النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١
٤١ - باب هل يقال : مسجد بني فلان
كتاب الصلاة
وأما إضافة المسجد إلى ما يُعرِّفه به فليس بداخل في ذلك، وقد كان النبي
وٍَ* يضيف مسجده إلى نفسه، فيقول: ((مسجدي هذا))، ويضيف مسجد قُباء
إليه ، ويضيف مسجدَ بيت المقدس إلى إيلياء ، وكلُّ هذه إضافات للمساجد إلى
غير اللّه لتعريف أسمائها، وهذا غير داخل في النهي . والله أعلم.
قال البخاري - رحمه الله - :
٤٢٠ - ثَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَبْنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِوَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ التِّي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفْيَاءِ ، وَأَمَدُهَا ثَنَّةُ الوَدَاعِ ،
وَسَبَقَ بِيْنَ الخَيْلِ الَّتي لم تُضَمَّرْ مِنَ الشَّيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا .
وجه الاستدلال من هذا الحديث على ما بوبه : أن فيه إضافة المسجد إلى
بني زريق ، وهذا وإن كان من قول عبد اللّه بن عمر ليسَ مرفوعًا، إلا أن تعريف
المسجد بذلك يدل على اشتهاره بهذه الإضافة في زمن المسابقة ، ولم يشتهر في
زمن النبي ◌َّ بين المسلمين شيء إلا وهو غير ممتنع ؛ لأنه لو كان محظورًا لما
أقر عليه ، خصوصًا الأسماء ؛ فقد كان النبي وَطلو يغير أسماء كثيرة يكرهها من
أسماء الأماكن والآدميين ، ولم يغيِّر هذا الاسم للمسجد ، فدلَّ على جوازه .
وَلِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ : يجوز أن اشتهار المسجد بهذا الاسم لم يكن في عهد
النبي وَلّ بالكلية ، فلا يبقى في الحديث دلالة ، وهذا كما قال أنس في حديث
الاستسقاء: دخل رجل المسجد من نحو دار القضاء، والنبي وَلا يخطب، وقد
قالوا : إنما عرفت تلك الدار بهذا الاسم بعد النبي و10َّ بزمن.
وأحسن من هذا: الاستدلال بقول النبي صَل : ((صلاة في مسجدي هذا
خيرٌ من ألف صلاة في سواه)) - وقد خرجه البخاري في مواضع أخر(١)- ؛ فإن
(١) (١١٩٠) .
٣٦٢
حديث : ٤٢٠
كتاب الصلاة
هذا تصريح من النبي وَجُل بإضافة المسجد إلى نفسه، وهو إضافة للمسجد إلى
غير اللّه في التسمية ، فدل على جواز إضافة المساجد إلى من بناها وعمرها .
والله أعلم .
وسائر ما يتعلق بالحديث من ألفاظه المختلفة وتفسير غريبها ، وما فيه من
أحكام المسابقة ليس هذا موضعها ، وله موضع آخر يأتي فيه - إن شاء الله
تعالى .
٣٦٣
٤٢ - باب القسمة وتعليق القنو في المسجد
كتاب الصلاة
٤٢ - بابُ
القِسْمَةِ وَتَعْلِيقِ الْقِّوِ فِي المَسْجِدِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : القِنْوُ: العِذْقُ. والإِثْنَانِ : قِنْوَانِ . والجماعة : قنْوَانٌ ، مثل :
صِنْوِ وصِنْوَانِ .
المقصود بهذا الباب : أن المسجد يجوز أن يوضع فيه أموال الفيء وخمس
الغنيمة وأموال الصدقة ونحوها من أموال اللّه التي تقسم بين مستحقيها.
وقد ذكر القنو في تبويبه وفسره ولم يخرج حديثه .
وحديثه قد خرجه الترمذي(١) من طريق السُّدي ، عن أبي مالك ، عن البراء،
في قوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال : نزلت
فينا معشر الأنصار ، كنا أصحاب نخل ، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر
كثرته ، وقلته ، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين ، فيعلقه في المسجد ، وكان
أهلُ الصفة ليسَ لهم طعام ، فكان أحدُهم إذا جاع أتى القنو ، فضربه بعصاه ،
فسقط من البُسْرِ والتمر فيأكل ، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل
بالقنو فيه الشِّيصُ والحَشَفُ ، وبالقنو قد انكسر فيعلقه ، فأنزل اللّه تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيَِّاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلا
تَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وخرجه ابن ماجه (٢)، إلا أن عنده : عن السدي ، عن عدي بن ثابت ، عن
البراء .
وحسنه الترمذي وغربه ، وفي بعض نسخه : صحيح .
(١) (٢٩٨٧) .
(٢) (١٨٢٢).
٣٦٤
٤٢ - باب القسمة وتعليق القنو في المسجد
كتاب الصلاة
وخرجه الحاكم(١)، وقال : غريب ، صحيح على شرط مسلم .
يشير إلى أنه خرج للسدي ، إلا أن السدي كان ينكر عليه جمعه الأسانيد
المتعددة في التفسير للحديث الواحد .
وخرج ابن حبان في ((صحيحه)) (٢) من حديث ابن عمر، أن النبي وَلّ أمر
للمسجد من كل حائط بقناء .
ومن حديث(٣) جابر، قال: أمر رسول اللّه ◌َ له من كل جَدَادِ عشرة أوْسُقِ
من التمر بعذق يعلق في المسجد للمساكين .
ومن حديث(٤) عوف بن مالك، قال: خرج علينا رسول اللّه وَخلو وفي يده
عصّى وأقناء معلقة في المسجد ، قنو منها حَشَف ، فطعن بالعصى في ذلك
القنو ، ثم قال : ((لو شاء رب هذه الصدقة لتصدق بأطيبَ منها ، إن صاحب
هذه الصدقة ليأكل الحشَفَ يومَ القيامة)) .
وقد فسَّرِ البخاري القِنْوَ ، فقال : هو العذْق .
يعني : عذق النخلة الذي يكون فيه الرطب ، وهو واحد ، وتثنيته : قنوان -
بكسر النون ، وجمعه: قنوانٌ - بالتنوين ؛ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا
قِنْوَانْ دَانِيَةٌ ﴾ [الأنعام: ٩٩].
١
وشبهه بصنو وصنوان ، فالصنو : الواحد مما له نظير يخرج معه من أصله
من النخل ، وتثنيته: صنوان، وجمعه : صنوانٌ . قال تعالى: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
صِنْوَانٌ وَغَيْرَ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤] .
(١) (٢٨٥/٢) .
(٢) (٣٢٨٨) .
(٣) ٣٢٨٩) .
(٤) (٦٧٧٤) .
٣٦٥
٤٢ - باب القسمة وتعليق القنو في المسجد
كتاب الصلاة
ومنه قول النبي وَّ: ((عمَّ الرجل صنْوُ أبيه))(١).
ومما ينبغي إدخاله في هذا الباب: ما خرجه البخاري في ((الزكاة))(٢) من
رواية معن بن يزيد السلمي ، قال : كان أبي أخرج دنانير يتصدق بها ، فوضعها
عند رجل في المسجد ، فجئت فأخذتها فأتيته بها ، فقال : واللّه ، ما إياك
أردتُ، فخاصمته إلى رسول اللّه وَله، فقال: ((لكَ ما نویتَ يا يزيد، ولك ما
أخذتَ يا معنُ) .
ويتصل بهذا : التصدق في المسجد على السائل ، وهو جائز ، وقد كان
الإمام أحمد يفعله ، ونص على جوازه ، وإن كان السؤال في المسجد مكروهًا .
وقال أبو داود في ((سننه)): ((باب: السؤال في المسجد))، ثم خرج(٣) من
طريق مبارك بن فَضَالة ، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن
عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال: قال رسول اللّه وَّل: ((أفيكم من أطعم اليوم
مسكينًا ؟)) قال أبو بكر : دخلت المسجدَ فإذا أنا بسائل يسأل ، فوجدت كِسْرَةً
خبز في يد عبد الرحمن ، فأخذتها فدفعتها إليه .
ومنع منه أصحاب أبي حنيفة ، وغلظوا فيه حتى قال خلف بن أيوب منهم :
لو كنت قاضيًا لم أجز شهادة من تصدق على سائل في المسجد .
ومنهم من رخص فيه إذا كان السائل مضطرًا ، ولم يحصل بسؤاله في
المسجد ضرر .
ولأصحابنا وجه : يكره السؤال والتصدق في المساجد مطلقًا .
وفي ((صحيح مسلم))(٤) عن جرير البجلي ، أن قومًا جاءوا إلى النبي
وَسيِّد
صلى الله
(١) أخرجه مسلم (٦٨/٣).
(٢) (١٤٢٢).
(٣) (١٦٧٠) .
(٤) (٣/ ٨٧) .
٣٦٦
حديث : ٤٢١
كتاب الصلاة
فيهم - أي: الحاجة -، فصلى النبي وَّ الظهر، ثم خطب فحثَّ على الصدقة،
فجاء رجل بِصُرَّة من فضة كادت كفه تعجز عنها ، ثم تتابع الناس حتى رأيت
كومين من طعام وثياب .
وفي ((المسند)) و((سنن)) أبي داود والنسائي(١)، عن أبي سعيد ، أن رجلاً
دخل المسجد في هيئة رثَّة والنبي وّ يخطب يوم الجمعة، فحث النبيُّ وَّ على
الصدقة ، فألقى الناس ثيابًا - وذكر الحديث .
خرج البخاري في هذا الباب حديثًا واحدًاً ، علقه هاهنا وفي ((أبواب: قسم
الفيء)) من أواخر ((كتاب: السير))، وعلق بعضه في ((باب: فكاك الأسير)).
فقال هاهنا :
٤٢١ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي: ابنَ طَهْمَانَ -: عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ
أَنَسٍ، قَالَ: أُنَّيَ النَّبِيُّ ◌َّ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالَ: ((انْفُرُوهُ فِي المَسْجِدِ)) - وَكَانَ
أَكْثَرَ مَال أُّتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهــ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِلَى الصَّلاَةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ
إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّ أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ
العَبَّاسُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِي؛ فَإِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلاً . فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: ((خُذْه، فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ. قَالَ: ((لا). قَالَ : فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ. قَالَ:
(لَ)). قَالَ : فَثَر مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُ عَلَيَّ.
قَالَ: ((لَ)). قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ. قَالَ: ((لا). فَتَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ ، فَأَلَقَاهُ
عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَلَ رَسُولُ اللَّهِوَ يُنْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا؛ عَجْبًا
مِنْ حِرْصِهِ. فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ وَمَّ مِنْهَا دِرْهَمَّ.
(١) أحمد (٢٥/٣) وأبو داود (١٦٧٥) والنسائي (٦٣/٥).
٣٦٧
٤٢ - باب القسمة وتعليق القنو في المسجد
كتاب الصلاة
هذا المال كان من جزية أهل البحرين ، وهم مجوس هَجَر ، وكان قد قدمَ به
أبو عبيدة بن الجراح ، وقد خرج حديثه البخاري في موضع آخر (١) من حديث.
عمرو بن عوف الأنصاري .
وفي هذا [ الحديث] (٣): دليل على أن النبي وَطُهر لم يكن له بيت مال يضع
فيه أموالَ الفيء ، إنما كان يضعه في المسجد ويقسمه من يومه ولا يحبسه .
وفيه : دليل على أن مال الفيء لا يخمَّس ؛ فإنه لم يذكر فيه أنه أخرج
خُمُسَهُ ، وإنما ذكر أنه ما كان يرى أحدًا إلا أعطاه .
وفيه : دليل على أن مال الفيء مما يعطى منه الغني والفقير ؛ لأن العباس
كان من أغنى قريش وأكثرهم مالاً ، ولكنه ادعى المَغْرَمَ وقد عرف سببه ، وهو
مفاداةُ نفسه ، ومفاداة عقيل ابن عمه ، وكانا وقعا في أسارى بدر ، فقدى
العباس نفسه وعقيلاً .
قيل : إنه فدى بثمانين أوقية ذهب . وقيل: بألف دينار .
وفيه: بيان احتقار النبي وَخُلّ للدنيا وإن كثرت؛ فإنه لما خرج إلى الصلاة
ومر بالمال لم يلتفت إليه .
(٣)
وقد روى حميد بن هلال ، أن ذلك المال كان بعثه العلاء بن الحضرمي
من البحرين ، وكان ثمانين ألفًا .
وفيه : التعجب من حرص الحريص على المال والمستكثر منه .
ويصدق هذا: قوله {َّ: «لوَ كَانَ لابنِ آدمَ واديانٍ من مال(٤) لابتغى إليهما
(١) (٣٠٤٩) (٣١٦٥) .
(٢) من (( هـ)).
(٣) في ((ق)): ((الحرمي)).
(٤) في (( هـ): (( ذهب)).
٣٦٨
حديث : ٤٢١
كتاب الصلاة
ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابنَ آدمَ إلا التراب)»(١) .
وكَاهِلُ الإنسان : ما بين كتفيه .
وقد كان العباس - رضي الله عنه - عظيمًا جسيمًا شديد القوة ، فالظاهر أنه
حمل مالاً كثيرًا، ولم يمنعه النبي ◌َّه، فدلَّ على جواز قسمة الفيء بين أهله
على غير التسوية .
وفي حديث حميد بن هلال ، قال : لم يكن يومئذ عدد ولا وزن ، ما كان
إلا قبضًا .
وفيه : جواز قسمة مال الفيء في المسجد ووضعه فيه ، وهو مقصود
البخاري بتخريج [ هذا ] الحديث في هذا الباب .
(٣) البخاري (٦٤٣٦) (٦٤٣٧) ومسلم (٩٩/٣ - ١٠٠) والترمذي (٢٣٣٧).
٣٦٩
٤٣ - باب من دعي لطعام في المسجد ومن أجاب فيه
كتاب الصلاة
و
٤٣ - باب
مَنْ دُعِيَ لِطَعَامٍ فِي المَسْجِدِ وَمَنْ أَجَابَ فِيه(١)
٤٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَنَا مَالكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْد اللَّه بْن
أَبِي طَلْحَةَ، سَمِعَ أَنَسًا، قَالَ: وَجَدْتُ النَِّيَّ ◌ََّفِي المَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ ، فَقُمْتُ،
فَقَالَ لِي: (آرْسَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ : ((لِطَعَامِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ . فَقَالَ
لَمَنْ حَوْلَهُ : ((قُومُوا))، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ .
هذا مختصر من حديث طويل فيه ذكر معجزة النبي وَّ في تكثيره للطعامِ
القليل حتى شبع منه سبعون أو ثمانون رجلاً .
وقد خرج البخاري في موضع آخر (٢) من حديث أبي هريرة حديثًا طويلاً ،
فيه: أنه دخل مع النبي وَّ بيته فوجد لَبَنًا في قدح ، فأمره أن يدعو له أهل
الصفة - وذكر الحديث بطوله .
والصفة كانت في مؤخر المسجد ، فكانوا يأوون إليها ويقيمون بها .
فدلّت هذه الأحاديث كلها على جواز أن يدعى من في المسجد إلى الطعام ،
ويجيب إلى الدعوة إذا دعي فيه .
وقد ورد الرخصة في الأكل نفسه في المسجد .
وقد بوب ابن ماجه في ((كتابه)): ((باب: الأكل في المسجد)) وخرَّج فيه(٣):
من رواية ابن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث : حدثني سليمان بن زياد
الحضرمي ، أنه سمع عبد اللّه بن الحارث بن جَزْء الزبيدي يقول : كنا نأكل على
(١) في نسخة: ((إليه)).
(٢) (٦٤٥٢) .
(٣) برقم (٣٣٠٠) .
٣٧٠
حديث : ٤٢٢
كتاب الصلاة
عهد رسول اللّه وَّر في المسجد الخبز واللحم.
وهذا إسناد جيد ؛ وسليمان وثقه ابن معين . وقال أبو حاتم : صالح
الحديث .
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي في ((الشمائل))(١) من رواية ابن
لهيعة ، عن سليمان بن زياد ، عن عبد اللّه بن الحارث بن جَزْء، قال: أكلنا مع
رسول اللّه وَل طعامًا في المسجد، لحمًا قد شُوي.
وروى الإمام أحمد(٢): ثنا هارون بن معروف : ثنا مسلم ، عن عبد اللّه بن
الحارث بن جزء، قال: كنا يومًا عند رسول اللّه ◌َّه في الصَّفَّة، فوضعَ لنا
طعامٌ فأكلنا .
وروى - أيضًا(٣)- عن وكيع : ثنا عبد اللّه بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن
عمر ، أن النبي وَّ أُتي بِفَضِيخٍ في مسجد الفَضِيخِ ، فشربه ، فلذلك سُمِّيَ.
عبد اللّه بن نافع ، ضعفوه .
وقد اختلف في جواز الأكل في المسجد وكراهته ، فأجازه طائفة من.
أصحابنا وغيرهم ؛ لهذا الحديث؛ ولأن الظاهر من حال النبي وَّ في اعتكافه
أنه كان يفطر في المسجد ؛ فإن عائشة قالت : كان لا يدخل البيت إلا لحاجة
الإنسان(٤)، إلا أن يقال : إن ذلك داخل في حاجة الإنسان .
والظاهر من أهل الصفة : أنهم كانوا يأكلون في المسجد ، وقد سبق حديث
البراء بن عازب أنهم كانوا إذا جاعوا ضربوا القِنْوَ المعلق في المسجد للصدقة
فأكلوا منه .
(١) أحمد (١٩٠/٤) وابن ماجه (٣٣١١) والترمذي في ((الشمائل)) (١٦٦).
(٢) (٤ / ١٩٠) .
(٣) (١٠٦/٢).
(٤) البخاري (٢٠٢٩) ومسلم (١٦٧/١).
٣٧١
٤٣ - باب من دعي لطعام في المسجد ومن أجاب فيه
كتاب الصلاة
وذهب طائفة إلى كراهته ؛ لأنه دَنَاءة ، وحكي عن الشافعي ، وهو وجه
لأصحابنا .
ومن قال بهذا أجاز للمعتكف أن يدخل بيته للأكل ، كما يدخل لقضاء
حاجته .
ويعضد هذا: قول النبي وَّ في المساجد: ((إنما هي لذكر الله والصلاة
وقراءة القرآن)) .
خرجه مسلم(١).
وقد تقدم في أواخر «أبواب : الوضوء)).
(١) (٢ / ٧٠) .
٣٧٢
حديث : ٤٢٣
كتاب الصلاة
٤٤ -باب
القَضَاءِ وَاللَّعَانِ فِي المَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
٤٢٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَبْنَا ابْنَ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ
شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ
امْرَنِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلاَعَنَا فِي المَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ.
هذا مختصر من حديث سهل في قصة المتلاعنين .
وكأن غرض البخاري منه قول سهل : ((فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد)» ،
وكان النبي وَ ل هو الذي لاعن بينهما، فدلَّ ذلك على جواز الحكم في المسجد
والتلاعن فيه بين الزوجين ؛ فإنه وَّخلال حكم عليهما بالتلاعن ولا عَن بينهما.
ولا خلاف نعلمه بين العلماء في جواز الملاعنة في المساجد بين الزوجين
المسلمين ، وإنَّمَا اختلفوا : هل ذلك مستحبٌّ أو واجبٌ أو مباحٌ :
فأوجبه الشافعي في قول له ، واستحبه في قوله الآخر ، وأكثر أصحابنا ،
ومنهم من قال : هو جائز غير مستحب .
وقال ابن عبد البر : لا يختلفون أن اللعان لا يكونُ إلا في المسجد الجامع ؛
لأن النبي وَلّ لاعن في مسجده.
وأما القضاء في المسجد ، فقد بوب البخاري عليه في آخر ((صحيحه)) في
(كتاب: الأحكام))، فقال: ((باب: من قضى ولاعن في المسجد)) . ولاعن
عمرُ عند منبرِ النبي وَّ. وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمن عند المنبرِ.
وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد . وكان الحسن وزرارة بن
أو فى يقضيان في الرحبة خارج المسجد(١).
(١) هذا كله علَّقه البخاري في الباب المذكور (١٥٤/١٣).
٣٧٣
كتاب الصلاة ٤٤ - باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء
ثم خرج(١) حديث سهل في اللعان .
ثم قال : ((باب: من حكم في المسجد حتى إذا أتى على حدٍّ أَمَر أن يخرج
من المسجد فيقام)) . وقال عمر : أخرجاه من المسجد فاضرباه . ويذكر عن علي
نحوه(٢).
ثم خرج فيه (٣) من حديث أبي هريرة، قال: أتى رجل رسول اللّه ◌َله وهو
في المسجد ، فناداه ، فقال : يا رسول اللّه ، إني زنيتُ ، فأعرض عنه، فلما
شهد على نفسه أربعًا قال: ((أَبكَ جُنون؟)) قال: لا. قال: ((اذهبوا به
فارجموه )) - وذكر الحديث .
وذكر غيره ممن كان يقضي في المسجد : شريح ، والحسن ، والشعبي ،
ومحارب بن دِثَار ، ويحيى بن يعمر ، وابن أبي ليلى ، وبه قال أبو حنيفة ومالك
وأحمد وإسحاق .
قال أحمد : لم يزل الناس يقضون في المساجد .
وقال مالك : هو من أمر الناس القديم .
وكرهه الشافعي .
وحكي عن عمر بن عبد العزيز ، ورواية عن أبي حنيفة .
وقال سفيان الثوري : لا بأس أن يقضي القاضي في المسجد ؛ كان شريح
والقضاة يفعلون ذلك ، وكان عمر بن عبد العزيز كتب أن لا يقضي (٤) القاضي في
المسجد .
(١) برقم (٧١٦٥) (٧١٦٦).
(٢) علقهما البخاري في الباب المذكور (١٥٦/١٣).
(٣) (٧١٦٧) .
(٤) في (هـ)): ((أن يقضي)). وراجع ((الفتح)) لابن حجر (١٥٦/١٣).
٣٧٤
حديث : ٤٢٣
كتاب الصلاة
وكان الشعبي يقضي بين أهل الذُّمَّةِ والنساء إذا لم يصلين على باب داره .
وأما إقامة الحد في المسجد ، ففي النهي عنه حديث خرجه الترمذي(١)، وفي
إسناده مقال .
وهو قول الجمهور ، وكان ابن أبي ليلى يقيم حد الجلد في المسجد .
ومذهب مالك : لا بأس في المسجد بخفيف الأدب ، ولا بأس بضرب
الخصم فيه إذا تبين لَدَدُهُ -: نقله صاحب ((تهذيب المدونة)) .
(١) (١٤٠١) .
٣٧٥
٤٥ - باب إذا دخل بيتًا يصلي حيث شاء أو حيث أمر؟
كتاب الصلاة
٤٥ -بابٌ
إِذَا دَخَلَ بَيْنَا يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ أَوْ حَيْثُ أُمِرَ؟
وَلَاَ يَتَجَسَّسُ
٤٢٤ - ثَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ
مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيِعِ، عَنْ عِثْبَنَ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَِّيِّ ◌َ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: «أَيْنَ
تُحِبُّ أَنَّ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيِِّكَ؟)). قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَّرَ النَِّّ ◌َ،
وَصَغَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ .
هذا مختصر من حديث طويل قد خرجه بتمامه في الباب الذي بعد هذا .
ومعنى تبويبه هاهنا : أن الداخلَ إلى بيت غيره : هل يصلي حيث شاء من
البيت ، أم حيث أمر ؟ وسقط حرف الاستفهام من الكلام .
واستدل بُهذا الحديث على أنه يصلي حيث أُمِر لا حيث شاء .
وفي هذا نظر؛ فإن عتبان إنما دعا النبي وَّ إلى بيته ليصلي له في مكان منه
يتخذه مصلّى ، حيث شكا إليه أنه لا يقدر على حضورِ مسجد الجماعةِ ، وفي
مثل هذه الحادثة ينبغي أن يرجع إلى اختيار صاحب البيت في مكان الصلاة ؛ لأنه
أعلم بما يصلحُ من بيته لاتخاذه مسجدًا ، والحق له في ذلك .
وأما من دخل إلى بيت غيره على هذا الوجه ، وأراد الصلاة فيه فلا يتوقفُ
على أمر صاحب البيت، كما صلى النبيُّ وَّهِ بأنسٍ وأمِّه ولم يستأذنهما ، بل قال
لهم : ((قوموا، فَلأُصَلِّيَ لكم)) . وقد سبق(١).
ولعل البخاري ألحق الصلاة في بيت غيره إذا دخل إليه بالجلوس فيه ؛ فإنه
إذا أُمر بالجلوس في مكان معين منه فلا ينبغي له الجلوس في غيره ، لكن ذاك
(١) (٣٨٠) .
٣٧٦
حديث : ٤٢٣
كتاب الصلاة
بعد الأمر ، فإن لم يوجد أمرٌ فله الجلوسُ حيث شاء .
قال سفيان الثوريَّ : إذا دخلت فاجلس حيث يأمرك صاحب الدار ؛ فإن
صاحب الدار أعرف بعورة داره ؛ بلغنا ذلك عن النبي و
· 體
ومتى كان في البيت مسجد للصلاة فيه فالداخل إذا أراد الصلاة يصلي فيه
بغير استئذان .
وفي ((مسند الإمام أحمد))(١) عن جابر ، قال : قلت : يا رسول اللّه، إن
أبي ترك دَيْنًا ليهوديٌّ ، فقال: ((سنأتيك يوم السبت إن شاء اللّه)). وذلك في زمن
الثمر مع استجداد النخل ، فلما كان صبيحة يوم السبت جاءني رسول اللّه وَله ،
فلما دخل علي في مالي دَنَا إلى الرَّبِيعِ فتوضأ منه، ثم قام إلى المسجد فصلَّى
ركعتينِ ، ثم دنوتُ به إلى خيمة لي فَسَطْتُ له: بِجَادًا من شَعَرٍ وطرحت خَدِيَّةٌ
من قَتَبِ من شَعَر حشُوها لِيفٌ ، فاتكأ عليها ، فلم ألبث إلا قليلاً حتى طلع
أبو بكر - رضي اللّه عنه -، فكأنه نظر إلى ما عمل نبي اللّه وَّل ، فتوضأ
وصلَّى ركعتين ، فلم ألبث إلا قليلاً حتى جاء عمر - رضي اللّه عنه - ، فتوضأ
وصلى ركعتين كأنه نظر إلى صاحبيه، فدخلا، فجلس أبو بكر عند رأسه ، وعمر
عند رجليه - وذكر الحديث .
(١) (٣٩٥/٣) .
٣٧٧
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
و
٤٦ -باب
المَسَاجِدِ فِي الْبُيُوتِ
وَصَلَّى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارِهِ فِي جَمَاعَةِ .
مساجد البيوت ، هي أماكن الصلاة منها ، وقد كانَ من عادة السَّلف أن
يتخذوا في بيوتهم أماكنَ معدَّةً للصلاة فيها .
وقد قدمنا في آخر ((كتاب: الحيض)) (١) أن النبي ◌َّ كان يصلي في مسجد
بيته في بيت ميمونة ، وهي مضطجعة إلى جانبه ، وهي حائض .
وروى جعفر بن بُرقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، أنه
جاء إلى النبي وَ لو يؤذنه بالصلاة ، فوجده يتسحر في مسجد بيته .
خرجه الإمام أحمد(٢).
وروى محمد بن سعد(٣): أبنا قبيصة(٤): أبنا سفيان ، عن أبيه ، قال : أول
من اتخذ مسجدًا في بيته يصلي فيه عمار بن ياسر .
وبإسناده : عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن مسعود ، قال : أول
من بنى مسجدًا يصلي فيه عمار بن ياسر .
وهذه المساجد لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد المُسَبَّلَة ، فلا يجب
صيانتها عن نجاسة ولا جنابة ولا حيض . هذا مذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء .
ومنع إسحاق من جلوس الجنب فيها والحائض - : نقله عنه حرب .
وأجاز الاعتكاف فيها للمرأة خاصَّة طائفة من فقهاء الكوفيين ، منهم :
(١) (٣٣٣) .
(٢) (١٣/٦).
(٣) (٣/ ١ / ١٧٨ - ١٧٩) .
(٤) في (( ق)): ((شعبة)) خطأ.
٣٧٨
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
النخعي والثوري وأبو حنيفة .
وعنه وعن الثوري : أن المرأة لا يصحّ اعتكافها في غير مسجد بيتها .
وقول الأكثرين أصح .
وقد روي عن ابن عباس ، أنه سئل عن اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ؟
فقال : بدعة ، وأبغض الأعمال إلى اللّه البدع، لا اعتكاف إلا في مسجد تقام
فيه الصلاة .
خرجه حرب الكرماني .
وروى عمرو بن دينار ، عن جابر ، أنه سئل عن امرأة جعلت عليها أن
تعتكف في مسجد بيتها ؟ قال : لا يصلح ، لتعتكف في مسجد ؛ كما قال اللّه :
﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
خرجه الأثرم .
وجابر هذا ، يحتمل أنه جابر بن عبد اللّه الصحابي ، ويحتمل أنه جابر بن
زيد أبو الشعثاء التابعي .
واعتكف أبو الأحوص صاحبُ ابنٍ مسعود في مسجد بيته .
ورخَّص فيه الشعبي .
وهؤلاء جعلوا مساجد البيوت حكمها حكم المساجد في الاعتكاف ، ولو كان
هذا صحيحًا لاعتكف أزواج النبي ◌َّ في مساجد بيوتهن، وإنما كُنَّ يعتكفنْ في
مسجد النبي صَلّ .
وأما إقامة الجماعة للصلوات في مساجد البيوت فلا يحصل بها فضيلة الصلاة
في المساجد ، وإنما حكم ذلك حكم من صلى في بيته جماعة وترك المسجد .
قال حرب : قلت لأحمد : فالقوم نحو العشرة يكونون في الدار ،
٣٧٩
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
فيجتمعون وعلى باب الدار مسجد ؟ قال: يخرجون إلى المسجد ، ولا يصلون في
الدار ، وكأنه قال : إلا أن يكون في الدار مسجد يُؤذن فيه ويُقام . انتهى .
ومتى كان المسجد يُؤذن فيه ويُقام ويجتمع فيه الناس عمومًا ، فقد صار
مسجدًا مسبَّلاً ، وخرج عن مِلْكِ صاحبه بذلك عند الإمام أحمد ، وعامة العلماء،
ولو لم ينوِ جعله مسجدًا مؤبداً .
ونقل أبو طالب عن أحمد فيمن بنى مسجدًا من داره ، أَذَّن فيه وصَلَّى مع
الناس ، ونيته حين بناه وأخرجه أن يصلي فيه ، فإذا مات رد إلى الميراث ؟ فقال
أحمد : إذا أذن فيه ودعا الناس إلى الصلاة فلا يرجع بشيء ، ونيته ليس بشيء .
ووجه هذا : أنَّ الإذن للناس في الصلاة إذا ترتب عليه صلاة الناس ، فإنه
يقومُ مقامَ الوقفِ بالقولِ مع حيازة الموقوف عليه ، ورفع يد الواقف ، فيثبت
الوقفُ بذلك، ونيَّةُ رجوعه إلى ورثته كنيَّة توقيت الوقفِ ، والوقف لا يتوقت
بل يتأبد ، وتلغو نيتُه توقيتَه .
وقال حرب - أيضًا - : سمعت إسحاق يقول : الاعتكاف في كل مسجد
خارج من البيت جائز ، وإن كانت الدار عظيمة مما يجتمع أهل المحلة في مسجد
تلك الدار ، ويدخلها غير أهل الدار لما جعل المسجد للَّه جاز الاعتكاف فيه -
أيضًا - ، فأما رجل جعل مسجدًا لنفسه ، ولم يجعله للجماعة تَرَقُّقًا بنفسه ، فإنه
لا يكون فيه اعتكاف ، ولا فضل الجماعة - أيضًا - ، إلا أن يكون به عذر ، ولا
يمكنه أن يَستقلَّ إلى المسجد ، فحينئذٍ يكون له فضل الجماعة في ذلك المسجد،
فإن اعتكف فيه كان له أجر ، ولا يسمى معتكفًا ؛ لأن الاعتكاف إنما يكون في
موضع بارزٍ .
وبكل حال ؛ فينبغي أن تُحترم هذه البقاع المعدة للصلاة من البيوت ،
وتنظف وتطهر .
٣٨٠
٤٦ - باب المساجد في البيوت
كتاب الصلاة
قال الثوري في المساجد التي تبنى في البيوتِ : ترفع ولا تشرف ، وتفرَّغ
للصلاة ، ولا تجعل فيها شيئًا .
وقد روي من حديث هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول اللّه
وَاللّ أمر ببناء المساجد في الدور ، وأن تنظف وتطيب .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في
((صحیحیھما))(١).
وخرجه الترمذي(٢) من وجه آخر مرسلاً، من غير ذكر: ((عائشة)).
وقال : هو أصح .
وكذلك أنكر الإمام أحمد وصله .
وقال الدارقطني : الصحيح المرسل .
وخرجه الإمام أحمد - أيضًا (٣) - من رواية ابن إسحاق : حدثني عمر بن
عبد الله بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عمَّن حدثه من أصحاب رسول اللّه
وَخلفه، قال: كان رسول اللّه وَّل يأمرنا أن نصنع المساجد في دُورنا، وأن
نصلحَ صنعتها ونطهرها .
وخرجه أبو داود(٤) بنحو هذا اللفظ من حديث سمرة بن جندب ، عن النبي
. 醬
وقد اختلف في تفسير ((الدور)) في هذه الأحاديث :
فقيل : المراد بها البيوت ، وبذلك فسره الخطابي وغيره .
(١) أحمد (٢٧٩/٦) وأبو داود (٤٥٥) وابن ماجه (٧٥٨) وابن خزيمة (١٢٩٤) وابن حبان
(١٦٣٤) .
(٢) (٥٩٥) .
(٣) (٣٧١/٥) .
(٤) (٤٥٦) .