النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ ٨٢ - بَابُ دخول المشرك المسجد كتاب الصلاة صَلاةِ المُسْلِمينَ ، إلى رَكُوعِهِم، وسُجُودِهم ، فقيل: يا رسولَ اللّهِ، أَتُنْزِلُهُمُ المسجدَ وَهُم مُشرِكُونَ ؟ قال : ((إنَّ الأرضَ لا تَنْجُسُ ، إنما يَنْجُسُ ابنُ آدمَ)). وكذلك سائر وفود العرب ونصارى نجران ، كلهم كانوا يدخلون المسجد إلى النبي ◌َّ﴿ ويجلسون فيه عنده . ولما قَدِمَ مشركو قريش في فِداء أُسارى بدرٍ كانوا يَبيتون في المسجد . وقد روى ذلك الشافعي بإسناد له . وقد خرَّج البخاري(١) حديث جُبير بن مُطْعِم - وكان ممن قَدِم في فداء الأُسارى -، أنه سَمِع النبيَّ بِّهِ يقرأُ في المغرب بالطُّورِ . قال : وكان ذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي . وخَرَّج البخاري فيما سبق في ((كتاب: العلم)) (٢) حديث دخولِ ضِمَام بن ثَعْلَبة المسجد ، وعقله بعيره فيه، وسؤاله النبي وَّ عن الإسلام، ثم أَسْلَمَ عقب ذلك . ورَوَى أبو داود في ((المراسيل))(٣) بإسناده، عن الزهري ، قال : أخبرني سعيد بن المسيّب ، أنَّ أبا سُفيانَ كانَ يَدْخُلُ المسجدَ بالمدينةِ وهو كافرٌ ، غيرَ أنَّ ذلكَ لا يَصْلُحُ في المسجدِ الحرامِ ؛ لِمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]. وقد اختلف أهلُ العلم في ذلك : فرَخَّصَ طائفةٌ منهم في دخولِ الكافرِ المسجد (٤)، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي ، وحُكي روايةً عن أحمد ، رجَّحها طائفةٌ من أصحابنا . (١) (٧٦٥) (٣٠٥٠) (٤٠٢٣) (٤٨٥٤) ومسلم (٤١/٢). (٢) (٦٣) . (٣) (١٨) . (٤) في ((ق)): ((في المسجد)). ٥٦٢ حديث : ٤٦٩ كتاب الصلاة قال أصحابُ الشافعي : وليس له أن يدخلَ المسجد إلا بإذن المسلم (١). ووَفَقَهُمْ طائفةٌ من أصحابِنا على ذلك . وقال بعضُهم : لا يجوز للمسلم(١) أن يأذنَ فيه إلا لمصلحة من سَمَاعٍ قرآن ، أو رجاءِ إسلام، أو إصلاحِ شيءٍ ونحو ذلك ، فأما لمجرد الأكلِ والُّبْثِ والاستراحة فلا . ومن أصحابنا : من أطلقَ الجوازَ ، ولم يقيده بإذن المسلم (١). وهذا كلُّه في مساجد الحِلِّ ، فأمَّا المسجدُ الحرام فلا يجوز للمسلمين الإذن في دخوله للكافر ، بل لا يمكَّن الكافر من دخول الحرم بالكلية عند الشافعي وأحمد وأصحابهما . واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وكان النبيّ وَّ أمر مناديًا يُنادي: ((لاَ ٠٬٠٠٠ يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ)(٢). وأجازه أبو حنيفة وأصحابُه . فأمَّا مسجدُ المدينة ، فالمشُهور عندنا وعند الشافعية أنَّ حُكْمَه حكم مساجد الحلِّ . ولأصحابِنَا وَجْهُ: أنه مُلْحَقٌ بالمسجد الحرامِ ؛ لأنَّ المدينة حَرَمٌ ، وحُكي عن ابن حامد ، وقاله القاضي أبو يعلى في بعض كتبه . وهذا بعيدٌ ؛ فإنَّ الأحاديثَ الدالة على الجواز إنما وردت في مسجد المدينة بخصوصِهِ ، فكيف يُمنع منه ويخص الجواز بغيره (٣)؟ وقالتْ طائفةٌ : لا يجوز تمكين الكافر من دخول المساجد بحال ، وهذا هو (١) في ((هـ)) و ((ك)): ((المسلمين)). (٢) البخاري (٣٦٩) ومسلم (١٠٦/٤) من حديث أبي هريرة . (٣) في ((هـ)) و((ك)): ((ويخص بالجواز غيره)). ٥٦٣ ٨٢ - بَابُ دخول المشرك المسجد كتاب الصلاة المروي عن الصحابة ، منهم : عمر ، وعلي ، وأبو موسى الأشعري ، وعن عمر بن عبد العزيز ، وهو قول مالك ، والمنصوص عن أحمد ، قال : لا يدخلون المسجد ولا ينبغي لهم أن يُدخِلُوهُمْ . واستدلوا بقولِ اللّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا $10 اسْمِهَ وَسَعَىْ فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّ خَائِفِينَ﴾ [البقرة: ١١٤]. وظاهره : يدل على أن الكفار لا يُمكنون من دخولِ المساجد ، فإنْ دخلوا أُخِيفُوا وعُوقِبوا ، فيكونون في حال دخولهم خائفين من عقوبة المسلمين لهم . وقد رُوي عن علي ، أنه كان على المنبر فَبَصُرَ بمجوسي ، فَنَزَلَ وضَرَبَه وأَخْرَجَهُ . خرَّجِه الأَثْرَمُ . وعلى هذا القول ، فأحاديث الرُّخْصَة قد تُحمل على أنَّ ذلك قبل النهي عنه، أو أنَّ ذلك كان جائزًا حيث كان يحتاج إلى تألّف قلوبهم ، وقد زال ذلك . وفرَّقَت طائفةٌ بين أهلِ الذِّمةِ وأهلِ الحربِ ، فقالوا : يجوزُ إدخالُ أهلِ الدِّمَّةِ دونَ أهلِ الحربِ ، ورُوي عن جابر بن عبد اللّه وقتادة . ورَوَى عبد الرزاق(١)، عن ابن جُرِيج: أخبرني أبو الزبير، أنه سَمِعَ جابرَ ابنَ عبدِ الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌّ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ [التوبة: ٢٨] قال: إلا أنْ يكونَ عَبْدًا أو أحدًا من أهل الذِّمَّة . وقد رُوي مرفوعًا من رواية شريك : ثنا أشعث بن سوّر ، عن الحسن ، عن جابر، عن النبي وَّ، قال: ((لا يدخلْ مسجدنا هذا مشرك بعد عامنا هذا، غير أهلِ الكتاب وخدمِهم» . (١) (٦/ ٥٣) . ٥٦٤ حديث : ٤٦٩ كتاب الصلاة خَرَّجه الإمامُ أحمد (١). وفي رواية له : ((غير أهل العهد وخدمهم)). وأشعث بن سوَّر ، ضعيفُ الحديث . وقد خصَّ بعضُ أصحابِنا حكايةَ الخلافِ المحكي عن أحمد في المسألة بأهل الذِّمة . (١) (٣٣٩/٣ - ٣٩٢) . ٥٦٥ ٨٣ - بَابُ رفع الصوت في المسجد كتاب الصلاة ٨٣ - بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي المَسْجِدِ خرَّج فیه حدیثین : الحديث الأول : موقوف : ٤٧٠ - ثَنَا عَلَيُّ بْنُ المَديني: ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيد القَطَّانُ: ثَنَا الجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيّقَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنٍ يَزِيدَ ، قَالَ : كُنْتُ قَائِمًا في المَسْجِد ، فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُّ الخَطَّابِ ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَننِي بِهَذَيْنِ. قَالَ: فَجِثْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا - وَمِنْ (١) أَيْنَ أَنْتُمَا؟ - قَالاَ: مِنْ أَهْلِ الطَّائِف. قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَان أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِد رَسُولَ اللَّه ◌َلُ ! إنما فرَّق عمر بين أهل المدينة وغيرها في هذا ؛ لأن أهل المدينة لا يَخْفَى عليهم حُرمةُ مسجدٍ رسول اللّه وَل وتعظيمه، بخلاف من لم يكن من أهلها ؛ فإنه قد يَخْفَى عليه مثلُ هذا القدر من احترام المسجد ، فعَفَى عنه بجهله. ولعلَّ البخاري يَرَى هذا القبيل من المسند - أعني: إذا أَخْبَرَ الصحابي عن شهرةٍ أمرٍ وتقريره، وأنه مما لا يخفى على أهل مدينة النبيِّ وَّر، وأن ذلك یکون کرفعه . ويشبه هذا : ما قال الفقهاءُ : إنَّ مَنْ ارتكب حدًا كالزنا ونحوه ممن نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام ، وادَّعى الجهل بتحريمه ، فإنه لا يُقام عليه ويُعذر بذلك ، بخلافٍ مَنْ نَشَأَ ببلاد الإسلام . وفيه : أن التنبيهَ في المسجد بالحَصْبِ بالحصى جائزٌ ، وقد كان ابنُ عمر إذا (١) في اليونينية: ((أو من)). ٥٦٦ حديث : ٤٧٠ كتاب الصلاة رَأَى من يُصَلِّي ولا يرفع يديه حَصَبَهَ بالحصى(١) (٢). وكذلك إذا رأَى مَنْ يتكلم والإمامُ يخطبُ . وفي هذه الرواية : ((كنت قائمًا في المسجد))، كذا هو في كثير من نسخ ((صحيح البخاري))، وقد خرَّجه البيهقي في ((سننه))(٣)، وقرأته بخطه من رواية أبي خليفة ، عن علي بن المديني ، وفيه: ((كنت نائمًا)) بالنون . وقد خرّجه الإسماعيليُّ في ((مسند عمر)) من طرق ، وعنده : أنه قال : ((كنت مضطجعًا)) وهذه صريحة في النوم ، ولم ينكر عليه عمر نومَه في المسجد. وخرَّجه الإسماعيلي - أيضًا - من رواية حاتم - هو : ابنُ إسماعيل - ، عن الجُعَيد، عن السائب - لم يذكر بينهما: ((يزيد بن خُصَيْفَةَ)) . وأشار إلى ترجيح هذه الرواية على رواية القطّان ، وفي قوله نظر (٤). والجُعَيد - ويقال : الجَعْد - بن عبد الرحمن بن أَوْس ، وينسب تارة إلى جدِّه. وقد وَقَعَ في بعضِ رواياتِ هذا الحديث تسميته: ((الجعد))، وفي بعضها تسميته: ((الجعد بن أوس))، وهو رجلٌ واحد ، فلا يتوهمنَّ غيرَ ذلك . وقد رُوي هذا عن عُمَرَ من وَجْهٍ آخر : خرَّجه الإسماعيلي في (مسند عمر)) من طريق عَبْدة ، عن عُبيد اللّه بن عمر، (١) في ((ق)): ((بالحصباء)). (٢) أخرجه الحميدي (٦١٥) والأثرم عن أحمد (كما في ((التمهيد)) ٢٢٤/٩) وعبد الله بن أحمد عن أبيه في (المسائل)) (ص ٧٠) والبخاري في ((رفع اليدين)) (١٤ - بتحقيقي) والدار قطني (٢٨٩/١) والخطيب في ((السابق واللاحق)) (ص ٥٩ - ٦٠) والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص ٤٣٣) وابن حزم في ((المحلى)) (٣٠٢/٣) والحاكم في ((المعرفة)) (ص ٢١٨). وحكى ابن هانئ عن أحمد (١ / ٥٠) أنه مرسل . (٣) (٤٤٧/٢) . (٤) قال الحافظ (١/ ٥٦١): ((والجعيد صح سماعه من السائب كما تقدم في ((الطهارة))، فليس هذا الاختلاف قادحًا)) . ٥٦٧ ٨٣ - بَابُ رفع الصوت في المسجد كتاب الصلاة عن نافع، أن رجلاً من ثَقيف أخبره ، أن عُمَرَ بنَ الخطاب سَمِعَ ضَحِكَ رجلٍ في المسجد ، فأرسل إليه ، فدعاه ، فقال : ممن أنت ؟ فقال : أنا رجل من أهل الطائف ، فقال : أما إنك لو كنت من أهل البلد لنكَّلْتُ بك ، إن مسجدنا هذا لا يُرفع فيه الصوتُ (١) . وقد رُوي في حديث واثلة المرفوع : ((جنّبُوا مَسَاجدَكُم خصوماتكم ورفعَ أصواتكم)) . خرَّجه ابن ماجه (٢) بإسنادٍ ضعيف جداً . ورُوي عن ابنِ مسعودٍ ، أنه كان يَكْرِه أن تُرفع الأصواتُ في المسجد . وقد سَبَقَ . ورفعُ الأصوات في المسجد على وجهين : أحدهما : أن يكون بذكر اللّه وقراءة القرآن والمواعظ وتعليم العلم وتعلمه، فما كان من ذلك لحاجة عموم أهل المسجد إليه ، مثل الأذان والإقامة وقراءة الإمام في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ، فهذا كله حسنٌ مأمور به . وقد كان النبي وَلّ إذا خطب علا صوتُه واشتد غضبه كأنه منذرُ جيش ، يقول: ((صَبَّحَكُمْ ومَسَّاكُمْ))(٣)، وكان إذا قَرأَ في الصلاة بالناس تُسمع قراءته خارج المسجد ، وكان بِلالٌ يؤذن بَيْنَ يَدِيْهِ ويقيمُ في يوم الجمعة في المسجد . وقد كَرِهَ بعضُ علماء المالكية في مسجد المدينة خاصة لمن بَعْدَ النبي وَّ أن يزيد في رفع صوته في الخطب والمواعظ على حاجة إسماع الحاضرين ، تأدبًا مع النبي وَّ؛ لأنه وَُّل حاضر يسمع ذلك، فيلزم التأدب معه، كما لو كان حيًا . (١) وأخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨) من طريق ابن عجلان وعبد القدوس بن حبيب ، عن نافع، به . قال ابن حجر (١/ ٥٦١): ((فيه انقطاع؛ لأن نافعًا لم يدرك ذلك الزمان)). (٢) (٧٥٠) . (٣) مسلم (١١/٣) والنسائي (١٨٨/٣) وابن ماجه (٤٥). ٥٦٨ حديث : ٤٧٠ كتاب الصلاة وما لا حاجة إلى الجهر فيه ، فإن كان فيه أَذَّى لغيره ممن يَشْتَغِلُ بالطاعات كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته ، حتى يُغلِّط من يقرأ إلى جانبه أن يصلي ، فإنه منھيّ عنه . وقد خَرَجَ النبي ◌ِّ ليلة على أصحابه وهم يصلُّون في المسجد ويجهرون بالقراءة ، فقال : ((كلكم يناجي ربَّه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن)) . وفي رواية : ((فلا يُؤْذِ بعضكم بعضًا ، ولا يرفعْ بعضكم على بعضٍ في القراءة)) . خرَّجه الإمامُ أحمد وأبو داود والنسائي(١) من حديث أبي سعيد . وكذلك رَفْع الصوت بالعلم زائدًا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء ، وقد سبق ذكرُهُ مستوفّى في أوائل ((كتاب: العلم)) في ((باب: رفع الصوت بالعلم))(٢). الوجه الثاني : رفع الصوت بالاختصام ونحوه من أمور الدنيا ، فهذا هو الذي نهى عنه عمر وغيره من الصحابة . ويشبهه : إنشادُ الضَّالَّة في المسجد ، وفي ((صحيح مسلم))(٣)، عن النبي وَخلّ كراهته والزجر عنه ، من رواية أبي هريرة وبُريدة. وأشد منه كراهةً : رفع الصوت بالخصامِ بالباطل في أمور الدين ؛ فإن اللّه ذمَّ الجدالَ في اللّهِ بغير علم ، والجدالَ بالباطل ، فإذا وقع ذلك في المسجد ورفعت الأصواتُ به تضاعف قبحُهُ وتحريمُه . وقد كَرِهَ مالكٌ رفعَ الصوتِ في المسجد بالعلم وغيره . ورخَّص أبو حنيفة ومحمدُ بنُ مسلمة من أصحاب مالك في رفع الصوت في (١) أحمد (٩٤/٣) وأبو داود (١٣٣٢) والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٤٩٥/٣) . (٢) باب رقم (٣) . (٣) (٢/ ٨٢) . ٥٦٩ ٨٣ - بَابُ رفع الصوت في المسجد كتاب الصلاة المسجد بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس ؛ لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه . وهذا مبني على جواز القضاء في المساجد . وقد سبق ذكره . الحديث الثاني : قال البخاري : ٤٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ: ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ نَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدِ دَيْنَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي المَسْجِدِ ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَتُهُمَا حَتّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِوَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِلُ حَتَّى كَشَفَ سجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالك، فَقَالَ: ((يَا كَعْبُ)) قَالَ : لَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَأَشَارَ بَيَدِه أَنْ ((ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ)). قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ: ((قُمْ فَاقْضِهِ» . البخاري يروي في ((كتابه)) هذا عن ((أحمدَ)) - غير منسوب - ، عن ابن وهب ، وقد اختلف فيه : فقيل : هو : ابن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي ابن وهب - : قاله أبو أحمد الحاكم وغيرُه . وأَنْكَرَ آخرون أن يكون يروي عن [ابن أخي] ابن وهب (١) هذا شيئًا في ((كتابه))؛ فإنه قد كَثُر الطعنُ عليه . قالوا : ويحتملُ أنَّه أحمد بن صالح المصري الحافظ ، أو أحمد بن عيسى التُّستري ؛ فإنه روى عنهما صريحًا في مواضع . والله أعلم (٢). (١) في ((ق)): ((عن وهب)) وفي ((ك)) و((هـ)): ((عن ابن وهب))، والصواب ما أثبته. (٢) ذكر ابن حجر أنه في رواية أبي علي الشبوي عن الفربري: ((حدثنا أحمد بن صالح)). ٥٧٠ حديث : ٤٧١ كتاب الصلاة ويستدلُّ بهذا الحديث من يُجيز رفعَ الأصوات بالخُصومات في المساجد عند الحُكَّامِ وغيرِهم؛ فإِنَّ النبيَّ ◌َّ لم ينكر ذلك عليهما، إنما أصلح بينهما، وأَمَرَ صاحبَ الحقِّ بأنْ يضعَ شيئًا منه، ثم أَمَرَ المدينَ بالقضاءِ لما بَقِيَ عليه ، وهذا إصلاحٌ . ومن كَرِهَ ذلك أجاب: بأنَّ ما وَقَعَ من النبيِ وَّرِ هو قَطْعٌ لما وَقَعَ بينهما من التشاجرِ ، ورفع الأصوات في المسجد ، فهو في معنى الإنكار ؛ لأن المقصودَ من الإنكار إزالةُ ما يُنكر، وقد حَصَلَ بذلك، لا سيما والنبيَّ وَّ إنما خَرَجَ من بيته لسماع أصواتهما المرتفعة ، فدل على أنه قصد إزالةَ ذلك ، ومنعهما منه ، فأزالَ ذلك وأزالَ المشاجرة بينهما ، وأصْلَحَ ذاتٍ بينهما ، وأَمَرَ كلَّ واحد منهما بالإحسانِ إلى صاحبه برفقٍ ورَافةٍ من غيرِ عُنْفٍ . ولعلَّ هذين كانا غيرَ عالمين بكراهة رفع الصوت في المسجد ، فلهذا أزالَ ما وَقَعَ منهما من المكروه برفقٍ ورأفةٍ وَّ تسليمًا كثيرًا. ٥٧١ ٨٤ - بابُ الحلق والجلوس في المسجد كتاب الصلاة ٨٤ -باب الحِلَقِ وَالْجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ خرَّج فيه ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : ٤٧٢ - من رواية: عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ◌َ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرَ: مَا تَرَى فِي صَلَةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: ((مَثْنَى مَثْنَى ، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى))، وَأَنَّهَ كَانَ يَقُولُ : اجْعَلُوا آَخِرَ صَلاَئِكُمْ بَاللَّيْلِ وِتْرًا؛ فَإِنَّالنَِّّ ◌َ أَمَرَ بِهِ . الضميرُ في: (أَنَّه كَانَ يَقولُ» يعود إلى ابن عمر - رضي اللّه عنهما . والحديث الثاني : ٤٧٣ - من رواية: أُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَِّيِّ ﴿ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيّفَ صَلَةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: ((مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ) . ثم قال : وَقَالَ الوَليدُ بْنُ كَثِير : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّه بْنُ عَبْد اللَّه، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ رَجُلاً نَادَى النَّبِيَّ ◌َهُوَهُوَّ فِي المَسْجِدِ . وإنما ذَكَرَ رواية الوليد بن كَثِير تعليقًا - وقد خرَّجها مسلمٌ في ((صحيحه)(١) مسندةً - ؛ لأن فيما التصريحَ بأنَّ ذلك كان في المسجد . وفي الروايتين اللتين أسندهما البخاري أنه وَ لّه كان يخطب، وكان أكثر خطبه على المنبر في المسجد ، إلا خطبه في العيدين وفي موسم الحَجِّ ونحو ذلك . (١) (١٧٣/٢) . ٥٧٢ حديث : ٤٧٢ - ٤٧٤ كتاب الصلاة وإنما أَدْخَلَ البخاريُّ هذا الحديث في هذا الباب؛ لأنَّ النبي ◌َِّ كان إذا خَطَبَ على المنبرِ جَلَسَ الناسُ حوله ، واستقبلوه بوجوههم . وقد خرَّج البخاريُّ في ((كتاب : الجمعة)) (١) حديث أبي سعيد ، قال: جَلَسَ النبيُّ ◌َّمِ ذاتَ يومٍ على المنبرِ وجَلَسْنَا حَوْلَه . فكانتْ خطبه على المنبر مثل حِلَقِ الذكر والعلم ، وكان يُسأل في حال الخطبة عن مسائل من الدِّينِ، ويجيبُ عنها، وقد سَبَقَ ذكرُ ذلك في أول ((كتاب: العلم))، وفي آخره - أيضًا - في ((باب: ذكر العلم والفُتْيَا في المسجد))(٢). الحديث الثالث : ٤٧٤ - من رواية: مَالك، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةً مَوْلَى عَقِيلٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي وَقِدِ اللَِّيِّ، قَالَ: بَيْثَمَا رَسُولُ اللَّهِ وَّ فِي المِسْجِدِ، فَأَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرَ ، فَأَقْبَلَ اثْنَان إِلَى رَسُول اللَّهِ بِّهِ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلَقَةِ فَجَلَسَ ، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، [ وَأَمَّ الآخَرُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا](٣)، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ قَالَ: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّ أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَاوَهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وأَمَّ الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ) . وقد سَبَقَ في ((كتاب: العلم))، واستوفينا الكلامَ عليه هناك بما فيه كفايةٌ - إن شاء الله تعالى . (١) (٩٢١) . (٢) باب (٥٢) . (٣) ليس ما بين المعقوقين في ((اليونينية)) في هذا الموضع ، وإنما هو في الرواية المتقدمة في ((كتاب العلم)) برقم (٦٦). ٥٧٣ ٨٥ - بابُ الاستلقاء في المسجد كتاب الصلاة ٨٥ - بَابُ الاسْتِلِقَاءِ فِي المَسْجِدِ ٤٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِك، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَ مُسْتَلْقِيًا فِي المَسْجِدِ ، وَضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْه عَلَى الأُخْرَى . وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَاَنِ ذَلكَ . هذا الحديث رواه أكابرُ أصحابِ الزهري(١)، عنه، عن عَبَّاد، عن عَمِّه . وخالفهم عبدُ العزيز بنُ المَاجِشون ، فرواه عن الزهري : حدثني محمود بن لَبيد، عن عبَّادَ(٢). فزاد في إسناده : ((محمود بن لَبيد)»، وهو وَهم - : قاله مسلمُ بن الحجّاجِ، وأبو بكر الخطيب وغيرهما . وعمّ عبَّاد بن تميم ، هو : عبدُ اللّه بن زَيْد بن عَاصِمِ المازني ، صاحبُ حديثِ الوضوءِ . والاستلقاءُ في المسجد جائزٌ على أي وَجْهِ كان، ما لَمْ يَكُن مُنْبَطِحًا على وجهه؛ فإنه يُروى عن النبي وََّ أنه نَهَى عن ذلك، وقال: ((إنها ضجْعة يبغضُها اللَّهُ عز وجل)) (٣). وقد ذكرنا إسناده في ((باب: النوم في المسجد))(٤). (١) منهم : مالك وابن عيينة وإبراهيم بن سعد ومعمر ويونس وغيرهم . راجع: ((المسند الجامع)) (٢٩٨/٨). (٢) أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢٠٤/٩). (٣) أخرجه أحمد (٤٢٩/٣ - ٤٣٠) (٤٢٦/٥ - ٤٢٧) وأبو داود (٥٠٤٠) والنسائي في «الكبرى» وابن ماجه (٣٧٢٣) وابن حبان (٥٥٥٠). (٤) رقم (٥٨) . ٥٧٤ حديث : ٤٧٥ كتاب الصلاة وقد ذَكَرَ الزهري ، عن ابن المسيّب ، عن عمر وعثمان ، أنهما كانا يفعلان ذلك . وأما الاستلقاء على هذا الوجه ، وهو وضعُ إحدى الرجلين على الأُخرى في المسجد وغيره فقد اختلف فيه : فروُي كراهته والتغليظُ فيه عن كَعْبٍ بن عُجْرة ، وأبي سعيد ، وقَتَادة بن النعمان ، وسعيد بن جُبير . وقد رُوي النهي عنه مرفوعًا. خرَّجه مسلمٌ (١) من حديث أبي الزبير ، عن جابر، عن النبي وَلّ. ويُروى - أيضًا - من حديث ابن مسعودٍ وأبي هريرةَ وأخي أبي سعيد - وهو : قَتَادة بن النعمان(٢) . وأمَّا أكثرُ العلماء ، فرخَّصوا فيه . وممن رُوي أنه كان يفعله : عمر ، وعثمان ، وابن مسعود ، ونصَّ أحمد على جوازه . واختلفوا في أحاديث النهي : فمنهم من قال: هي منسوخة بحديث الرخصة ، ورجَّحه الطحاويُّ وغيرُه. ومنهم من قال : هي محمولة على من كان بَيْنَ الناسِ فَيَخافُ أن تنكشفَ عورتُه ، أو لم يكن عليه سراويلُ ، رُوي ذلك عن الحسنِ . ورُوي عنه ، أنه قال فيمن كَرِهَ ذلك : ما أخذوا ذلك إلا عن اليهود . خرَّجه الطحاوي(٣). (١) (٦ / ١٥٤) . (٢) انظر: ((المعجم الكبير)) للطبراني (١٣/١٩) و((الأسماء والصفات)) للبيهقي (ص ٣٥٥) و((السلسلة الضعيفة)) (٧٧٥) . (٣) (٢٧٩/٤) من ((شرح المعاني)). ووقع في ((ك)) و((هـ)): ((الطبراني)) خطأ. وروى ابن أبي شيبة (٢٢٨/٥ - الثقافية) نحوه من وجه آخر عن الحسن . ٥٧٥ ٨٥ - بابُ الاستلقاء في المسجد كتاب الصلاة ورَوَى عبدُ الرزاق في ((كتابه)»(١) عن معمرٍ ، عن الزهري ، قال : أخبرني ابنُ المسيب ، قال : كان ذلك من عمر وعثمان ما لا يُحصى منهما. قال الزهري: وجاء الناس بأمرٍ عظيم . وقال الحكم : سُئِل أبو مِجْلَزَ عنِ الرجلِ يضع إحدى رجليه على الأخرى ؟ فقال : لا بأس به ، إنما هذا شيءٌ قاله اليهود : إنَّ اللّه لما خَلَقَ السموات والأرضَ استراحَ ، فجَلَسَ هذه الجِلْسة، فأنزل اللَّهُ عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لَّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. خرَّجه أبو جعفر ابن أبي شيبة في ((تاريخ))(٢). وقد ذَكَرَ غيرُ واحدٍ من التابعين : أنَّ هذه الآية نزلتْ بسببِ قولِ اليهود : إِنَّ اللّه خَلَقَ السمواتِ والأرضَ في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع ، منهم : عِكْرمة وقَتَادة . / فهذا كلامُ أئمة السلف في إنكار ذلك ونسبته إلى اليهود ، وهذا يدلُّ على أنَّ الحديث المرفوع المروي في ذلك لا أصل لرفعِهِ ، وإنما هو متلقّى عن اليهود ، ومَنْ قال : إنَّه على شرط الشيخين فقد أخطأ . وهو من رواية محمد بن فُليح بن سليمان ، عن أبيه ، عن سعيد بن الحارث، عن عُبيدِ بنِ حُنين: سَمِعَ قَتَادَةَ بنَ النعمان يحدثه، عن النبيِ وَلَه - بمعنى قول أبي مِجْلَز. وفي آخره : وقال عَزَّ وَجَلَّ: ((إنها لا تصلح لبشر)) . وعُبيد بنُ حُنين ، قيل : إنه لم يسمع من قَتَادة بن النعمان - : قاله (٣) البيهقي . (١) (١١/ ١٦٧) . (٢) وكذا أبو بكر بن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٢٨/٥). (٣) ((الأسماء والصفات)) (ص ٣٥٦). ٥٧٦ حديث : ٤٧٥ كتاب الصلاة وفُلِيحٌ ، وإن خرَّج له البخاري فقد سَبَقَ كلام أئمة الحفاظ في تضعيفه ، وكان يحيى بن سعيد يقشعِرُّ من أحاديثه ، وقال أبو زُرْعَة - فيما رواه عنه سعيد البرذعي(١) - : فُلِيحٌ واهي الحديث ، وابنه محمد واهي الحديث . ولو كان النبي وَله يروي عن ربِّه أنه قال: ((إنها لا تصلح لبشر)) لم يفعله رسول اللّه وَ ◌ّل، ولو كان قد انتسخ فِعْله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلمُ أصحابِه به ، وأتبعهم لهديه وسنته . وقد رُوي عن قتادة بن النعمان من وَجْهِ آخر منقطعٍ ، من روايةِ سالمٍ أبي النضر، عن قتادة بن النعمان - ولم يدركه - ، أنه رَوَى عن النبي ◌َّ، أنه نَھَی عن ذلك . خرَّجه الإمام أحمد(٢) . وهذا محتمل ، كما رواه عنه جابر وغيرُه . فأما هذه الطَّامة ، فلا تحتمل أصلاً . وقد قيل : إن هذا مما اشتبه على بعضِ الرواةِ فيه ما قاله بعضُ اليهود ، فظنه مرفوعًا فرفعه ، وقد وَفَعَ مثل هذا لغير واحد من متقدمي الرواة ، وأُنكر ذلك عليهم، وأنكر الزبير على من سمعه يحدث عن النبي ◌َّ- ، وقال: إنَّما حكاه النبي ◌َّلّ عن بعض أهل الكتاب . فرَوَى مسلمُ بنُ الحجاج في ((كتاب التفصيل)) والبيهقي في ((المدخل))(٣). من رواية ابن أبي الزِّناد ، عن هشام بن عُروة ، عن عبدِ الله بن عُروة ، عن عُروة ، أن الزبير سَمِع رجلاً يحدث حديثًا عن النبي بَّرَ، فاستمعَ الزبيرُ له، حتَّى إذا قَضَى الرجلُ حديثَه قال له الزبير: أنت سمعتَ هذا من رسول اللّهِ وَّ؟ قال (١) (٢ / ٢٥ ]) . (٢) (٤٢/٣) . (٣) و((الأسماء والصفات)) (ص ٣٥٧). ٥٧٧ ٨٥ - بابُ الاستلقاء في المسجد كتاب الصلاة الرجل : نعم . فقال الزبير : هذا وأشباهه مما يمنعنا أن نحدثَ عن رسول الله وَلَّ، قد - لعمري - سمعتُ هذا من رسول اللّه ◌َ له وأنا يومئذ حاضر، ولكنَّ رسول اللّه وَ ل ابتدأ هذا الحديث، فحدثناه عن رجلٍ من أهل الكتاب حدَّثَه إياه، فجئتَ أنت بعد أن تَقَضَّى صدرُ الحديث وذِكْرُ الرجل الذي من أهل الكتاب ، فظننت أنه من حديثِ رسولِ اللّه وَل . ورَوَى مسلمٌ - أيضًا - في ((كتاب التفصيل)) (١) بإسناد صحيح ، عن بُكِيْرِ بنِ الأَشَج ، قال : قال لنا بُسْر بنُ سعيد: أيها الناسُ ، اتقوا اللَّهَ، وتَحَفَّظُوا في الحديث، فوالله لقد رأيتُنَا نجالس أبا هريرة، فيحدثنا عن رسول اللَّه وَالر، ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم ، فأسمع بعضَ مَنْ كان معنا يجعلُ حديثَ رسول اللّه وَّ عن كعب، ويجعل حديث كعبٍ عن رسولِ اللَّهِ وَله. ولو ذكرنا الأحاديث المرفوعة التي أُعِلَّتْ بأنها موقوفة: إمَّا على عبد الله بن سلام ، أو على كعب ، واشتبهت على بعض الرواة فرفعها ، لطالَ الأمرُ . (١) وكذا في ((التمييز)) (ص ١٧٥) . . ٥٧٨ حديث : ٤٧٦ كتاب الصلاة ٨٦ -بابُ المَسْجِدِ يَكُونُ في الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ لِلنَّاسِ فِيهِ وَبَهَ قَالَ الحَسَنُ وَأَيُوبُ ومَالِكٌ. ٤٧٦ - حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ بُكَيْرِ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةٌ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجُ النَِّّوَ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّ وَهُمَا يَدِينَانَ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّيَأتِنَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِوَ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَاَ لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدً بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَيَعْجَبُونَ مِنْهُ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ رَجُلاً بَكَّاءٌ، لاَ يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ . هذه قطعةٌ من حديث الهجرة الطويل ، وقد خرّجه بتمامه في ((باب: الهجرة)»(١). والمقصود منه ها هنا : أن أبا بكر - رضي الله عنه - ابتنى مسجدًا بفناء داره بمكةَ، والنبيُّ ◌َّه بمكة، وكان يأتي بيتَ أبي بكر كلَّ يومٍ مرتين بكرةً وعشية ، ولم ينكر النبيّ وَّ ذلك على أبي بكر ، ولم يُغيِّرُهُ، فدل على جوازِ بناءِ المسجدِ في الطريق الواسعِ إذا لم يضر بالناس . وقد حكَى البخاريُّ جوازَه عن الحسنِ وأيوبَ ومالكِ ، وهو - أيضًا - قول أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد - في رواية عنه - ، وأبي خيثمة ، وسُليمان بن داود الهاشمي . واختلفوا : هل يجوزُ ذلك بدون إذنِ الإمامِ ، أم لا يجوزُ بدون إذنه ؟ على قولين : (١) برقم (٣٩٠٥) (٦٠٧٩). ٥٧٩ ٨٦ - بابُ المسجد يكون في الطريق من غير ضرر کتاب الصلاة أحدهما : أنَّ إذنَه معتبرٌ لذلك ، وهو قولُ الثوري وروايةٌ عن أحمد ، وحُكي عن ابن مسعود وقَتَادةَ ما يدلُّ عليه ؛ لأن نَفْعَ الطريقِ حقٌّ مشتركٌ بَيْنَ المسلمينَ ، فلا يجوزُ تخصيصُهُ بجهةِ خاصَّةٍ بدون إذن الإمامِ كقسمة الأموالِ المشتركة بين المسلمين . والثاني : لا يُعتبر إذنُ الإمام ، وهو المحكيُّ عن الحسنِ وأيوبَ وأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم ممن جَوََّه ، وهو روايةٌ عن أحمد - أيضًا - ؛ لأن الطريقَ إذا كان متَّسعًا لا يضرُّ بالمارة بناءُ مسجد فيه ، فحقُّ الناس في المرورِ فيه المحتاج إليه باقٍ لم يتغير ، بخلاف قسمة أموالٍ بيتِ المال ؛ فإنَّ مصارفَها كثيرةٌ جدًا ، فيرجع فيها إلى اختيار الإمام . وعن أحمد رواية ثالثة : أنه لا يجوز بناءُ المساجد في الطريق بحالٍ ، بل تُهدم ولا يُصلى فيها . فمِنْ أصحابِنا مَنْ حكَاها مطلقةً ، ومنهم مَنْ خصَّها بما إذا لم يأذنْ فيها الإمامُ ، وهذا أقربُ . وأجاز الجُوزجَاني بناءَ المساجدِ في الطريق ، بشرطِ أن يبقى من الطريق بعدَ المسجد سبعةُ أذرع . ونُسب ذلك إلى أحمد ، ولا يصحّ ذلك عن أحمد . وقول النبي ◌َّه: ((إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سَبْعَةَ أَذْرُع))(١)، معناه - عند أحمد وأصحابِه - : إذا أرادوا أن يُحْدِثُوا طَريقًا في أرضٍ مَوَات أو مملوكة ، وليس معناه - عندهم - أنه يجوزُ البناءُ في الطريق الواسع حتى يَبْقَى منه سَبْعَةُ أَذْرُعِ ، كما قاله الجوزجاني . (١) أخرجه أحمد (٢٣٥/١) وابن ماجه (٢٣٣٩) من حديث ابن عباس بهذا اللفظ . وهو في البخاري (٢٤٧٣) ومسلم (٥٩/٥) من حديث أبي هريرة بنحوه . ٥٨٠ ٨٧ - بابُ الصلاة في مسجد السوق % كتاب الصلاة ٨٧ -بابُ الصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ ٠٠ وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ الْبَابُ. قد سَبَقَ ذِكْرُ مساجدِ البيوتِ والصلاة فيها ، وما ذَكَرَه البخاريُّ هناك أنَّ البَرَاءَ ابنَ عَازِبٍ صلَّى في مسجدٍ بيتهِ جماعة ، وذكرنا قولَ أحمد ، أنه لا يحصلُ بالصلاة فيها فضيلةُ الصلاة في المسجد ، إلا أنْ يكونَ يُؤَذَّنُ فيه ويُقام ، كأنه يشيرُ إلى أن يكونَ في حالِ الصلاة غير ممنوع ، وأن إسحاقَ قال : لا يحصل بالصلاة فيه جماعةً فضلُ الجماعة في المسجد ، إلا أن يكون له عُذْرٌ . وَمَا حَكَاه البخاريُّ هنا عن ابنِ عَوْن ، ظاهرُهُ : يدلُّ على حُصولِ فضلٍ الجماعةِ في المسجد بذلك ، وإن كان مغلقًا ، وهو قياسُ قولٍ من أَجَازَ الاعتكاف فيه (١)، كما سَبَقَ ذِكْرُهُ، ويحتمل أن يكونَ ابنُ عون لا يَرَى حضورَ المساجدِ في الجماعة واجبًا ، أو أنَّه كان لهم عُذْرٌ . واللهُ أعلمُ . وأمَّا مساجدُ الأسواقِ ، إذا كانت مُسَبَّلَةً، فحكمُها حكم سائِرِ المساجدِ المُسبَّلَةَ . وقد كَرِهَ طلحة اليامي الصلاةَ في مساجدِ السوق . خَرَّجْه حَرْبٌ الكرماني من رواية ليث ، عنه . وكأنه يشيرُ إلى أنَّه إنما يُستحبُّ الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجمَّع فيه. وقد وَرَدَ التصريح بفضلِ الصلاة في مسجدِ الجامع على الصلاة في مساجد القبائلِ التي لا يُجَمَّعُ فيها . خَرَّجه ابنُ ماجه (٢): ثنا هِشَامُ بنُ عَمَّارٍ : ثنا أبُو الخَطَّبِ الدِّمَشْغِيُّ: ثنا (١) في ((ك)) و((هـ)): ((في ذلك)). (٢) (١٤١٣) . ١