النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
وخرج ابن عدي(١) حديثَ عائشة، ولفظه: إن النبي {
أمر بتنظيف
صل الله
وشيل
المساجد التي في البيوت .
وقال أكثر المتقدمين: المراد بالدور هنا: القبائل، كقوله وَ خلوي: ((خيرُ
دور الأنصار دار بني عبد الأشهل ، ثم دار بني الحارث بن الخزرج ، ثم دار بني
ساعدة ، وفي كل دورِ الأنصار خيرٌ))(٢).
وبهذا فسر الحديث سفيان الثوري ووكيع بن الجراح وغيرهما .
وعلى هذا : فالمساجد المذكورة في الحديث هي المساجد المسبّة في
القبائل والقرى ؛ دون مساجد الأمصار الجامعة .
قال البخاري - رحمه الله - :
٤٢٥ - ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَّيْرِ: ثَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ:
أَخْبَرَتَي مَحْمُوُدُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ عِثْبَانَ بْنَ مَالِكِ - وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ
رَسُولِ اللَّهِوَ لَهُ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ -، أَنَّهُ أَتَّى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ يَّةِ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتْ الأَمْطَارُ سَلَ
الوَادِيِ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ ، وَوَدِدْتُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِنِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي، فَأَنَّخِذُهُ مُصَلّى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه
﴿: (سَأَفْعَلُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ). قَالَ عِنْبَانُ: فَغَدَاً عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿هُ وَأَبُو بَكْرِ حِينَ
ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَذَنَ رَسُولُ اللَّهِِّ فَأَذِنْتُ لَّهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حِينَ(٣) دَخَلَ البَيْتَ،
ثُمَّ قَالَ : ((أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ (٤) بَيْتِكَ؟)) قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ
(١) (٤ / ١٥٦٢) .
(٢) أخرجه البخاري (١٤٨١) ومسلم (٧/ ٦١) .
(٣) في نسخة: ((حتى)).
(٤) في نسخة: ((في)).
٣٨٢
حديث : ٤٢٥
كتاب الصلاة
الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّه ◌ِهِ فَكَبَّرَ ، فَقُمْنَا خَلْفَهُ ، فَصَفَفْنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ
سَلَّمَ. قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ . قَالَ : فَثَابَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ
الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ ، فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ - أَوْ ابْنُ
الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ، لاَ يُحِبُّاللَّهَ ورسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولِ اللَّه
تَ : ((لاَ تَقُلْ ذَلِكَ، أَلاَ تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟))
قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّا فَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى المُنَافِقِينَ . فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِبِّهِ: ((فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، يَبْتَغِي بِهَا
وَجْهَ اللَّه)) .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ بَعْدَ ذَلِكَ الحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدِ الأَنْصَارِيَّ -
وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَلِمٍ ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ - عَنْ حَديثِ مَحْمُودِ بنِ الرَّبيعِ، فَصَدَّقَهُ
بذَلكَ .
عِتْبان بن مالكِ بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غَنْم بن سَالم بن عوف ،
شهد بدرًا وأحدًا - كما في هذا الحديث - ، ولم يذكره ابن إسحاقَ فيمنْ شهد
بدرًا، وكان ذهب بصره في عهد النبيِّ وَ﴿، وكان يؤمُّ قَوْمَه وهو ضَرِير البصرِ
وهو شيخٌ كبيرٌ إلى أَنْ تُوفي في زمنِ معاوية .
والظاهر: أنَّه لما اشتكى إلى النبي ◌َّ لم يكن قد ذَهَب بصره بالكليّة ، بل
كان قد سَاءَ بَصَرُه، كذا وقع في ((صحيح مسلم)) (١) من رواية الأوزاعي ، عن
الزهري ، وهو معنى قوله في هذه الرواية : ((أَنْكرتُ بصري)).
ولكن رواه مالك(٢)، عن الزهري، وقال فيه: إن عتبانَ قال: ((وأنا رجلٌ
ضريرُ البصرِ».
(١) (٢ / ١٢٧) .
(٢) ((الموطأ)) (ص ١٢٤).
٣٨٣
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
[وقد خرجه البخاري(١) في موضعٍ آخر] (٢).
وروى سليمان بن المغيرة ، عن ثابتِ البُنَاني ، عن أنس بن مالكِ : ثنا
محمود بن الربيع ، عن عتبان بن مالك ، قال : أصابني في بصري بعضُ
الشيءٍ، فبعثتُ إلى رسول اللّه وَّ: إني أحبُّ أن تَأْتيني فتصلِّي في منزلي
فأتخذه مصلّى ، ففعلَ (٣).
وهذا من روايات الأكابرِ عن الأصاغرِ - أعني : روايةَ أنس بن مالكٍ ، عن
محمود بن الربيع .
ورواه حماد بن سلمة : ثنا ثابت ، عن أنسٍ : حدثني عتبان بن مالك ، أنه
عَمِيَ، فأرسل إلى رسول اللّه وَّهِ، فقالَ: يا رسولَ اللّه، تعالَ فَخُطَّ لي
مَسْجِدًا. فجاءَ رسولُ اللّهِ وَ لَّهِ - فذكر الحديثَ (٤).
ولعلَّ هذه الرواية أشبه ، وحماد بن سلمة مقدمٌ في ثابت خاصةً على غيره .
وقد خرجه مسلم في أول ((صحيحه)) من هذين الوجهين .
وروى هذا الحديثَ قتادةُ ، واختُلف عليه فيه :
فرواه شيبان، عن قتادة، عن أنسٍ، عن النبي ◌َّ اه ـ لم يذكر في إسناده:
((عتبان)).
وخالفه حجاج بن حجاج ، فرواه عن قتادة ، عن أبي بكر بن أنسٍ ، عن
محمود بن عمير بن سَعْد ، أن عتبان أُصيب ببصره - فذكر الحديثَ .
خرجه النسائي في ((كتاب اليوم والليلة)) من الطريقين(٥).
(١) (٦٦٧) .
(٢) ليس في (( هـ )).
(٣) أخرجه مسلم (٤٥/١) وأحمد (٤٤٩/٥).
(٤) أخرجه مسلم (٤٦/١).
(٥) (١١١١) (١١١٢) .
٣٨٤
حديث : ٤٢٥
كتاب الصلاة
وقوله : ((محمود بن عمير بن سَعْد)) ، الظاهر أنه وَهْم ؛ فقد رواه علي بن
زيد بن جدعان ، قال : حدثني أبو بكر بن أنسٍ ، قال : قدم أبي الشامَ وافدًا
وأنا معه ، فلقينا محمودَ بن الربيعِ ، فحدث أبي حديثًا عن عِتبانَ بن مالك ، فلما
قفلنا انصرفنا إلى المدينة ، فسألنا عنه ، فإذا هو حَيٌّ ، فإذا بشيخٍ كبيرٍ أَعْمى ،
فسألناه عن الحديث، فقال: ذَهَبَ بصري على عهد النبي ◌َّ - وذكر الحديثَ
بطوله .
خرجه الإمام أحمد(١).
فتبين بهذه الرواية أن أبا بكر بن أنس سمعه من محمود بن الربيع ، عن
عتبان ، ثم سمعه من عتبان .
وقد اعتذر عتبان - أيضًا - بأن السيول تَحُول بينه وبين مسجدِ قومِهِ الذي
يصلي بهم فيه، فطلب من النبي ◌ََّ أن يَأْتِيَه في بيته فيصلِّي فيه ، حتى يتخذه
مصلّى .
وفي هذا : استحباب اتخاذ آثارِ النبيِ بَّ ومواضعَ صلواته مصلَّى يُصَلَّى
فيه .
وقد ذكر ابن سعد(٢)، عن الواقدي، أن بيتَ عتبان الذي صلَّى فيه النبي وَل
يُصَلِّي فيه الناس بالمدينة إلى يومه ذاك .
ويشهد لهذا المعنى - أيضًا -: قولُ عمر - رضي اللّه عنه - للنبي وَّ: ألا
نتخذ من مقامٍ إبراهيم مصلّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾
١
[البقرة: ١٢٥] .
وقد نقلَ أحمد بن القاسم وسِنْدي الخواتيمي ، عن الإمام أحمد ، أنه سئل
(١) (٤ / ٤٤) .
(٢) في ((طبقاته)) (٣/ ٢ / ٩٦).
أ
٣٨٥
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
عن إتيانِ هذه المساجد ؟ فقال : أما على حديث ابن أم مكتوم(١): أنه سأل النبيَّ
وَيُّ أن يصلي في بيته فيتخذه مصلّى، وعلى ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضعَ
النبيِ وَّ وأثره، فلا بأس أن يأتي الرجل المشاهد ، إلا أنَّ الناس قد أفرطوا في
هذا ، وأكثروا فيه .
وفي رواية ابن القاسم : أن أحمدَ ذكر قبرَ الحسين ، وما يَفْعل الناسُ عنده -
يعني : من الأمور المكروهة المحدثة .
وهذا فيه إشارة إلى أن الإفراطَ في تتبع مثلِ هذه الآثار يُخشى منه الفتنة ،
كما كُرِه اتخاذ قبورَ الأنبياء مساجدَ ، وقد زاد الأمر في ذلك عند الناس حتى
وقفوا عنده ، واعتقدوا أنه كافٍ لهم، واطَّرحوا ما لا يُنَجِّيهم غيره ، وهو
طاعة اللّه ورسوله .
وقد رأى الحسن قومًا يزدحمون على حمل نعشٍ بعض الموتى الصالحين،
فقال : في عمله فتنافسوا(٢).
يشير إلى أن المقصودَ الأعظمَ متابعتُه في عمله ، لا مجرد الازدحام على
حملِ نعشِهِ .
وكذلك مَنْ يبالغ في تزيين المصحفِ وتحسينه ، وهو مصرٌّ على مخالفة
أوامره وارتكاب مناهيه .
وقد روي عن عمرَ - رضي اللّه عنه - ما يدل على كراهة ذلك - أيضًا - :
فروي عن المَعْرور بن سُويد ، قال : خرجنا مع عُمر في حجة حَجَّها ، فلما
انصرف رأى الناسُ مسجدًا فبادروه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : مسجدٌ صلَّى فيه
النبي وَّ. فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا،
(١) كذا قال الإمام أحمد: إن ابن أم مكتوم هو الذي سأل النبي ◌ُّ ل أن يصلي في بيته فيتخذه
مصلى، والصواب أن هذا في قصة عتبان بن مالك ، وسيأتي قريبًا نقد المؤلف لذلك .
(٢) في (( ق)): ((فنافِسُوا)).
٣٨٦
حدیث : ٤٢٥
كتاب الصلاة
من عرضت له فيه صلاة فليصلِّ ، ومن لم تعرض له صلاة فليمضٍ (١).
وقال نافعٌ (٢): كان الناس يأتون الشجرةَ التي بايع رسول اللّه وَّل تحتها بيعةَ
الرضوانِ ، فيصلون عندها ، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها ، وأمر بها فقطعت .
وقال ابن عبد البر : كره مالك وغيره من أهل العلم طلبَ موضع الشجرةِ
التي بويع تحتها بيعة الرضوان ؛ وذلك - والله أعلم - مخالفةً لما سلكه اليهودُ
والنصارى في مثل ذلك .
ذكره في ((الاستذكار)) في الكلام على حديث: (( اشتد غضب الله على قوم
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )»(٣).
وقال: ذكر مالك [ ...... ](٤) بإثْرِ هذا الحديث حديثٍ عتبان بن مالك ؛
ليبين لك أن معنى هذا الحديث مخالف للذي قبله .
قال: والتبرك والتأسي بأفعال رسول اللّه وَ له إيمانٌ به وتصديقٌ، وحبٌّ
في اللّه وفي رسوله .
وفي الحديث : دليلٌ على أن المطر والسيولَ عُذْر يبيح له التخلفَ عن
الصلاة في المسجد .
وقد روي: أن النبي ◌َِّ لم يرخِّص له :
قال الإمام أحمد(٥): ثنا سفيان، عن الزهري ، فسئل سفيان : عمَّن هو ؟
قال : هو محمود - إن شاء اللّه - ، أن عتبان بن مالك كان رجلاً محجوب
البصرِ، وأنَّه ذكر للنبي ◌ّ التخلفَ عن الصلاة، فقال: ((هل تسمع النداء؟))
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)). وانظر: ((زاد المعاد)) (٥٩/١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٥٠).
(٣) وهو في ((الموطأ)) (ص ١٢٤).
(٤) بياض بالأصلين. وكلمة ((بإثر)) ليست في ((هـ)).
(٥) (٤٣/٤) .
٣٨٧
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
قال : نعم . فلم يرخِّص له .
وكذا رواه محمد بن سعد(1)، عن سفيانَ .
وهو يدلُّ على أن سفيانَ شَكَّ في إسناده ، ولم يحفظه .
وقال الشافعي : أبنا سفيان بن عيينةَ : سمعت الزهري يحدث ، عن محمود
ابن الرَّبيع ، عن عِتبان بن مالك ، قال : قلت : يا رسولَ اللّه ، إني محجوبُ
البصرِ ، وإن السيولَ تحولُ بيني وبين المسجدِ ، فهل لي من عذر ؟ فقال
رسول اللّه وَّل: ((هل تسمع النداءَ؟)) قال: نعم. فقال له النبي صَلّ: ((لا
أجد لك من عذر إذا سمعتَ النداءَ)) . قال سفيان : وفيه قضية لم أحفظها .
قال الشافعي : هكذا حدثنا سفيان، وكان يتوقاهُ، ويعرف أنَّه لم يضبطه(٢) .
قال : وقد أَوْهَم فيه - فيما نرى -، والدلالة على ذلك: ما أبنا مالك ، عن
ابن شهابٍ - ثم ذكر حديثَ عتبانَ المتقدمَ ، على ما رواه الجماعة عن الزهريِّ .
قال البيهقي : اللَّفظ الذي رواه ابن عيينةَ في هذا الإسناد إنما هو في قصة
ابن أم مكتوم الأعمى .
قلت : وقد اشتبهت القصتان على غير واحد ، وقد سبق عن الإمام أحمدَ
أنه ذكر أن ابن أم مكتوم سألَ النبيَّ وَّ أن يصلي في بيته ليتخذه مصلَّى، وإنما
هو عتبان بن مالك .
وقد اشتبه على بعض الرواة محمود بن الربيع الراوي له عن عتبان ، فسماه
محمودَ بن لبيدٍ ، وهو - أيضًا - وَهْم ، وقد وقع فيه بعض الرواة للحديث عن
مالك(٣).
وقال يزيد بن هارون ، عن سفيانَ بن حسينٍ ، عن الزهري ، عن محمود بن
(١) (٣ / ٢ / ٩٦) .
(٢) في ((ق)): ((لم يظنه)).
(٣) ((التمهيد)) (٢٢٧/٦).
:
٣٨٨
حدیث : ٤٢٥
كتاب الصلاة
الربيع - أو الربيع بين محمود - شكَّ يزيد(١).
وقد روي عن ابن عيينةَ بإسنادٍ آخر : خرجه ابن عبد البر في
((التمهيد))(٢)، من طريق عُبيد اللّه بن محمد : ثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ،
عن عَمْرة ، عن عائشة - إن شاء اللّه - ، عن عتبان بن مالك، أنَّه سألَ
رسولَ اللّهِ وَلَه عن التخلُّف عن الصلاة، فقال: ((أتسمعُ النداءَ؟)) قال:
نعمْ . فلم يرخِّص له .
وهذا الإسناد غير محفوظ، ولهذا شكَّ فيه الراوي - إما سفيان أو غيره - ،
وقال : ((إن شاءَ اللّه))، وإنما أراد حديثَ محمود بن الربيع.
وأما حديث ابن أم مكتوم ، فقد خرَّجه مسلم (٣) من رواية يزيد بن الأصمِّ ،
عن أبي هريرة، قال: أتى النبيَّ وَّهَ رجلٌ أَعْمى، فقال: يا رسولَ اللّه، إنَّه
ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد. فسأل رسولَ اللّه ◌َلاوَ أَنْ يرخِّص له فيصلي
في بيته، فرخَّص له، فلما ولَّى دعاهُ، فقال: ((هل تسمع النداءَ بالصلاة ؟))
قال: نعم. قال: ((فأجب )).
وخرج الإمام أحمدَ وابن حبان في ((صحيحه))(1) من حديث عيسى بن
جَارية، عن جابر بن عبد اللّه، قال: أتى ابنُ أم مكتوم إلى النبي وَّر،
فقال : يا رسولَ اللّه، منزلي شَاسِعٌ، وأنا مكفوفُ البصرِ، وأنا أَسْمَع ؟ قال:
((فإن سمعتَ الأذانَ فأجب، ولو حبوا، ولو زحفًا)).
وعيسى بن جارية ، تكلم فيه .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه))
(١) ((المسند)) (٤٣/٤ - ٤٤).
(٢) (٢٢٩/٦) .
(٣) (١٢٤/٢) .
(٤) أحمد (٣٦٧/٣) وابن حبان (٢٠٦٣) .
٣٨٩
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
والحاكم(١) من حديث عاصم بن بَهْدلة ، عن أبي رَزين ، عن ابن أمِّ مكتوم ، أنه
سأل النبيَّ وَّ، فقال: يا رسولَ اللّه، إني رجل ضرير البصرِ، شاسع الدَّار،
ولي قائد لا يُلاَئمني ، فهل تجد لي رخصةً أن أصلِّي في بيتي ؟ قال: ((هل
تسمع النداء؟)) قال: نعم. قال : ((لا أجد لك رخصة)).
وفي إسناده اختلاف على عاصم :
وروي عنه ، عن أبي رَزين مرسلاً .
ورواه أبو سنان سعيد بن سنان ، عن عمرو بن مُرَّة ، عن أبي رزين ، عن
أبي هريرة (٢).
وأبو سنان ، قال أحمد : ليس بالقوي .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة (٣)، من حديث
عبد الرحمن بن عَابس ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلَى ، عن ابن أم مكتوم ،
أنه قال: يا رسولَ اللّه، إن المدينة كثيرة الهوام والسباعِ. فقال النبيُّ وَليّ -:
((تسمع حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟)) قال: نعم. قال: ((فحيَّهلا)) .
وخرج الإمام أحمد(٤) من حديث عبد العزيز بن مسلم ، عن حُصين بن
عبد الرحمن ، عن عبد اللّه بن شدَّاد، عن ابن أم مكتوم؛ أن رسول اللّه وَل
أتى المسجدَ فرأَى في القومِ رِقَّة ، فقال: ((إني لأَهُمَّ أن أَجْعَل للناسِ إمامًا ، ثم
أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلَّف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه)) . فقال ابن
أم مكتوم ، يا رسول اللّه، إن بيني وبين المسجد نخلاً وشجرًا، ولا أقدر على
(١) أحمد (٤٢٣/٣) وأبو داود (٥٥٢) وابن ماجه (٧٩٢) وابن خزيمة (١٤٨٠) والحاكم
(١/ ٢٤٧) .
(٢) أخرجه البيهقي (٥٨/٣) .
(٣) أبو داود (٥٥٣) والنسائي (٢/ ١١٠) وابن خزيمة (١٤٧٨)، ولم أجده عند أحمد.
(٤) (٤٢٣/٣) .
٣٩٠
حديث : ٤٢٥
كتاب الصلاة
قائد كلَّ ساعة ، أيسعني أن أصلي في بيتي ؟ قال: (( أتسمع الإقامة؟)) قال:
م
نعم. قال : ((فَأتها)) .
وخرجه ابن خزيمة والحاكم(١) من رواية أبي جعفر الرازي ، عن حصين ،
به - بنحوه .
وقد روي هذا الحديث من رواية البراء بن عازب وأبي أمامة وكعب بن
عُجرة . وفي أسانيدها ضعف(٢). والله أعلم.
وقد أشكل وجه الجمع بين حديث ابن أم مكتوم وحديث عتبان بن مالك ،
حيث جعل لعتبان رخصةً ، ولم يجعل لابن أم مكتوم رخصةً :
فمن الناس : من جمع بينهما بأن عتبانَ ذكر أن السيولَ تحولُ بينه وبين
مسجد قومه ، وهذا عذر واضح ؛ لأنه يتعذر معه الوصول إلى المسجد ، وابن
أم مكتوم لم يذكر مثل ذلك . وإنما ذكر مشقَّة المَشْي عليه . وفي هذا ضعف ؛
فإنَّ السيولَ لا تدومُ ، وقد رخص له في الصلاة في بيته بكل حالٍ ، ولم يخصَّه
بحالةِ وجود السيل ، وابن أم مكتوم قد ذكر أن المدينة كثيرة الهوامٌّ والسباعِ ،
وذلك يقوم مقامَ السيلِ المخوِّفِ .
وقيل : إن ابن أم مكتوم كان قريبًا من المسجد ، بخلاف عتبان ، ولهذا ورد
في بعض طرق حديث ابن أم مكتوم : أنه كان يسمع الإقامةَ . ولكن في بعض
الروايات أنه أَخْبر أن منزله شاسعٌ كما تقدم .
ومن الناس من أشار إلى نَسْخِ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان ، فإن
(١) ابن خزيمة (١٤٧٩) والحاكم (٢٤٧/١).
(٢) حديث البراء : أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٨٦٩).
وحديث أبي أمامة: أخرجه في ((الكبير)) (٢٦٦/٨ - ٢٦٧).
وحديث كعب بن عجرة : أخرجه في ((الكبير)) (١٣٩/١٩) و((الأوسط)) (٧٤٣١) والبيهقي في
(«السنن الكبرى)) (٥٧/٣ - ٥٨).
٣٩١
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
الأعذارَ التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد .
وقد أشار الجوزجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يَقُلْ أحد بظاهره(١).
يعني : أن هذا لم يوجب حضورَ المسجدِ على من كان حاله كحالِ ابن
أم مكتوم .
وقيل: إن النبيّ وَّلّ إنما أراد أنه لا يجد لابن أم مكتوم رخصةً في حصول
فضيلة الجماعة مع تخلفه وصلاته في بيته .
واستدل بعض من نصر ذلك - وهو: البيهقي - بما خرجه في ((سننه)) (٢) من
طريق أبي شهاب الحَنَّاط، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه، عن ابن أم مكتوم،
قال : قلت : يا رسول اللّه، إن لي قائدًا لا يلائمني في هاتين الصلاتين ؟ قال :
((أيُّ الصلاتين؟)) قلت: العشاء والصبح. فقال النبي ◌َّ: ((لو يعلم القاعد
عنهما ما فيهما لأتاهما ولو حبواً)).
وحديث ابن أم مكتوم يدلُّ على أن العَمَى ليس بعذرٍ في ترك الجماعة ، إذا
كان قادرًا على إتيانها ، وهو مذهب أصحابنا .
ولو لم يمكنه المجيء إلا بقائد ووجدَ قائدًا متبرِّعًا له ، فهل يجب عليه
حضور المسجد ؟ على وجهين ، ذكرهما ابن حامد من أصحابنا .
وهذا بناءٌ على قول أحمدَ : إن حضورَ المسجدِ للجماعة فرض عينٍ .
وسيأتي ذكر ذلك مستوفَّى في موضعه - إن شاء اللّه تعالى.
وقد يستدل بحديث عتبان على أن الجماعة في البيت تكفي من حضور
المسجد خصوصًا للأعذار .
ويحتمل أن يكون عتبان جعل موضعَ صلاةٍ النبي وَُّلّ من بيته مسجدًا يؤذن
(١) انظر: ((شرح علل الترمذي)) للمؤلف (ص ٣٦ - ٣٧).
(٢) (٥٨/٣).
٣٩٢
حديث : ٤٢٥
كتاب الصلاة
فيه ، ويقيم ، ويصلِّي بجماعة أهل داره ومَنْ قَرُبَ منه ، فتكون صلاته حينئذٍ في
مسجد : إما مسجد جماعة ، أو مسجد بيت يجمع فيه ، وأما ابن أم مكتوم فإنَّه
استأذن في صلاته في بيته منفردًا ، فلم يأذن له ، وهذا أقرب ما جمع به بين
الحديثين . والله أعلم .
لكن في ((سنن البيهقي))(١) من حديث كعب بن عُجرة ، أن رجلاً أَعْمى أتى
رسول اللّه وَل ، فقال: إني أسمع النداء، ولعلِّي لا أجد قائدًا، أفأتخذ مسجدًا
في داري ؟ فقال له رسول اللّه وَجلول: ((تسمع النداءَ؟)) قال: نعم. قال: ((فإذا
سمعت النداء فاخرج )) .
وفي إسناده اختلاف ، وقد قال أبو حاتم (٢) فيه : إنه منكر .
ومع هذا ؛ فلا دلالة فيه على أنه أراد أن يصلّي في بيته جماعةً ، إنما فيه أنه
أراد أن يجعل في داره مسجدًا لصلاته في نَفْسِه .
وفي حديث عتبان : دليلٌ على جواز إمامة الأعمى ، وجواز الجماعة في
صلاة التطوع - أحيانًا - ، وجواز إمامة الزائر بإذن المَزُور في بيته .
وقوله: ((وحبسناه على خَزِيرةٍ صَنَعْناها لَه)) يدلُّ على أن الزائر وإن كان
صاحبُ المنزل قد استدعاه إلى بيته لحاجة له ، فإنَّه يستحب له أن يضيفه ، وإن
حَبَسه لذلك في بيته بعد انقضاء حاجته لم يضرّ ذلك ، بشرط ألا يكون على الزائر
فيه مشقّة .
و((الخزيرة)): مرقة تُصنع من النُّخَالة. وقيل: من الدَّقيق - أيضًا - ،
وقيل : إنه لا بدَّ أن يكون معها شيءٌ من دَسَم من شَحْمٍ أو لَحْمٍ . وخصّ
بعضهم دَسَمَها باللَّحم خاصة .
(١) (٥٨/٣).
(٢) ((العلل)) لابنه (٤٤٩) .
٣٩٣
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
وقوله : ((فثاب في البيت رجالٌ )) - يعني: جاءوا متواترين، بعضهم في إثر
بعضٍ .
وقوله : ((من أهل الدار)) - يعني : دار بني سالم بن عوف ، وهم قومُ
عتبان .
وفي قول النبي وَّ: ((لا تَقُل ذَلك)) نهي أن يُرمى أحدٌ بالنفاقِ لقرائنَ تَظْهر
عليهِ، وقد كان النبي وَّه يُجري على المنافقين أحكامَ المسلمين(١) في الظّهر،
مع عِلْمِهِ بنفاقِ بعضهم ، فكيف بمسلمٍ يُرْمى بذلك بمجرد قرينة ؟
وفيه : أن مَنْ رَمى أحَدًا بنفاقِ ، وذكر سوءَ عملِهِ ، فإنَّه ينبغي أن تُردَّ غيبته،
ويذكر صالح عمله ؛ ولهذا ذكر النبي وَّر أنَّه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
عبده ورسوله ، ولا يلتفت إلى قول من قال : إنما يقولها تقيةً ونفاقًا .
وإنما لم يأمر النبي وَلَهَ بِهَجْر مالكِ بن الدُّخْشُن؛ لأنه لم يعرف عنده بما
يخشى عليه من النفاق ، ولم يَثْبت ذلك بيِّنَةٍ ، وإنما رُمي بذلك ، بخلاف الثلاثة
الذين خُلُّقوا ؛ فإنهم اعترفوا بما يُخشى عليهم منه النفاق ؛ ولَهَذا عذر المعتذرين
٠
ووكَّلهم إلى اللّه ، وكان كثير منهم كاذبًا .
وقد سبق القولُ في معنى تحريم من قال : ((لا إله إلا اللّه)) على النار ، في
أواخر (( كتاب: العلم)).
وقد شَهِدَ مالك بن الدَّخْشُم مع النبيِ وَّهِ بدرًا وأحدًا والمشاهدَ كلَّها ،
واختلفوا : هل شهد مع الأنصار بيعة العقبة ، أم لا ؟
وقد روي أن النبي بَّ بعثه مع عاصم بن عدي لتحريقِ مسجدِ الضِّرار
وهَدْمه(٢) .
(٢)
(!) في (( ق)): ((أحكام الإسلام)).
(٢) ابن سعد في ((الطبقات)) (٣/ ٢ / ٩٦).
..
٣٩٤
حديث : ٤٢٥
كتاب الصلاة
وقد روى أسد بن موسى : ثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بَهْدلة ، عن
أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رجلاً من الأنصارِ أرسلَ إلى رسولِ اللّهِ وَّ في
دارِهِ، فأتاه النبيَّ وَّ، واجتمع قومه، وتغيَّب رجل منهم، فقال النبي ◌َّ:
((أين فلان؟)) فغمزه رجلٌ منهم، فقال: إنه، وإنه! فقال رسول اللّه وَلَه:
((أليسَ قد شَهِدَ بدرًا؟)) قالوا: بلَى. قال: ((فلعلَّ اللّه قد اطّلع إلى أهل بدر،
فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) .
وخرجه الطبراني(١) من طريق حماد - أيضًا - ، ولفظ حديثه: إن رجلاً من
الأنصار عَمِيَ، فبعثَ إلى رسولِ اللّهِ وَّهَ: اخْطُطْ لي في داري مسجدًا لأصلِّي
فيه. فجاءَ رسولُ اللّهِ وَّهِ وقد اجتمعَ إليه قومُهُ وتغيَّب رجلٌ .
وخرج ابن ماجه(٢) أول الحديث فقط، وخرج أبو داود(٣) آخره فقط من
طريق حماد .
ولأنسٍ عن النبي بَّ حديث آخر في معنى حديث عتبان . خرجه البخاري
في مواضع أخر (٤)، وقد ذكرناه في ((باب: الصلاة على الحصير))، فيما تقدم .
(١) في ((الأوسط)) (٦٥٨).
(٢) (٧٥٥) .
(٣) (٤٦٥٤) وكذا أحمد (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦) .
(٤) انظر: (٣٨٠) (٧٢٧) (٨٦٠) (٨٧١) (٨٧٤) (١١٦٤).
٣٩٥
حديث : ٤٢٦
كتاب الصلاة
٤٧ -باب
الََّمُّنِ فِي دُخُولِ المَسْجِدِ وَغِّهِ
وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِجْلِهِ الْيُسْرَى .
٤٢٦ - حدثنا سُليمانُ بنُ حَرْب : ثنا شُعْبَةُ، عن الأَشْعَثِ بنِ سُلَيْم ، عن أبيهِ ،
عن مَسْرُوق، عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيِّ ◌َّهِ يُحِبُّ التَّمِّنَ مَا اسْتَطَاعَ في شَأْنِهِ
كُلِّ، فِي طُهُورِهِ، وَرَجُلِهِ، وَتَعُلِهِ.
وقد سبق هذا الحديث(١) في ((باب: التيمن في الوضوءِ والغسلِ))، وبسطنا
القولَ عليه هناك ، وأنه يدلُّ على تقديم اليُمْنى في الأفعال الشَّريفة ، واليُسْرى
و
فيما هو بخلاف ذلك ، فالدُّخول إلى المسجدِ من أشرفِ الأعمالِ ، فينبغي تقديم
الرجلِ اليُمْنى فيه كتقديمها في الانتعال ، والخروج منه بالعكس ، فينبغي تأخير
اليمنى فيه ، كتأخيرها في خلعِ النعلين .
... ](٢).
وأما ما ذكره عن ابن عمر تعليقًا [ ..
وروى شداد أبو طلحة الراسبي ، عن معاوية بن قُرَّةً ، عن أنس بن مالك ،
أَنَّه كان يقولُ: مِنَ السُّنة إذَا دخلت المسجدَ أنْ تَبْدأَ برجلكَ اليُمنى، وإذَا
خَرَجْتَ أن تبدأ برجلكَ الْيُسْرِى .
خرَّجه الحاكم(٣).
وقال : صحيح على شرط مسلم .
وخرجه البيهقي(٤).
(١) برقم (١٦٨) .
(٢) بياض بالأصلين .
(٣) (٢١٨/١) .
(٤) (٢ / ٤٤٢) .
٣٩٦
٤٧ - بابُ التيمن في دخول المسجد وغيره
كتاب الصلاة
وقال : تفرَّد به أبو طلحة ، وليس بالقوي .
وسُئل الدارقطني عنه ، فقال : يُعتبر به .
وخرج له مسلم .
وروي عن أنس من وجه أخر أضعف من هذا ، من فعله ، ولم يَقُلْ فيه:
((من السُّنة)).
٣٩٧
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
٤٨ -بابٌ
هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ
لِقَوْلِ النَّبِّ ◌َهُ: (لَعَنَ اللَّه اليَهُودَ؛ اَنَّخَذَوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَسَّاجِدَ»
وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاَةِ فِي القُبُورِ
وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالك يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرِ، فَقَالَ : القَبْرَ القَبْرَ ، وَلَمْ يَأْمُرُهُ
بِالإِعَادَةِ .
مقصود البخاري بهذا الباب : كراهةُ الصلاةِ بينَ القبورِ وإليها ، واستدل
لذلك بأن اتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام ، بل من عمل اليهود،
وقد لعنهم النبي ◌َّ على ذلك.
وقد خرج البخاري هذا الحديث فيما تقدم ، وسيأتي قريبًا - إن شاء اللّه
تعالى(١).
وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث ، وهو قول الله عز وجل
في قصة أصحاب الكهف : ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم
مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] ، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة
على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى ، وأنه ليس من
فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل اللّه على رسله من الهدى .
وإذا كرهت الصلاة إلى القبور وبينها ، فإن كانت القبور محترمةً اجتنبت
الصلاة فيها ، وإن كانت غير محترمة كقبور مشركي الجاهلية ونحوهم ممَّن لا
عهد له ولا ذمة مع المسلمين فإنه يجوز نبشها ونقل ما يوجد فيها من عظامهم ،
والصلاة في موضعها ؛ فإنها لم تبق مقبرة ولا بقي فيها قبور ، [وقد نص الإمام
(١) انظر: (٤٣٥) (٤٣٦) (٤٣٧).
٣٩٨
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
أحمد على ذلك في رواية المرُّوذيِّ](١).
وأما ما ذكره عن عُمر - رضي اللّه عنه - ، فمن رواية سفيان ، عن حميد ،
عن أنس ، قال : رآني عمر وأنا أصلي إلى قبر ، فجعل يشير إليَّ : القبرَ القبرَ .
ورواه إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ، حدثه أنه قام يصلي إلى
قبر لا يشعر به ، فناداه عمر : القَبَر القبرَ . قال : فظننت أنه يقول : القمر ،
فرفعت رأسي ، فقال رجل : إنه يقول : القبر، فتنحيت(٢).
وروي عن أنس ، عن عمر من وجوه أخر (٣) .
وروى همام : ثنا قتادة ، أن أنسًا مر على مقبرة وهم يبنون مسجدًا ، فقال
أنس : كان يكره أن يبنى مسجد في وسط القبور .
وقال أشعث : عن ابن سيرين : كانوا يكرهون الصلاة بين ظهراني القبور .
خرج ذلك كلَّه أبو بكر الأثرم .
وقال : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - يسأل عن الصلاة في المقبرة ؟
فكره الصلاة في المقبرة . فقيل له : المسجد يكون بين القبور ، أيُصَلَّى فيه ؟
فكره ذلك . قيل له : إنه مسجد وبينه وبين القبور حاجز ؟ فكره أن يصلى فيه
الفرض ، ورخص أن يصلى فيه على الجنائز . وذكر حديث أبي مَرَّثَد الغنوي ،
عن النبي وَّر، قال: ((لا تصلوا إلى القبور))، وقال: إسناد جيد.
وحديث أبي مَرْثد هذا: خرجه مسلم(٤)، ولفظه: إن النبي وَلّ قال: ((لا
تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها)) .
(١) من ((ق)) فقط.
(٢) ((التغليق)) لابن حجر (٢/ ٢٣٠) من طريق مروان بن معاوية، عن حميد .
(٣) رواه عبد الرزاق (٤٠٤/١) عن معمر، عن ثابت، عن أنس. والحافظ في ((التغليق))
(٢٢٩/٢) من طريق حماد بن زيد ، عن ثابت .
(٤) (٣ / ٦٢) .
٣٩٩
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
وروي عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد ، عن النبي
وَالر، قال: ((جعلت لي الأرض مسجدًاً وطهوراً، إلا المقبرة والحمام)).
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وابن حبان والحاكم
وصححه(١).
وقد اختلف في إرساله ووصله بذكر ((أبي سعيد)) فيه ، ورجح كثير من
الحفاظ إرساله : عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، ومنهم : الترمذي
والدار قطني (٢).
وفي الباب أحاديث أخر ، قد استوفيناها في ((كتاب شرح الترمذي)).
وأما ما ذكره البخاريُ : أن عمر لم يأمر أنسًا بالإعادة .
فقد اختلف في الصلاة في المقبرة : هل تجب إعادتها ، أم لا ؟
وأكثر العلماء على أنه لا تجب الإعادة بذلك ، وهو قول مالك ، والشافعي،
وأحمد في رواية عنه .
والمشهور عن أحمد الذي عليه عامة أصحابه : أن عليه الإعادة ؛ لارتكاب
النهي في الصلاة فيها .
وهو قول أهل الظاهر - أو بعضهم - ، وجعلوا النهي هاهنا لمعنى يختص
بالصلاة من جهة مكانها ، فهو كالنهي عن الصلاة المختص بها لزمانها كالصلاة
في أوقات النهي ، وكالصيام المنهي عنه لأجل زمنه المختص به كصيام العيدين .
حتى إن من أصحابنا من قال : متى قلنا : النهي عن الصلاة في المقبرة
والأعطان ونحوها للتحريم ، فلا ينبغي أن يكون في بطلان الصلاة فيها خلاف
(١) أخرجه أحمد (٩٦/٣) وأبو داود (٤٩٢) وابن ماجه (٧٤٥) والترمذي (٣١٧) وابن حبان
(١٦٩٩) والحاكم (٢٥١/١) .
(٢) انظر: ((الجامع)) للترمذي، وكذا ((العلل الكبير)) له (ص ٧٥ - ٧٦) وكذا أعله بالإرسال:
الدارمي (٣٢٣/١) والبيهقي (٤٣٥/٢).
٤٠٠
٤٨ - بابٌ هل تنبش قبور مشركي الجاهلية
كتاب الصلاة
عن أحمد ، وإنما الخلاف عنه في عدم البطلان مبني على القول بأنه مكروه
كراهة تنزيه .
وأكثر العلماء على أن الكراهة في ذلك كراهة تنزيه ، ومنهم من رخص
فيه .
قال ابن المنذر : اختلفوا في الصلاة في المقبرة ، فرُوِّينا عن علي وابن
عباس وعبد اللّه بن عمرو وعطاء والنخعي أنهم كرهوا الصلاة فيها . واختلف
عن مالك فيه ، فحكى ابن القاسم عنه أنه قال : لا بأس به ، وحكى
أبو مصعب عنه أنه قال : لا أحب ذلك .
قال ابن المنذر : ونحن نكره من ذلك ما كرهه أهل العلم استدلالاً بالثابت
عن النبي ◌َّ، أنه قال: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ، ولا تتخذوها
قبورًا))(١)، ففي هذا دليل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة .
قلت : قد استدل البخاري بذلك - أيضًا - ، وعقد له بابًا مفردًا، وسيأتي
في موضعه - إن شاء اللّه تعالى .
قال ابن المنذر : وقد قال نافع مولى ابن عمر : صلينا على عائشة وأم
سلمة وسط البقيع ، والإمام يومئذٍ أبو هريرة ، وحضر ذلك ابن عمر .
قلت : صلاة الجنازة مستثناة من النهي عند الإمام أحمد وغيره ، وقد سبق
قول أحمد في ذلك . وقال - أيضًا - : لا يصلي في مسجد بين المقابر إلا
الجنائز ؛ لأن الجنائز هذه سنتها .
يشير إلى فعل الصحابة - رضي اللّه عنهم.
قال ابن المنذر : وروِّنا أن وَائِلةَ بن الأَسْقَع كان يصلي في المقبرة ، غير أنه
لا يستتر بقبر .
(١) البخاري (٤٣٢) (١١٨٧) ومسلم (١٨٧/٢).