النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
٦٥ - بَابُ من بنى مسجدا
كتاب الصلاة
٦٥ - بَابُ
مَنْ بَنَى مَسْجِدًا
٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أنَّ بُكَيْرًا
حَدَّثَهُ، أنّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ مُبَيْدَ اللّهِ الْخَوْلانِيَّ، أَنَّ
سَمِعَ عُثْمانَ بْنَ عَفَّانَ يقول - عِنْدَ قَوْلِ النّاس فيه حينَ بَنِى مَسْجِدَ الرَّسُولِ(١) ◌َ -:
إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِوَِّ يَقُولُ: ((مَنْ بَى مَسْجِدً)) - قالَ بُكَيْرٌ :
حَسِبْتُهُ أنّه قال: ((يَتَغِي بِهِ وَجْهَاللّهِ) - ((بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» .
لما أرادَ عثمانُ - رضي اللّه عنه - هَدْمَ مسجد النبيِّ وَّ وإعادةَ بنائه على
وَجْهِ أحسن من بنائِه الأول كَرِهَ النَّاسُ لذلك(٢) لما فيه مِنْ تغير بناءِ المسجدِ عن
هيئة بنيانه في عهد النبيِّ وَِّ، فإنّ عُمَرَ لمّا بَنَاه أعادَ بناءَه على ما كان عليه في
عهدِ النبيِّ وَِّ، وإنما وسعه وزَادَ فيه ، فلهذا أكثر الناسُ القولَ على عثمانَ.
وخرّج مسلم(٣) من حديث محمود بن لَبيد ، أنّ عثمانَ بن عفان أرادَ بناءَ
المسجدِ ، فكَرِهَ النّاسُ ذلك ، فأحبوا أن يدعه على هيئته ، فقال : سمعتُ
رسولَ اللّهِ وَ لَه يقول: ((من بَنَى مسجدًا لله بَنَى اللهُ له في الجنة مثلَه)).
وقد اتفق صاحبا ((الصحيحين)) على تخريج حديث عثمانَ من رواية
عُبيد اللّه الخولاني عنه؛ لاتصال إسنادِهِ ، وتصريحِ رواتِه بالسماع .
وتفردَ مسلمٌ بتخريج حديثِ محمودِ بنِ لَبيد ، عن عثمانَ .
وخرّجه الترمذيُّ (٤) وصححه، وقال: محمود بن لَبيد أدركَ النبيَّ وَلِّ
٠
(١) في الأصلين: ((رسول اللّه))، والمثبت من ((اليونينية)).
(٢) كذا ، والأشبه: «ذلك)).
(٣) (٦٨/٢).
(٤) (٣١٨) .

٥٠٢
حديث : ٤٥٠
كتاب الصلاة
يشيرُ بذلك إلى أنّه لا يُستَنكر سماعُه من عثمانَ ؛ فإنّ له رؤيةً من النبيِّ
صَلىالله
،
اسـ
فكيف يُنْكر أن يَروي عن عثمانَ ؟
وقد اختلف في صحبةٍ محمودٍ بن لَبيد ، وقد ذَكَرَ ابنُ المديني حديثَ
محمود بن لَبيد ، عن عثمانَ ، وقال : في إسنادِهِ بعضُ الشيء ، ومحمود بن
لَبيد أدرك عثمانَ .
ومسلمٌ ومَن وافقه يكتفون في اتصال الإسناد بإمكان اللَّقيِّ ، وغيرهم يعتبر
ثبوتَ اللُّقى .
وقد ذَكَرَ الهيثم بن كليب في ((مسنده)) ، عن صالح بن محمد الحافظ ، أنه
قال : لا أحسب محمود بن لَبيد سَمِعَ من عثمانَ شيئًا .
وخرّجِه ابنُ جرير الطبري من رواية محمود بن لَبيد ، عن أَبان بن عثمان ،
عن أبيه، عن النبيِّ ◌َله.
وليس ذكر : ((أبان)) في إسناده بمحفوظ .
وقد ذكرنا في الباب الماضي من غير وَجْهِ ، عن عثمان، أنّ النبيَّ بَّهِ أَمَرَه
أنْ يوسعَ في (١) المسجدِ ، وضَمِنَ له بيتاً في الجنةِ ؛ فلهذا - والله أعلم - أَدْخَلَ
عثمانُ هدمَ المسجد وتجديدَ بنيانه على وَجْهِ هو أتقن من البنيانِ الأول مع التوسعة
فيه في قوله : ((منْ بَنَ مسجدًا [للّه](٢) بنى اللهُ له مثله في الجنة)) .
وهذا يرجعُ إلى قاعدةِ الجزاء على العمل من جِنْسِهِ ، كما أنّ مَنْ أعتقَ رقبةً
أعتقَ اللهُ بكل عُضوِ منه عُضوًا منها من النار(٣)، ومن نَفَّسَ عن مسلمٍ كُرْبة من
كُرَبِ الدنيا نفّس اللهُ عنه كُرْبَةً من كُرَب الآخرة، ومن يَسَّر على مُعْسرٍ يسّرَ اللهُ
عليه في الدنيا والآخرة ، ومن سَتَرَ مسلمًا في الدنيا سَتَرَهَ اللهُ في الآخرة(٤)،
(١) من ((هـ)).
(٢) ليس في ((ق)).
(٣) البخاري (٦٧١٥) .
(٤) مسلم (٢١/٨). وراجع: ((جامع العلوم)) (٣٠٣/٢) بتحقيقي .

٥٠٣
٦٥ ۔ بَابُ من بنى مسجدا
كتاب الصلاة
والراحمون يرحمهم الرحمن(١).
ومثل هذا كثير، فمن بَنَّى للَّه مسجدًا يذكر فيه اسمُ اللّه في الدنيا بَنَى اللهُ له
في الجنة بيتًا .
وأمّا قولُه: ((مِثْلَه))، فليس المرادُ أنّه على قَدرِهِ ، ولا على صفتِهِ في بنيانِهِ،
ولكن المراد - والله أعلم - أنّه يوسع بنيانَه بحسب توسعته، ويُحكم بنيانَه
بحسب إحكامه ، لا مِنْ جهة الزخرفة ويُكَمَّل انتفاعه بما يُبنى له في الجنة بحسب
كمال انتفاعِ الناسِ بما بَنَاه لهم في الدنيا ، ويُشَرَّف على سائر بنيانِ الجنة كما
تُشَرَّف المساجد في الدنيا على سائرِ البنيانِ ، وإنْ كان لا نسبة لما في الدنيا إلى ما
في الآخرةِ، كما قَالَ النبيُّ وََّ: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَجْعَل أحدُكُم
أصبعه في اليمٌّ، فلينظر بم ترجع))(٢).
وقد دَلَّ عَلَى ما قلناه : ما خَرَّجه الإمامُ أحمد(٣) من حديثٍ أسماء بنتِ یزید،
عن النبيِّ بَّهِ، قَالَ: ((مَنْ بَنَى اللّه مسجدًا في الدنيا فإنّ اللّه عز وجل يَبْني له
بيتًا أوسع منه في الجنة)) .
وخرّجه(٤) بمعناه من حديث حجاج ، عن عَمْرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن
جده ، [عن النبيُّ اَلر.
ومِن(٥) حديث واثلة بن الأَسْفَع](٦)، عن النبي ◌ِّهِ: ((مَنْ بَنَى مسجدًا يُصَلَّى
فيه بَنَى اللهُ له في الجنة أفضل منه)) .
(١) في ((هـ): ((اللّه)).
(٢) مسلم (١٥٦/٨).
(٣) (٦/ ٤٦١) .
(٤) (٢/ ٢٢١) .
(٥) (٣/ ٤٩٠) .
(٦) سقط من ((هـ)).

٥٠٤
حديث : ٤٥٠
كتاب الصلاة
وخرَّج البزارُ والطبرانيُّ (١) مِن حديث أبي هريرة - مرفوعًا - ((مَنْ بَنَى اللّه بينًا
يُعبد اللهُ فيه من حلال بَنَى اللهُ له بيتًا في الجنة من دُرٍّ وياقوت)) .
وقيل : إنّ الصحيحَ وقفُه على أبي هريرة .
وأمّا اللفظةُ التي شَكَّ فيها بُكير بن الأشج، وهي قولُه: (( يُبتغى به
وَجْهُ اللّه))، فهذا الشرطُ لا بدَ منه، ولكن قد يُستفاد من قوله: ((من بَنَى
مَسْجِدًا للّه)) أنه (٢) أُريد به : من بَنَى مسجدًا خَالصًا للّه.
وقد رَوَى المثنى بن الصباح؛ عن عطاء، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّ،
قال : (( من بَنَى مسجدًا لا يريدُ به رياءً ولا سمعة بَنَى اللّهُ لَه بيتًا في الجنة )).
خرَّجه الطبرانيُ (٣).
والمثنى ، فيه ضعف .
وبكلِ حال؛ فالإخلاصُ شَرْطٌ لحصولِ الثوابِ في جميع الأعمال؛ فإن الأعمالَ
بالنيات، وإنما لامريءٍ ما نَوَى، وبناءُ المساجد من جملة الأعمال، فإنْ كَانَ الباعثُ
على عملِه ابتغاءَ وَجْهِ اللّه حَصَلَ له هذا الأجر، وإنْ كَانَ الباعثُ عليه الرياءَ
والسمعةَ أو المباهاة فصاحبُه متعرّضٌ لمقتِ اللهِ وعقابِهِ ، كسائرٍ من عمل شيئًا من
أعمال البر يريد به الدنيا كمَنْ صلَّى يُرائي ، أو حج يُرائي ، أو تصدق يرائي .
ولكن رُوي عن قتادةَ ، أنّه قال : كلُّ بناءِ رياء فهو على صاحبه لاَ لَه ، إلا
من بَنَى المساجد رياء فهو لا عليه ولا له .
خرَّجه ابنُ أبي الدنيا بإسناد صحيح عنه .
وهذا فيه نظر، ولو كان النفع المتعدي يمنع من عقابِ المرائي به لما عُوقب
العالم والمجاهد والمتصدق للرياء ، وهم أول من تُسعّر به النارُ يومَ القيامةِ .
(١) البزار (٤٠٥ - كشف) والطبراني في ((الأوسط)) (٥٠٥٩).
(٢) في الأصول: ((إن)).
(٣) في ((الأوسط)) (٧٠٠٥).
١

٥٠٥
٦٥ - بَابُ من بنى مسجدا
كتاب الصلاة
وأمّا مَنْ بَنَى المساجد [من](١) غيرِ رياء ولا سمعة، ولم يستحضر فيه نيةَ
الإخلاص ، فهل يُثابُ عَلَى ذلك ، أم لا ؟ فيه قولان للسلف .
وقد رُوي عن الحسنِ البصري(٣) وابنِ سِيرين ، أنّه يُثابُ على أعمال البرِّ
والمعروفِ بغير نِية ، لِمَا فيها من النفعِ المتعدي .
وقد سَبَقَ ذكرُ ذلك في أواخرِ ((كتاب الإيمان)) . والله أعلم .
وبناءُ المساجدِ المحتاج إليها مستحبٌ ، وعدَّه بعضُ أصحابنا من فُروضِ
الكفَايَات ، ومرادُه : أنّه لا يجوزُ أنْ يُخلى مصر أو قرية يسكنها المسلمون من
بناء مسجد فيها .
ويدلُّ لهذا : مما رَوَى موسى بن إسماعيل ، عن عبدِ العزيز بنِ زيادٍ
أبي حمزةَ الحبطي (٣)، عن أبي شدادٍ - رجل مِن أَهلِ دَمَا - ، قال: جاءنا كتابُ
النبيِ وَ ﴿ في قطعة أَدَم: ((من محمد النبي إلى أهل عُمَان، سلامٌ: أمّا بعد ؛
فأقرّوا بشهادة أن لا إله إلا اللّه، وأني رسولُ اللّه، وأَدُّوا الزكاةَ، وخُطُّوا المساجدَ
كذا وكذا ، وإلاّ غَزَوْتُكم » .
خرّجْه البزارُ والطبرانيّ (٤).
وخرّجه أبو القاسم البغوي في ((معجمه)) - مختصرًا - ، وعنده :
عبد العزيز بن نزار الحبطي .
وقد سماه ابن أبي حاتم : عبد العزيز بن زياد الحبطي . وسماه البخاري:
في ((تاريخه)) : عبد العزيز بن شداد .
وكأنه وهم ، ولا يُعرف بغير هذا الحديث .
(١) زيادة مني .
(٢) من ((هـ)) .
(٣) في ((ك)) و((هـ)): ((الحنظلي)) خطأ.
(٤) البزار (٨٨٠ - كشف) والطبراني في ((الأوسط)) (٦٨٤٩).

٥٠٦
حديث : ٤٥١
كتاب الصلاة
٦٦ - بَابٌ
يَأْخُذُ بِتُصُولِ النََّلِ إِذَا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥١ - حَلَّثَنَا قُتَيْبَةُ: ثنا سُفْيانُ، قَالَ: قُلْتُ لَعَمْرو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنُ عَبْد اللّه
يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِد، وَمَعَهُ سهامٌ، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللّهِ: (أَمْسكْ
مے
بنصالها)»؟ قَالَ : نَعم .
وخرّجه في مَوْضعِ آخر مِن ((كتابِه)»(١) بلفظِ آخر ، وهو : أنّ رجلاً مَرَّ
في المسجدِ بأسهم ، قد أَبْدَى نصولَها ، فأَمَرَهُ أنْ يأخذَ بنصولها ، لا تخدش
مسلمًا .
وخرجه مسلم (٢) من رواية أبي الزبير، عن جابر، أن النبي وَل أمر رجلاً
كان يتصدق بالنبل في المسجد أن لا يمر بها ، إلا وهو آخذ بنصولها .
وقد خرَّج البخاريُّ في الباب الذي يلي هذا : حديث أبي موسى ، عن النبيِّ
حَلّه، قال: ((مَنْ مَرَّ في شيءٍ من مساجدنا أَوْ أَسْواقنا بِنَبْلِ فَلْيَأْخُذْ على نصالها،
لاَ يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا » .
وخرّجْه مسلمٌ - أيضًا .
وفي هذا الحديث : ذَكَرَ علةَ ذلك ، وهو : خشيةُ أن تصيبَ مسلمًا من
حيث لا يشعر صاحبُها ، وسوَّى في ذلك بين السوقِ والمسجدِ ؛ فإنّ الناسَ
يَجْتمعون في الأسواقِ والمساجدِ ، فليس للمسجد خصوصية بذلك حينئذٍ .
لكن ؛ قد يُقال : إنّ المسجد يختص بقدر زائد عن السوق ، وهو : أنّه قد
رُوي النهي عن إشهارِ السلاحِ فيه ونثرِ النّبْلِ .
(١) (٧٠٧٣) (٧٠٧٤) .
(٢) (٣٣/٨) .

٥٠٧
كتاب الصلاة ٦٦ - بَابٌ يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد
خرّجه ابنُ ماجه (١) مِن روايةٍ زَيْد بن جَبِيْرَةَ ، عن دَاودَ بْنِ الحُصَين ، عن
نَافِعٍ ، عن ابنِ عُمَرَ - مرفوعًا - : (( خصَالٌ لا يَتْبغينَ في المسجد : لا يُتخذ
طَريقًا ، ولا يُشْهَرُ فيه سلاحٌ، ولا يُنْبَضُ فيه بِقَوْس ، وَلاَ يُنْثر فيه نَبْلٌ ، ولا يُمَرَّ فيه
بلَحْمُ نِيِّئ، ولا يُضرب فيه حدٍّ ، ولا يُقتصُ فيه من أحد ، ولا يُتخذ سُوقًا)).
ورَفْعُه منكرٌ ، وزَيَد بن جَبِيرةَ ضعيفٌ جدًا ، متفق على ضعفه .
وخرَّج - أيضًا(٢) - : النهي عن سلِّ السيوفِ في المسجد ، من حديثٍ واثلة -
مرفوعًا - بإسنادٍ ضعيف جدًا (٣).
وقال عبدُ اللّه بنُ عبد الرحمن بن أَبْزَى: لا يُسل السيفُ في المسجد .
خَرَّجه وكيعٌ في ((كتابِه)) .
وقال أصحابُنَا : لا يُشْهر السلاحُ في المسجد .
(١) (٧٤٨) .
(٢) (٧٥٠) .
(٣) ((جدًا)) من ((ق))، وهي صحيحة ؛ فالمؤلف حكم عليه قبل ذلك بأنه ضعيف جدًا، وهو
قطعة من حديث : ((جنبوا مساجدكم)) .

٥٠٨
حديث : ٤٥٢
كتاب الصلاة
٦٧ - بَابُ
الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٢ - حدثنا مُوسَى بنُ إِسماعيلَ: ثنا عَبْدُ الوَاحِدِ: ثنا أُبُو بُرْدَةَ بنُ عَبْد اللّه،
قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَّبَِّ قَالَ: ((مَنْ مَرَّ في شيءٍ مِن مَسَاجِدنا
أَوْ أَسْوَقِنَا بِبَلِ فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَلِها ، لا يَعْفِرْ بِكَفَّهِ مسلمًا)» .
أبو بُردة بن عبد اللّه، هو : بُرَيْد بن عبد اللّه بن أبي بُردة.
وقد ذكرنا هذا الحديث في البابِ الماضي ، وإنما أعاده هاهنا : لأنه استنبط
منه جوازَ المرورِ في المسجدِ ، وقد ذَكَرْنَا حكمَه في ((باب: الصلاة إذا دَخَلَ
المسجد)) .
وقد دَلَّ على جوازِه - أيضًا - قولُ اللّه تعالى: ﴿وَلا جَنْبًا إِلَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾
وء .
[النساء: ٤٣]، على قولٍ من تأول النهي: على (١) قربان موضع الصلاة ، وهو
المسجد ، وعابر السبيل : بالمجتاز ، وقد سَبَقَ ذكرُه - أيضًا.
(١) في ((ك)) و((هـ)): ((عن).

٥٠٩
٦٨ - بابُ الشعر في المسجد
كتاب الصلاة
٦٨ -باب
الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ
٤٥٣ - حدَّثَنَا أَبُو اليَمانِ الحَكَمُ بنُ نَافِعٍ: أَبْنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أخبرني
أبو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّه سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ:
أَنْشُدُكَ اللّهَ، هَلَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ◌َّ يقولُ: ((يَا حَسَانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللّهِ،
اللّهُمَّ أَيِّدُهُ بِرُوحِ القُدُسِ))؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : نَعَمْ .
ليس في هذه الرواية التي خرّجها البخاري هاهنا ذِكْر إنشاد حسّان في
المسجد، إنَّما فيه ذِكْرُ مدحِ حسان على إجابته عن النَّبِيِّ وَله والدعاء له على
ذلك ، وكفى بذلك دليلاً على فضلِ شِعره المتضمن للمُنَافحةِ عن رسول اللّه
وَّله، والردّ على أعدائه والطاعنين عليه، والمساجد لا تُتُزّه عَن مثل ذلك.
ولهذا قال النبي وَّهِ: ((إنَّ من الشعر حكمةً)).
وقد خرجه البخاري (١) في موضع آخر من حديث أبي بن كعب - مرفوعًا .
وخرج - أيضًا(٣) - من حديث البراء، أن النبي وَّ قال لِحَسَّان: ((اهجُهم - أو
هاجهم - وجبريلُ معك)» .
وإنما خَصَّ النبيَّ نَِّ جبريلَ وهو روح القدس بنصرة من نصره ونافح عنه ؛
لأن جبريل صاحب وحي اللّه إلى رسله ، وهو يتولى نصرَ رسله وإهلاكَ أعدائهم
المكذبين لهم ، كما تولى إهلاكَ قومٍ لوطٍ وفرعون في البحر .
فمَنْ نَصَرَ رسولَ اللّه وذَبَّ عنه أعداءَه ونَافَحَ عنه كان جبريلُ معه ومؤيدًا له
كما قال لنبيه وَّهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ
(١) البخاري (٦١٤٥) .
(٢) البخاري (٦١٥٣) .

٥١٠
حديث : ٤٥٣
كتاب الصلاة
ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤](١) .
وقد خَرّج البخاريُّ في ((بَدْءِ الخَلْقِ))(٢) عن ابن المديني ، عن ابن عيينة ،
[ عن الزهري ]، عن ابن المسيّب، قال: مَرَّ عُمَرُ في المسجد وحَسّان يُنشِدُ،
فقال كنتُ أُنشد فيه ، وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال :
أنشدك اللّه، أسمعتَ رسولَ اللّهِ وَلَه يقول: «أَجبْ عني، اللّهم أيده بروح
القدس))؟ قال : نعم .
وهذا نوع إرسال من ابن المسيّب ؛ لأنه لم يشهد هذه القصة لعمر مع حسان
عند أكثر العلماء الذين قالوا : لم يسمعْ من عمر ، ومنهم مَنْ أثبتَ سماعه منه
شيئًا يسيرًاً(٣).
وقد خَرَّج هذا الحديثَ مسلمٌ (٤)، عن غيرِ واحدٍ ، عن ابنِ عيينة ، عن
الزهري ، عن ابن المسيّب ، عن أبي هريرة ، أن عُمَر مَرَّ بحسان - فجعل
(١) ومن المنافحين عن رسول اللّه وَليلة: أهل الحديث الذين يذبون الكذب عن رسول اللّه وَلـ
ويقدمون السنن للأئمة صافية نقية ليس فيها شائبة .
،
وقد ساق ابن حبان حديث حسان هذا في مقدمة كتابه ((المجروحين)) مستدلاً به على وجوب
الجرح للضعفاء وبيان حالهم وتمييز حديثهم ، ثم قال :
(في هذا الخبر كالدليل على الأمر بجرح الضعفاء؛ لأن النبي وقَّ قال لحسان: ((أجب
عني))، وإنما أمر أن يذب عنه ما كان يقول عليه المشركون ، فإذا كان في تقوُّلُ المشركين
على رسول اللّه وَّيه يأمر أن يذب عنه، وإن لم يضر كذبُهم المسلمين ، ولا أحلوا به
الحرام، ولا حَرَّمُوا به الحلال، فإنَّ مَن كذب على رسول اللّه وَّر من المسلمين الذين
يُحَلُّ الحرامُ، ويُحَرَّمُ الحلالُ بروايتهم أَحْرى أن يُؤمر بذب ذلك الكذب عنه الص ◌َّه.
وأرجو أن اللّه تبارك وتعالى يؤيد من فعل ذلك بروح القدس ، كما دعا لحسَّن بذب الكذب
عنه ، وقال: ((اللهم أيده بروح القدس))، ولم يكن هذا العلم في زمان قط تعلُّمه أوجب منه
في زماننا هذا ، لذهاب من كان يحسن هذا الشأن ، وقلة اشتغال طلبة العلم به» .
(٢) (٣٢١٢) . والزيادة منه .
(٣) راجع ((الفتح)) لابن حجر (٥٤٨/١) (٣١٠/٦).
(٤) (١٦٢/٧ - ١٦٣) .
۔

٥١١
٦٨ - بابُ الشعر في المسجد
كتاب الصلاة
الحديث كله عن أبي هريرة متصلاً .
وروايةُ ابنِ المديني أصحُّ ، وكذا رواه جماعةٌ عن الزهري .
وروى ابن أبي الزَّادِ ، عن هشام بنِ عُروة ، عن أبيه ، عن عائشةَ ، قالتْ:
كان رسولُ اللّهِ وَلَ يضع لحسان مِنبرًا في المسجد يقومُ عليه قائمًا ، يُفَاخِرُ عن
رسولِ اللّهِ وَ ل﴿ه - أو قالتْ: يُنَافِحُ عن رَسُولِ اللّهِ وَلَهــ، وتقول: قال
رسولُ اللّهِ وََّ: (إنَّ اللّهَ يُؤَيِّدُ حَسَّنَ بُرُوحِ القُدَّسِ مَّا يُفَاخِرُ - أو يُنَافِحُ - عن
رَسُول اللّه ◌َِ)) .
خَرّجه التِّرْمِذِي(١) .
وخَرَّجه(٢) - أيضًا - في طريق ابن أبي الزِّنَادِ ، عن أبيه ، عن عُرْوَةً ، عن
عائشةَ، عن النبي ◌ِِّـ مِثْلَهُ.
وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، وهو حديث ابنِ أبي الزِّنَادِ .
يعني : أنّه تفرّدَ به .
وخَرَّجه أبو داود(٣) من الطريقين - أيضًا .
وكذلك خَرَّجه الإمام أحمد(٤)، وعنده: ((يُنَافِحُ عن رسول اللّهِ وَّهِ بِالشِّعْرِ)).
وذَكَرَهُ البخاريُّ في موضع آخر من («صحيحه)) - تعليقًا (٥) - ، فقال : وقال ابن
أبي الزناد .
وخَرَّجه الطبراني(٦)، وزاد في حديثه: ((فَيُنْشِد عَلَيْهِ الأَشْعَارِ)).
(١) (٢٨٤٦) .
(٢) الموضع نفسه .
(٣) (٥٠١٥) .
(٤) (٦/ ٧٢) .
(٥) لم أجده، وعزاه المزي في ((التحفة)) (١٢ / ١٠) للبخاري تعليقًا - أيضًا -، ولم يجده محققه -
أيضًا .
(٦) في ((الكبير)) (٣٧/٤) وفي رواية عنده (٣٨/٤): ((ينشد عليه هجاء المشركين)).

٥١٢
حديث : ٤٥٣
كتاب الصلاة
ورَوَى سِمَاك، عن جابرِ بنِ سَمُرة، قال: شهدتُ رسولَ اللّهِ بَّ أكثر من
مائة مرة في المسجد ، وأصحابه يتذاكرون الشِّعْرَ وأشياء من أمر الجاهلية، فربما
تَبَّمَ مَعَهُم .
خَرّجه الإمامُ أحمد (١) .
وخَرّجه النسائي(٢)، ولفظه: كان رسول اللّه وَ ل إذا صلّى الفجر جَلَس في
مُصَلاه حتى تطلعَ الشمسُ ، فيتحدثُ أصحابُه ، ويذكرون حديثَ الجاهلية ،
ويُنْشدون الشِّعْرَ، ويضحكون، وَيَتَبَسم رسولُ اللّهِ وَلَهُ .
وخَرَّجه مسلم(٣)، إلا أنه لم يذكر الشِّعْرَ.
وقد رُوي ما يخالف هذا ، وهو النَّهْيُ عن إنشادِ الأشعار في المساجد :
فرَوَى عَمرو بنُ شُعيب، عن أبيه ، عن جَدِّه، عن النبي ◌َّ أنه نَهى أن
يُنشد في المسجد(٤) الأشعار - في حديث ذكره .
خَرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والتِّرمذي(٥)، وقال :
حديث حسن .
وخَرَّج أبو داود(٦) نحوَهَ من حديث حكيم بن حزام، عن النبي وَّ بإسناد
فيه نظر وانقطاع .
وروى أبو القاسم البغوي في ((معجمه))(٧) من طريق ابن إسحاق ، عن
يعقوب بن عتبة ، عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام ، عن أبيه ، قال : أتى
(١) (٨٦/٥ - ٨٨ - ٩١ - ١٠٥).
(٢) (٣/ ٨٠) .
(٣) (٢/ ١٣٢) .
(٤) في ((ك)) و ((هـ)): ((المساجد)).
(٥) أحمد (١٧٩/٢) وأبو داود (١٠٧٩) والنسائي (٤٨/٢) والترمذي (٣٢٢) وابن ماجه (٧٤٩) .
(٦) (٤٤٩٠) .
(٧) وانظر ((الإصابة)) لابن حجر (١٢٠/٢) (٩٤/٧).

٥١٣
٦٨ - بابُ الشعر في المسجد
كتاب الصلاة
ابنُ الحمامة السلمي إلى النبي ◌ِّ وهو في المسجد ؟ فقال : إني أثنيتُ على ربي
تعالى ومدحتُكَ. قال: ((أمسك عليك))، ثم قامَ رسولُ اللّه ◌َلّ، فخَرَج به من
المسجد ، فقال : ((ما أثنيتَ به على ربك فهاته ، وأما مدحي فدعه عنك))، فأنْشَد
حتى إذا فَرَغَ دعا بِلالاً، فأمره أن يعطيه شيئًا، ثم أقبل رسولُ اللّه بِّل على
الناس ، فوضع يده على حائط المسجد ، فمَسَحَ به وجهَه وذراعيه ، ثم دَخَلَ .
وهذا مرسلٌ ، وفيه جواز التيمم بتراب جدار المسجد ، وهو رَدٌّ على مَنْ
كَرِهَه مِنْ متأخري الفقهاء ، وهو مِن التنطع والتعمق .
وروى وكيع في ((كتابه)) عن مبارك بن فَضَالة ، عن ظبيان بن صُبيح الضّي ،
قال : كان ابنُ مسعود يكره أن ترفعَ الأصوات في المساجد ، أو تقام فيها
الحدود ، أو يُنشد فيها الأشعار ، أو تنشد فيها الضالة .
ورَوَى أسدُ بن موسى في ((كتاب الوَرَع)): ثنا ضَمْرة ، عن ابن عطاء
الخُراساني ، عن أبيه ، قال : كان أهل العلم يكرهون أن يُنشِد الرجلُ ثلاثةَ أبيات
من شِعْرٍ في المسجد حتى(١) يكسر الثالث .
وهذا تفريق بين قليلٍ الشعر فيُرخص فيه ، وهو البيت والبيتان ، وبين
كثيره ، وهو ثلاثةُ أبيات فصاعدًا .
وقال ابنُ عبد البر : إنما يُنشَد الشعر في المسجد غبًا من غير مداومة . قال:
وكذلك کان حسّان يُنْشِد .
وجمهور العلماء على جواز إنشاد الشعر المباح في المساجد ، وحَمَل بعضهم
حديث عمرو بن شعيب على أشعار الجاهلية ، وما لا يَليق ذكرُه في المساجد ،
ولكن الحديث المرسل يرد ذلك .
والصحيح في الجواب : أن أحاديث الرخصة صحيحة كثيرة ، فلا تقاوم
(١) من ((ق)).

٥١٤
حدیث : ٤٥٣
كتاب الصلاة
أحاديث الكراهة في أسانيدها وصحتها(١).
ونَقَل حنبل ، عن أحمد، قال: مسجد النبي ◌َّ خاصة لا يُنشد فيه شعْر ،
ولا يمر فيه بقطع اللَّحم، يجتنب ذلك كله، كرامةً لرسول اللّه وَله .
(١) كذا السياق .

٥١٥
٦٩ - بابُ أصحاب الحراب في المسجد
كتاب الصلاة
٦٩ - بَابُ
أَصْحَابِ الحِرابِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبّدِ اللّهِ: ثنا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ
ابْنِ شِهابٍ، قَالَ : أخْبَرَنِي عُرْوَةٌ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّه
وَ يَوْمَا فِ(١) بَابِ حُجْرَتَي، وَالْحَيَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرَسُولُ اللّه ◌َلُ
يَسْتُرُنِي بِدَتِهِ ، أَنْظُرُ إِلى لَعِبِهِمْ .
٤٥٥ ـ زَادَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِر: ثنا ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: رَأَيْتُ النَِّيَّ ◌َّهِ وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرابِهِمْ .
وخَرَّجه في ((كتاب: المناقب))(٢) من طريق عُقَيل ، عن ابن شهاب ،
ولفظه: رأيت النبيَّ وَّهِ يَسْتُرني وأَنَا أنظرُ إلى الحبشة وهم يلعبون في
المسجد، فزَجرهم عُمرُ، فقال النبيِ نَّ: ((دَعْهُم؛ أَمْنًا بني أَرْفِدة) يعني: من
الأَمْنِ .
وإنما ذَكَر هُنا روايةَ إبراهيم بن المُنْذِر تعليقًا ؟ لزيادته في الحديث : ذكر
الحراب .
وقد خَرّجه الإمام أحمد(٣)، عن عثمان بن عمر ، عن يونس بهذا الإسناد ،
وقال فيه : ((يلعبون بحرابهم)) ولم يذكر: ((في المسجد)».
وخَرَّجه مسلم في («صحيحه»(٤) عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب ، وقال فيه:
(١) وقع في ((ق)) و((هـ) و((ك)): ((في)). وفي ((اليونينية)) وهامش ((ق)): ((على)).
(٢) (٣٥٣٠) .
(٣) (٢٤٧/٦) .
(٤) (٣/ ٢٢) .

٥١٦
حديث : ٤٥٤ - ٤٥٥
كتاب الصلاة
((والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول اللّه وَلجهات)).
وقد خَرَّجه البخاري في ((عشْرة النساء)) (١) من رواية معمر ، عن الزهري، عن
عروة ، عن عائشة ، قالت : ((كان الحبشة يلعبون بحرابهم ، فيسترني رسولُ اللّه
وَّه وأنا أنظر، فما زلتُ أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فَاقُدُرُوا قَدْرَ الجَاريةِ
الحديثةِ السِّنِّ تسمع (٢) اللَّهْو)) .
كذا خَرَّجه من رواية هشام بن يوسف ، عن معمر .
وقد رُوي عن عبد الرزاق ، عن معمر ، وفيه ذكر الحِراب في المسجد (٣).
وعند الزهري في هذا الحديث إسناد آخر : رواه عن ابن المسيّب ، عن
أبي هريرة ، خرجه البخاري في ((كتاب: السير)) ومسلم - أيضًا (٤) - من رواية
معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : بَيْنَا الحبشةُ
يلعبون عند النبي ◌َّهُ بحرابهم دَخَلَ عمر، فأهوى إلى الحصى فَحَصَبَهُم بها ،
فقال: ((دَعْهُمْ يا عُمَرُ) .
قال البخاري : وزاد علي : ثنا عبد الرزاق : أبنا معمر : ((في المسجد)).
فجمع عبد الرزاق في روايته لهذا الحديث من هذا الوجه - أيضًا - بين ذكر
الحِراب والمسجد .
وخرَّج - أيضًا - في ((العيدين)) وفي ((السير)) (٥) من رواية أبي الأسود ، عن
عُرْوةَ ، عن عائشةَ ، قالت : كان يوم عيد يلعب السودانُ بالدَّرَق والحِراب ، فإمَّا
سألت رسولَ اللّه ◌َ له، وإمَّا قال: ((تشتهينَ أن تنظري؟)) قلتُ: نعم ، فأقامني
(١) (٥١٩٠) .
(٢) وقع في ((ق)): ((تستمع)).
(٣) ((المصنف)) لعبد الرزاق (٤٦٥/١٠).
(٤) البخاري (٢٩٠١) ومسلم (٢٣/٣).
(٥) (٩٥٠) (٢٩٠٧) .

٥١٧
٦٩ - بابُ أصحاب الحراب في المسجد
كتاب الصلاة
وراءَه ، خدي على خده، وهو يقول: ((دونكم، بَنِي أَرْفِدَةَ))، حتى إذا مَلَلْتُ
قال: ((حَسْبُك؟)) قلتَ : نعَمْ. قال: ((فاذْهَبِي)) .
وخَرَّجه مسلم - أيضًا(١) .
وفي هذه الرواية زيادة: ((الدَّرق))، وفيها زيادة : أن ذلك كان يوم عيد ،
وليس فيه ذكر المسجد .
وخَرَّج مسلم(١) من حديث جرير ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ،
قالت: جاء حَبَشُ يَزْفِئُونَ فِي يَوْمِ عيدٍ في المَسْجِدِ، فدعاني النبيُّ ◌َةِ،
فوضعتُ رَأْسي على مَنْكِبِهِ، فجعلتُ أنظرُ إلى لَعِهم حتى كُنْتُ أَنا التي أنصرفُ
عَنِ النَّظَرِ إليهم .
وخرّجه(٢) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ومحمد بن بشر ، عن
هشام ، ولم يذكرا : ((في المسجد)» .
وخرّج مسلم - أيضًا (٣)- من طريق ابن جُريج : أخبرني عطاء : أخبرني عُبيد
ابن عُمير ، قال : أخبرتني عائشة، أنها قالت لِلَّعَّبِينَ: وَدِدْتُ أني أَرَاهُمْ ، فَقَامَ
رسولُ اللّهِ وَلّهِ وَقُمْتُ على الباب أَنْظُرُ بين أُذُنَيْهِ وعَاتِقِهِ، وهُمْ يَلْعَبُونَ في
المسجد. قال عَطَاءٌ: فُرْسٌ أو حَبَشُ. قال: وقال لي ابن عتيق: بل حَبَشُ .
وقد رُوي أن ذلك العيد كان يوم عاشوراء ؛ فإنه كان عيدًا لأهل الجاهلية
ولأهل الكتاب .
فرَوَىَ ابنُ أبي الزِّنَادِ ، عن أبيه ، عن خَارجة بن زيد ، عن أبيه ، أنّ يوم
عاشوراء كان يومًا تُسْتَر فيه الكعبة، وتُقَلِّسُ فيه الحَبشة عند رسول اللّه وَه ـ
وذكر الحديث .
(١) (٢٢/٣) .
(٢) (٢٣/٣) .

٥١٨
حديث : ٤٥٤ - ٤٥٥
كتاب الصلاة
خَرَّجه الطبراني(١) .
والتقلُّس : اللعب بالسيوف ونحوها من آلات الحرب .
لكن خَرَّج الإمام أحمد(٢)، عن وكيع ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ،
قالت: كانت الحبشةُ يَلْعَبُونَ يومَ عيدٍ، فدعاني رسولُ اللّهِ بَله، فكنتُ أطلع
بين عاتقه فأنظر إليهم، فجاء أبو بكر، فقال النبيُّ ◌َ: ((دعها؛ فإنّ لِكُلِّ قومٍ
عیداً ، وهذا عيدُنا)) .
وهذا يدل على أنه كان أحد عيدي المسلمين .
وخرّج - أيضًا (٣) - من حديث ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن
عائشة ، أن النبي بَّ قال يومئذٍ: ((ليعلمَ يَهُودُ أنّ في ديننا فُسْحَة، أني أُرْسلْتُ
بِحَنِيفيةٍ سَمْحَةٍ)) .
والمقصود من هذا الحديث : جوازُ اللعب بآلات الحرب في المساجد ؛ فإنّ
ذلك من باب التمرين على الجهاد ، فيكون من العبادات .
ويُؤخذ من هذا : جوازُ تعلم الرمي ونحوه في المساجد ، ما لم يُخش الأذى
بذلك لمن في المسجد ، كما تقدم في الأمر بالإمساك على نِصالِ السهام في
المسجد لئلا تصيب مسلمًا ، ولهذا لم تجر عادة المسلمين بالرمي في المساجد.
وقد قال الأوزاعي : كان عمر بن عبد العزيز يكره النِّصَالَ بالعشي ، فقيل
له : لِمَ ؟ قال : لعمارة المساجد .
ولكن إن كان مسجد مهجور ليس فيه أحد ، أو كان المسجد مغلقًا ليس فيه
إلا من يتعلم الرمي فلا يمنع جوازه حينئذٍ . والله أعلم .
(١) في ((الكبير)) (١٣٨/٥).
(٢) (١٨٦/٦).
(٣) (٦/ ٢٣٣) .

٥١٩
٦٩ - بابُ أصحاب الحراب في المسجد
كتاب الصلاة
وحكى القاضي عياض ، عن بعض شيوخه ، أنه قال : إنما يمنع في
المساجد من عمل الصنائع التي يختص بنفعها آحاد الناس وتكتسب به ، فأما
الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في دينهم كالمثاقفة (١)، وإصلاح آلات الجهاد
مما لا امتهان للمسجد في عمله فلا بأس به . والله أعلم .
(١) أي : تسوية الرماح .

٥٢٠
حديث : ٤٥٦
كتاب الصلاة
م
٧٠ -باب
ذِكْرِ الْبَيْعِ والشّرّاءِ عَلَى المِنْبَرِ فِي الْمَسْجِدِ
٤٥٦ - حدثنا عَلَيُّ بْنُ عَبّد اللّه: ثنا سُفْيانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ : أَنَّهَا بَرِيرَةُ تَسْألُها فِي كِتَابَتِها ، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ
الْوَلاَءُ لِي . وَقَالَ أَهْلُها: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِها مَا بَقِيَ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً : إِنْ شِئْتِ
أَعْتَقْتِها وَيَكونُ الوَلاءُ لَنا - فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللّهِ وَ ذَكَّرِتْهُ ذَلِكَ، فَقَال: ((ابتاعيهَا
فَأَعْتِقيها؛ فَإِنَّمَا الولاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللّهِوَ عَلَى المِثْبَرَ - وَقَالَ سُفْيَانُ
مَرَّةَ : فَصَعِدَ رَسُولُ اللّهِلَ﴿ عَلَى الِمِنْبَرَ - فَقَالَ: ((ما بالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرُونَ شُرُوطًا
لَيْسَ في كتابِ الله؟ مَن اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللّه فَلَيْسَ لَهُ، وَإِن اشْتَرَطَ
مائَةَ مَرَّة)» .
وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْبِى، عن عَمْرةَ، أَنَّ بَرِيَرَةَ - وَلَمْ يَذْكُرْ : ((صَعِدَ المنبر)).
قَالَ عَلِيٍّ: قَالَ يَحْيِى وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، عن يَحْبِى عَنْ عَمْرَةَ - نَحْوَهُ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ يَخْبِى : سَمِعْتُ عَمْرَةَ : سَمِعْتُ عَائِشَةً.
حاصل ما ذكره من الاختلاف في إسناد هذا الحديث : أن ابن عيينة رواه عن
يحيى بن سعيد ، عن عَمرة ، عن عائشة ، فوصله كله .
ورواه مالك في ((الموطٍ))(١)، عن يحيى بن سعيد ، عن عَمرة ، أن بريرة
أَتَتْ عائشة - فذكر الحديث، ولم يسند متنه عن عائشة، إلا أن النبي وَلّ قال
لها: ((اشتريها وأعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعتق))، ولم يذكر صعودَهُ على
المنبر .
(١) (ص ٤٨٨) .