النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل
كتاب الصلاة
وخرج مسلم حديثه عنه في ((صحيحه)) .
وخرج الإمام أحمد (١)- بإسناد جيد - ، عن عقبة بن عامر ، قال : قال
رسول اللّه وَيقول: ((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)).
وخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو - مرفوعًا - من رواية يونس
ابن بكير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عنه - مرفوعًا .
ويونس ، وثقه غير واحد .
لكن رواه مالك(٢) عن هشام ، عن أبيه ، عن رجل من المهاجرين ، أنه
سأل عبد الله بن عمرو - فذكره ، ولم يرفعه .
ورواه عبدة ووكيع ، عن هشام : حدثني رجل من المهاجرين - فذكره ، ولم
يذكر في الإسناد : ((عروة)).
قال مسلم في ((كتاب التمييز)) : وهو الصواب .
واختلف القائلون بالكراهة : هل تصحّ الصلاة في أعطان الإبل ، أم لا ؟
فقال الأكثرون : تصح ، وهو رواية عن أحمد ، وأنه يعيد الصلاة استحبابًا .
والمشهور عن أحمد : أنها لا تصح ، وعليه الإعادة .
وعنه رواية ثالثة: إن علم بالنهي لم تصح ، وإلا صحت(٣).
وعلله أصحاب الشافعي بأنها تَنْفِر ، فربما قطعت على المصلي صلاته .
وهذا ضعيف ؛ لوجهين :
أحدهما : أنه يَبْطُلُ بالصلاة إلى البعير ، لكن في كلام الشافعي ما يدل على
كراهته .
والثاني : أنه ينتقض بما إذا لم تكن الإبل في أعطانها ، فإن الكراهة لا
(١) (٤ / ١٥٠) .
(٢) ((الموطأ)) (ص ١٢٢).
(٣) انظر ((مسائل)) عبد اللّه (٢٤٢) وأبي داود (ص ٤٧) وابن هانئ (٣٤٨) وصالح (٤٧٨)
(٧٧٠) .
:

٤٢٢
حديث : ٤٣٠
كتاب الصلاة
تنتفي بذلك .
والمنصوص عن الشافعي : التعليل بما ورد به النص ، أنها خلقت من
الشياطين .
قال الشافعي: وفي قول النبي ◌ََّ: ((لا تصلُّوا في أعْطَانِ الإبل ؛ فإنها جنٌّ
من جنٍّ خلقت)) دليل على أنه إنما نهى عنها ، كما قال حين نام عن الصلاة :
((اخرجوا بنا من هذا الوادي، فإنه واد به شيطان)) . فكره أن يصلي قرب شيطان ،
وكذا كره أن يصلي قرب الإبل ؛ لأنها خلقت من جن ، لا لنجاسة موضعها .
وذكر أبو بكر الأثرم معنى هذا - أيضًا - ، وأنه إنما كره الصلاة في معاطن
الإبل ؛ لأنها خلقت من الشياطين .
وقد فسر ابن قتيبة(١) خلق الإبل من الشياطين بأنها خلقت من جنس خلقت
منه الشياطين . قال : وورد في حديث آخر أنها خلقت من أعيان الشياطين ،
يريد من نواحيها وجوانبها . قال : ولم تزل العرب تنسب جنسًا من الإبل إلى
الحوش ، فتقول : ناقة حوشية ، وإبل حوشية ، وهي أنفر الإبل وأصعبها ،
ويزعمون أن للجن إبلاً ببلاد الحوش ، وأنها ضربت في نَعَم الناس فنتجت منها
هذه الحوشية ، فعلى هذا يجوز أن يراد أنها خلقت من نتاج [نعم] (٢) الجن ، لا
من الجن نفسها . انتهى .
ويجوز أن يكون خلقت في أصلها من نار ، كما خلقت الجن من نار ، ثم
توالدت كما توالدت الجن . واللّه تعالى أعلم .
وزعم الخطابي(٣) أنها نسبت إلى الشياطين لما فيها من النفار والشرود. قال:
والعرب تسمي كل ماردٍ شيطانًا .
(١) ((تأويل مختلف الحديث)) له (ص ٨٩ - ٩٠).
(٢) من ((هـ)) .
(٣) في ((معالم السنن)) (١/ ٣٣٢ - بهامش أبي داود) .
١

٤٢٣
٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل
كتاب الصلاة
وقال أبو عبيد : المراد : أنها في أخلاقها وطبائعها تشبه الشياطين .
وقد وَرَدَ في حديث آخر : ((إن على ذُرْوَة كل بعير شيطانًا))(١) مع أن النبي
وَلي- كان يصلي في السفر على بعيره النوافل ، وهذا مما يستدل به من يقول: إن
النهي عن الصلاة في الأعطان(٢) لا يمنع صحة الصلاة(٣).
واختلفوا في تفسير أعطان الإبل .
فقال الشافعي : العَطن : قرب البئر التي يُستقى منها ، وتكون البئر في
موضع ، والحوض قريبًا منها ، فيصب فيه فيملأ، فتُسقى الإبل ، ثم تُنحى عن
البئرِ شيئًا حتى تجد الواردة موضعًا ، فذلك العطن . قال : وليس العطن مَرَاحُها
الذي تبيت فيه .
وكره أصحابه الصلاة في مَأْوَاها بالليل دون كراهة العَطَن .
وقال الإمام أحمد - في رواية ابنه عبد اللّه(٤) - : العَطَن : الذي تقيم في
المكان تأوي إليه .
وقال - في رواية ابنه صالح(٥) - : يعيد الصلاة إذا صلى في الموضع الذي
تأوي إليه .
وقال أبو بكر الخلال : العَطن : الذي تأوي إليه بالليل والنهار .
وقال أصحاب مالك : لا يصلي في أعطان الإبل التي في المناهل .
وهذا يشبه قول الشافعي ، وهو وجه لأصحابنا - أيضًا - ، وأن العطن : هو
(١) أخرجه أحمد (٢٢١/٤) من حديث أبي لاس الخزاعي، والدارمي (٢٨٦/٢) من حديث
حمزة بن عمرو الأسلمي .
(٢) في ((هـ)): ((في أعطان الإبل)).
(٣) وقال ابن حبان في ((صحيحه)) (٤/ ٦٠٢).
قوله {وَلفي: ((فإنها خلقت من الشياطين)): أراد أن معها الشياطين، وهكذا قوله القطاع *:
((فليدراً ما استطاع ، فإن أبى فليقاتله ، فإنه شيطان)) وفي رواية: ((فإن معه القرين)).
(٤) (٢٤٢) .
(٥) (٢/ ٢٠٠) .

٤٢٤
حديث : ٤٣٠
كتاب الصلاة
موضع اجتماعها إذا صدرت عن المنهل ، وبذلك فسره كثير من أهل اللغة .
وبكل حالٍ ؛ فليس الموضع الذي تنزله في سيرها عطنًا لها ، ولا تكره
الصلاة فيه، والنبي وَّ إنما كان يعرِّض بعيره ويصلي إليه في أسفاره، ولم يكن
يدخل إلى أعطان الإبل فيعرض البعير ويصلي إليه فيها ، فلا تعارض حينئذٍ بين
صلاته إلى بعيره ، وبين نهيه عن الصلاة في أعطان الإبل ، كما توهمه البخاري
ومن وافقه . والله أعلم .
وأما مواضع البقر فغير منهي عن الصلاة فيه عند أكثر العلماء ، ومنهم :
عطاء ومالك وابن المنذر، واستدل له بقول النبي وَ له: ((أينما أدركتك الصلاة
فصلٌّ، فهو مسجد))(١) .
وقد ورد فيه حديثان :
أحدهما: خرجه ابن وهب في ((مسنده))(٢) عن سعيد بن أبي أيوب ، عمن
حدثه، عن عبد اللّه بن مغفل صاحب النبي نَّو، أنه قال: نهى رسول اللّه
432 1ه أن يُصلى في معاطن الإبل، وأمر أن يُصلى في مراح الغنم والبقر.
وفي إسناده جهالة .
والثاني: من حديث ابن لهيعة، عن حُيَيِّ بن عبد اللّه، أن أبا عبد الرحمن
الحُبُلي حدثه، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول اللّه ◌َحلّ كان يصلي في مَرَابِدٍ
الغنم ، ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر .
خرجه الإمام أحمد (٣) .
وهذا إسناد ضعيف . والله أعلم .
(١) أخرجه البخاري (٣٣٦٦) ومسلم (٢/ ٦٣) من حديث أبي ذر رضي اللّه عنه.
(٢) انظر ((شرح المسند)) للشيخ أحمد شاكر (١٤٢/١٠).
(٣) (١٧٨/٢).

٤٢٥
٥١ - باب من صلى وقا اء تنور أو نار أو شيء مما يعبد
كتاب الصلاة
٥١ - بَابُ
روضرورة ٤٥
مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُورٌ أَوْ نَارٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَدُ،
فَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي أَنَسٌّ، قَالَ النَِّيُّم ◌َ : ((عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا
◌ُصَلِّ» .
٤٣١ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالك، عَنْ زَيّدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْخَسَقَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ،
ثُمَّ قَالَ: (أُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَراً كَالْيَوْمٍ قَطُّ أَفْظَعَ) .
حديث ابن عباس هذا قد خرجه بطوله في ((أبواب صلاة الكسوف)) (١) وخرج
فيها - أيضًا - معناه من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق(٢) - رضي اللّه
عنهما .
وأما حديث أنس الذي علقه فهو قطعة من حديث طويل ، فيه : أن النبي
رَّ صلى الظهر عند الزوال، ثُمَّ صعد المنبر فذكر الساعَة، ثم قال: ((مَنْ أَحَبّ
أن يَسْأل عن شيءٍ فليسأل)). وفي آخره: قال: ((عُرضتْ عليَّ الجنة والنار -
آنفًا - في عرض هذا الحائط ، فلم أر كالخير والشر)).
وقد خرجه البُخَاري بتمامه في ((باب: وقت الصلاة عند الزوال))، كما
سيأتي - إن شاء اللّه تعالى(٣)-، وخرج بعضه في ((كتاب: العلم)) فيما سبق(٤).
(١) (١٠٥٢) .
(٢) (١٨٤) (٩٢٢) (١٠٥٣).
(٣) (٥٤٠) .
(٤) (٨٦) .

٤٢٦
حديث : ٤٣١
كتاب الصلاة
وخرجه - أيضًا - بمعناه من حديث قتادة، عن أنس في ((كتاب: الفتن))(١).
وليس في حديث الزهري وقتادة عن أنس أن عرض الجنة والنار عليه كان في
الصلاة .
وخرج - أيضًا - في ((باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة))(٣) من حديث
فُليح: ثنا هلال بن علي، عن أنس، قال: صلى لنا رسول اللّه مَّر، ثم رقي
المنبر ، فأشار بيده قبَل قبلة المسجد ، ثم قال : ((لقد رأيت الآنَ منذ صليتُ لكم
الصلاة الجنّة والنّار مُمثّلَتَيْنِ في قبلة هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشرِ) -
ثلاثًا .
وخرج مسلم(٣) من حديث عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن
جابر، قال: انكسفت الشمس في عهد رسول اللّه وَله، فذكر صلاته وخطبته
بعد الصلاة ، وأنه قال فيها : ((ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه،
لقد جيء بالنار ، وذلك حين رأيتموني تأخرت ؛ مخافة أن يصيبني من لفحها)) -
وذكر الحديث .
ومقصود البخاري بهذا الباب : أن من صلى للَّه عز وجل ، وكان بين يديه
شيء من جنس ما عبد من دون اللّه كنار وتنور وغير ذلك ، فإن صلاته صحيحة،
وظاهر كلامه أنه لا يكره ذلك - أيضًا .
واستدل بعرض النار على النبي ◌َّيو في صلاته، وفي هذا الاستدلال نظر .
قال الإسماعيلي : ليس ما أراه اللّه من النار حتى(٤) أطلعها بمنزلة نار يتوجه
المرء إليها وهي معبودة لقوم ، ولا حكم ما أُري ليخبرهم بما رآه كحكم
(١) (٧٠٨٩) .
(٢) (٧٤٩) .
(٣) (٣١/٣) .
(٤) لعل صوابه: ((حين)).

٤٢٧
٥١ - باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد
كتاب الصلاة
من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائمًا موضوعًا فجعله أمام مصلاه وقبلته .
انتھی
فأشار إلى الفرق من وجوه :
منها : أن من كره الصلاة إلى نار أو تنور ، فإنما كره أن يتعمد المصلي
ذلك، وعرضُ النار على النبي وَّرِ لم يكن كذلك.
ومنها : أن المكروه استقبالُ نار الدنيا ؛ لأنها هي التي عبدت من دون اللّه
عز وجل ، فأما نار جهنم فهي دار عقاب الكفار ، فليست كنار الدنيا .
ومنها : أن ما أُري النبي وَّر من أمر الغيب لا يتعلق به أحكام أمور الدنيا.
ومن هنا قيل: إن جبريل لما شقَّ قلبَ النبيِ وَِّ وغسله في طَسْتٍ مِنْ ذَهبٍ
لم يجرِ على ذلك حكم استعمالِ أواني الذَّهبِ في الدنيا .
وقد كَرِه أكثر العلماء الصلاة إلى النار ، منهم : ابن سيرين ، كره الصلاة إلى
تنور ، وقال : هو بيت نار .
وقال سفيان : يكره أن يوضع السراج في قبلة المسجد .
وقال إسحاق : السراج لا بأس به ، والكانون أكرهه - : نقله عنه حرب .
وقال مَهَنَّا : سألت أحمد عن السراج والقنديل يكون في قبلة المسجد ؟
قال : أكرهه ، وأكره كلَّ شيء ؛ حتى كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئًا
حتى المصحف . وكان ابن عمر يكره أن يكون بينه وبين القبلة شيء .
ونقل الفرج بن الصباح البرزاطي عن أحمد ، قال : إذا كان التنور [في قبلة
لا يصلى إليه؛ كان ابن سيرين يكره أن يصلي إلى التنور](١).
ووجه الكراهة : أن فيه تشبهًا بعُبَّاد النار في الصورة الظاهرة ، فكره ذلك ،
وإن كان المصلي يصلي الله ، كما كرهت الصلاة في وقت طلوع الشمس وغروبها
(١) سقط من ((هـ)).

٤٢٨
حديث : ٤٣١
كتاب الصلاة
لمشابهة سجود المصلي فيه سجودَ عباد الشمس لها في الصورة، وكما تكره
الصلاة إلى صنم وإلى صورة مصورة .
قال أحمد في رواية الميموني : لا تصلٌّ إلى صورة منصوبة في وجهك .
وقد سبق ذكر كراهة الصلاة إلى الصور .
وأما استثناء إسحاق من ذلك السراج ، فقد أشار حرب إلى الاستدلال له بما
خرجه من طريق أسباط ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال :
بينما رسول اللّه وَ لَه يصلي على حَصِيرٍ - وبين يديه مصباح - قال: فجاءت الفأرة،
فأخذت الفتيلة ، فألقتها على الحصير ، وأحرقت منه قدر الدرهم ، فقال
رسول اللّهِ وَله : ((إن الفُونْسقة لَتُضْرمُ على أهل البيت)).
وقد خرجه أبو داود(١)، وليس عنده ذكر الصلاة على الحصير ، ولا أن بين
يديه مصباحًا .
ولو وُضع بين يدي المصلي في صلاته نار لم تبطل صلاته ، ويزيلها عنه
بحسب القدرة .
وفي ((صحيح مسلم)) (٢) عن أبي الدرداء قال: قام رسول اللّه بَّهِ [فأمَّ](٣)،
فسمعناه يقول: ((أعوذ باللّه منك)). ثم قال: ((أَلْعَنُك بلعنة اللّه)) - ثلاثًا - وبسط
يديه كأنه تناول شيئًا ، فلما فرغ من الصلاة قلنا : يا رسول اللّه ، قد سمعناك
تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ، ورأيناك بسطت يدك . قال :
((إنَّ عدوَّ اللّه إبليس جاءَ بشهابٍ منْ نارٍ ؛ ليجعله في وجهي فقلت : أعوذ بالله
منك ثلاث مرات ، ثم قلت: ألعنك بلعنة اللّه التامة. فلم يستأخر - ثلاث مرات -،
ثم أردت آخذه ، واللّه ؛ لولا دعوة أخينا سليمان عليه السلام لأصبح مُوثقًا يلعبُ
(١) (٥٢٤٧) .
(٢) (٧٣/٢) .
(٣) كذا ، وليس هذا اللفظ في مسلم .
١

٤٢٩
كتاب الصلاة ٥١ - باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد
به ولدانُ أهل المدينة» .
وخرج الإمام أحمد(١) من حديث سماك بن حرب ، سمع جابر بن سمرة
يقول: صلى بنا رسول اللّه وَ لله صلاةَ الفجر، فجعل يهوي بيده فسأله القوم
حين انصرف ، فقال: ((إنَّ الشيطان كان(٢) يلقي عليَّ شرر النار ؛ ليفتنني عن
الصلاة ، فتناولته ، فلو أخذته ما انفلتَ مني حتى يُنَاط إلى سارية من سواري
المسجد ينظرُ إليه ولدانُ أهل المدينة)) .
(١) (١٠٤/٥ - ١٠٥) .
(٢) فى ((هـ): ((كان الشيطان)).

٤٣٠
حديث : ٤٣٢
كتاب الصلاة
٥٢ -باب
كَرَاهِيَةِ الصَّلاَةِ فِي المَقَابِرِ
٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ
عُمَرَ ، عَنِ النَِِّّ﴿َ، قَالَ: (اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَئِكُمْ، وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا)).
قد سبق استدلال ابن المنذر بهذا الحديث - أيضًا - على كراهة الصلاة في
المقبرة ، وكذلك الخطابي وغيره .
ووجه ذلك : أن النبي ◌َّ أمرهم بأن يصلوا في بيوتهم ، ولا يتخذوها
قبورًا بترك الصلاة فيها ، فدلَّ على أن القبور ليس فيها صلاة ، وأن البيت يُكره
إخلاؤه عن الصلاة ، لما فيه من تشبيهه بالمقابرُ الخالية عن الصلاة .
ولكن قد يقال : النهي عن تشبيه البيوت بالمقابر في إخلائها عن الصلاة إنما
يراد منه أنَّ المقابر(١) تخلو عن الصلاة فيها في الواقع المشاهد ؛ فإنها ليست
محلاً لصلاة الأحياء عادةً . ومن فيها من الأموات لا يقدرون على الصلاة ،
فصارت خالية عن الصلاة عادة .
وهذا إخبار بحسب الغالب ، وإلا فقد شوهد(٢) صلاة بعض الموتى في
قبورهم ، ورُئِيَ ذلك في المنام واليقظة ، ولكنه نادر ، فنهى عن تشبيه بيوت
الأحياء بمقابر الأموات في إخلائها عن الصلاة [فيها لذلك](٣).
وقد قال الحسن : من أوى إلى فراشه طاهرًا ، وذكر اللّه حتى تغلبه عيناه
كان فراشه له مسجدًا ، ومن أوى إلى فراشه غير طاهر ، ولم يذكر اللّه كان
فراشه له قبراً .
(١) في ((ق)): ((يراد منه خلوان المقابر)).
(٢) في الأصل: ((ق): ((شهود)).
(٣) في ((هـ)): ((كذلك)).

٤٣١
٥٢ - باب كراهية الصلاة في المقابر
كتاب الصلاة
يشير إلى أنه يصير كالقبر لخلوه عن الذكر ، والنائم على الذكر يصير له
كالمسجد .
وحينئذ فلا يبقى في الحديث تعرض لمنع الصلاة في المقابر شرعًا ، حيث
كان المراد ذكر امتناع الصلاة فيها في الواقع .
وقد قال بعضهم في قوله : ((ولا تَتَّخذُوها قبورًا)) : إنه نهى عن الدفن في
البيوت ، وهذا بعيد جداً .
قال الخطابي(١): لا معنى لقول من تأوله على النهي عن دفن الموتى في
البيوت، فقد دُفْن النبي وَّ في بيته الذي كان يسكنه .
وأكثر العلماء على جواز الدفن في البيوت ، ووصى يزيد بن عبد الله بن
الشِّخِير أن يدفن في داره، فَدُفن فيها، وشهد الحسن جنازته، ولم ينكر ذلك أحد .
قال أحمد : لا بأس أن يشتري الرجل موضع قبره ، ويوصي أن يُدفن فيه إذا
مات ، قد فعل ذلك عثمان بن عفان وعائشة وعمر بن عبد العزيز - رضي اللّه
عنهم .
وقال - أيضًا - : ما أحبُّ أن يدفن في بيته ، يُدفن في المقابر مع المسلمين.
[وقال فيمن وصى أن يُدفن في داره: يُدفن في المقابر مع المسلمين . وإن
دُفن في داره أضرَّ بالورثة، والمقابر مع المسلمين](٢) أعجب إليَّ.
وتأوله بعض أصحابنا على أنه نقص من قيمة الدار بدفنه فيها أكثر من مقدار
ثلث مال الموصي .
وهذا بعيدٌ جدًا ، بل ظاهرُ هذه الرواية يدل على أن من وصى في دفنه
بمكروه أو بما هو خلاف الأفضل أنه لا تنفذ وصيته بذلك .
(١) في ((شرح البخاري)) له (٣٩٣/١).
(٢) سقط من (هـ)).
*

٤٣٢
٥٣ - باب الصلاة في موضع الخسف والعذاب
كتاب الصلاة
٥٣ ۔ بَابُ
الصَّلاَةِ فِي مَوْضِعِ الخَسْفِ وَالعَذَابِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلَيًا - رَضْوَانُ اللَّه عَلَيْهِ - كَرِهَ الصَّلاَةَ بِخَسْف بَابِلَ .
هذا مرويّ عن علي من وجوه :
فروى وكيع، عن سفيان، عن عبد اللّه بن شريك العامري ، عن عبد الله بن
أبي المحل ، عن علي أنه كره الصلاة في الخسوف(١).
ورواه غير وكيع ، فقال: عن عبد اللّه بن أبي المحل ، عن أبيه ، عن
علي
قال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يُسأل عن الأرض الخسف :
أَيُصَلَّى فيها ؟ فكره ذلك ، وقال : حديث علي - وذكر هذا الحديث .
وروى يعقوب بن شيبة ، عن أبي نعيم : ثنا المغيرة بن أبي الحرِّ الكندي :
حدثني حجر بن عنبس ، قال : خرجنا مع علي إلى الحَرُورِيّة ، فلما وقع في
أرض بابل قلنا : أمسيتَ يا أميرَ المؤمنين ، الصلاةَ ! الصلاةَ ! قال : لم أكنْ
أصلي في أرض قد خَسَفَ اللّه بها.
وخرجه وكيع ، عن مغيرة بن أبي الحرِّ ، به بنحوه .
وهذا إسناد جيد، والمغيرة بن أبي الحرِّ وثقه ابن معين . وقال أبو حاتم:
ليس به بأس . وحجر بن عنبس ، قال ابن معين : شيخ كوفي مشهور .
وروي عن علي مرفوعًا .
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٢/٢ - الثقافية).
وروى عقبه عن ابن عيينة ، عن عبد اللّه بن شريك ، عن ابن أبي المحل ، أن عليًا مر
بجانب من بابل ، فلم يصلِّ بها .

٤٣٣
٥٣ - باب الصلاة في موضع الخسف والعذاب
كتاب الصلاة
خرجه أبو داود(١) من طريق ابن وهب : ثنا ابن لهيعة ويحيى بن أزهر ، عن
عمارة بن سعد المرادي ، عن أبي صالح الغفاري ، أن عليًا مرَّ ببابل وهو يسير ،
فجاءه المؤذن يُؤْذنه بصلاة العصر ، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة ، فلما
فرغ قال : إن حِّي نهاني أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض
بابل ؛ فإنها ملعونة .
وخرجه - أيضًا(٢)- من وجه آخر عن ابن وهب : أخبرني يحيى بن أزهر وابن
لهيعة ، عن الحجاج بن شداد ، عن أبي صالح الغفاري ، عن علي ، بمعناه .
وقال ابن عبد البر(٣): هو إسناد ضعيف ، مجمع على ضعفه ، وهو منقطع
غير متصل ، وعمارة [بن سعد](٤) والحجاج وأبو صالح مجهولون .
قلت : الموقوف أصح، [وضعَّف أبو الحسين ابن المنادِي الجميع] (٥).
والله أعلم .
قال البخاري - رحمه الله - :
٤٣٣ - ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْد اللَّه: حَدَّثَنِي مَالكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ دينَار، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ قَالَ: ((لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ، إِلاَّأَنْ
تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِنَ فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لاَ يُصِبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ) .
هذا الحديث : نص في المنع من الدخول على مواضع العذاب ، إلا على
أكمل حالات الخشوع والاعتبار ، وهو البكاء من خشية اللّه وخوف عقابه الذي
نزل بمن كان في تلك البقعة ، وأن الدخول على غير هذا الوجه يخشى منه إصابة
العذاب الذي أصابهم .
(١) (٤٩٠) .
(٢) (٤٩١) .
(٣) (٢٢٣/٥) .
(٤) من ((هـ).
(٥) سقط من ((هـ)).

٤٣٤
حديث : ٤٣٣
كتاب الصلاة
وفي هذا تحذير من الغفلة عن تدبر الآيات فمن رأى ما حلَّ بالعُصَاةِ ولم
يتنبه بذلك من غفلته ، ولم يتفكر في حالهم ، ويعتبر بهم فليحذر من حلول
العقوبة به ، فإنها إنما حَلَّتْ بالعصاة لغفلتهم عن التدبر وإهمالهم اليقظة والتذكر.
وهذا يدلُّ على أنه لا يجوز السكنى بمثل هذه الأرض ، ولا الإقامة بها ،
وقد صرَّح بذلك طائفة من العلماء ، منهم : الخطابي وغيره ، ونصَّ عليه أحمد.
قال مهنا : سألت أحمد عمن نزل الحِجْر : أيشرب من مائها ويعجن به ؟
قال : لا ، إلا لضرورة ، ولا يقيم بها .
وعلى هذا : فيتوجه أن من صلى بها لغير ضرورة ، ولم يكن في صلاته
على حالة الخشوع والخشية التي رخص النبي وَّ﴿ في الدخول عليها أن لا تصحّ
صلاته ، على قياس قول من قال: إن الصلاة في المقبرة وأعطان الإبل لا تصح،
إلا أن يفرق : بأن النهي هنا عن الدخول لا يخص الصلاة ، بخلاف النهي عن
الصلاة في المقبرة والأعطان ، فيتخرج حينئذ الصلاة فيها (١) على الصلاة في
الأرض المغصوبة ، كما سبق ذكره .
وأحمد - في رواية - مع جماعة من أهل الظاهر : يوجبون الإعادة على من
صلى في أرض غصب ، وكذلك إسحاق - في رواية عنه - ، إذا كان عالمًا
بالنھي
وأما الوضوء من مائها : فقد صرح طائفة من الظاهرية بأنه لا يصح ،
ويتخرج على قواعد الإمام أحمد وأصحابه على الخلاف عندهم في الوضوء بالماء
المغصوب .
وقد ورد النهي عن الوضوء بخصوصه في حديث خرجه الطبراني في
((أوسطه))(٢) من رواية ابن إسحاق : حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة،
(١) في (ق)): ((منها)) والمثبت من ((هـ)) وهو أشبه.
(٢) (٣٤٠٤) .

٤٣٥
٥٣ - باب الصلاة في موضع الخسف والعذاب
كتاب الصلاة
عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: مر (١) رسول اللّه وَال
بالحِجْرِ واستقى الناس من بئرها ، [ثم راح فيها](٢)، فلما استقلَّ أمر الناس ألا
يشربوا من مائها ، ولا يتوضئوا منه ، وما كان من عجين عُجِنَ بشيء من مائها أن
يُعْلَفَ به ، ففعل الناس .
وروى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : حدثني عبد اللّه بن أبي بكر بن
حزم ، عن العباس بن سهل بن سعد - أو عنِ العباس بن سعد - ، أن رسول اللّه
وَلَ﴿ حين مر بالحِجْرِ ونزلها استقى الناس من بئرها، فلما راحُوا منها قال
رسول اللّه ◌َ ي للناس: ((لا تَشْربوا من مائها شيئًا، ولا تتوضئوا منه للصلاة،
وما كان من عجين عجنتم به فاعْلِفُوه الإبلَ ، ولا تأكوا منه شيئًا)) .
وهذا مرسل(٣).
ياكلوا
وقد خرج البخاري حديث ابن عمر هذا في ((قصص الأنبياء)) من ((كتابه))(٤)
هذا من حديث عبد الله بن دينار ونافع وسالم ، عن ابن عمر . وفي رواية
عبد اللّه ونافع : أنهم نزلوا الحجر . وفي حديث سالم : أنه مرَّ بالحجر وتَقَنَّعَ
بردائه ، وهو على الرَّحْلِ .
وخرج مسلم(٥) حديث سالم ، وفيه : ثم زَجَرَ فأسرع حتى خلفها .
وحمل أبو الحسين ابن المنادِي من متقدمي أصحابنا النهي عن دخولها وعن
شرب مائها على الكراهة دون التحريم . والله أعلم .
(١) في ((الأوسط)): ((نزل)).
(٢) سقط من ((هـ)).
(٣) وأخرجه البيهقي في ((الدلائل)) (٢٤٠/٥). وانظر: ابن هشام في ((السيرة» (٥٢١/٢)
و ((البداية والنهاية)) (١١/٥).
(٤) (٣٣٧٨) (٣٣٧٩) (٣٣٨٠).
(٥) (٢٢١/٨) .

٤٣٦
٥٤ - باب الصلاة في البيعة
كتاب الصلاة
٥٤ - بَابُ
الصَّلاَةِ فِي الِيْعَةِ
وَقَالَ عُمَرُ : إِنَّا لاَ نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ النَّمَاثِيلِ الَّي فِيَهَا الصُّورُ.
وَكَانَ ابْنُ عَّاسٍ يُصَلِّي في البِيعَةِ إِلا بِيعَةً فِيهَا تَمَائِيلُ.
روى حجاج بن منهال : ثنا ربيعة بن كلثوم ، عن نافع ، قال : قال عمر :
إنا لا ينبغي لنا أن ندخل كنيسة فيها تصاوير .
وروى وكيع في ((كتابه))، عن عبد اللّه بن نافع مولى ابن عمر، عن أبيه،
عن أسلم مولى عمر ، قال : قال عمر : إنا لا ندخل كنائسكم التي فيها
تصاوير(١).
وعن سفيان ، عن خُصيف ، عن مِقْسم ، عن ابن عباس ، أنه كره الصلاة
[في الكنيسة إذا كان فيها تماثيل(٢).
وقال سفيان: لا بأس بالصلاة](٣) فيها إذا لم يكن فيها تمثال ، وإن وجدَ
غيرها فهو أحبُّ إليَّ .
وكره مالك الصلاة في البيع والكنائس ؛ لنجاستها من أقدامهم ، ولما فيها
من الصور ، وقال : لا ينزل بها إلا من ضرورة - : ذكره صاحب ((التهذيب)).
وَرَخَّص أكثر أصحابنا في دخول ما ليس فيه صور منها ، والصلاة فيها .
وكرهه بعضهم ، منهم : ابن عقيل ، ومنهم من حكى في الكراهة عن أحمد
روايتين، والمنصوص عن أحمد : كراهة دخولها في أعيادهم ومَجَامِعِهِمْ فيها .
(١) ورواه عبد الرزاق (٤١١/١ - ٤١٢) من طريقين عن نافع ، عن أسلم .
(٢) وأخرجه عبد الرزاق (٤١١/١) عن سفيان.
(٣) سقط من ((هـ)).

٤٣٧
٥٤ - باب الصلاة في البيعة
كتاب الصلاة
ويستدل للكراهة فيما فيه صور : بأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة ،
وبأنه محلّ الشياطين ، فتكره الصلاة فيه كالحمام والحَشِّ .
ويدل على كراهته - أيضًا -: خروج النبي ◌َّر من الوادي الذي ناموا فيه عن
الصلاة، وقال: ((إنَّ هذا الوادي حَضَرنا فيه شيطان))(١) .
وكره أصحاب الشافعي الصلاة فيها ، مع الصحة .
وحكى ابن المنذر وغيره: الرخصة فيها عن طائفة [من العلماء] (٣) ، منهم :
أبو موسى ، والحسن ، والشعبي ، والنخعي ، وعمر بن عبد العزيز ،
والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، واختاره ابن المنذر .
وأكثر المنقول عن السلف في ذلك قضايا أعيان لا عموم لها ، فيمكن حملها
على ما لم يكن فيه صور .
وصرح كثير من أصحابنا بتحريم الدخول إلى بيت فيه صور على جدرانه،
وإن كان لا يقدر على إزالتها ، وسواء كان حمامًا أو غيره ، منهم : ابن بطة ،
والقاضي أبو يعلى .
وذكر صاحب ((المغني)) أن ظاهر كلام أحمد أنه مكروه غير محرم ، وحكاه ـ
أيضًا - عن مالك ، وعن أكثر أصحاب الشافعي أنه محرم ، وذكر في أثناء كلامه:
أن دخول البيع والكنائس جائز ، ولو كان فيها صور ، وجعله دليلاً له ، وهو
يُشعر بأنه محل إجماع .
ولعل الفرق : أن صور البِيعَ والكنائس تُقرّ ولا يلزم إزالتها ، كما يقر أصل
البيعَ والكنائس ، بخلاف الصور في بيوت المسلمين ؛ فإنه يجب إزالتها
ومحوها .
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (ص ٣٥) عن زيد بن أسلم مرسلاً.
وأصله في مسلم (١٣٩/٢) من حديث أبي قتادة .
(٢) من ((هـ)).

٤٣٨
حديث : ٤٣٤
كتاب الصلاة
قال البخاري :
٤٣٤ - ثَنَا مُحَمَّدٌ: ثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ
أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ◌َّ كَنِيسَةٌ رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ ،
فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِلهِ: ((أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ
فِيهِمْ الْعَبْدُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تلكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ
الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» .
((محمد)» : شيخ البخاري ، الظاهر أنه : ابن سلام البيكندي . وشيخه ،
هو : عبدة بن سليمان الكلابي .
وهذا الحديث : يدل على تحريم التصوير في المساجد المبنية على القبور ،
والصور التي في البيع والكنائس في معناها؛ لأنها صور مصورة على صور أنبيائهم
وصالحيهم للتبركِ بها - في زعمهم - ، وكنائسُهم وبيعُهم منها (١) ما هو على قبور
أكابرهم ، ومنها ما هو على أسمائهم ، فالكل ملتحق بما بني على القبور في
المعنى ، فلهذا ذكر النبي وَّ هذا الكلام عند ذكر الكنائس ، وما فيها من
الصور ، وكفى بذلك ذمًا للكنائس المصور فيها ، وأنها بيوت ينزل على أهلها
الغضب والسخط ، فلا ينبغي للمسلم أن يصلي فيها .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود(٢) من رواية قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ،
عن ابن عباس، عن النبي وَّ، قال: ((لا تجتمعُ قِبْلتان في أرضٍ)).
وقال طاوس : لا ينبغي لبيت رحمة أن يكون عند بيت عذاب . وفسره أبو
عبيد وغيره : بأنه لا ينبغي الجمع بين المساجد والكنائس في أرض واحدة .
فالجمع بين فعل الصلاة التي وضعت لأجلها المساجد ، وبين الكفر المفعول
(١) في ((ق)): ((فيها)).
(٢) أحمد (٢٢٣/١ - ٢٨٥) وأبو داود (٣٠٣٢) والترمذي (٦٣٣).
بلفظ: ((لا يصلح)) أو ((لا تكون)).

٤٣٩
٥٤ - باب الصلاة في البيعة
كتاب الصلاة
في الكنائس في بقعة واحدة أولى بالنهي عنه ، فكما أنهم لا يُمكنون من فعل
عباداتهم في المساجد ، فكذا لا ينبغي للمسلمين أن يصلوا صلواتهم في معابد
الكفار التي هي موضع كفرهم .
فإن قيل : فقد روي ما يدل على جواز إقرارهم على أن يصلوا صلواتهم في
مساجد المسلمين ، وإذا جاز الإقرار على ذلك جاز للمسلمين أن يصلوا في بيعهم
وكنائسهم بطريق الأَوْلَى :
فروى ابن إسحاق(١)، قال : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال :
قدموا على رسول اللّه ◌َ لهل المدينة - يعني: وفد نَجْرَان -، فدخلوا عليه مسجده
حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحَبَرَات : جُنَبٌ وأردية ، قال : يقول بعض من
رآهم من أصحاب رسول اللّه وَّيقول: ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت
صلاتهم ، فقاموا في مسجد رسول اللّه 143* يصلون، فقال رسول اللّه وَطاهر:
((دعوهم))، فصلوا إلى المشرق .
قيل : هذا منقطع ضعيف ، لا يحتج بمثله ، ولو صحَّ فإنه يحمل على أن
النبي 8َّ* تألفهم بذلك في ذلك الوقت استجلابًا لقلوبهم ، وخشيةً لنفورهم عن
الإسلام ، ولما زالت الحاجة إلى مثل ذلك لم يجز الإقرار على مثله .
ولهذا شرط عليهم عمر - رضي اللّه عنه - عند عقد الذِّمة إخفاءَ دينهم ، ومن
جملته ألا يرفعوا أصواتهم في الصلاة ، ولا القراءة في صلاتهم فيما يحضره
المسلمون .
(١) ((السيرة)) لابن هشام (١/ ٥٧٤).

٤٤٠
حديث : ٤٣٥ - ٤٣٧
كتاب الصلاة
٥٥ - بَابٌ
٤٣٥، ٤٣٦ - حَدَّثْنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَبْنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عَُيْدُ اللَّه
ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَّاسٍ قَالاَ: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ طَفَقَ
يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ ، فَقَالَ - وَهُوَ
كَذَلِكَ - : ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْبَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ أَنَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ )) -
يُحَدِّرُمَا صَنَعُوا .
٤٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: ((قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ؛ لنَّخَذُوا قُبُورَ
أَنْبَائِهِمْ مَسَاجِدَ )) .
وقد خرج البخاري في موضع آخر من ((كتابه))(١) من حديث عروة ، عن
عائشة، أن النبي وَّ قال في مرضه الذي لم يقم منه: «لعنَ اللهُ اليهودَ
والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ) . قالت : ولولا ذلك لأبرز قبره ،
ولكنه خَشي - أو خُشي - أن يُتَّخَذ مسجدًا .
وخرج الإمام أحمد (٢) من حديث سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن
النبيِ وَّ، قال: «اللهمَّ، لا تجعل قبري وثنّا يُعْبد ، لعن اللّه قومًا اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد)» .
وروى مالك في ((الموطٍ)) (٣) عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، أن
رسول اللّه وَّه قال: ((اللهم، لا تجعلْ قبري وثّا يُعبد، اشْتَدَّ غضبُ اللّه على
(١) (٤٤٤١) .
(٢) (٢٤٦/٢) .
(٣) (ص ١٢٤) .
1