النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
٨٧ - بابُ الصلاة في مسجد السوق
كتاب الصلاة
رُزَيْقٌ أبو عَبْدِ اللَّهِ الأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ وَهِ:
((صَلَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَةٍ، وَصَلاَتُهُ فِي مَسْجِدِ القَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ
صَلَةً، وَصَلَاتُهُ في المَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِمائةٍ صَلاَةَ ، وَصَلاَتُهُ فِي
الْمَسْجِدِ الأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَةٍ ، وَصَلاَتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفٍ
صَلَةَ، وَصَلَُّهُ فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَانَةِ أَلْفِ صَلاَةِ» .
رُرَيَقُ الأَلْهَانِيُّ - بتقديم الراء على الزاي - ، قال أبو زرعة الرازي : لا بأس
به . وذكره ابنُ حِبَّانِ في ((ثقاته))(١) وذَكَرَه - أيضًا في ((الضعفاء))(٢)، وقال: لا
يُحتج به .
وأما أبو الخطّاب الدمشقي ، فقيل : اسمه : حمَّاد ، وقع كذلك مصرحًا به
في ((معجم الطبراني الأوسط))(٣)، وذَكَرَ ابنُ عدي(٤) أنه : معروفٌ الخياط الذي
رأى وائلةَ بنَ الأسقع ، وأن هشام بن عمَّار يروي عنه، وفيه ضعفٌ .
وقال ابن مَاكُولا : اسمه : سَلَمَةُ بن علي ، كان يسكن اللاذقية ، رَوَى
عنه هشام بن عمَّار والربيع بن نافع . قال : والحديث منكر ، ورجاله
مجهولون .
كذا قال ، وليس فيهم من يجهل حاله سوى أبي الخطاب هذا .
وقد كان بالمدينة مساجدُ في قبائل الأنصار ، وهي دورهم ، يصلُّون فيها
الجماعات سوى الجمع .
ورَوَى ابْنُ لَهِيعة ، أن بُكير بن الأَشَجِّ حدَّثْه ، أنه كان بالمدينة تسعةُ مساجدَ
مع مسجدِ النبيِ نَّهِ، يَسْمَعُ أهلُها تأذينَ بلالِ على عَهدِ رسولِ اللَّهِ وَلَيهِ ،
(١) (٤ / ٢٣٩) .
(٢) (١/ ٢٩٧) .
(٣) (٧٠٠٨) .
(٤) (٣٢٧/٦) .

٥٨٢
حديث : ٤٧٧
كتاب الصلاة
فيصلُّون(١) في مَسَاجِدِهم، أقربُها مَسْجِدُ بني عَمْرو بنِ مَبْدُول من بَنِي النَّجارِ ،
ومسجد بني ساعِدَة ، ومَسْجِدُ بني عُبيد ، ومَسجدُ بَنِي سَلمةَ ، ومسجدُ بني رابحٍ
من بني عَبْدِ الأَشْهَلِ، ومسجدُ بني زُرَيْقِ ، وَمَسْجِدُ بَنِي غِفار ، ومَسجدُ أسلمَ ،
ومسجدُ جُهَيْنَة . وشكَّ في التاسعِ .
خرَّجه أبو داود في ((المراسيل))(٢) .
قال البخاري - رحمه الله - :
٤٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةُ، عَن الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّبَ، قَالَ: ((صَلَّةُ الجَميعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلاتِهِ
فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَّى الْمُسْجِدَ لاَ
يُرِيدُ إِلَّ الصَّلاَةَ، لَمْ يَخْطُ خُطُوَةً إِلَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً ،
حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَةَ مَا كَانَتِ الصََّةُ تَحْبَسُهُ،
وَتُصَلِّي المَلاَئِكَةُ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِ يُصَلِّي فِيهِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ
ارْحَمْهُ ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ»(٣).
وَقَد خَرَّجه البخاريُّ - أيضًا - في موضعٍ آخر من ((كتابه)) (4) بزيادة تصريح
الأَعْمش بالسماع له من أبي صالح ، فزال ما كان يُتوهم من تدليس الأَعْمش له .
والحديث : نصَّ في أن الصلاة في المسجدِ (٥) تزيدُ على صلاةِ المرءِ فِي بَيْتِهِ
وفي سُوقِهِ خَمْسًا وعِشْرِين درجة ، وهو أعمُّ من أن تكون صلاتُه في بيته وفي
سُوقِهِ في جماعة أو منفردًا .
(١) في الأصول: ((فيصلو)).
(٢) (١٥) .
(٣) في نسخة : ((ما لم يُؤْذِ يُحدِثُ فيه)).
(٤) برقم (٦٤٧) .
(٥) في ((ق)): ((أن الصلاة [في الجماعة] في المسجد))، وما بعده يؤكد أنه مقحم .

٥٨٣
٨٧ - بابُ الصلاة في مسجد السوق
كتاب الصلاة
ويدل على ذلك : أنه ذَكَرَ سببَ المضاعفة ، وهو فضلُ مشيه إلى المسجد
على طهارة ، وفضل انتظاره للصلاة حتى تقام ، وفضل قعوده في المسجد حتى
يُحْدث ، وهذا كلُّه لا يوجد شيءٌ منه في صلاته في بيته وفي سُوقه .
لكن المراد - والله أعلم - : صلاته في سُوقِهِ في غيرِ مسجد، فإنه لو صلَّى
في سُوقه في مسجدٍ لكان قد حَصَلَ له فضلُ المشي إلى المسجد ، وانتظار
الصلاة فيه ، والجلوس فيه بعد الصلاة - أيضًا - ، وإن كان المسجد الأعظم يمتاز
بكثرة الخُطَا إِلَيْه، وبكثرةِ الجماعةِ فيه ، وذلك يتضاعف به الفضلُ ـ أيضًا - عند
جمهورِ العلماءِ ، خلافًا لمالك .
وقد رُوي من حديث أبيِّ بن كَعبٍ، عن النبي ◌َّ، قال: ((إن صلاةَ
الرجلِ مع الرجلِ أَزْكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أَزْكَى من صلاته
مع الرجلِ ، وما كثر فهو أحب إلى اللّه)).
خرَّجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي وابن خُزيمة وابن حبَّان في
((صحیحیهما)) والحاكم(١).
وقال علي بن المديني(٢): ما أراه إلا صحيحًا .
ويفضل - أيضًا - المسجد الأعظم بكونه عتيقًا :
قال أبو نُعيم الفَضل بن دُكين : ثنا عُمَارة بن زَاذَان ، عن ثابتِ البُنَانِي ، قال
كنت أقبلُ مع أنس بن مالك من الزاوية ، فإذا مرَّ بمسجد قال : أمحْدَثٌ هذا ؟
فإن قلتُ : نعم مَضَى ، وإن قلتُ: عتيق صلَّى .
(١) أحمد (٥/ ١٤٠ - ١٤١) وأبو داود (٥٥٤) والنسائي (١٠٤/٢) وابن خزيمة (١٤٧٧) وابن
حبان (٢٠٥٦) والحاكم (٢٤٧/١).
(٢) (السنن الكبرى)) للبيهقي (٦٨/٣).

٥٨٤
حديث : ٤٨١
كتاب الصلاة
٨٨- بَابُ
تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ
فيه حديثان :
أحدهما :
قال :
٤٨١ (١) - ثَنَا خَلَّدُ بْنُ يَحْيَى: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ،
عَنْ جَدِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عنِ النِّّ: ﴿، قال: ((إِنَّ المُؤْمِنَ لِلمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُّ
بَعْضُهُ بَعْضًا)) - وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ .
ليس في هذا الحديث أن النبي 8َّ* كان حينئذٍ في المسجد ؛ فلهذا بَوَّبَ على
تشبيكِ الأصابع في المسجد وغيرهِ .
وهذا التشبيكُ من النبي ◌َّجيه في هذا الحديث كان لمصلحة وفائدة ، لم يكن
عَبَثًا ؛ فإنه لما شبَّه شدَّ المؤمنين بعضهم بعضًا بالبُنْيَان ، كان ذلك تشبيهاً بالقول،
ثم أوضحه بالفعل ، فشبَّك أصابعه بعضها في بعض ؛ ليتأكد بذلك المثالُ الذي
ضربه لهم بقوله ، ويزداد بيانًا وظهورًا .
ويفهم من تشبيكه : أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في
بعض ، فكما أن أصابع اليدين متعددة فهي ترجع إلى أصل واحد ورَجُلٍ واحد ،
فكذلك المؤمنون وإن تعددتْ أشخاصُهم فهم يرجعون إلى أصلٍ واحد ،
وتجمعُهُم أخوةُ النَّسَبِ إلى آدم ونوح ، وأخوةُ الإيمان .
(١) قبل هذا الحديث في هذا الباب حديثٌ، جزأه الأستاذ عبد الباقي إلى ثلاثة أحاديث وقد بين
الحافظ في ((الفتح)) (٥٦٦/١) أن هذا الحديث ليس في أكثر الروايات ، ولا استخرجه
الإسماعيلي ولا أبو نعيم ، وذكر أدلة أخرى ، فانظره إن رأيت .

٥٨٥
٨٨ - بَابُ تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
كتاب الصلاة
وهذا كقوله {وَله في حديث النُّعمان بن بَشير: ((مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم
وتعاطُفُهِمْ وتراحمهم مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائرُهُ بالحُمََّ
والسَّهَر)» .
خرَّجاه في ((الصحيحين))(١).
وفي رواية : ((المؤمنون کرجل واحد ، إن اشْتَگی رأسه تداعى له سائرٌ
الجسدِ بالحمَّىَ والسَّهَرِ» .
الحديث الثاني :
٤٨٢ - ثَنَا إِسْحَاقُ: ثَنَا ابْنُ شُمَيْل: أَبَنَا ابْنُ عَوْن، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ
أَبِي هُرْيَرَةَ، قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ: ﴿ إِحْدَى صَلاَتِي العَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ :
قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى
خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ في المُسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى
الْيُسْرَّى ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْآَيْمَنَ عَلَى ظَهْرٍ كَفِّهِ الْيُسْرَى ،
وَخَرَجَتِ السََّعَانُ مِنْ أَبْوَبِ المَسْجِدِ ، فَقَالُوا : قُصِرَتِ الصَّلاَةُ، وَفَي القَوْمِ
أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، فَهَبَا أَنْ يُكَلِّمَاءُ، وفي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيّهِ طُولٌ ، يُقَالُ لَهُ:
ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟ قَالَ : ((لَمْ أَنْسَ ،
وَلَمْ تَقْصُرْ». فَقَالَ : ((أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟)) قَالُوا: نَعَمْ . فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَك،
ثُمَّ سَلَّم، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبِّرَ، ثُمَّ كَبِّرَ
وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِه أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبْرَ .
فَرَّبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَقُولُ: نَبِّئْتُ أَنَّ عْمِرَنَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّسَلَّمَ .
المسئولُ : ((ثم سَلَّم ؟)) هو ابنُ سيرين .
(١) البخاري (٢٤٤٦) (٦٠٢٦) ومسلم (٢٠/٨).

٥٨٦
حديث : ٤٨٢
كتاب الصلاة
وقد أعاده البخاري في ((أبواب: سجود السهو))(١)، ويأتي الكلام عليه هناك
مستوفّی ۔ إن شاء الله تعالی.
إِنَّمَا المقصود في هذا الباب منه: أن النبيِّ وَّ قَامَ بعد سلامِه من الصلاةِ
إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها ، ووضع يده اليمنى على ظهرِ كفِّه
اليسرى، وشبَّك بين أصابعه ، فدلَّ على جَوازٍ تشبيك أصابع اليدين في المسجد
لغير حاجة إليه .
والظاهر : أنه إنما فعله لما غلبه من الهمّ ؛ فإنَّ ذلك يفعله المهمومُ كثيرًا .
وقد رَخَّص في التشبيك في المسجد جماعةٌ :
قال وكيع : ثنا الربيع بن صُبيح ، قال : رأيتُ الحسنَ في المسجد هكذا -
وشبَّك و کیع بين أصابعه .
وقال حَرْبٌ : رأيتُ إسحاقَ جالسًا في المسجد يقرأ وشبَّك أصابعه .
وقد رُوي النهي عن التشبيك في المسجد من رواية مولَى لأبي سعيد الخدري،
أنه كان مع أبي سعيد وهو مع رسولِ اللَّهِ وَله، قال: فَدَخَلَ النبيِ بَّهِ، فَرَأَى
رجلاً جالسًا في وسط المسجد مشبِّكًا أصابعه يحدث نفسَه، فَأَوْماً إليه النبيُّوَل
فلم يَفْطِن ، فالتفتَ إلى أبي سعيد ، فقال: ((إذا صلَّى أحدكم فلا يشبِّكن بين
أصابعه ؛ فإن التشبيكَ من الشيطان ؛ وإنَّ أحدَكم لا يزالُ في صلاة ما دامَ في
المسجد حتی یخرج منه» .
خرَّجه الإمام أحمد(٢).
وفي إسناده عُبيد اللّه(٣) بن عبد الرحمن بن مَوْهَب ، ضعَّفْه ابن معين.
(١) (١٢٢٧) .
(٢) (٤٢/٣ - ٤٣، ٥٤) وابن أبي شيبة (٤١٩/١).
(٣) في ((ق)): ((عبيد)) بدون إضافة. خطأ. وفي ((ك)): ((خرجه الإمام أحمد عن عبيد اللّه :.. ))،
وفي ((هـ)) مثله، إلا أنه سقط منها: ((عن)).

٥٨٧
٨٨ - بَابُ تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
كتاب الصلاة
ورُوي - أيضًا - النهي عن تشبيكِ الأصابع لمن هو مَاشٍ إلى المسجد للصلاة
فيه، من حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرة، عن النبيَِّ، قال: ((إذا توضأ أحدكم
فأحسن وضوءَه ، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يُشبِّكنَّ بين أصابعه ؛ فإنه في
صلاة)) .
خرَّجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه(١).
وفي إسناده اختلاف كثير واضطراب .
وقد ذَكَرَ أبو بكر الإسماعيلي في ((صحيحه)) المخرَّج على ((صحيح البخاري))
أن حديث كَعب بن عُجْرة وما في معناه لا ينافي حديث أبي هريرة الذي خرَّجه
البخاري في هذا البابِ ، وأنه يمكن الجمع بينهما ، بأنه إنما يكره التشبيك لمن
كان في صلاة ، أو حكمه حكمُ من كان في صلاة ، كمن يمشي إلى المسجد أو
يجلس فيه لانتظار الصلاة ، فأمَّا مَن قَام من الصلاة وانصرف منها ، كما فَعَل
النبي ◌َلل لما سلّم من ركعتين وقام إلى الخشبة المعترضة، فإنه صار منصرفًا من
الصلاة لا منتظرًا لها ، فلا يضره التشبيك حينئذٍ .
قال : وقد قيل : إنَّ من كان في صلاةٍ ومنتظر الصلاة في جماعة فهم على
ائتلاف ، فإذا شبَّك لم يؤمن أن يتطير بهم عدوهم، بأنهم (٢) سيختلفون ، ألا
تراه في حديث عبدِ اللّه بن عَمْرو يقول: ((مَرجتْ عهودهم وأماناتهم واختلفوا
وصاروا هكذا)) ـ وشبَّك بين أصابعه، ولم يؤمن أن يكون ذلك سببًا أو أَمَارة
لاختلافهم ، كما أَمَرَهُم بأن يَستووا في صفوفهم ، وقال: ((لا تختلفوا فتختلفَ
قلوبكم)(٣). انتهى ما ذكره .
(١) أحمد (٢٤١/٤ - ٢٤٢) وأبو داود (٥٦٢) (٣٨٦) (٩٦٧) وابن ماجه (٩٦٧) .
(٢) في ((ك)) و((هـ)): ((بأن)).
(٣) هو الحديث الذي سبق أنه ليس في أكثر روايات البخاري في هذا الباب ، وهو في ترقيم عبد
الباقي برقم (٤٧٨ - ٤٧٩ - ٤٨٠).

٥٨٨
حديث : ٤٨٢
كتاب الصلاة
وهو مناسبة بعيدة جداً ؛ فإن التشبيكَ كما مُثِّل به الاختلافُ والافتراقُ فقد
مُثِّل به الائتلافُ والتعاونُ والتناصرُ ، كما في حديث أبي موسى الذي خرَّجه
البخاري في أول الباب ، فليس كراهته لمشابهته لمثل الافتراق بأولى من عدمٍ
كراهته [لمشابهته](١) لمثل التعاون والتعاضد والتناصر .
ومثل هذه المعاني توجد كثيراً في كتب شروح الحديث المتأخرة ، وأكثرها
مدخول ، ولم يكن علماء سلف الأمة يقعون في شيء من ذلك ، وكذلك لم
أستكثر من ذكر مثله في هذا الكتاب ، وإنما ذكرت هذا لأن الإسماعيلي مع تقدمه
ذكره في ((صحيحه))، ونبهت على ما فيه .
وجمع الخطابي في ((الأعلام)»(٢) بين حديث كَعب بن عُجرة في النهي
وحديث أبي هريرة في فعل التشبيك ، بأن النهي إنما يحمل على الاحتباء
بالتشبيك للأصابع؛ لأنه يجلب النوم الناقض للوضوء ، وما سواه فمباح .
فخصَّ الكراهة بحالة الاحتباءِ ، وهذا في غاية البعد ؛ لأن حديث كَعب فيه
النهي عن التشبيك للعامد(٣) إلى المسجد ، والمراد به الماشي إليه ، والماشي لا
يحتبي ، وقد وَرَدَ مصرحًا بذلك في رواية خرَّجها مسلمٌ في كتاب ((العلل)) له عن
أبي ثُمامة القَمَّح(٤)، قال : لقيني كَعْب بن عُجْرة وأنا رائح إلى المسجد ، مشبكٌّ
بين أصابعي ، فضرب يديَّ ضربةً ، ففرَّق بينهما ، وقال : نُهينا أن نشبِّك بين
أصابعنا في الصلاة . فقلت : إني لستُ في صلاةٍ . فقال : إنَّ الرجلَ إذا توضأ
فأحسن وضوءه ، ثم خَرَجَ يؤمُّ المسجدَ فهو في صلاة .
وخرَّجه أبو داود(٥) بمعناه ، إلا أنه لم يذكر قوله : ((إني لستُ في صلاة))،
(١) ليس في ((ق)).
(٢) (١ /٤١٤) .
(٣) في ((ك)) و((هـ): ((للقاصد)).
(٤) وهو الحَّاط، كان يبيع القمح، قال الذهبي في الميزان (٥٠٩/٤): ((لا يُعرف وخبره منكر)).
(٥) (٥٦٢) .
١

٥٨٩
٨٨ - بَابُ تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
كتاب الصلاة
وصَّرح برفع آخرِ الحديث إلى النبي ◌َّ.
وأعلَّ محمد بن يحيى الهمداني في ((صحيحه)) حديث أبي هريرة الذي خرَّجه
البخاري في هذا الباب ، وقال : ذِكْرُ تشبيكِ الأصابع ووضع الخد لا أعلم ذكره
غير النَّضر - يعني : ابن شُمَيْلٍ - ، عن ابنِ عَونٍ .
وأما تشبيكُ الأصابع في الصلاة فمكروه .
وقد خرَّج ابنُ ماجه(١) حديث كَعْب بن عُجْرة المتقدم ، ولفظه : إنَّ
رسولَ اللَّهِ وَ الَ رَأَى رجلاً قد شبَّك أصابعه في الصلاة، ففرَّج رسولُ اللّهِ وَهل
بين أصابعه .
وخرَّج وكيعٌ ، عن عاصم بن محمد العُمري ، عن ابن المنكدر ، عن النبي
وَ ل ـ نحوه ، مرسلاً .
وخرَّج أبو داود(٢) بإسناده عن نافع، أنه سُئِل عن الرجل يُصلي وهو مشبِّكٌ
أَصَابعه ؟ فقال : قال ابنُ عمر : تلك صلاةُ المغضوبِ عليهم .
وكرهه طَاوس والنخعي .
وقال النعمان بن أبي عَيَّاش : كانوا ينهون عن ذلك .
وكلام ابن عمر يدل على أنه كُره لما فيه من مشابهة أهل الكتاب ، وهو -
أيضًا - من نوع العبث الذي تُنزه عنه الصلاة ، ومثله : تَفْقِيع الأصابع .
وقد رَوَى الحارث، عن علي، أن النبيَّ وَِّ نهاه أن يُفَقِّع أصابعه في
الصلاة .
وخرَّجه ابن ماجه(٣) .
خرَّج الإمام أحمد(٤) من رواية زيَّان بن فائد ، عن سَهْل بن معاذ ، عن
(١) (٩٦٧) .
(٢) (٩٩٣) .
(٣) (٩٦٥) .
(٤) (٣/ ٤٣٨) .

٥٩٠
حديث : ٤٨٢
كتاب الصلاة
أبيه، أن النبي ◌َّه قال: ((إن الضَّاحك في الصلاة، والملْتَفت، والمفقِّع
أصابعه بمنزلة واحدة)» .
وزيَّان وسَهْل ، فيهما ضعف .
وفيه : إشارة إلى أن ذلك كلَّه من العبث المنافي للخشوع في الصلاة .
١

٥٩١
٨٩ - بَابُ المساجد التي على طرق المدينة
كتاب الصلاة
٨٩ - بَابُ
المَسَاجِدِ التَّي عَلَى طُرُقِ المَدِينِةِ وَالمَوَاضِعِ الَّتي
صَلى الله
وسيلة
صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ
خرَّج فيه حدیثین :
أحدهما :
قال :
٤٨٣ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَّبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيّ: ثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانِ: ثَنَا مُوسَى بْنُ
عُقْبَةَ، قَالَ : رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا ،
وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا، وَأَنَّهُ رَأَى النِّّ ◌َ﴾ُ يُصَلِّي في ◌ِلْكَ الأَمْكِنَةِ .
وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي في تِلْكَ الأَمْكِنَةِ .
وَسَأَلْتُ سَالمًا، وَلَاَ أَعْلَمُهُ إلَّ وَافَقَ نَافِعًا في الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا، إلاَّ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا في
مَسْجِد بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ.
قد ذكرنا فيما سَبَقَ في ((باب: اتخاذ المساجد في البيوت))(١) حكمَ اتباعٍ آثار
النبي بَ ﴿ ، والصلاة في مواضعٍ صلاته ، وأن ابن عمر كان يفعلُ ذلك ،
وكذلك ابنُه سالم .
وقد رخَّص أحمد في ذلك على ما فعله ابن عمر ، وكَرِهِ ما أحدثه الناسُ بعد
ذلك من الغلوِّ والإفراطِ ، والأشياء المحدثةَ التي لا أصلَ لها في الشريعة .
وقد كان ابن عمر مشهورًاً بتتبع آثار النبي ◌َّر، ومن ذلك صلاتُه في
المواضع التي كان يُصلي فيها .
وهي على نوعين :
(١) رقم (٤٦) .

٥٩٢
حديث : ٤٨٣
كتاب الصلاة
أحدهما : ما كان النبي وَل يقصده للصلاة فيه، كمسجد قُباء ، ويأتي ذكرُه
في موضعه من ((الكتاب)) - إن شاء اللّه تعالى.
والثاني: ما صلى فيه النبيُّ وَخله اتفاقًا لإدراك الصلاة له عنده، فهذا هو
الذي اختصَّ ابن عمر باتباعه .
وقد رَوَى ابن سعد(١): أنا مَعْنُ بنُ عيسى : ثنا عبد اللّه بن المؤمَّل ، عن
عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشةَ، قالتْ: مَا كان أحدٌ يتبع آثارَ النبي ◌َّ في
منازله ، كما كان ابنُ عُمَرَ يتبعه .
ورَوَى أبو نُعيم(٢) من رواية خَارجة بن مُصعب ، عن موسى بن عُقْبة ، عن
نافع، قال: لو نظرتَ إلى ابن عمر إذا اتَّبِع أثرَ النبيِ وَّهِ لقلتَ: هذا مجنونٌ .
ومن طريق عاصم الأحول ، عمَّن حدَّثْه ، قال : كان ابنُ عمر إذا رآه أحدٌ
ظنَّ أن به شيئًا مِنْ تتبعه آثار النبي وَرِ .
ومن طريق أبي مَوْدود(٣)، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان في طريق مكة
يقود(٤) برأس راحلته يثنيها ، ويقول : لعلَّ خفًا يقع على خفِّ - يعني: خفَّ
راحلة النبي الَ له .
والمسجد الذي وقع فيه الاختلاف بشَرَفِ الرَّوْحَاءِ ، والروحاء من الفرع ،
بينها وبين المدينة مرحلتان ، يقال : بينهما أربعون ميلاً ، وقيل : ثلاثون ميلاً .
وفي ((صحيح مسلم)) (٥): بينهما ستة وثلاثون ميلاً .
يقال : إنه نزل بها تُبْع حين رجع من قتال أهلِ المدينة يريد مكة ، فأقام بها
(١) (٤ / ١ / ٠٧ ١ ) .
(٢) في ((الحلية)) (١/ ٣١٠).
(٣) في الأصول: ((أبي داود))، وصححها في هامش ((ق))، وفي ((الحلية)) على هذا التصحيح.
على أنني لم يترجح لديَّ شيءٌ .
(٤) في ((الحلية)): ((يقول))، وهو أشبه .
(٥) (٥/٢).

٥٩٣
٨٩ - بَابُ المساجد التي على طرق المدينة
كتاب الصلاة
وأراح ، فسمَّاها : الروحاء .
وقيل : إن بها قبر مُضَر بن نَزَار .
وقد رَوَى الزبير بن بَكَّار بإسناد له ، عن ابن عمر، أن النبيّ وَجَلّ: صلى
بشَرَفِ الروحاء ، عن يمين الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ، وعن يَسَارِها وأنت
مُقْبلٌ من مكةَ .
ودُونَ هذا الشرف الذي به هذا المسجد موضعٌ يقال له : ((السَّيَالة))، ضبطها
صاحب ((معجم البلدان)) بتخفيف الياء، كان قريةً مسكونةً بعد النبي بَّ ، وبها
آثار البناء والأسواق ، وآخرها شَرَفُ الروحاء ، والمسجد المذكور عنده قبور
عَتَيقة، كانت مَدْفن أهلِ السَّالة ، ثم تهبط منه في وادي الروحاء ، ويُعرف اليوم
بوادي بني سالم .
الحديث الثاني :
هو حديث طويل ، فنذكره قطعًا قطعًا ، ونشرح كل قطعة منه بانفرادها :
قال البخاري - رحمه الله - :
٤٨٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ الحِزَمي: ثَنَا أَنَسُ بْنُ عَيَاض: ثَنَا مُوسَى بْنُ
عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي
الحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ وَفِي حَجَتِهِ حِينَ حَجَّ تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ المَسْجِدِ الَّذِي
بذي الحُلَيْفَةِ ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةٍ ، وَكَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَوْ حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ
هَبَطَ بَطْنَ وَاَد ، فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شَفِيرِ الوَادِي الشَّرْقِيَّة،
فَعَرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ ، لَيْسَ عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةَ وَلاَ عَلَى الأَكَمَةِ الَّتِي
عَلَيْهَا المَسْجِدُ، كَانَ ثَّمَ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُاللَّهِ عِنْدَهُ فِي بَطِهِ كُتُبٌ، كَانَ رَسُولُ اللَّه
وَ ثَمَّيُصَلِّي، فَدَحَا فِيهِ السَّلُ بِالْبَطْحَاءِ حَتّى دَفَنَ ذَلِكَ المَكَانَ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ
◌ُصلِّي فیهِ .

٥٩٤
حديث : ٤٨٤
كتاب الصلاة
ذُو الحُلَيْفَةِ : قَرية بينها وبين المدينة ستةُ أميال أو سَبعةٌ ، وهي ميقاتُ أهل
المدينة، وتسمى - أيضًا -: الشجرة، وكان النبي وَلَو ينزل بها حين يَعْتمر وحين
حَجَّ حجَّةَ الوداع ، وقد اعتمر منها مرتين : عُمرة الحُديبية ، وعُمرة القَضية .
وقد ذكر ابن عمر في حديثه هذا أن النبي وَلّ كان ينزلُ بها تحت سَمُرَةٍ في
موضع المسجد الذي بُني بها ، وهذا يدل على أن المسجد لم يكن حينئذٍ مبنيًّا ،
إنما بُني بعد ذلك في مكان منزل النبي مُصَلّ منها، وكان النبي ◌َّ يُحرِم منها،
وكان يصلي بها في موضع المسجد .
وقد رُوي أنه صلى في المسجد ، ولعلَّ المراد في بقعتِهِ وأرضهِ ، قَبْلَ أن
يُجْعلَ مسجدًا ، حتى يجمع بذلك بين الحديثين .
وقد خرَّج البخاري في ((الحج)) (١) عن إبراهيمَ بنِ المُنْذر - أيضًا - ، عن أَنَسِ
ابن عِيَاض ، عن عُبيد اللّه بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول اللّه
وَلّ كان إذا خَرَجَ إلى مكةَ يُصلي في مسجد الشجرة .
وخرَّج مسلم(٣) من حديث الزهري، أن عُبيد اللّه بن عبد الله بن عمر أخبره،
عن ابن عمر، أنَّ النبيِ وَ ◌ّ نَزَلَ بذي الحُلَيْفَةِ مَبْدَأَهُ، وصلَّى في مسجدها .
ومن حديث(٣) الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول اللّه ◌َ خلَّ كان
يركع بذي الحُليفة ركعتين ، ثم إذا اسْتَوَتْ به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة
أَهَلَّ .
وفي ((الصحيحين))(٤) من حديث مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالمٍ، عن
أبيه، قال: ما أهلَّ رسول اللّه ◌َّ إلا من عند المسجد - يعني: مسجد ذي الحُليفة.
(١) (١٥٣٣) .
(٢) (٤ / ١٠) .
(٣) (٨/٤) .
(٤) البخاري (١٥٤١) ومسلم (٨/٤).
١

٥٩٥
٨٩ - بَابُ المساجد التي على طرق المدينة
كتاب الصلاة
وفي رواية لمسلم(١) من رواية حَاتمٍ بنِ إسماعيل ، عن مُوسى بن عُقْبة : إلا
من عندِ الشَّجَرَةِ .
وخرَّج البخاري - أيضًا - في ((الحج))(٢) من حديث عمر بن الخطاب ، قال :
سمعت رسول اللّه وَ له بوادي العَقيق يقول: «أناني الليلةَ آت من ربي عَزَّ وجَلَّ،
فقال : صلِّ في هذا الوادي المبارك؛ وقل : عمرة في حجة)).
ووادي العَقيق متصل بذي الحليفة .
فهذا كان حال النبي وَِّ فِي سَفَرِهِ إلى مكةَ .
فأما حالُه في رجوعِه إلى المدينة إذا رَجَعَ على ذي الحُليفة من حج أو
عمرة ، أو من غزاة في تلك الجهة ، فإنه كان يهبط بطنَ وادِ هنالك ، فإذا ظهر
من بطنِ الوادي أناخَ بالبطحاءِ التي على شَفير الوادي الشرقية ، فَيُعَرِّس هناك
حتَّى يُصْبِحَ .
قال الخطابي (٣): التعريس : نزول استراحة بغير إقامة ، وفي الأكثر يكون
آخر الليل ، ينزلون فينامون نومةً خفيفةً ، ثم يرتحلون .
قال : والبطحاءُ : حجارةٌ ورَمْلٌ .
قلت : المرادُ بالتَّعْرِيس هنا : نَوْمُهُ حتَّى يُصبح .
وقد خرَّج البخاري في ((الحج))(٤) عن إبراهيمَ بن المُنْذر ، عن أَنَسٍ بن
عِياضٍ، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ◌ّ كان إذا خَرَجَ
إلى مكةَ يصلي في مسجد الشَّجَرَة، وإذا رَجَعَ صلَّى بذي الحُليفة ببطنِ الوادي ،
وباتَ حتى يُصبح .
(١) (٨/٤) .
(٢) (١٥٣٤) .
(٣) في ((شرح البخاري)) له (٤١٦/١).
(٤) (١٥٣٣) .

٥٩٦
حديث : ٤٨٤
كتاب الصلاة
وخرَّج فيه - أيضًا(١) - من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنَّ
رسولَ اللّهِ وَله أناخَ بالبطحاء بذي الحُليفة فصلَّى بها، وكان عبد اللّه يفعل ذلك.
ومن طريق(٢) موسى بن عقبةَ ، قال : حدثني سالم بن عبد اللّه ، عن أبيه ،
عن النبي وَّل، أنه رئي وهو مُعَرِّسٌ (٣) بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له:
إنك ببطحاءَ مباركة . وقد أناخ بنا سالم يَتَوخَّى بالمُنَاخ الذي كان عبد اللّه يُنیخ
يتحرى مُعَرَّسَ النبيّ وَّر، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي ، بينه وبين
الطريق وسط من ذلك .
وقد خرَّجه مسلم(٤) مع حديث مالك الذي قبله ، وخرَّج حديث أَنَسِ بن
عِياضٍ بلفظ آخر .
فَظَهَر من هذه الأحاديث كلها : أن النبي ◌َِّ كان يَبِيتُ بالمُعَرَّسِ ، وهو
ببطحاء ذي الحليفة حتى يصبح، وأنَّ النبي وَّ كان يصلي هناك، وأنه كان
هناك مسجد قد بُني، ولم يكن في موضعٍ صلاة النبي ◌َّ ، بل كان قريبًا منه.
وفي حديث سالم : أن المسجد كان ببطن الوادي ، وفي حديث موسى بن
عُقْبة عن نافع - الطويل الذي خرَّجه البخاري هنا - ، أنه كان مبنيًّا بحجارة على
أَكَمَةِ ، وفي حديثه: أنه كان ثَمَّ خَليجٌ يُصلي عبد اللّه عنده ، في بطنه كُثُبٌ ،
كان النبي ◌َِّ ثَمَّ يصلي .
قال الخطابي(٥): الخليج : وادٍ له عُمق ، ينشق من آخرَ أعظمَ منه .
والكُثُب: جمع كَثِيبٍ ، وهو ما غَلُظَ وارتفع عن وَجْهِ الأرضِ .
(١) (١٥٣٢) .
(٢) (١٥٣٥).
(٣) المُعَرَّسُ: المكان ينزل فيه المسافر آخر الليل .
(٤) (٨/٤) .
(٥) (٤١٦/١) .

٥٩٧
٨٩ - بَابُ المساجد التي على طرق المدينة
كتاب الصلاة
وقوله : ((فَدَحَا السَّيْلُ فيه بالْبَطْحَاءِ حتَّى دَفَنَ ذلك المكانَ الذي كان عبدُ اللّه
يُصلِّي فیه)) .
قال الخطابي(١): معنى ((دَحَا السيل)): سوََّه بما حَمَلَ [من البطحاء].
والبطحاءُ : حجارةٌ ورملٌ .
وهذه الصلاة التي كان النبي وَ لّ يصلِّي في هذا الموضع قد جاء في رواية
أنها كانت صلاة الصبح إذا أصبح .
وقد خَرَّجه الإمامُ أحمد (٢) عن موسى بن قرة (٣)، عن موسى بن عُقْبة ، عن
نافع، أنَّ عبدَ اللَّهِ حدَّثْه، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّ كان يُعرِّس بها حتَّى يصلِّي صلاةَ
الصبح .
قال ابنُ عبد البر(٤) في كلامه على حديث مالك الذي ذكرناه من قبل : هذه
البطحاءُ المذكورةُ في هذا الحديث هي المعروفة عند أهلِ المدينة وغيرِهم
بالمعرَّس .
قال مالك في ((الموطٍ)): لا ينبغي لأحد أن يتجاوز المعرَّس إذا قَفَلَ حتى
يصلِّي فيه ، وأنَّه من مرَّ به في غيرِ وقت صلاة فليقم حتى تحلَّ الصلاة ثم يصلي
ما بدا له؛ لأنه بلغني أن رسولَ اللّهِ وَ ل﴿ عَرَّس به، وأن ابنَ عمر أناخَ به .
قال ابنُ عبدِ البر : واستحبَّ الشافعي ، ولم يأمر به .
وقال أبو حنيفة : من مرَّ بالمعرَّس من ذي الحُلَيْفَةِ فإنْ أَحَبَّ أن يعرِّس به
حتَّى يصلِّي فَعَل ، وليس ذلك عليه .
وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ: هو عندَنَا من المنازلِ التي نَزَلَها رسولُ اللَّهِ وَلّ في
(١) (١/ ٤١٧) .
(٢) (٢/ ٨٧) .
(٣) كذا وهو خطأ ، والصواب : ((موسى بن طارق أبو قرة)).
(٤) في ((التمهيد)) (١٥) ٢٤٣.

٥٩٨
حديث : ٤٨٤
كتاب الصلاة
طريقٍ مكةَ ، وبَلَغَنَا أنَّ ابنَ عمر كان يتبع آثاره ، فلذلك كان ينزل بالمعرَّس ، لا
أنه كان يراه واجبًا ولا سنَّة على الناس . قال ولو كان واجبًا أو سنة من سنن
الحج لكان سائرُ أصحابِ رسولِ اللَّهِ وَلِّ يقفون وينزلون ويصلُّون ، ولم يكن
ابن عمر ينفرد بذلك دونهم .
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزولُهُ وَلَّ بالمعرَّس كسائرٍ نزوله
بطريق مكةَ ؛ لأنه كان يصلِّي الفريضةَ حيث أمكنه ، والمعرَّسُ إنما كان يصلِّي
فيه نافلةً . قال : ولو كان المعرَّس كسائر المنازل ما أنكر ابنُ عمر على نافع
تأخره عنه .
وذكر حديث موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن ابن عمر سبقه إلى المعرَّس
فأبطأَ عليه ، فقال له : ما حَبَسَك ؟ فذكر عذرًا، قال : ما ظننتُ أنَّك أخذت
الطريق ولو فعلتَ لأوجعتُك ضربًا . انتهى .
وفي قوله : ((إنه صلَّى بالمعرَّس نافلةً)) نَظَرٌ، وقد قدَّمنا أنه إنما صلَّى به
الصبحَ لما أصبح .
وظاهرُ كلام أحمد : استحبابُ الصلاة بالمعرَّس ؛ فإنه قال في رواية
صالح(١): كان ابن عمر لا يمر بموضع صلى فيه النبي بَّ إلا صلى فيه، حتى
إنه صبَّ الماء في أصل شجرةٍ ، فكان ابن عمر يصبُّ الماءَ في أصلها (٢).
وإنما أَخْرَج أحمد ذلك مَخْرَج الاحتجاج به ؛ فإنه في أول هذه الرواية
استحبَّ ما كان ابن عمر يفعله مِنْ مسحٍ منبرِ النبي ◌ُّ ومقعده منه.
وقد تَبَيَّنَ بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع: أن النبي وَلّ كان
يَخْرج من المدينة إلى مكةَ في طريقٍ ويرجع في غيره ، كما كان يفعل ذلك في
العيدين ، وكما كان يدخل مكةً من أعلاها ويخرجُ من أسفلها .
(١) ((مسائله)) (٦١/٣ - ٦٢).
(٢) البيهقي (٢٤٥/٥) .
١

٥٩٩
٨٩ - بَابُ المساجد التي على طرق المدينة
كتاب الصلاة
وقد خرَّج البخاري في ((الحج))(١) من حديث ابنِ عمر، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَيه
كان يَخْرُجُ من طريق الشَّجَرَةَ ويدخل من طريق المعرّسِ .
وخرَّجه مسلم - أيضًا(٢) .
وهذا يدل على أن موضعَ الشجرة - وهو مسجد ذي الحُليفة - غير طريق
المعرَّس ، والذي كان يرجع منه .
وخرَّج البزار نحوه من حديث أبي هريرة .
ثم رجعنا إلى بقية حديث موسى بن عقبة عن نافع الذي خرَّجه البخاري هاهنا:
٤٨٥ - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّنَّهِ صَلَّى حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغِيرُ
الَّذِيِ دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ، وَقَدْ كَانَ عَبّدُ اللَّهِ يَعْلَمُ المَكَانَ الَّذِي
صَلَّى فِيهِ النَِّيَُّهُ، يَقُولُ: ثَمَّ عَنْ يَمِنِكَ حِينَ تَقُومُ في المَسْجِدِ تُصَلِّي ، وَذَلِكَ
المَسْجِدُ عَلَى حَافِ الطَّرِيقِ اليُمْنَى، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَسْجِد
الأكْبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرَ، أَوْ نَحْوُ ذَلكَ .
هذا هو المسجدُ الذي اختلف فيه سالم ونافع، كما ذكرناه في شرح الحديث
الأول .
وهذا الحديث : يدل على أن بالروحاءِ مسجدين : كبير وصغير ، فالكبير
بشَرَفِ الروحاءِ، ولم يصلِّ النبيِ وَّ عنده، إنما صلَّى موضع الصغير عن يمين
ذلك المسجد ، وأن بين المسجدين رميةً حجرٍ .
ثم رجعنا إلى بقية الحديث :
٤٨٦ - وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى العِرْقِ الَّذِي عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ،
(١) (١٥٣٣) .
(٢) (٨/ ٦٢) .

٦٠٠
حديث : ٤٨٥ - ٤٨٦
كتاب الصلاة
وَذَلِكَ العِرْقُ انْتِهَاءُ طَرَفِهِ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ ، دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ
المُنْصَرَفِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكََّ، وَقَدْ ابْنِيَ (١) ثَمَّ مَسْجِدٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ
يُصَلِّي فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ ، كَانَ يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ وَيُصَلِّي أَمَامَهُ إِلَى
العِرْقِ نَفْسِهِ ، وَكَانَ عَبّدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحَاءِ فَلاَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْنِيَ ذَلِكَ
المَكَانَ، فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ مَرَّبِهِ قَبْلَ الصُبْحِ بِسَاعَةِ أَوْ مِنْ
آخِرِ السَّحَرِ عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّي بِهَا الصُُّحَ .
قال الخطابي (٢): العِرْقُ: جُبَيْلٌ صغير .
ومُنْصَرَفُ الروحاءِ : المنصرَف - بفتح الراء - ، ويقال : إن بينه وبين بدر
أربعة بُرُدٍ ، والمسجد المبني هناك ، قيل : إنه في آخر وادي الروحاء مع طرف
الجبل على يَسارِ الذاهبِ إلى مكةَ . وقيل : إنه لم يبقَ منه منذ زمان إلا آثار
يسيرة ، وأنه كان يُعرف حينئذ بمسجد الغزالة .
وذكروا : أن عن يمين الطريق لمن كان بهذا المسجد وهو مستقبل النازية
موضعٌ كان ابن عمر ينزل فيه، ويقول: هذا منزلُ رسولِ اللَّهِ وَلَ، وكان ثَمَّ
شَجَرةٌ ، كان ابن عمر إذا نَزَلَ وتوضأً صَبَّ فضلَ وضوئه في أصلها ، ويقول :
هكذا رأيت رسول اللّه وَله يفعل.
والنازية : قال صاحب ((معجم البلدان)) : - بالزاي وتخفيف الياء - : عين
على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء ، وهي إلى المدينة أَقْرب .
ولم يصرِّح ابن عمر في صلاته إلى هذا العِرْق بأنه رأى النبيَّ نَّهِ صلَّى إليه،
ولكن محافظته على الصلاة في هذا المكان ذاهبًا وراجعًا وتعريسه به حتى يصلّي
به الصبح يدلُّ على أنه إنما فَعَلَ ذلك اقتداءً بصلاةِ النبيِّ وَِّ فِيهِ .
(١) في الأصول: ((ثم ابتنى))، والمثبت من ((اليونينية)).
(٢) في ((شرح البخاري)) (١/ ٤١٧).
١