النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ ٧٨ - بابُ إدخال البعير في المسجد للعلة كتاب الصلاة ٧٨ -بابُ إِذْخَالِ الْبَعِيرِ فِي الْمَسْجِد للعلَّةُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَافَ النَِّيُّ ◌َ﴿ عَلَى بَعِيرِ. ٤٦٤ - حدثنا عَبْدُاللَّه بْنُ يُوسُفَ: أبنا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ ابْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْئَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رِسُولِ اللّهِ بَّهِ أَنِّي أَشْتَكِي. قَال: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ))، فَطُقْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بالطُّورِ وَكِتَابٍ سَسْطُورٍ . حديث ابن عباس في طواف النبي وَ ◌ّ على بعير، قد خَرّجه البخاري في ((كتاب: الحج))(١) مع حديث أم سلمة هذا في ((باب: طواف المريض راكبًا)). وبَوَّب على الحديثين ها هنا : ((إدخال البعير في المسجد للعلة)) - يعني : لحاجة إلى إدخاله ، مثل أن يطوف عليه في مرضه . وقد جاء في رواية أخرى في هذا الحديث: أن النبي وَّهِ أَمَرَ أمَّ سلمة أن تطوف على بعيرها . وإدخال ما يُؤكل لحمه من الحيوانات إلى المساجد ينبني على حكم بولها وروثها : فمن قال : إنه طاهرٌ أجازه ، ولم يكرهه للحاجة إليه . وقد استدلَّ أصحابنا وأصحابُ مالك بهذه الأحاديث على طهارةِ بولِ ما يُؤكل لحمُهُ، وقالوا : لو كان بولُ البعيرِ نَجِسًا لم يُدْخل المسجد . وقد خَرَّج البخاري في ((كتاب: العلم))(٢) حديثَ قُدُومٍ ضِمَام بن ثَعْلبة (١) (١٦٣٢) (١٦٣٣) . (٢) (٦٣) . ٥٤٢ حديث : ٤٦٤ كتاب الصلاة ودخوله المسجد وعقله بعيره فيه، والنبي بَّ متكئ في المسجد . ومن قال : إنه نجسٌ كَرِهَ دخولها ، وقد صَرَّح به أصحاب الشافعي ، وقالوا: إنما طَافَ النبيُّ ◌َ لِّ على بعيره لبيان الجواز. وهذا مردود بأمره أم سلمة بالطواف راكبةً ، وبإقراره ضِمامًا على عَقْلِ بعيرِهِ في المسجد . وأما ما لا يُؤكل لحمُهُ من الحيوانات ، فيُكْرِه إدخالُه المسجد بغير خلاف ، وقد نَصَّ عليه مالك في الكلاب وجوارح الطير ، ورَخَّص أحمد في غلق المساجد ؛ لئلاً تدخلها الكلاب . وقد رُوي عن عمر ، أنه نَهَى عن الطواف بالبيت راكبًا على فَرَسٍ ونَحْوِها . فرَوَى سفيان ، عن عمرِو بْنِ دِينار ، قال : طَافَ رجلٌ بالبيت على فرس ، فمنعوه ، فقال : أتمنعوني ؟ فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب ، فكتب عمر: أَن امنعوه . وإنما مَنَعَ عُمَرُ من ذلك مبالغة في صيانة المسجد ؛ ولئلاً يؤذي الراكبُ الماشين في الطواف . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ١ ٥٤٣٠ ٧٩ - بَابٌ كتاب الصلاة ٧٩ - بَابٌ ٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ: ثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ : ثَنَا أَنَسٌ، أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌َ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيّ ◌َِّ فِي لَيْلَة مُظْلِمَةٍ ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضَيْئَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَحدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ . وخَرَّج في ((المناقب)) (١) من رواية همَّم: ثنا قَتَادة ، عن أنسٍ ، أن رجلين خرجا من عند النبي وَ لّ في ليلة مظلمة، فإذا نُورٌ بين أيديهما، حتَّى تفرقا فتفرق النور معهما . قال البخاري : وقال مَعْمرٌ ، عن ثابت ، عن أنسٍ ، أن أُسَيَد بن حُضَير ورجلاً من الأنصار . وقال حمَّد : أبنا ثابتٌ ، عن أنس : كان أُسَيَد بن حُضَير وعَبَّاد بن بِشر عند النبي وَّر . وهاتان الروايتانِ المُعَلَّقَتَانِ ليستا على شرطه ؛ لأن روايات معمر عن ثابت رديئة - : قاله ابنُ معين وابنُ المديني وغيرهما ؛ فلذلك لا يُخرِّج البخاري منها شيئًا، وحمَّد بن سَلَمَةَ لم يخرِّج له شيئًا استقلالاً. وفي رواية حماد بن سلمة: أنهما كانا عند النبي ◌َّ وتحدثا عنده في ليلةٍ ظلماء حنْدِس(٢)، ثم خَرَجاً من عنده(٣). 1 فيحتمل أنهما كانا عنده في المسجد ، وأنهما كانا عنده في بيته : فإن كان اجتماعهما به في المسجد فإنه يُستفاد من الحديث أن المشي إلى المساجد والرجوع منها في الليالي المظلمة ثوابه النُّورُ من اللَّهِ عز وجل ، وذلك (١) (٣٨٠٥) . (٢) أي : شديدة الظلمة . (٣) هي عند أحمد (٢٧٢/٣) والحاكم (٢٨٨/٣). ٥٤٤ حديث : ٤٦٥ كتاب الصلاة يظهر في الآخرة عيانًا ، وأمَّا في الدنيا فقد يستكنُّ النور في القلوب ، وقد يظهر أحيانًا كرامةً لمن أراد اللَّهُ كرامتَه ولم يُرِدْ فتنته . وإن كان اجتماعهما عند النبي وَّل في بيته، فإنه يُستنبط منه فضيلة الذهاب إلى المساجد والرجوع منها في الظَّلَم - أيضًا - ؛ فإنه أفضل ما مشى إليه المسلمون في الدنيا، فيلتحق بالمشي إلى النبي ◌َّ في حياته ذهابًا إليه ورجوعًا من عنده . وإنما اقتصر البخاري على هذا الحديث في هذا الباب ؛ لأن الأحاديث الصريحة في تبشير المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التّام يوم القيامة ليس شيء منها على شرطه ، وإن كانت قد رُويت من وجوه كثيرة . ولكن يستدل - أيضًا - لفضيلة المشي إلى المساجد في الظلم بما في ((الصحيحين)) (١) من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ، قال: (( ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأنَوْهُمَا ولو حَبْوًّا )) . ويستدل - أيضًا - بحديث أنسِ الذي خَرَّجه البخاريُّ هَا هُنا على جواز الاستضاءَة في الرجوع من المسجد في الليالي المظلمة . وقد وَرَدَ حديثٌ أصرحُ من هذا : خَرَّجه الإمامُ أحمد (٢) من رواية فُلَيحِ بنِ سليمان ، عن سعيدِ بنِ الحارث ، عن أبي سَلَمَةَ ، سَمِعَ أبا سعيد الخُدْرِي ، قال : هاجتِ السماءُ ليلةً ، فلما خَرَجَ النبيِّ وَّةِ لصلاة العشاء الآخرة بَرِقَتْ برقة، فرَأَى قتادةَ بنَ النُّعمان، فقال: ((ما السُّرَى يا قتادةُ ؟)) قال : علمتُ أنَّ شاهدَ الصلاةِ قليلٌ ، فأحببتُ أنْ أَشْهَدَها . قال : ((فإذا صليتَ فاثْبت حتى أَمُرَّ بكَ))، فلما انصرف أعطاه عُرْجُونًا، وقال : ((خُذْ هذا يستضيء لك أمامك عشرًا وخلفك عشرًا)) - وذكر حديثًا فيه طُولٌ. (١) البخاري (٦٥٧) ومسلم (١٢٣/٢). (٢) (٦٥/٣) وكذا أخرجه ابن خزيمة (١٦٦٠). ٥٤٥ ٧٩ - بَابٌ كتاب الصلاة وهذا إسنادٌ جيدٌ . وقد كان السلف يختارون المشي إلى صلاة العشاء والصبح في غير ضوءٍ . ورُوي عن سعيد بن المسيب ، أنه قال لقوم معهم ضوءّ يمشون به إلى المساجد : ضوءُ اللّه خيرٌ من ضوئكم . ولما ولَّى عمرُ بن عبد العزيز أبا بكر بنَ حَزْم إِمْرةَ المدينةِ مع قضائِها أرسل إلى عُمَرَ يطلب منه شَمْعًا كان للأمراء قبله يمشون به إلى المسجد في الليل ، فأرسل إليه عمر - رحمه الله - يعاتبه على ذلك ، ويأمره أن يفعل كما كان يفعل مِنْ قَبْلٍ ولايته ، ويمشي إلى المسجد في الظُّلمة ، وأن ذلك خيرٌ له. وقال النخعي : كانوا يرون أن المشي في الليلة الظلماء إلى الصلاة مُوجِبَةٌ . يعني : توجب المغفرةَ . ورُوِينا عن الحسن ، قال : أهل التوحيد في النار لا يقيَّدون ، فتقول الخزنةُ بعضُهم لبعضِ : ما بالُ هؤلاء لا يقيَّدون وهؤلاء يقيَّدون ؟ فيناديهم منادٍ : إنّ هَؤلاء كانوا يَمْشُونَ فِي ظُلمِ الليل إلى المساجد . وقد كان بعضُ المتقدمين يمشي بَيْنَ يَدَيْه الشيطانُ في الليل إلى المسجد بضَوءٍ ، فمنهم من يفطن لذلك فلم يغتر به ، ومنهم من قَلَّ علمُه فاغترَّ وافتُتُن بذلك ؛ فإنَّ جِنْسَ هذه الخوارقِ يُخشى منها الفتنة ، إلا لمن قَوِيَ إيمانُه ورَسَخَ في العلم قدمُهُ ، وميَّز بين حقُّها وباطلها . والحقُّ منها فتنة - أيضاً - ؛ فإنه شبيهٌ بالقدرة والسلطان الذي يعجز عنه كثيرٌ من الناس، فالوقوفُ معه والعُجْبُ به مُهْلِكٌ، وقد اتفق على ذلك مشايخُ العَارفينَ الصَادقينَ، كما ذَكَرَهُ عنهم أبو طالب المكي في كتابه ((قُوت القُلُوبِ))، وأنهم رأوا الزُّهدَ فيه كما آثروا الزُّهدَ في الملك والسلطانِ والرياسةِ والشهرةِ ؛ فإنَّ ذلك كلَّه فتنة ووَبَال على صاحبه، إلا لمن شَكَرَ عليه وتواضع فيه وخشي من الافتتان به . وقد أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى عن سُليمان عليه السلام أنه لمَّا رَأَى عرشَ مَلِكَةٍ سيا ٥٤٦ حديث : ٤٦٥ كتاب الصلاة عنده قال : ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل: ٤٠ وقد قيل : إنّ مرادَ البخاري بهذا الباب ، وتخريج هذا الحديث فيه : أن النبيّ وَّ كان يصلي في مسجده بالليل في الظلمة ، من غير سِراج ولا ضَوْءُ ، ولهذا خَرَجاً من عنده ومعهما مثل المصباحين ، وهذا يدل على أن هذا الضوء صحبهما من قبل مفارقته من المسجد ، فلو كان في المسجد مصباحٌ لما احتاجا إلى الضَوْءِ إلا بعد خروجهما . وهذا حق - أعني: صلاة النبي ◌َّ- وأصحابه في المسجد في غير مصباحٍ - ، وقد أَخْبَرَ أنسٌ أنه رأى بريقَ خاتم النبي ◌َّ الذي في يده من فضة في الليل ، وهذا إنما يكون في الظُّلمة . وقيل : إن أول من أَسْرَجَ مسجدَ المدينة تميم الداري في عَهْدِ عمر . وكأنَّ تميمً أخذ الإيقاد في المساجد مما عَرَفَه بالشام من إيقاد المسجد الأَقْصَى. وقد رُوي عن النبي وَّجُلو أنه أمر بإرسال زيت إلى المسجد الأقصى يُسرج في قناديله ، وقال : إن ذلك يقوم مقامَ الصلاة فيه . وقد خرّجه أبو داود . وفي إسناده نظر(١). وفي ((سنن ابن ماجه))(٢) بإسنادٍ ضعيفٍ، عن أبي سعيد الخُدْرِي ، قال : أول مَنْ أَسْرَجَ المساجد تميمٌ الداري . والمراد به: المساجد في الإسلام. (١) أبو داود (٤٥٧)، عن ميمونة مولاة النبي وَطله، أنها قالت: يا رسول اللّه، أفتنا في بيت المقدس . فقال: ((ائتوه، فصلوا فيه)) - وكانت البلاد إذ ذاك حربًا - ((فإن لم تأتوه وتصلوا فيه ، فابعثوا بزيت يسرج في قناديله)) . وكذا أخرجه أحمد (٤٦٣/٦) وابن ماجه (١٤٠٧) وفي إسناده اختلاف، وهو حديث منكر، وأنكره الذهبي في ((الميزان)) (٢/ ٩٠). (٢) (٧٦٠). وكذا ضعفه الذهبي في ((السير» (٤٤٨/٢). ٥٤٧ ٨٠ - بابُ الخوخه والممر في المسجد كتاب الصلاة ٨٠ -باب الخَوْخَةِ والمَمَرِّ في المَسْجِدِ ٤٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانِ: فَنَا فُلَيْحٌ: فَنَا أَبُو النَّصْرِ، عَنْ عُبِّدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعَيْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِي، قَالَ: خَطَبَ النَِّيُّ ◌َ، فَقَالَ: ((إِنَّاللَّهَ خَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ)، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: مَا يُكِي هَذَا الشَّيْحَ؟ إِنْ يَكُنٍ(١) اللَّهُ خَّ (٢) عَبْدًا بَيْنَ الدُّنَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ هُوَ العَبْدُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ أَعْلَمَنَا، فَقَالَ : ((يَا أَبَا بَكْرِ، لاَ تَبِّكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْر ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَا مِنْ أَمَّي خَلِيلاً لأَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ وَمَوَّهُ، لَ يَبَقَيَنَّ في المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّ سُدَّ، إِلَّبَابَ أَبِي بَكْرٍ)). ٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَِّ الجُعْفِيّ: ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: ثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِعَهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِ مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأَسْهِ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى المِنْرِ، فَحَمِدِ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَّنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي فُحَاقَةَ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذَا مِنَ النَّاسِ خَلِيلاً أَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ ، غَيْرَ خَوْخَةٍ أَبِي بَكْر)) . رضي اللّه عنه . حديث أبي سعيد ، قد رَوَاه - أيضًا - مالكٌ، عن أبي النضر ، وخَرَّجه (١) وفي نسخة: ((أن يكون)) وفي نسخة: ((إن يكن للّه عبد خير)). (٢) في ((ق)): ((خيرًا)) خطأ. ٥٤٨ حديث : ٤٦٦ - ٤٦٧ كتاب الصلاة البخاري من طريقه في موضع آخر (١)، وخَرَّجه مسلم (٢) من طريق مَالِكِ وفُلَيْحِ - أيضًا . وإنما خَرَّج لِفُلَيْحِ متابعةً ، ولم يخرِّج حديث ابن عباس ؛ فإنه لا يخرِّج لعكرمة إلا متابعةً - أيضاً - ، وحديث ابن عباس إنما يرويه عنه عكرمة . وقد رَوَى بعضَه أيوب ، عن عِكْرمة ، وخَرَّجه البخاري في موضع آخر (٣). هذه الخطبة التي خطبها النبيَّ وَّ في هذا اليوم كانت آخر خطبة خطبها على المنبر ، فعرَّض فيها باختياره لقاء اللّه على المقام في الدنيا ، وأخبر أنه أعطي مفاتيح خزائن الدنيا ، وخُيَّر بين أن يبقى فيها ما شاء اللّه وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه ، ولكنه لم يصرِّح بتخييره، واختاره في نفسه، وإنَّما قال: ((إن عبدًا خُيّر))، فلم يتفطن لذلك أحد غير أبي بكر الصديق ، وكان أبو بكرٍ أعلمَهم برسول اللّه وَّ وأفهمَهم عنه، وهذا من الفهم في العلم الذي يخصّ اللّه به من يشاء من عباده . وذكر في هذه الخطبة تخصيص أبي بكر من بين الصحابة كلهم بالفضل ، وأومأً إلى خلافته بفتحِ بابه إلى المسجد ، وسدِّ أبوابِ الناس كلهم ، ففي ذلك إشارة إلى أنه هو القائم بالإمامة بعده ، فإن الإمام يحتاج إلى استطراقِ المسجد ، وذلك من مصالح المصلين فيه . وفي هذه الخطبة وَصَّى بالأنصار ، وأمر من يلي الأمر بالإحسان إليهم ، وفيه إشارة إلى أنه ليس لهم من الأمر شَيْءٌ ، كما ظنه من قال منهم للمهاجرين : مِنَّا أميرٌ ومنكم أمير . وفي هذه الخطبة أَخْبَرَ عن نفسِهِ وََّ، أنه فَرَطٌ لهم على الحوض - يعني: (١) برقم (٣٩٠٤) . (٢) (١٠٨/٧). (٣) (٣٦٥٦) (٣٦٥٧) . ٠ ٥٤٩ ٨٠ - بابُ الخوخه والممر في المسجد كتاب الصلاة أنه سابق لهم إلى الحوض - ، وهو ينتظرهم عنده ، فهو المَوْعِدُ بينه وبينهم ، وحذّر من الاغترار بزهرة الدنيا ، والركون إليها ؛ فإنه كان قد أُعطي خزائنها فاختار لقاءَ ربه قبل ذلك ، وفُتحت بعده على أمته . وهذا كلُّه ثابت عنه وَلّ، وقد خرَّجه البخاري في ((كتابه)) هذا، فبعضه من حديث أبي سعيد ، وبعضه من حديث عقبة بن عامر ، وبعضه من حديث ابنٍ عباس ، وبعضه من حديث أنس . وروي - أيضًا - أنه بَ لَّ وصَّى في تلك الخطبة بتنفيذٍ جيش أسامة، وذكر فضله ، ووصَّى به خيراً . ونحن نذكر هذه الأحاديث هَا هُنَا . فأمَّا حديثُ أبي سعيد : فقد خَرَّجه البخاري هَا هُنا ، وفي غير موضع ، وخَرَّجه مسلم - أيضًا (١) . وخرَّج الإمامُ أحمد وابنُ حبان في ((صحيحه))(٢) من رواية أُنَّيْس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، قال: خرج علينا رسول اللّه وَلّ في مرضه الذي مات فيه ، وهو مَعْصُوبُ الرأسِ ، فاتبعته حتَّى قَامَ على المنبر ، فقال : ((إني السّاعة قائم على الحوض))، ثم قال: ((إنَّ عَبْدًا عُرِضَتْ عليه الدنيا وزينتُها فاختار الآخرةَ». قال : فلم يفطن لها أحدٌ من القوم إلا أبو بَكْرٍ ، فقال : بأبي وأمي ، بل نفديك بأموالنا وأنفسنا . قال : ثم هَبَطَ من المنبر ، فما رُئِيَ عليه حتَّى الساعة . وأما حديث عُقبة بن عامر : فخَرَّجه البخاريُّ في ((غزوة أحد))(٣) من رواية أبي الخير، عن عقبة، قال: صلى رسول اللّه بَّهِ على قَتْلَى أُحُد بعد ثمان (١) تقدم تخريجه قريبًا . (٢) أحمد (٩١/٣) وابن حبان (٦٥٩٣). (٣) (٤٠٤٢) . ٥٥٠ حديث : ٤٦٦ - ٤٦٧ كتاب الصلاة سنين كالمودِّع الأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: (( إني بَيْنَ أيديكم فَرَطٌ ، وأنا شهيد عليكم ، وإنَّ موعدكم الحوضُ، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لستُ أخشى عليكم أن تشركوا(١)، ولكنِّي أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها)). قال: فكانت آخر نظرة نظرتُها إلى رسولِ اللَّهِ وَالِه . وخَرَّجه مسلم(٢) - أيضًا - ، وعنده : قال عُقبة: فكانت آخر ما رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَ جله على المنبر. وتوديعُه للأحياء والأموات : هو أنَّه صلَّى على الموتى واستغفرَ لهم وهنَّأَهُم بما هم فيه من سبقهم للفتن . وتوديعه للأحياء : هو نصيحتُهُم وتحذيرُهُم من الاغترارِ بالدنيا ، وإيماؤُه إلى أنه مُنْتَقِلٌ عنهم إلى الآخرةِ ، وأنه سابقٌ لهم إلى الحَوْضِ ، فهو موعدهم . وقد كان وَلّ أتى أهلَ البَقِيع بالليل فاستغفر لهم، ثم ذَهَبَ إلى شهداء أحد بالنهار فاستغفر لهم، ثم رَجَعَ فخَطَبَ هذه الخطبة ، وودَّع الأحياءَ . ففي ((المسند))(٣) عن أبي مُوَيْهِبَةَ، أن رسولَ اللَّهِ وَلَهَّ خَرَجَ ليلةً إلى البَقِيع فاستغفر لأهلِ البَقِيع ، وقال: (( لَيَهْنَكُمْ ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس ، أقبلت الفتنُ كقطع الليلِ المظلم ، يتبع بعضُها بَعْضًا ، يتبع آخرها أولها، الآخرةُ شرٌ من الأُولى))، ثم قال: ((يا أبا مُوَيْهَبَةَ ، إني قد أُعْطيتُ [مفاتيح](٤) خزائن الدنيا ، والخلد [فيها](4)، ثم الجنة ، فخيِّرت بين ذلك وبين لقاء ء ربي ، فاخترتُ لقاءَ ربي والجنة)). ثم انصرف، فابتدأه وجعُه الذي قَبَضَهَ اللَّهُ فيه . (١) في ((ق)): ((تشكروا)) خطأ واضح. (٢) (٦٧/٧) . (٣) (٤٨٨/١ - ٤٨٩) . (٤) من («المسند». ٥٥١ ٨٠ - بابُ الخوخه والممر في المسجد كتاب الصلاة وذَكَرَ ابنُ سعد (١) بإسناده عن زَيْد بن أَسْلم، قال: أُمِرَ رسولُ اللَّهِ وَعَل ثلاثَ مرات ، كل مرة يُقال له : صلِّ على أهل البقيع ، فيفعل ذلك ، وقال : ((اللهم اغفر لأَهْلِ البَقِيع))، ثم أُمِرَ أن يأتي الشهداء، فذَهَبَ إلى أُحد، فصلَّى على قتلى أحد، فَرَجَعَ معصوبَ الرأس، فكان بدءُ الوَجَعِ الذي مات فيه وَّهِ . وأما حديثُ ابنِ عباس : فقد خَرَّجه البخاري هَاهُنا . وخَرَّج في ((المناقب))(٢) - أيضًا - من حديث عِكْرمة ، عن ابن عباس ، أن النبي ◌ِّهِ خَرَج وعليه مِلْحفةٌ مُتَعَطّفًا بها، وعليه عصابةُ بُرْدِ دَسْمَاءُ، حتَّى جَلَسَ على المنبر، فحَمِدَ اللَّهَ وأَثْنى عليه، وقَالَ: ((أما بعد، أيُّها الناس ، فإنَّ الناس يَكْثُرون ويَقلُّ الأنصارُ حتَّى يكونوا كالملح في الطَّعام، فمن وليَ منكم أمرًا يَضُرّ فيه أحدًا أو ينفعُهُ فلْيَقْبَلْ من مُحسنهم ويَتجاوَزْ عن مُسيئهم)) . وخَرَّجَه ابنُ سعد في ((طبقاته))، وزاد فيه : ((وكان آخر مجلسٍ جَلَسَه حتى قُبِضَ وَِ". وأما حديثُ أنس : فخَرَّجَه البخاريُّ في ((المناقب))(٣) من حديث هشام بن زيد، عن أنس، قال: خَرَج النبيِ نَّه قد عَصَبَ على رأسه حاشيةَ بُرد فصعدَ المنبرَ - ولم يَصْعَدْهُ بعدَ ذَلكَ اليوم - ، فَحِمِدَ اللهَ وأثنى عليهِ ، ثم قال: (أُوصِيكم بالأنصار؛ فإنهم كَرِشي وعَيْبَتي ، وقد قضَوا الذي عليهم ، وبَقيَ الذي لهم، فاقبلوا من مُحْسِنِهِم ، وتجاوزُوا عن مُسيِئِهِم)) . وأمَّا أمرُهُ وَّهِ بتجهيزِ جيشٍ أُسامة: فقد خَرَّجه ابنُ سعد(٤) بإسناد فيه ضَعْف (١) (٢/ ٢ / ١٠) لكن الحديث عنده عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، أنَّ رسول اللّه ◌َله . (٢) (٣٨٠٠) . (٣) (٣٧٩٩) . (٤) (٢ / ٢ / ٠ ٤ - ٤١) . ٥٥٢ حديث : ٤٦٦ - ٤٦٧ كتاب الصلاة عن عُروة - مُرْسلاً -، قال: كَانَ رسولُ اللَّهِ إِ لَهَ قد بَعَثَ أُسامةَ وأَمَرَه أن يُوطِئ الخيلَ نحو البَلْقَاءِ حيث قُتِلَ أبوه وجعفر ، فجَعَلَ أُسامةُ وأصحابُهُ يَتَجهَّزون ، وقد عسكر بالجُرُفِ، فاشتكى رسول اللّه وَ لَهَ وهو على ذلك، ثم وَجَدَ من نفسه راحةً، فخرج عاصبًا رأسه، فقال: ((أيها الناسُ، أَنْفِذُوا بَعْثَ أُسامةَ)) - ثلاثَ مرات - ، ثم دَخَلَ النبيُّ ◌َّ فاستُعِزَّ به، فتوفي ◌َِ. وقد خَرَّجا في ((الصحيحين))(١) من حديث ابن عمر، أن النبيّ مَّ أثنى على أسامةَ ووصَّى به، وقال: ((إنه لخَليقٌ بالإمارة)). وقوله وَله: ((إنَّ أمَنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر)). قال الخطابي(٢): معنى قوله: ((أمَنَّ)، أي: أَبْذَل لنفسه وأَعْطَى لماله، والمنُّ: العطاءُ من غير استثابة ، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْتُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩] وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تُعْطِ لتأخذ أكثر مما أَعْطَيتَ ، ولم يرد به المِنَّةَ ؛ فإنَّها تُفسِدُ الصَّنيعة ، ولا مِنَّةَ لأحدٍ على رسول اللّهِ وَّهِ، بل له المِنَّةُ على جميع الأمة. وأما قولُهُ وَخّل: ((لو كنتُ متخذًا من أهلِ الأرضِ خَليلاً لاتخذتُ أبا بكر خليلاً)) يدل على أنَّ مقامَ الخُلَّةِ أفضلُ من مقامِ المحبة؛ فإنه وَلَّ كان يُحبُّ أبا بكر وقد نَفَى عنه الخُلَّةَ ، واللّه تعالى يحب أنبياءَهُ ورسلَهُ كلَّهم ، ولم يَخُص بالخُّلَّة غير محمد وإبراهيم صلى اللّه عليهما. وفي ((صحيح مسلم))(٣)، عن ابن مسعودٍ، عن النبي وَّ، قال: ((أَلاَ إني أَبْرَأُ إلى كل خلٍّ من خُلَّه، ولو كنتُ متخذًا خليلاً لاتخذتُ أبا بكر خليلاً ، وإن صاحبكم خلیلُ اللّه)) . (١) البخاري (٣٧٣٠) ومسلم (١٣١/٧). (٢) في ((شرح البخاري)) (٤٠٣/١ - ٤٠٤). (٣) (١٠٩/٧) . ٥٥٣ ٨٠ - بابُ الخوخه والممر في المسجد كتاب الصلاة وفي رواية له (١) - أيضًا -: ((لو كنتُ متخذًا خليلاً لاتخذتُ أَبَا بكر خليلاً ، ولكنه أخي وصاحبي ، وقد اتخذ اللّهُ صاحبكم خليلاً)) . وخَرَّج مسلم - أيضًا(١) - من حديث جُنْدَب بن عبد اللّه: سمعتُ النبيِّ وَل قَبْلَ موتِهِ بِخَمْسٍ يقول : ((قد كان لي منكم أخلاء وأصدقاء ، وإني أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ ذي خُلَّة من خُلَّته، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)) . والظاهر: أنَّ جُنْدَبًا سَمِعَ النبي ◌َّ يقول ذلك في خطبته هذه ، فإن كان كذلك فلعل خطبته وَل كانت يوم الأربعاء ؛ فإنه توفي يوم الاثنين ، واشتد وجعه يوم الخميس ، كما قال ذلك ابنُ عباس ، فالظاهر أنه لم يخرج فيه إلى النّاسِ، أو لعله أعاد هذا القول في بيته فسَمِعَه جُنْدَب ، وهذا أظهر - والله أعلم - ؛ فإنّ خطبةَ النبيِّ وَِّ هذه كانت في ابتداء مرضِهِ ، وكانتْ مدةُ مرضِهِ فوقَ عشرة أيام . والله أعلم . وقد أَشَارَ وَلَه إلى سبب براءته من خُلَّةِ المخلوقين، وهو أن اللّه اتخذه خليلاً لنفسه كما اتخذ إبراهيم خليلاً ، ومَنْ كان خليلاً لله فلا يصلح (٣) له أن ٠٠ يخالِلَ بَشَرًاً . ٠ ومن هنا قيل : إن إبراهيم عليه السلام إنَّما أُمِرَ بذَبْحِ ولدِهِ إسماعيلَ لتفريغ قلبه من محبته [و] شدة تعلِّقه به ، حيث وُهِب له على الكبر ، فلما بادَر إلى اضطجاعه وإخراجهِ مِنْ قلبهِ امتثالاً لأَمْرِ اللَّهِ وطاعته أسقط عنه ذبحه بعد ذلك ؛ لأنه لم يكن المقصودُ إراقةَ دمه ، بل تفريغَ محل الخُلَّةِ منه، حتى لا تزاحم خُلَّة الواحدِ الأحد محبة الولد . والخُلَّةُ : هي المحبةُ المبالغةُ المخللةُ لمسالك الروح من القلب والجسد ، (١) (١٠٨/٧). (٢) (٦٧/٢) . (٣) في ((ك)) و((هـ)): ((فلا ينبغي)). . ٥٥٤ حديث : ٤٦٦ - ٤٦٧ كتاب الصلاة كما قيل . قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِهَذَا سُمِّي الخَلِيلُ خَلِيلا وهذا لا يصلح لغير اللّه ، وإنما يصلح للمخلوق المحبة ، وهي درجة دون الخُلَّةِ، فلهذا اقتصر وََّ في حق الصِّدِّيق على الأُخوة والمودة، وهي أُخوة(١) الإسلام المشار إليها في حديث ابنِ عباس الذي خَرَّجه هَاهُنَا . وقد خَرَّجه في ((المناقب)) (٢) من حديث أيوبَ، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس، وفيه: ((ولكن أُخوة الإسلام أفضلُ» . ولعل هذه الرواية أصحُّ ، وأيوبُ يقدَّم على يَعلى بن حكيم في الحفظ والضبط . وكان أبو بكرٍ مقدمًا على سَائِرِ الرجالِ في المحبة من النبي وَّ؛ ولهذا لما سأله عَمْرُو بنُ العَاص عن أحبِّ الناس إليه؟ قال: ((عائشة)) قال: فمن الرجال ؟ قال : ((أبوها)). وقال عُمَرُ لأبي بكر يومَ السَّقِيفة : أنتَ سيدُنا وخيرُنَا وأحبُّنَا إلى رسول اللَّه ◌َجِ﴾ . وقوله : («سُدُّوا عَنِّ كلّ باب في المسجد ، إلا بابَ أبي بكر)) ، وفي حديث ابنِ عباس : ((كل خَوْخَةٍ)) . قال الخطابي(٣): الخَوْخَةُ: بُوَيْبٌ صغير . قال: وفي أمره وَّله بسدِّ الأبواب الشَّارعة إلى المسجد غير بابه اختصاص شديدٌ له ، وأنه أفرده بأمر لا يشاركه فيه أحد ، وأول ما يصرف(٤) التأويل فيه (١) في ((ق)): ((خلة)). (٢) تقدم أول الباب . (٣) في ((شرح البخاري)) (٤٠٤/١ - ٤٠٥). (٤) في الأصول : ((يضاف)) والتصويب من كتاب الخطابي. ٥٥٥ ٨٠ - بابُ الخوخة والممر في المسجد كتاب الصلاة الخلافة ، وقد أكَّد الدلالةَ عليها بأمره إيَّه بإمامة الصلاة التي لها بُني المسجد ، ولأجلها يُدخلَ إليه من أبوابه . قال : ولا أعلم دليلاً في إثبات القياس والرد على نُفَاتِهِ أقوى من إجماعِ الصحابة - رضي الله عنهم - على استخلاف أبي بكر ؛ مستدِّلين في ذلك باستخلاف النبي ◌َّه إياه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة ، وإقامته إياه فيها مقامَ نفسه ، فقاسُوا عليها سائرَ أمورِ الدين . انتهى . وأشار بإجماع الصحابةِ في ذلك إلى ما رَوَى ابنُ مسعود ، قال : لما قُبض رسولُ اللَّهِ وَ له قالت الأَنْصَارُ: منا أميرٌ ومنكم أمير. قال: فأَتَاهُمْ عُمَرُ ، فقال: يا مَعَاشِرَ الأنصارِ، أَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ رسولَ اللّهِ وَّ قد أمر أبا بكرٍ يَؤْمٌ الناس ؟ فأيكم تَطيب نفسُهُ أن يتقدمَ أبا بكر ؟ فقالت الأنصار : نعوذُ بالله أن نتقدمَ أبا بكر . خرَّجه الإمام أحمد (١) ، وعلي بن المديني ، وقال : هو صحيح ، والحاكم(٢)، وقال : صحيح الإسناد . وقد رُوي هذا المعنى عن طائفة من الصحابة ، منهم : علي والزبير وأبو عُبيدة بنُ الجراح - رضي اللّه عنهم أجمعين. وقد دلَّ أمرُ النبي ◌َّ بسد الأبواب الشارعة في المسجد على منع إِحداث الاستطراقِ إلى المساجد من البيوت ؛ فإنَّ ذلك نفعٌ يختص به صاحبُ الاستطراقِ ، فلا يجوزُ في المساجد كما لا يجوزُ الاستطراق إلى أملاك الناس بغير إذنهم . وهذا بخلاف وضع الخشب على جدار المسجد ، فإن فيه عن الإمام أحمد روايتين ؛ لأن هذا النفع يجوز عنده في ملك الجار بغير إذنه ، بخلاف الاستطراق (١) (٢١/١ - ٣٩٦ - ٤٠٥) والنسائي (٧٤/٢) . (٢) (٦٧/٣) . ٥٥٦ حديث : ٤٦٦ - ٤٦٧ كتاب الصلاة إلى ملك الجار ، فإنه غير جائز . واسْتَثْنَى من ذلك الإمامَ ومن يتبعه ؛ فإنَّ استطراقَه إلى المسجد فيه نفعٌ يعود بمصلحة المصلين عمومًا، فكان النبي وَّلّ في حياته يستطرق إلى المسجد هو وآل بيته تبعًا له ، ولهذا روي أنه أمر بسدٌّ الأبواب غير باب عليٍّ ، كما خرَّجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما من وجوه (١). فلما انقضت مدتُه وَلِّ من الدنيا سدَّ الأبواب كلَّها إلى المسجد غير بابِ أبي بكر ؛ لأنه الإمام بعده ، واستطراقُه إلى المسجد من بيته فيه نفعٌ عام يعود على المصلين كلهم . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . (١) وهو حديث ضعيف، وانظر ((الفوائد المجموعة)) (ص ٣٦١ - ٣٦٦) مع تعليق الشيخ المعلمي ؛ فإنه هام جدًا . 1 ٥٥٧ ٨١ - بَابُ الأبواب والغلق للكعبة والمساجد كتاب الصلاة ٨١ - بَابُ الأَبْوَابِ وَالْغَلَقِ لِلْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: تَنَا سُقْبَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ أَبِي مُلْيَكَةَ: يَا عَبْدَ المَلِكِ، لَوْ رَأَيْتَ مَسَاجِدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبْوَبَهَا . هذا الأثرُ رَواه الإمامُ أحمد ، عن ابنِ عُبينة . قال يعقوب بن بختان : سُئِل أبو عبد اللّه - يعني: أحمد - عن المسجد يُجعل له أبواب ؟ فلم يَرَ به بأسًا، وقال : ثنا ابنُ عيينة ، عن ابنِ جُرَيَجٍ ، قال : قال لي ابنُ أبي مليكة : لو رأيتَ مساجد ابنِ عباس وأبوابها . وقال جَعْفر بن محمد : سمعتُ أبا عبد اللّه يُسأل عن المسجد يغلق بابه ؟ قال : إذا خاف أن يدخله كلبٌ أو صبيان . وقال في رواية مُهنَّا : ينبغي أن تجنب الصبيان المساجد . وقال أصحابُ الشافعي : لا بأسَ بإغلاقِ المسجد في غيرِ وقتِ الصَّلاة ؛ لصيانته أو حفظ آلاته . قال بعضهم : هذا إذا خيف امتهانُه وضياعُ ما فيه ، ولم تَدْعُ إلى فتحِه حاجةٌ ، فأما إذا لم يخف من فتحه مفسدة ولا انتهاك حرمة ، وكان فيه رفقٌ بالناس، فالسنة فَتْحُه، كما لم يُغلقْ مسجدُ النبيِّ وَ ﴿ في زمنه ولا بعده . وقالوا : يُكره إدخالُ المجانين والصبيان - الذين لا يميزون - المساجدَ ، ولا يَحْرُمُ ذلك؛ فإن النبيَّ وَّهِ صلَّى وهو حاملٌ أُمَامةَ ، وفعله لبيان الجواز. وقال أصحابُ مالك : إذا كان الصبيُّ يَعْبَثُ فلا يُؤْتَ به المسجد ، وإن كان لا يَعْبَثُ ويكف إن نُهِي فجائز . قالوا : وإن أَتَى أباه وهو في الصلاة المكتوبة نَحَّاه عن نفسِهِ ، ولا بأسَ : ٥٥٨ حديث : ٤٦٨ كتاب الصلاة بتركه في النافلة . وخرَّج ابنُ ماجه(١) بإسنادٍ ضعيف، عن واثلةَ مرفوعًا: ((جنبوا مَسَاجِدَنَا صبیانكم ، ومَجَانِنكم)) . ورُوي عن بعض السلف أن أول ما استُنْكر من أمر الدين لعبُ الصبيان في المساجد . واختلف الحنفيةُ في إغلاق المساجد في غير أوقاتِ الصلوات : فمنهم من كَرِهه ؛ لِمَا فيه من المنعِ من العبادات. ومنهم من أجازه؛ لصاينته وحفظ ما فيه. قال البخاريَّ - رحمه الله - : ٤٦٨ - ثَنَا أَبُو النُّعْمَان وَقُتَّةُ بْنُ سَعيدٍ، قَالَ: فَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أُيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّالنَّبِيَّ ◌َ قَدِمَ مَكََّ، فَدَهَا عُثِّمَانَ بْنَ طَلِحَةً فَفَتَحَ الْبَابَ، فَدَخَلَ النَِّيَُّ وَبِلَاَلٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيّدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، ثُمَّ أُغْلِقَ الْبَابُ، فَلَبِثَ فِيهِ سَاعَةٌ، ثُمَّ خَرَجُوا . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بِلاَلاً ، فَقَالَ : صَلَّى فِيه، فَقُلْتُ في أيٍّ؟ قَالَ : بَيْنَ الأُسْطُوَنَتَيْنِ(٢). قَالَ ابْنُ عِمَرَ : فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَسْاَهُ: كَمْ صَلَّى ؟ هذا الحديث يدل على أنّ الكعبةَ كان لها بابٌ يُغْلق عليها ويُفتح ، ولم يَزل ذلك في الجاهلية والإسلام، وقد أقرَّ النبيُّ بَّهِ أمرَها على ما كانت عليه، ودَفَعَ مفتاحَ الكعبةِ إلى عثمانَ بنِ طلحة ، وأقرَّه بيده على ما كان(٣) .. (١) (٧٥٠) وإسناده ضعيف جداً . وقد روي هذا الحديث عن جماعة من الصحابة بأسانيد ضعيفة جدًا ، وبعضها مرسل وبعضها معضل ، وهو حديث ضعيف، وقد بينت ذلك تفصيلاً في رسالة مفردة ، يسَّر اللّه إخراجها. (٢) في ((ق)) بالصاد. (٣) في ((ق)): ((كما كان)). ١ ٥٥٩ ٨١ - بَابُ الأبواب والغلق للكعبة والمساجد كتاب الصلاة وفي ((المسند))(١) أن النبي بَّ أَمَرَ عائشةَ أن تطلبَ من شيبة أن يفتحَ لها الكعبة ليلاً، فأتى النبيَّ بََّ، قال: واللهِ ما فتحتُه بليلٍ في جاهلية ولا في إسلام، فقال: ((فانظر ما كنتَ تصنع فافعله ، وَلاَ تفتحه)) وأَمَرَ عائشة أن تصلي في الحِجْر. وقد رُوي عن ابن جُريج (٢) وغيره ، أن أول من جَعَلَ للكعبة بابًا يغلق وكساها كسوةً كاملةً تُبَّع . وذَكَرَ ابنُ إسحاق أن ذلك بلغه عن غير واحد من أهل العلم - : ذَكَرَه الأزرقي في ((أخبار مكة)) (٣). ولكن الكعبة لا تقاس بها سائر المساجد في صيانتها واحترامها ؛ فإنَّ سائر المساجد إنما تراد ليعبد اللّه فيها ، فإغلاقها لغير حاجة يمنع من المقصود منها ، وأما الكعبة فالعبادة حولها لا فيها ؛ فإنَّ أخصَّ العبادات منها الطواف ، وإنما يُطاف حولها(٤)، ثم الصلاة ، وإنما يُصلى إليها . وقد اختلف العلماءُ في الصلاةِ فيها كما سَبَقَ ذِكْرُه ، وكذلك الاعتكاف، فإغلاقها لا يمنع حصول المقصود منها من عبادة اللّه حولها . وأما غَلْقُ المسجدِ الحرامِ المبني حولها ، فحكمُهُ حكم [غلق](٥) سائر المساجد أو أشد ؛ لِمَا فيه من مَنْعِ الطواف الذي لا يتمكن منه في غيرِ ذلك المسجد ، بخلاف غَلْقِ سائرِ المساجد ؛ فإنه لا يتعذر بإغلاقها الصلاة ؛ فإن الأرضَ كلها مسجدٌ . والله أعلم . (١) (٦/ ٦٧) بنحوه . (٢) حديث ابن جريج رواه عبد الرزاق (٨٩/٥). وانظر ((السيرة)) لابن هشام (٢٥/١) و((التمهيد)) (٤٧/١٠). (٣) وابن هشام (٢٥/١). (٤) في ((ق)): ((وإنما هو حولها)). (٥) ليس في ((ق)). ٥٦٠ حديث : ٤٦٩ كتاب الصلاة ٨٢ - بَابُ دُخُولِ المُشْرِكِ الْمَسْجِدَ ٤٦٩ - حَدَّثَنَا قُتِيَةُ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ بِخَيَلِ (١) قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةً، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدَّ. قد سَبَقَ هذا الحديث(٢) بأتم من هذا السياق في ((باب: الأسير يُربطُ في المسجد))، وفيه : أن ثمامة حين رُبط كان مشركًا، وأنه إنما أسلمَ بعد إطلاقه . وفي هذا : دليلٌ على جواز إدخال المشرك إلى المسجد ، لكن بإذن المسلمين . وقد أنزل النبيَّ بَّهِ وفد ثقيف في المسجد ؛ ليكون أرقَّ لقلوبهم . خرَّجه أبو داود(٣) من رواية الحسن ، عن عثمان بن أبي العاص . وروى وكيع ، عن سفيان ، عن يونسَ ، عن الحسنِ ، قال : إنَّ وفدًا قَدِمُوا على النبيِ وَّهِ مِنْ تَقيف، فدخلوا عليه المسجد ، فقيل له : إنهم مُشْركون؟ قال: ((الأرضُ لا ينجسها شيءٌ» . وخرَّجه أبو داود في ((المراسيل)) (٤) من رواية أشْعَث، عن الحسن، أنَّ وَفْدَ ثَقيفٍ قَدِمُوا على رسولِ اللّهِ بِّهِ فِضَرَبَ لهم قُبَّةً فِي مُؤَخَّرِ المَسجِدِ ؛ لَيَنْظُرُوا إلى (١) في نسخة عند ((ق)): ((خيلاً)). (٢) (٤٦٢) . (٣) (٣٠٢٦) وأحمد (٢١٨/٤) وابن خزيمة (١٣٢٨). (٤) (١٧) وعبد الرزاق (٤١٤/١). ١