسان ، وفي ذلك نظر ؛ فإنَّ عائشةَ لم تكن مستقبلةً له ، بل
كانت مضطجعة ، وإنما كَرِهَ مَنْ كَرِهَ استقبالَ وجهِ الآدمي .
(١) (٦ / ٤٢) .

٦٩٠
حديث : ٥١٢
كتاب الصلاة
١٠٣ - بَابُ
الصَّلاةِ خَلْفَ النَّائِمِ
٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثنا يَحْمَى: ثنا هشامٌ، قال: حَدَّثَنِي أبي، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ: كَانَ النَّبِيَُّ﴿ يُصَلِّي، وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِراشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوِرَ
أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ .
استدل البخاريَّ بصلاة النبيِّ ◌َ ﴿ إلى عائشةَ بالليل على أنَّه لا تُكره الصلاةُ
خَلْفَ النائمِ .
وكذلك قال أصحابُ الشافعيِّ .
ونَقَلَ حَرْمَلة عن الشافعيِّ ، أَنَّ إنْ كَانَ النائمُ لا يَحْتَشِمُ من المصلِّي ، ولا
يَحْتَشِمُ المصلِّي منه كالزوجةِ فلا بأسَ به ، وأنَّ النهي عن الصلاةِ خَلْفَ نائمٍ
یحتشمه .
والنهي الذي أَشَارَ إليه هو مِنْ روايةٍ محمد بن كَعْبِ القُرَظي ، عن ابنِ
عِبَّاسٍ، عن النَّبِيِّنَّةِ، قال: ((لا تُصلُّوا خَلْفَ النِّيام والمتحدثين)).
خرَّجَهَ أبُو داود وابنُ ماجه(١).
وله طرقٌ إلى مُحمد بنِ كَعْبٍ ، كلُّها واهية - : قاله أبو داود والعُقيلي
والبيهقي وغيرهم .
وخَرَّجَ البزَّارُ من رواية ابن أبي ليلى ، عن عبد الكريم ، عن مُجَاهد ، عن
ابنِ عباس، أن النَّبِيِّ بََّ قال: ((نُهيتُ أنْ أُصلي إلى النيام والمتحدثين)) .
ابنُ أبي ليلى ، ضعيف ؛ لسوء حفظه .
وخَالفه سفيانُ ، فرواه وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الكريم ، عن مجاهد -
(١) أبو داود (٦٩٤) وابن ماجه (٩٥٩).

٦٩١
١٠٣ - بَابُ الصلاة خلف النائم
كتاب الصلاة
مرسلاً ، وهو أصح .
وكَره طائفةٌ الصلاة(١) إلى النائم مطلقًا ، منهم : أحمد وإسحاق .
وعلل ذلك أصحابنا ؛ بأنه لا يُؤْمَن أن يكون من النائم ما يشغل المصلِّي .
وأجاب من ذَهَبَ إلى هذا عن حديث عائشة ، بأنَّ الحاجة دعتْ إليه ؛
لضيقِ البيت .
وعن أحمد ، أنه تختص الكراهة بالفريضة دونَ النافلة ؛ جمعًا بین حديث
عائشة وحديث ابن عباس .
ولعل هذا القول أقرب مما قبله .
وإذا خَالَف وصلَّى ، فلا إعادةَ عليه في ظاهرِ مذهبٍ أحمد وإسحاق ، وهو
قول جمهورِ العلماء .
وعن أحمد ، أنه يعيدُ الفريضة .
قال القاضي أبو يعلى : يحتمل أنَّ هذا على الاستحباب دون الإيجاب .
وسُئِل النخعيُّ عن الرجل يصلِّي إلى نائمٍ ومضطجع : أيكون له سُتْرة ؟
قال: لا . قيل له : فيستر الجالس ؟ قال : نَعَمْ .
وأمَّا الصلاة خلف المتحدث ، فكَرِهها أكثرُ العلماء .
رَوَى سفيانُ ، عن أبي إسحاق ، عن مَعْدِ يكَرِب ، عن عبد اللّه ، قال : لا
تُصلوا إلى قومٍ يتحدثون .
خَرَّجه الأثرم .
وخرَّجه أبو نُعيم في ((كتاب الصلاة))، ولفظه: لا تُصلُّوا بين يَدَيْ قومٍ
يَمْتَرُون .
وهذا يدل على كراهة الصلاة أمام المتحدثين - أيضًا .
(١) في ((ق)): ((وذهب طائفة إلى النهي عن الصلاة ... )).

٦٩٢
حديث : ٥١٢
كتاب الصلاة
قال ابن المنذر : روِّينا عن ابن مسعود وسعيد بن جُبير ، أنهما كرها الصلاة
إلى المتحدثين . وبه قال أحمد وأبو ثور . ورخَّص فيه الزهريُّ والنعمان .
وحَكَى الخطابيُّ ، عن الشافعي ، أنه كرهه - أيضًا .
وعلل أحمد الكراهة بأنَّ المتحدث يشغل المصلِّي إليه .
وفرَّقَ سَعيد بن جُبير بين المتحدثين بذكرِ اللّه وغيره ، فكَرِهَ الصلاةَ إلى
المتحدث بغيرِ الذكرِ ، دُونَ الذاكرِ .
خَرَّجَهَ حَرْبٌ الكرمانيُّ وغيرُه .
ولا إعادةَ على من صلَّى إلى متحدث عند الجمهور .
ونَقَلَ حَرْبٌ، عن أحمد، أنه قال: نَهَى النَّبِيِّ بَِّ عنه. وقال : الفريضة
أشد .
وكأنَّه ذَهَبَ إلى أنَّه يُعِيدُ .
,

٦٩٣
١٠٤ - بَابُ التطوع خلف المرأة
كتاب الصلاة
١٠٤ - بَابُ
النَّطُوُعِ خَلْفَ المَرََّةِ
٥١٣ - حدَّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أبنا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مولى عُمَرَ بنِ
عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّيِّ ◌َ، أَنَّهَا قَالَتْ:
كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسولِ اللَّهِ وَ، وَرِجْلاَيَ في قِبْلَتِهِ ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي ،
فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطُهُمَا .
قَالَتْ: والبُيُوتُ يَوْمَئِذ لَيْسَ فِيهَا مَصابيحٌ .
دلَّ هذا الحديثُ على أنَّ مَنْ صلَّى إلى امرأةٍ بين يَدَيْهِ ، وليستْ مَعَهُ في
صلاة واحدة فإنَّ صلاته صحيحةٌ ، وقد نَصَّ على ذلك سفيانُ وأحمدُ وإسحاق ،
ولا نعلمُ فيه خِلافًا .
وإنما اختلفوا : إذا كَانَا في صلاةٍ واحدةٍ ، وليس بينهما سُتْرَةٌ .
وقد سَبَقَ ذِكْرُ ذلك في ((باب: إذا أصاب ثوبُ المصلِّي امرأته إذا سَجَدَ).
ولكن يجيء على قول مَن يقول : إنَّ مرورَ المرأة يُبطل الصلاةَ ، وإنَّ قِيامَها
وجلوسَها واضطجاعَها كمرورِها ، أنه تبطلُ الصَّلاةَ باستقبالها .
وقد حُكي رواية عن أحمد ، ونَصَّ أحمد على أنَّ المرأةَ إذا كانت بين يَدَي
المصلِّي ، وهي في غيرِ صلاةٍ فلا بأسَ به ، واحتج بحديث عائشة - : نَقَلَه عنه
حرب .
وكَرِهَ الشافعيُّ أن يَسْتترَ الرجلُ بالمرأةِ في صلاته ؛ لما يُخشى من فتنتها
للمصلِّي ، وشغلِهَا لقلبه .
وهذا إذا كان بحيثُ ينظر إليها ، فأمَّا إن كان ذلك في ظلمة الليل ، كما في

٦٩٤
حديث : ٥١٣
كتاب الصلاة
حديث عائشة ، فقد أُمِنَ من ذلك .
ولم يفرق الشافعيُّ وأحمد بين النفلِ والفرضِ .
وظاهرُ تبويب البخاريِّ يدلُّ على التفريقِ بينهما، وأنَّ الرخصةَ في النفلِ
خاصةً .
وقد نَصَّ أحمدُ على مثلِ ذلك في روايةٍ أخرى عنه ، وأنَّ الرخصةَ في صلاةٍ
النَّبِيِّ وََّ إلى المرأة كان مخصوصًا به ؛ لأنه كان يملكُ نَفْسَه، وغيرُهُ يُخْشى
عليه الفتنة ، وهذه دَعْوَى لا دليلَ عليها .

٦٩٥
١٠٥ - بَابُ من قال: لا يقطع الصلاة شيءٌ
كتاب الصلاة
١٠٥ - بَابُ
مَنْ قَالَ : لاَ يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيءٌ
٥١٤ - حدَّثَنَا عُمْرُ بْنُ حَفْص بن غياث: ثنا أبي: ثنا الأَعْمَشُ: ثنا إبراهيم،
عَنِ الأَسْوَدِ ، عن عَائِشَةً .
قَالَ الْأَعْمَشُ : وَحَدَّثْنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ، ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ
الصَّلاَةَ: الْكَلْبُ والْحِمَارُ وَالْمَرَأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالكِلاَبِ ، وَاللَّهِ
لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِّ ◌َ يُصُلِّي وَأَنَا عَلَى السَّرِيرِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَبْدُولِي
الْحَاجَةُ ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوْذِيَ النَّبِّ ◌َهُ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ .
٥١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ سَعْد: أبنا ابنُ
أَخِي ابْنِ شِهَاب، أَنَّه سَأَلَ عمَّه عَنِ الصَّلاةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ؟ قَالَ: لاَ يَقْطَعُهَا شَيءٌ.
قَالَ : وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبْرِ ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَِّيِّنَ﴿ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ لَ يَقُومِ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمِعْتَرِضَةٌ بَيْنَ وبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ
أَهْله .
في الرواية الأُولى : أنَّ عائشةَ استدلتْ بحديثها هذا على أنَّ المرأةَ لا تقطعُ
الصلاةَ ، وأنكرتْ التسويةَ بين المرأةِ والحمارِ والكلبِ ، وهذا يُشْعِرُ بموافقتها
على الحمارِ والكلب ، وسيأتي كلامُها صريحًا في ذلك فيما بعد - إن شاء اللّه
تعالى .
وفي الرواية الثانية : أنَّ الزهريَّ استدل بحديث عائشة على أنَّ الصلاةَ لا
يقطعها شيءٌ؛ لِمَا فيه من الدلالةِ على أنَّ المرأةَ لا تقطعُ صلاةَ الرَّجُلِ إذا كانتْ
٠٠٠
بَيْنَ يَدَيْهِ .

٦٩٦
حديث : ٥١٤ - ٥١٥
كتاب الصلاة
وقد اختلف العلماءُ في هذا :
فقالتْ طائفةٌ - كما قاله الزهريُّ - : لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ .
ورُوي ذلك عن عثمانَ وعليٍّ وحُذيفة وأبي سعيد وابنِ عُمر وابنِ عِبَّاس ،
على اختلاف عن بعضهم .
ورُوي عن أبي بكرٍ وعُمَرَ مِن وَجْهِ لا يصحُّ ، وسيأتي ذِكْرُه - إنْ شاء اللهُ .
وممَّن قَالَ ذلكَ بعدَ الصحابةِ : سَعيدُ بنُ المسيَّب وعَبيدة السلمانيُّ والشعبيُّ
والقاسم بن محمد وعُرْوةُ والزهريُّ ، وهو قولُ الثوري وأبي حنيفة ومالك
والشافعي وأبي ثور وغيرهم .
ورَوَى شعبة ، عن عُبيد اللّه بن عُمر، عن سالمٍ ونافعٍ، عن ابنِ عُمر ،
قال: كان يُقال: لا يقطعُ صلاةَ المسلمِ شيءٌ(١).
ورواه إبراهيمُ بْنُ يزيد الخُوزيُّ، عن سالمٍ، عن أبيه، أنَّ النَّبِيِّ وَِّ وأبا بكر
وعمرُ قالوا : ((لا يقطعُ صلاةَ المسلم شيءٌ، وادْراً ما استطعتَ)).
خرَّجه الدارقطني(٢).
والخُوزِيُّ ، ضعيفٌ جدًا .
وصحَّح الدار قطنيُّ في كتاب ((العلل)) وقفَه، وأَنْكَرَ رَفْعَه .
وخرَّج أبو داود(٣) من رواية أبي أُسَامة ، عن مجالد، عن أبي الوَدَّك ، عن
أبي سعيد، عن النَّبِّ بَّهِ، قال: ((لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ)).
وخرَّجه - أيضًا (٤)- من رواية عبد الواحد بن زياد ، عن مُجالد ، عن
أبي الوَدّك، عن أبي سعيد ، قال: إنَّ الصَّلاةَ لا يقطعُها شيءٌ ، ولكن قال
(١) أخرجه البيهقي (٢٥١/١) والدار قطني (٣٦٨/١).
(٢) (٣٦٧/١ - ٣٦٨).
(٣) (٧١٩) .
(٤) (٧٢٠) .

٦٩٧
١٠٥ - بَابُ من قال: لا يقطع الصلاة شيءٌ
كتاب الصلاة
رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ)).
فجعل أوَّلَه موقوفًا .
ومُجالد ، فيه ضعفٌ مشهورٌ .
وقال أحمد : كم من أُعْجُوبَةِ لمجالد .
ورَوَى إدريسُ بنُ يَحْيَى الخَوْلانِيُّ، عن بكر بن مُضر، عن صَخر بن عبد اللّه
ابن حَرملة ، سَمِعِ عُمر بن عبد العزيز يقول: عن أنسِ بنِ مالك ، أنَّ رسولَ اللَّهِ
رَه صَلَّى بِالنَّاسِ، فَمَرَّ بين أَيْدِيهِمْ حِمَارٌ، فَقَالَ عيَّاشُ بْنُ أبي رَبِيعةَ:
سُبحانَ اللَّهِ، سُبحانَ اللّه، فلمَّا سلَّم رسولُ اللّهِ وَّلِ قَال: ((مَن المسبِّحُ آنفًا:
سبحانَ الله وبحمده ؟)) قال: أَنَا يَا رسولَ اللّهِ؛ إني سمعتُ أنَّ الحمارَ يقطعُ
الصَّلاة. قال: ((لا يقطعُ الصَّلاة شيءٌ)) .
2 (١)
خرَّجه الدار قطنيُّ (١) .
وقال في كتاب ((العلل)): خَالف إدريسَ في رواية هذا الحديث الوليدُ بن
مسلم ، فرواه عن بكر بن مضر ، عن صَخر ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن
عيَّاش بن أبي ربيعة ، وغيرهما يرويه عن بكر بن مضر ، عن صَخر ، عن عُمر
ابن عبد العزيز - مُرسلاً . والمرسلُ أصح .
وقد رُوي هذا المتنُ من حديث علي(٢) وأبي هريرة(٣) وعائشة(٤) وأبي أُمامة(٥)،
ولا يثبت منها شيءٌ .
(١) (٣٦٧/١) والباغندي في ((مسند عمر بن عبد العزيز)) (٨). وليس عند الدارقطني: ((وبحمده))،
وهي عند الباغندي ، لكن عنده : ((فقال عياش بن أبي ربيعة : سبحان الله وبحمده)).
(٢) أخرجه البيهقي في ((سننه الكبرى)) (٢٧٨/٢) والطبراني في «الأوسط)) (١٩٦٥) وابن أبي شيبة
(١/ ٢٥٠) وعبد الرزاق (٢٩/٢).
(٣) أخرجه الدارقطني (٣٦٩/١) وابن عدي (٣٢١/١).
(٤) ابن عدي (٣٣١/١) .
(٥) الدار قطني (٣٦٨/١) والطبراني في ((الكبير)) (١٩٣/٨).

٦٩٨
حديث : ٥١٤ - ٥١٥
كتاب الصلاة
قال العُقيليُّ : الرواية في هذا الباب فيها لين وضعف .
وقالت طائفةٌ : يقطعُ الصلاةَ مُرُورُ بعضِ الحيوانات .
ثم اختلفوا :
فمنهم مَنْ قال : يقطعُ الصَّلاة الكلبُ والحمارُ والمرأة ، رُوي ذلك عن ابن
عباس (١) وأنس(٢) وعبد الله بن عيَّش بن أبي ربيعة(٣) ومكحول(٤) والحسن(٥)
وأبي الأحوص(٦).
ومنهم مَنْ قَالَ : يقطعُ الصلاةَ الكلبُ الأسودُ والمرأةُ الحائضُ والحمارُ
والكافرُ ، رواه جابر بن زيد ، عن ابن عبّاس(٧).
ورُوي عن الحكم الغفاريِّ، أنه أعادَ الصلاة من مُرُورِ حمارٍ بين يَدَيْهِ(٨).
ورُوي عن ◌ِكْرِمة ، قال : يقطعُ الصلاةَ الكلبُ والمرأةُ والخنزيرُ والحمارُ
والكافرُ (٩).
وعن عَطاء، قال: يَقْطَعُ الصلاةَ المرأةُ الحائضُ والكلبُ الأسود (١٠).
(١) عبد الرزاق (٢٨/٢) .
(٢) ابن أبي شيبة (٢٥٢/١).
(٣) ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٠ - ٢٥١) .
(٤) ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٢) .
(٥) ابن أبي شيبة (١/ ٢٥٢).
(٦) ابن أبي شيبة (٢٥٢/١).
(٧) روى من هذا الطريق مرفوعًا وموقوفًا أخرجه أحمد (٤٣٧/١) وأبو داود (٧٠٣) وابن ماجه (٩٤٩)
والنسائي (٦٤/٢) وفي الكبرى (٧٣٨) وابن خزيمة (٨٣٢) بدون ذكر: ((الحمار والكافر)).
وأخرجه البيهقي في الكبرى (٢/ ٢٧٥) وأبو داود (٧٠٤) وعبد بن حميد (٥٧٦) من غير هذا
الطريق وفيه: ((الحمار والخنزير واليهودي والمجوسي)).
(٨) عبد الرزاق (١٨/٢ - ١٩).
(٩) عبد الرزاق (٢٧/٢) وابن أبي شيبة (٢٥٢/١).
(١٠) عبد الرزاق (٢٦/٢) .
١
1

٦٩٩
١٠٥ - بَابُ من قال: لا يقطع الصلاة شيءٌ
كتاب الصلاة
واختاره أبو بكر ابن خُزيمة ، وزَادَ عليهما : الحمار .
والمشهور : عن عطاء ، أنه يقطع الصلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسود .
وهو قولُ ابن جُريج وأحمد في رواية عنه .
وروتْ صَفية بنتُ شَيبة ، عن عائشةَ ، قالت : إنما يقطع الصلاةَ الكلبُ
والحمارُ والسَّورُ .
وفي رواية أخرى عن عائشةَ ، أنَّها قالت : والسِّنَّوْرُ الأسودُ .
وحُكي رواية عن أحمد في السِّنَّور الأسود .
وقالت طائفةٌ : لا يقطعُ الصَّلاةَ سِوى الكلب(١)، ورُوي ذلك عن ابنِ عُمر .
ورُوي عنه أنَّه أَعادَ صلاتَه من مرورِ كلبِ أصفر بين يديه ، رواه مَطر
الورَّاق، عن نافعٍ ، عنه .
ورَوَى بكر المزني ، أن ابن عمر أَعَادَ ركعةً من جَرْو مرَّ بين يديه(٢).
وهذا يدلُّ على أنه تختص الإعادة بالركعة التي مرَّ فيها الكلبُ .
ورَوَى ليثٌ ، عن طاوس ، عن ابنِ عبَّاسِ ، قال: ادْرءُوا عن صلاتكُم ما
استطعتُمْ ، وأشد ما يتقى عليها مَرَابضُ الكلابِ (٣).
وقال ابنُ طاوس : كان أبي يشدِّدُ في الكلابِ .
ومن هؤلاء مَنْ خَصَّ القطعَ بالكلبِ الأسودِ دونَ غيرِهِ من سائرِ الألوان .
وروى شُعبة ، عن الحكمٍ ، عن خَيْثمة ، عن الأسودِ ، عن عائشةَ، قالتْ:
لا يقطعُ الصَّلاةَ إلا الكلبُ الأسودُ (٤).
وقال أبو نُعيم : ثنا ابنُ عُيينةَ ، عن ابنِ أبي نَجِيح ، عن مجاهد ، قال :
(١) في ((ق)): ((الكلاب)).
(٢) ابن أبي شيبة (٢٥٢/١).
(٣) ابن أبي شيبة (٢٥١/١) .
(٤) ابن أبي شيبة (٢٥١/١) .

٧٠٠
حديث : ٥١٤ - ٥١٥
كتاب الصلاة
الكلبُ الأسودُ البَهيمُ شيطانٌ ، وهو يقطعُ الصَّلاَةِ(١).
حدثنا ابن عُيينة ، عن ليث ، عن مجاهدٍ ، عن معاذ - مثله(٢).
وهو المشهورُ عن أحمدَ ، وقول إسحاقَ وأبي خَيْثَمة زُهير بن حَرَب
وسُليمان ابن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرِهم من فقهاءِ أهلِ الحديث .
واستدلَّ مَنْ قال : تُقْطَعُ الصلاةُ بشيءٍ مِن ذلك بأحاديثَ رُويتْ عن النَّبِيِّ
وَلَ ، وليس شَيْءٌ منها على شرط البخاريِّ، ولا مما يَحْتَج به .
وقد خرَّج مسلمٌ منها حديثين : حديث : أبي ذَرٍّ ، وحديث أبي هريرة .
فحديث أبي ذَرٍّ : خرَّجه(٣) من طريق حُميدٍ بن هلال ، عن عبد الله بن
الصامت، عن أبي ذَرٍّ ، قال: قال رسولُ اللَّهِ بِ له: ((إذا قَامَ أحدُكُم يُصلِّي فَإِنَّه
يَسْتُرُه إذا كان بين يَدَيْهِ مثل آخِرَةِ الرَّحْلِ ، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل ،
فإنَّه يقطعُ صلاتَه الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسود)). قلتُ: يا أبا ذَرٍّ، مَا بَالُ
الكلبِ الأسودِ من الكلبِ الأحمرِ من الكلبِ الأصفر ؟ فقال : يا ابنَ أخي ،
سألتُ رسولَ اللَّهِ لهِكما سألتَنِي، فقال: ((الكلبُ الأسودُ شيطانٌ)).
وحديث أبي هريرة : خرَّجه(٤) من طريق عُبيد اللّه بن عَبد اللّه بن الأَصَمِّ :
ثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((يَقْطَعُ الصَّلاةَ
المرأةُ والحمارُ والكلبُ، وبقي ذلك مثلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» .
فأمَّا حديثُ أبي ذَرِّ، فقد قال الإمامُ أحمدُ - في روايةِ المُرُّوذي - : إليه
أذهبُ ، وهو صحيحُ الإسنادِ .
وقال في رواية عليّ بن سعيد : هو حديث ثبت ، يرويه شعبة وسليمان بن
(١) ابن أبي شيبة (٢٥٢/١).
(٢) ابن أبي شيبة (٢٥٢/١) وعبد الرزاق (٢٨/٢).
(٣) مسلم (٥٩/٢) .
(٤) مسلم (٥٩/٢ - ٦٠).