النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
قلت : لأنه هو روى عن أبي مرثد حديث النهي عن الصلاة إلى القبور ،
فكان يخص النهي بحالة استقبال القبر خاصة .
قال ابن المنذر : وصلى الحسن البصري في المقابر .
قلت : لعله صلى على جنازة ، فإنه روي عنه أنه أمر بهدم المساجد المبنية
في المقابر .
قال : وكره عمر بن الخطاب وأنس بن مالك الصلاة إلى المقابر . انتهى ما
ذكره .
واختلف القائلون بالكراهة في علة النهي :
فقال الشافعي : علة ذلك النجاسة ، فإن تراب المقابر يختلط بصديد الموتى
ولحومهم ، فإن كانت طاهرة صحت الصلاة فيها مع الكراهة .
وقسم أصحابه المقبرة إلى ثلاثة أقسام : ما تكرّر نبشُها ، فلا تصح الصلاة
فيها ، لاختلاط ترابها بالصَّديد . وجديدة لم تُنْبش ، فتصح الصلاة فيها مع
الكراهة ؛ لأنها مدفن للنجاسة .
وما شُكَّ في نبشها ، ففي صحة الصلاة فيها قولان .
واختلف أصحابنا في علة النهي [ عن الصلاة ](١)، فمنهم من قال : هو مظنة
النجاسة ، ومنهم من قال : هو تعبد لا يُعْقَل .
وقالوا مع هذا : لا فرق بين أن تكون قديمة أو حديثة ، نُبِشَتْ أو لم تُنْبش،
إذا تناولها اسم مقبرة .
قالوا : فإن كان في بقعة قبرٌ أو قبران فلا بأس بالصلاة فيها ، ما لم يصلِّ
إلى القبر .
وأنكر آخرون التعليل بالنجاسة ، بناء على طهارة تراب المقابر بالاستحالة ،
(١) من ((ق)).

٤٠٢
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
وعللوا : بأن الصلاة في المقبرة وإلى القبور ، إنما نهى عنه سدًا لذريعة الشرك ،
فإن أصل الشرك وعبادة الأوثان كانت من تعظيم القبور ، وقد ذكر البخاري في
((صحيحه)) في ((تفسير سورة نوح)) عن ابن عباس معنى ذلك(١)، وسنذكره فيما
بعد - إن شاء اللّه تعالى .
وفي ((صحيح مسلم))(٢) عن جندب، سمع النبي ◌َّ قبل أن يموت بخمس
يقول : ((إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا
تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)) .
وهذا يعم كل القبور .
وخرج الإمام أحمد وابن حبان في («صحيحه» (٣) من حديث ابن مسعود ، عن
النبي وَِّ، قال: ((إن مِنْ شرار الناس من تدركهم(٤) الساعة وهم أحياء ، ومن
يتخذ القبور مساجد)» .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي(٥) من حديث أبي صالح ، عن ابن
عباس ، عن النبي وَّ: ((لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد
والسُُّج)) .
وقال الترمذي : حسن - وفي بعض النسخ : صحيح .
وخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم وصححه(٦).
واختلف في أبي صالح هذا ، من هو ؟
(١) برقم (٤٩٢٠).
(٢) (٦٧/٢ - ٦٨).
(٣) أحمد (٤٠٥/١ - ٤٣٥) وابن حبان (٦٨٤٧).
(٤) في ((ق)) و(هـ): ((من تدركه))، وفي هامش ((ق)): ((لعله: تدركهم))، وهو الصواب .
(٥) أحمد (٢٢٩/١ - ٢٨٧ - ٣٢٤ - ٣٣٧) وأبو داود (٣٢٣٦) والنسائي (٤/ ٩٤ - ٩٥).
(٦) ابن حبان (٣١٧٩) والحاكم (٣٧٤/١).

٤٠٣
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
فقيل : إنه السمان - : قاله الطبراني ، وفيه بعد . وقيل : إنه ميزَان
البصري ، وهو ثقة؛ قاله ابن حبان . وقيل : إنه باذَان(١) مولى أم هانئ - :
قاله الإمام أحمد والجمهور .
وقد اختلف في أمره :
فوثقه العجلي . وقال ابن معين : ليس به بأس . وقال أبو حاتم : يكتب
حديثه ولا يحتج به . وقال النسائي : ليس بثقة . وضعفه الإمام أحمد وقال : لم
یصح عندي حديثه هذا .
وقال مسلم في ((كتاب التفصيل)): هذا الحديث ليس بثابت ، وأبو صالح
باذام قد اتقى الناسُ حديثَه ، ولا يثبتُ له سماع من ابن عباس(٣).
وروي عن زيد بن ثابت ، أنه نهى أن يُبْنَى عند قبر أبيه(٣) مسجدٌ .
خرجه حرب الكرماني .
وقال أبو بكر الأثرم في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) : إنما كرهت الصلاة في
المقبرة للتشبه بأهل الكتاب ؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد .
ووجدنا في كتابٍ مصنفٍ على مذهب سفيان الثوري : وإذا صلى الرجلُ
وبين يديه ميت تنحى عنه . إنما كره الصلاة إلى القبور من أجل الميت ، فإن
صلى إليها فلا بأس .
وفيه - أيضًا - : قال سفيان : ويكره أن يصلى الرجلُ إلى القبور أو ما بين
القبور . ثم قال : ومن صلى إلى القبور فلا إعادة عليه .
وفيه : قال : ولا تعجبني الصلاة على الجنازة في المقبرة .
(١) ويقال: ((باذام»، وسيأتي في كلام مسلم قريبًا .
(٢) وراجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألباني .
(٣) في ((ق)): ((ابنه)).

٤٠٤
حديث : ٤٢٧
كتاب الصلاة
وهذا قول الشافعي وإسحاق ورواية عن أحمد ؛ لعموم النهي عن الصلاة في
المقبرة .
واستدل من رخص في صلاة الجنازة في المقبرة : بأن الصلاة على القبر
جائزةٌ بالسنة الصحيحة ، فعلم أن الصلاة على الميت في القبور غير منهيّ عنها .
خرج البخاري في هذا الباب حديثين :
الحديث الأول :
قال :
٤٢٧ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: ثَنَا يَحْنَى، عَنْ هِشَامٍ: أَخْبَرِنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ،
أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةٍ ذَكَرَتَا كَنِيسَةٌ رَأَيْنَهَا (١) بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيِرُ، فَذَكَرَنَا ذَلِكَ
لَبِّ ◌َ، فَقَالَ : «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ
مَسْجِدًا ، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ (٢) الصُّوَرَ ، وَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
هذا الحديث يدل على تحريم [بناء] (٣) المساجد على قبور الصالحين ،
وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى ، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم
على انفراد ، فتصوير صور الآدميين محرم ، وبناء القبور على المساجد بانفراده
محرم ، كما دلت عليه نصوص أُخَرُ يأتي ذكر بعضها .
وقد خرج البخاريَّ في ((تفسير سورة نوح)) من ((كتابه))(٤) هذا من حديث ابن
جريج ، فقال : عطاء ، عن ابن عباس : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح
في العرب تُعْبد ، أما وَدٌّ كانت لكلب بدومَةِ الجنْدَل ، وأما سُواعٌ كانت لهذيل ،
وأما يَغُوثُ فكانت لمرادٍ ، ثم لبني غُطيف بالجرف عند سبٍ ، وأما يَعُوقُ فكانت
(١) في نسخة: ((رأتاها)).
(٢) في نسخة: ((تيك)).
(٣) من ((هـ)).
(٤) برقم (٤٩٢٠) .

٤٠٥
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
لهمدان ، وأما نَسْرٌ فكانت لحمْيَر لآل ذي الكلاع - : أسماء رجال صالحين من
قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انْصِبُوا إلى مجالسهم التي
كانوا يجلسون أَنْصَابًا، وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ، فلم تعبد ، حتى إذا هلك
أولئك ونسخ العلم عُبِدت .
وقد ذكر الإسماعيلي : أن عطاء هذا هو الخراساني ، والخراساني لم يسمع
من ابن عباس . والله أعلم (١).
فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير
صورهم ، فلا شك في تحريمه ، سواء كانت صورًا مجسدة كالأصنام أو على
حائط ونحوه ، كما يفعله النصارى في كنائسهم ، والتصاوير [التي](٢) في الكنيسة
التي ذكرتها أمُّ حبيبة وأمُّ سلمة أنهما رأَتَاهَا بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها ،
ولم يكن لها ظلُّ ، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة .
فتصوير الصور على مثل(٣) صور الأنبياء والصالحين ؛ للتبرك بها والاستشفاع
بها محرم في دين الإسلام ، وهو من جنس عبادة الأوثانِ ، وهو الذي أخبر النبي
وَّ أن أهله شرارُ الخلق عند الله يوم القيامة.
وتصوير الصور للتآنس(٤) برؤيتها أو للتنزه بذلك والتَّهي محرَّم، وهو من
الكبائر وفاعله من أشد الناس عذابًا يوم القيامة ، فإنه ظالم ممثِّل بأفعالِ اللّه
التي لا يقدر على فعلها غيرُهُ، واللّه تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثله شيءٍ﴾ [الشورى: ١١]
ے
ا(٥) في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله [سبحانه وتعالى](٥).
(١) راجع: ((الفتح)) لابن حجر (٦٦٧/٨).
(٢) من ((هـ)).
(٣) في ((هـ): ((مثال)).
(٤) في (هـ): ((للتأسي)).
(٥) من (هـ) .

٤٠٦
حدیث : ٤٢٨
كتاب الصلاة
الحديث الثاني :
٤٢٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّاحِ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ : قَدِمَ
النَّبِيُّ ◌َِّ المَدِينَةَ، فَتَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةَ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَأَقَامَ
النَّبِيَُّ﴿ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُ وا [مُتُقَلِّدِينَ السُُّوفَ](١)،
فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَِّّبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَأَبُو بَكْرِ رِدْغُه، وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ،
حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ ، وَيُصَلِّي
في مَرَبِضِ الغَنَمِ ، وإِنَّهُ أَمَرَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ بَنِي النَّجَّارِ، فَقَالَ:
(يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَاتِطِكُمْ هَذَا)). قَالُوا: لَ وَاللَّهِ، لاَ تَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَ إِلَى اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ
نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَِّيُّنَّ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِيَّتْ، ثُمَّبِنَخْلٍ(٧)
فَقُطِعَ ، فَصَقُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ بِالْحِجَارَةِ(٣)، وَجَعَلُوا
يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَِّيُّ ◌َ﴿ معهم ، وهو يقول:
الَّلهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَة
فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ
أعلى المدينة : هو العوالي والعالية ، وهو قُباء وما حوله ، [وكانت قباء
مسكن] (٤) بني عمرو بن عوف .
وقيل : إن كل ما كان من جهة نجد من المدينة ، من قُراها وعمائرها إلى
تهامة يسمى العالية ، وما كان دون ذلك يسمى السَّافلة .
(١) في ((هـ)): ((مقلدي سيوفهم)) وليست في ((اليونينية)).
(٢) في ((اليونينية)): ((وبالنخل)) وفي ((هـ)): (ثم بالنخل)).
(٣) في نسخة: ((الحجارة)) بدون الباء، وهي كذلك في ((اليونينية)) ليس فيها اختلاف.
(٤) في ((هـ): ((وكان مساكن)).

٤٠٧
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
وبنو النجار كانوا أخوال النبي وَجُلّر . وقد ذكرنا سبب ذلك في ((كتاب :
الإيمان)) في ((باب: الصلاة من الإيمان))(١).
وكان مقصود النبي ◌َّل أن ينتقل من العوالي إلى وسط المدينة، وأن يَتَخذَ
بها مَسْكنًا يسكنه .
وفي إردافه لأبي بكر في ذلك اليوم دليل على شرف أبي بكر واختصاصِه به
دونَ سائر أصحابه .
وقوله : ((وملأ بني النجار حوله)) - يريد: رجالهم وشجعانهم وأشرافهم .
وقوله : ((حتى ألقى بفناء أبي أيوب)) - أي: بفناء داره، و((ألقى)) بالقاف ،
ومعناه : أنه نزل به ، فإن السائر إذا نزل بمكان ألقى فيه رَحْلَه وما معه .
وقد ذكر شُرَحْبيل بن سَعْد وأهل السير: أن النبيِ نَّ كان كلما مرَّ بدارٍ من
دور الأنصار كبني سالم وبني الحارث بن الخزرج وبني عدي أخذوا بخطام
راحلته ، وعرضوا عليه النزول بحيِّهمْ ، وهو يقول : ((خَلَّوا سبيلها ؛ فإنها
مأمورة)) ، حتى بركت بفناء دار أبي أيوب ، عند مسجده الذي بناه .
وقول أنس : ((وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض
الغنم)»، موافق لقوله وَّل: ((جُعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطهوراً، فأيُّمَا
رجل أدركته الصلاةُ فعنده مسجدُهُ وطَهورُ))(٢). ولقوله لما سئل : أي
مسجد وضع في الأرض أولُ ؟ قال: ((المسجد الحرام)) . قيل له : ثم أي ؟
قال: ((ثمّ مسجدُ بيت المقدس)). قيل: كم بينهما؟ قال: ((أربعونَ سنةً)).
ثم قال : ((الأرضُ لك مسجدٌ ، فأينما أدركتك الصلاة فصلِّ ؛ فإنه لك
مسجد))(٣).
(١) باب رقم (٤٠) .
(٢) انظر (٤٣٨) وشرحه .
(٣) رقم (٣٣٦٦) .

٤٠٨
حديث : ٤٢٨
كتاب الصلاة
وقوله : فأرسل إلى بني النجار ، فقال : ((ثامنوني بحائطكم)) - يعني :
بیعوني إياه بثمنه .
قال الخطابي(١): وفيه أن صاحب السلعة أحق بالسَّوْم .
فإنه طلب منهم أن يذكروا له الثمن ، ولم يقطع ثمنًا (٢) من عنده .
والحائط : ما فيه شجر وعليه بنيان .
وقوله : ((قالوا : واللّه، لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه)) يدلُّ على أنهم لم
يأخذوا له ثمنًا ، وقد ذكر الزهري وغيره خلاف ذلك .
قال ابن سعد(٣): أبنا الواقدي: حدثني معمر، عن الزهري، قال : بركت ناقة
رسول اللّه وَل عند موضع مسجد رسول اللّه مَّل، وهو يومئذٍ يصلي فيه رجال
من المسلمين ، وكان مِرْبدًا لسهل وسهيل : غلامين يتيمين من الأنصار ، وكانا
في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة، فدعا رسول اللّه ◌َله بالغلامين، فساومهما
بالمربد ؛ لِيَتَّخِذَه مسجدًا . فقالا : بل نهبه لك يا رسول اللّه . فأبى رسول الله
وَل حتى ابتاعه منهما .
قال الواقدي : وقال غير معمر ، عن الزهري : فابتاعه بعشرة دنانير . وقال
معمر ، عن الزهري : وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك .
وهذا إن صحَّ يدلُّ على أن الغلامين كانا قد بلغا الحلم .
وحديث أنس أصحّ من رواية يرويها الواقدي عن معمر وغيره ، عن الزهري
مرسلة ، فإن مراسيل الزهري لو صحت عنه فهي من أضعف المراسيل ، فكيف
إذا تفرد بها الواقدي ؟
وقد روي عن الحسن ، أنهما وهباه للنبي وَلّ فقبله:
(١) في ((شرح البخاري)) (١/ ٣٩٠).
(٢) في ((ق)): «فيها)).
(٣) (١/ ٢/ ١ - ٢).

٤٠٩
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
قال المفضل الجَنَدِي في ((فضائل المدينة)) (١) له : ثنا محمد بن يحيى : ثنا
سفيان، عن أبي موسى، عن الحسنِ، قال: كان مسجد رسول اللّه وَل مِرْبدًا
لغلامين من الأنصار، يقال لهما: سهل وسهيل، فلما رآه النبي وَجل أعجبه،
فكلَّم فيه عمهما - وكانا في حجره - أن يبتاعه منهما ، فأخبرهما عمهما أنَّ رسولَ
اللّه وَخل أراده، فقالا: نحن نعطيه إياه. فأعطياه رسول اللّه وَ له، فبناه.
قال الحسن : فأدركتُ فيه أصولَ النخل غِلاَبًا - يعني : غلاظًا - ، وكان
رسول اللّه ◌َيليه يخطب يوم الجمعة إلى جذع منها، ويسند إليه ظهره ، ويصلي
إليه .
ثم قال الواقدي(٢) - في روايته عن معمر ، عن الزهري - : وكان - يعني:
ذلك المربد - جدارًا مجدرًا ، ليس عليه سقف ، وقبلته إلى بيت المقدس ، كان
أسعد بن زرارة بناه ، فكان يصلي بأصحابه فيه ، ويجمع فيه بهم الجمعة قبل
مَقْدَم رسول اللّهِ وَّهِ، فأمر رسول اللّه ◌َلَهَ بالنخل الذي في الحديقة، وبالغَرْقَدِ
الذي فيه أن يُقطع ، وأمر باللَّبِنِ فضرب ، وكان في المربد قبورُ جاهليةِ ، فأمر
بها رسول اللّه وَ له فنبشتْ، وأمر بالعظام أن تُغَيِّبَ، وكان في المربد ماء
مُسْتَنْجَلٌ فسيروه حتى ذهب ، وأسسوا المسجد ، فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى
مؤخره مائة ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك ، فهو مربع - ويقال : كان أقلّ
من المائة - ، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ، ثم
بنوه باللبن، وبناه رسول اللّه وَ له وأصحابه، وجعل ينقل معهم الحجارة بنفسه،
وهو يقول :
اللهم لا عيشَ إلا عيشَ الآخرهْ
فاغفرْ للأنصار والمهاجره
(١) (٤٩ ) .
(٢) ابن سعد (١/ ٢ / ٢).

٤١٠
حديث : ٤٢٨
كتاب الصلاة
وجعل يقول :
هذا الحمالُ لا حِمَالُ خبيرْ
هذا أبرُّ - رَبَّنَا -، وأطهرْ
وجعل قبلته إلى بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب : بابًا في مؤخره ،
وبابًا يقال له : باب الرحمة ، وهو الباب الذي يدعى بابَ عاتكة ، والباب الثالث
الذي يدخل منه رسول اللّه وَل، وهو الباب الذي يلي آل عثمان ، وجعل طول
الجدار بَسْطَةٌ وعَمَدَه الجذوعَ ، وسقْفَه جريدًا ، فقيل له: ألا نسقفه ؟ فقال :
((عريش كعريش موسى، خشيبات وثُمامٌ، الشأنُ أعجلُ من ذلك))(١) .
وبنى بيوتًا إلى جنبه باللبن ، وسقَّفها بجذوعِ النخل والجريد ، فلما فرغ من
البناء بنى بعائشة في البيت الذي بابه (٢) شارع إلى المسجد ، وجعل سَوْدَة بنت
زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان . انتهى.
وذكر ابن سعد(٣) أن النبيَّ وَّ أقام في منزل أبي أيوب سبعة أشهر.
وهذا يدلُّ على أن بعض حجره تمَّ بناؤه بعد ذلك ، وانتقل إليها .
وروى ابن سعد - أيضًا (٤)- عن الواقدي: ثنا عبد الرحمن بن
أبي الرجال ، قال : مات أسعد بن زرارة في شوال ، على رأس تسعة أشهر
من الهجرة ، ومسجد رسول اللّه وَّلو يومئذٍ يبنى.
وهذا يدل على أن بناء المسجد لم يتم إلا بعد تسعة أشهر من الهجرة .
(١) هذه القطعة رويت من أوجه كثيرة متصلة ومرسلة ، ولا يصح اتصاله ، وأشبه روايته ، وما
روي عن الحسن مرسلاً .
انظر تعليقي على ((جامع العلوم والحكم)) للمؤلف (١٢٤/١).
(٢) في ((الطبقات)): ((يليه)).
(٣) (٣/ ١/ ١٦١) (٣/ ٢/ ٤٩).
(٤) (٣ / ٢ / ١٤١ ) .
1

٤١١
٤٨ - بابٌ هل تتبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
وأما قول أنس: ((فكان فيه ما أقول لكم : قبور المشركين ، وفيه خرب،
وفيه نخل)) .
لفظة: ((خرب)) رويت بالخاء المعجمة والباء الموحدة. ورويت: ((حرث))
بالحاء والثاء المثلثة .
قال الإسماعيلي : من قال: ((حرث)). فهو محتمل ؛ لأن ما حرث ولم يزرع
أو زرع فرفع زرعه ، كانت الأخاديد والشقوق باقية في الأرض .
يشير إلى أن ذلك يناسب قوله: ((فأمر بالحرث فسويت)).
قال : ومن قال : ((خرب))، فهو صحيحٌ ؛ فهو جمع خَرِبة أو خُربة - بضم
الخاء - وهو العيب ، كالجحر والشق ونحوه .
قال: وأما ((الخَرِب)) فهو كقولك : مكان خرب - يعني : أنه يكون وصفًا
لمذكر .
قال : والحديث خارج على تأنيث هذا الحرف ، فكأنه بالجمع أشبه .
وقال الخطابي(١): روي ((خِرَب)) - يعني: بكسر الخاء وبفتح الراء - قال
الليث : هي لغة تميم خِرَب(٢)، والواحد خَرِبة.
قال : وسائر الناس يقولون: ((خَرِب)) - يعني: بفتح الخاء وكسر الراء - ،
جمع خَرِبة، كما قيل: كَلِم جمع كَلِمة. ولعل الصواب ((الخُرَب)) مضمومة
الخاء جمع خُربة ، وهي الخروق التي في الأرض ، إلا أنهم يقولونها في كل ثقبة
مستديرة .
قال: ولعل الرواية: ((الجُرْف)) جمع الجِرِفَةُ(٣)، وهي جمع الجُرُف ، كما
قيل : خُرْج وخِرَجة ، وتُرْس وتِرَسَة .
(١) في ((شرح البخاري)) (١/ ٣٩٠ - ٣٩١).
(٢) عند الخطابي: ((قال الليث: لغة تميم: خَرِب، والواحدة خَرِبة، كما قيل: كَلِمَة كَلِمٍ)).
(٣) عند الخطابي: ((الجُرْف والجمع الجِرِفَة)).

٤١٢
حديث : ٤٢٨
كتاب الصلاة
قال : وأبينُ منها - إن ساعدت الروايةُ -: ((حَدَب)) جمع حَدبة ، لقوله :.
((فسويت))، وإنَّما يسوَّى المكان المُحْدَوْدب، أو ما فيه خروقٌ (١)، فأما الخَرَبُ
فتبنى وتعمر . انتهى ما ذكره .
وفيه تكلُّف شديدٌ ، وتلاعبٌ بهذه اللفظة بحسب ما يدخلها من الاحتمالات
المستبعدة. والرواية التي رواها الحفاظ: ((خَرِب))، فإن كان مفردًا، فإنما أنث
تسويته ؛ لأن التأنيث يعود إلى أماكنه ، والظاهر أنها كانت متعددة ، وإن كان
((خِرَب)) - [بالجمع] (٣)- فتأنيثها واضح .
ومعنى تسوية الخرب : أن البناء الخراب المستهدم يصير في موضعه أماكن
مرتفعة عن الأرض فتحتاج إلى أن تحفر وتُسَوَّى بالأرض ، وهذا أمر واضح
ظاهر ، لا يحتاج إلى تكلف ولا تعسُّفُ .
وأما ((النخل)) فقد أخبر أنس أنه قطع، وصف قبلةً للمسجد ، وأما ((قبور
المشركين)» فُنُبِشَتْ، وذكر أنهم بَدَءُوا بِنّبْشِ القبور ، ثم بتسوية الخرب، ثم بقطع
النخل .
والمقصود من تخريج الحديث في هذا الباب : أن موضع المسجد كان فيه
قبور للمشركين ، فنبشت قبورهم ، وأخرجت عظامهم منها ، وهذا يدلُّ على أن
المقبرة إذا نُبِشَتْ وأُخْرِج ما فيها من عظام الموتى لم تبقَ مقبرة ، وجازت الصلاة
فيها .
ويدل على كراهة الصلاة في المقبرة ولو كانت قبور المشركين ؛ لما فيه من
سدِّ الذريعة إلى اتخاذ القبورِ مساجدَ ، فإنه إذا تطاول العهد ، ولم تعرفِ الحال ،
خُشي من ذلك الفتنة .
وقد يقال مع ذلك : إن في نبش عظام المشركين للصلاة في أماكنها تباعدًا
(١) في ((شرح البخاري)) للخطابي: ((حروف)).
(٢) من ((هـ)).

٤١٣
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
في الصلاة عن مواضع العذاب والغضب ، وهي مما يكره الصلاة فيها ، كما
سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .
وفي الحديث: دليل على طهارة الأرض بالاستحالة؛ فإن النبي وَّ لم يأمر
عند نبش الأرض بإزالة تراب القبور ولا تطهيرها ، ولو فعل ذلك لما أهمل نقله ؛
للحاجة إليه .
ويدل عليه - أيضًا - : أن الصحابة كانوا يخوضونَ الطين في الطرقات ولا
يغسلون أرجلهم ــ كما تقدم عنهم - والنجاسات مشاهدة في الطرقات ، فلو لم
تطهر بالاستحالة لما سومح في ذلك .
وهذا قول طائفة من العلماء من السلف ، كأبي قلابةَ وغيره ، ورجحه بعض
أصحابنا ، وهو رواية عن أبي حنيفة ، والمشهور عنه : أن الأرض النجسة إذا
جفت فإنه يصلى عليها ، ولا يتيمم بها . ومذهب مالك والشافعي وأحمد
وغيرهم : أنها نجسة بكل حال .
وفي الحديث : دليل على أنَّ قبورَ المشركين لا حُرمةَ لها ، وأنه يجوز نبشُ
عظامهم ، ونقلهم من الأرض للانتفاع بالأرض إذا احتيج إلى ذلك .
واختلفوا في نبش قبورهم لطلب ما يدفن معهم من مال ، فرخص فيه كثير
من العلماء . [حكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة والشافعي ، قال : وكرهه مالك
ولم يحرمه] (١)، وكان الناسُ يفعلون ذلك في أول الإسلام كثيرًا .
وقد روي عن النبي وبَّ أنه مر بقبر أبي رغال ، فأخبرهم أن معه غصنًا من
ذهب ، فنبشوه واستخرجوه منه .
(١)
ومن العلماءِ من كَرِه ذلك ، منهم [ الأوزاعي، وعلَّل بأنه ] (٢) يكره الدخول
إلى مساكنهم ؛ خشية نزول العذاب ، [فكيف بقبورهم ؟](٢)
(١) البيهقي في ((الدلائل)) (٢٩٧/٦).
(٢) الأولى في ((هـ)): ((مالك وغيره كما))، وليست الثانية في (هـ)).

٤١٤
حدیث : ٤٢٨
كتاب الصلاة
وكره بعض السلف نبش القبور العادية المجهولة ؛ خشيةَ أن يصادفَ قبر نبيّ
أو صالح ، وخصوصًا بأرض الشامِ كالأُرْدُنِّ .
ونصَّ أحمد على أنه إذا غلب المسلمون على أرض الحرب فلا تنبش
قبورهم .
١
وهذا محمول على ما إذا كان النبش عبئًا لغير مصلحة ، أو أن يخشى منه أن
يفعل الكفار مثل ذلك بالمسلمين إذا غلبوا على أرضهم .
وفي الحديث : دليل على أن بيعَ الأرضِ التي في بعضها قبور صحيح ، فإن
النبي ◌َّ طَلَبَ شراء هذا المِرْبَد.
وهذه المسألة على قسمين :
أحدهما : أن يكون المقبورُ (١) في الأرض يجوز نبشه ونقله ، كأهل الحرب،
ومن دفن في مكان مغصوب ، فهذا لا شك في صحة البيع للأرض كلها ، وينقل
المدفون فيها ، كما أمر النبي ◌َّه بنقل عظام المشركين من المِرْد.
والثاني : أن يكون المقبورُ محترمًا لا يجوز نبشه ، فلا يصح بيع موضع
القبور خاصة .
وهل يصح في الباقي ؟ يخرَّج على الخلاف المشهور في تفريق الصفقة .
ولو اشترى أرضًا ، فوجد في بعضها عظام موتى ، ولم يعلم : هل هي
مقبرة أم لا ؟ فقال ابن عقيل من أصحابنا وبعض الشافعية في زمنه : لا يصح
البيع في محل الدفن ؛ لأن تلك البقعة إما أن تكون مُسَبَّلة ، وإما أن تكونَ ملكًا
للميتِ قد وصى بدفنه فيها ، فيكون أحقَّ بها ، ولا ينقل إلى الورثة .
وهذا الذي قالوه هو الأغلب ، وإلا فيحتمل أن يكون الدفن في أرض
مغصوبة، أو مغارة للدفن، إلا أن هذا قليل أو نادر، فلا يعولّ عليه. والله أعلم.
(١) فى ((ق)): ((أن تكون القبور)) خطأ.

٤١٥
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
والمنصوص عن أحمد : أنه إذا دفن في بيت من داره فلا بأس ببيعه ، ما
لم يجعل مقبرة مُسَبَّلَة .
وفي الحديث : دليلٌ على جواز قطع النخل لمصلحة في قطعه ، وقد نصَّ
على جوازه أحمد : إذا كان في داره نخلة ضيقت عليه ، فلا بأس أن يقطعها .
وكره جماعة قطعَ الشجر الذي يثمر ، منهم : الحسن والأوزاعي وإسحاق ،
وكره أحمد قطع السِّدْر خاصة لحديث مرسل ورد فيه ، وقال : قلَّ إنسانٌ فعله إلا
رأى ما يكره في الدنيا .
ورخص في قطعه آخرون(١). [والله أعلم] .
(١) وفي النهي عن قطع السدر أحاديث ضعيفة، لا يصح منها شيءٌ، وقد بينت ضعفها في
تعليقي على كتاب ((المنتخب من العلل للخلال)) لابن قدامة المقدسي (ص ٧٦ - ٨٠)،
فارجع إليه إن شئت .

٤١٦
حديث : ٤٢٩
كتاب الصلاة
٤٩ - بابُ
الصَّلاَةِ فِي مَرَبِضِ الغَنَمِ
٤٢٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي النَّحِ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ:
كَانَ النَِّيُّمِ﴿ يُصَلِّي فِي مَرَبِضِ الغَنَمِ .
ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ: كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَبِضِ الغَنَمِ ، قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ المَسْجِدَ .
هذا مختصر من الحديث الذي قبله ، وإنما ترك الصلاة في مرابض الغنم بعد
بناء المسجد ؛ لاستغنائه عنها بالمسجد لا لنسخ الصلاة فيها ، فإنه روي عنه أنه
أذِن في ذلك .
ففي ((صحيح مسلم)) (١) عن جابر بن سمرة، أن رجلاً قال للنبي وَطَه:
أصلي في مرابض الغنم ؟ قال: ((نعم)). قال : أصلي في مبارك الإبل ؟ قال :
((لا)) .
وفيه أحاديث أخر ، يأتي بعضها - إن شاء اللّه تعالى.
وقد روي الرخصة في ذلك عن ابن عمر ، وأبي ذر ، وأبي هريرة ، وجابر
ابن سمرة ، وابن الزبير وغيرهم ، وهو قول العلماء بعدهم .
قال ابن المنذر : أجمعَ كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة
في مرابض الغنم ، إلا الشافعي ، فإنه قال : لا أكره الصلاة في مراحِ الغنم، إذا
كان سليمًا من أبوالها وأبعارها .
(١) (١ / ١٨٩) .

٤١٧
٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل
كتاب الصلاة
٥٠ - بَابُ
الصَّلاَةِ فِي مَوَاضِعِ الإِيلِ
٤٣٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّنَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ
نَافِعِ، قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِّ ◌َّ يَفْعَلُهُ.
سليمان بن حيان ، هو : أبو خالد(١) الأحمر .
وقد خرج الشيخان(٢) هذا الحديث في ((صحيحيهما)) من طريقه ، ومن طريق
المعتمر بن سليمان - أيضاً - ، عن عبيد الله بن عمر .
ورواه - أيضًا - شريك ، عن عبيد اللّه كذلك.
وخالفهم ابن نمير ومحمد بن عبيد ، فروياه عن عبيد اللّه ، عن نافع ، أن
ابن عمر كان يفعل ذلك - ولم يرفعاه .
وزعم الدار قطني : أنه الصحيح .
وتصرَّف الشيخين يشهد بخلاف ذلك ، وأن الصحيح رفعه ؛ لأن من رفعه
فقد زاد ، وهم جماعة ثقات .
والحديث نص في جواز الصلاة إلى البعير .
قال ابن المنذر : فعل ذلك ابن عمر وأنس ، وبه قال مالك والأوزاعي .
وقال أبو طالب : سألت أحمد : يصلي الرجل إلى بعيره ؟ قال : نعم ؛
النبي ◌َّل# فعل ذلك ، وابن عمر .
وكلام أحمد هذا يدل على صحة رفع الحديث عنده ، كما هي طريقة
البخاري ومسلم .
(١) في ((ق)): ((ابن خالد)) خطأ.
(٢) مسلم (١٤٩/٢) .

٤١٨
حديث : ٤٣٠
كتاب الصلاة
وممن روى عنه الاستتارُ ببعيرِه في الصلاة : سويد بن غفلة ، والأسود بن
يزيد ، وعطاء ، والقاسم ، وسالم .
وقال الحسن : لا بأس به .
قال ابن عبد البر : لا أعلم فيه خلافًا .
ونقل البويطي ، عن الشافعي : أنه لا يصلي إلى دابة .
قال بعض أصحابه المتأخرين : لعل الشافعي لم يبلغه الحديث ، وقد وصَّانا
باتباع الحديث إذا صحَّ ، وقد صحَّ هذا الحديث ، ولا معارض له .
وتبويب البخاري : يدلُّ على أن هذا الحديث يؤخذ منه أنه يجوز الصلاة في
مواضع الإبل وأعطانها ، وقد سبقه إلى ذلك بعض من تقدم .
وقد كتب الليث بن سعد إلى عبد اللّه بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن
مسائل ، منها : الصلاة في أعطان الإبل ، فكتب له في جوابه : وأما ما ذكرت
من معاطن الإبل، فقد بلغنا أن ذلك يُكْره ، وقد كان رسول اللّه وَّله يصلي على
راحلته ، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرِّض أحدهم ناقته
بينه وبين القبلة ، فيصلي إليها ، وهي تَبْعَرَ وتَبُولُ .
وروى وكيع، عن إسرائيل ، عن جابر - هو: الجعفي - ، عن عامر الشعبي،
عن جندب بن عامر السلمي ، أنه كان يصلي في أعطان الإبل ومرابض الغنم .
ورخَّص سفيان الثوري في الصلاة في أعطان الإبل ، ذكره بعض المصنفين
على مذهبه ، وقال : رواه عنه القَنَّاد (١).
وأكثر أهل العلم على كراهة الصلاة في أعطان الإبل .
قال ابن المنذر : وممن روِّينا عنه أنه رأى الصلاة في مرابض الغنم ، ولا
يصلي في أعطان الإبل : جابر بن سمرة ، وعبد اللّه بن عمر ، والحسن ،
(١) هو: محمد بن عبد الوهاب. ترجمته في ((تهذيب الكمال)).

٤١٩
٥٠ - باب الصلاة في مواضع الإبل
كتاب الصلاة
ومالك ، وإسحاق ، وأبو ثور . انتهى .
وهو - أيضًا - قول الشافعي وأحمد .
وقد روي ذلك عن النبي وَ ل من طرق متعددة، وقد سبق حديث جابر بن
سمرة، عن النبي ◌َّر بالنهي عن الصلاة في أعطان الإبل ، والأمر بالصلاة في
مرابض الغنم .
خرجه مسلم(١).
وخرجَ الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في
((صحيحيهما))(٢) من حديث ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي وَ ◌ّر، قال:
((صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)).
وصححه الترمذي ، وإسناده كلهم ثقات ، إلا أنه اختلف على ابن سيرين
في رفعه ووقفه .
قال الدارقطني: كانت عادة ابن سيرين أنه ربما توقف عن رفع الحديث توقیًا.
وخرجه الترمذي(٣) من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ-
بنحوه ، وذكر أنه اختلف في رفعه ووقفه - أيضاً - ، وذكر في كتاب ((العلل))(٤)
عن البخاري : أن المعروف وقفه .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود(٥) من حديث البراء بن عازب ، قال: سُئل
رسول اللّه وَّل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: ((لا تصلوا في مباركِ الإبلِ؛
فإنها من الشياطين)). وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: ((صلوا فيها ؛
(١) (١/ ١٨٩) .
(٢) أحمد (٢ / ٤٥١ - ٤٩١) والترمذي (٣٤٨) وابن ماجه (٧٦٨) وابن خزيمة (٧٩٥) وابن حبان
(١٣٨٤) (١٧٠٠) (٢٣١٤) (٠٢٣١٧).
(٣) (٣٤٩) .
(٤) (ص ٧٨) .
(٥) أحمد (٢٨٨/٤ - ٣٠٣) وأبو داود (١٨٤) (٤٩٣).

٤٢٠
حديث : ٤٣٠
كتاب الصلاة
فإنها بركة)).
قال ابن عبد البر : هو أحسن أحاديث الباب ، وأكثرها تواتراً .
وروى الحسن، عن عبد اللّه بن مُغَفَّلَ أن النبيَّ وَّ نهى عن الصلاة في
أعطان الإبل .
خرجه الإمام أحمد والنسائي(١) .
وخرجه ابن ماجه وابن حبان في «صحيحه))(٢)، ولفظهما: أنَّ رسول اللّه
قال: ((صَلُّوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل ، فإنها خلقت
من الشياطين)) .
وفي رواية للإمام أحمد (٣) أنَّ النبي ◌َّ قال: ((لا تصلوا في أعطانِ الإبلِ؛
فإنها من الجنَّ خلقت ، ألا ترون عيونها [وهبتها](٤) إذا نفرت ، وصلوا في مرابدِ
الغنم؛ فإنها هي أقربُ من الرحمة)) .
وخرجه الشافعي(٥) بإسناد فيه ضعف ، ولفظه: ((إذا أدركتم الصلاة وأنتم
في مراحِ الغنم فصلُّوا فيها ؛ فإنها سكينة وبركة ، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم في
أعطان الإبل فاخرجوا منها فصلوا ؛ فإنها جنَّ من جنَّ خلقت ، ألا ترونها إذا نفرت
کیف تشمخُ بأنقها» .
وله طرق متعددة عن الحسن .
قال ابن عبد البر : رواه عن الحسن خمسة عشر رجلاً .
والحسن ، سمع من عبد اللّه بن مغفل -: قاله الإمام أحمد (٦).
(١) أحمد (٨٥/٤ - ٨٦) (٥٤/٥ - ٥٥ - ٥٦) والنسائي (٥٦/٢).
(٢) ابن ماجه (٧٦٩) وابن حبان (١٧٠٢).
(٣) ((المسند» (٥٥/٥) .
(٤) كذا بالأصل وفي ((المسند)): ((وهبابها)).
(٥) («مسنده» (ص ١٩٩).
(٦) ((العلل)) لعبد الله (٣٤٤) (٣٤٥).