النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب الصلاة ٣٢ - بابُ ما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها
وهو اجتهاده ، وعمل بما أدَّاه اجتهاده إليه ، فلا يكون عليه إعادة .
كما أن أهل قباء صلَّوا بعض صلاتهم إلى بيت المقدس ، مُستصحبين ما
أُمروا به من استقبال بيت المقدس ، ثم تبين لهم أن الفرض تحول إلى الكعبة،
فبنوا على صلاتهم وأتموها إلى الكعبة .
وهذا هو قول جمهور العلماء ، منهم : ابن المسيب ، وعطاء ، والحسن ،
والشعبي ، والثوري ، وابن المبارك ، وأبو حنيفة ، والشافعي - في القديم - ،
وأحمد في ظاهر مذهبه ، حتى قال أبو بكر عبد العزيز : لا يختلف قوله في
ذلك ، وهو قول إسحاق والمزني .
وقال مالك والأوزاعي : يعيد في الوقت ، ولا يعيد بعده .
قال ابن عبد البر : وهذا على الاستحباب دون الوجوب .
وقال الشافعي - في الجديد - : يجب عليه أن يُعيد .
وعليه عامة أصحابه ، وهو قول المغيرة المخزومي من المالكية ، وحكاه
بعض أصحابنا روايةً عن أحمد .
وفرقوا بين هذا وبين أهل قباء ، بأن أهل قباء لم يعتمدوا في صلاتهم على
اجتهاد يحتمل الخطأ ، بل على نصِّ تمسكوا به ، والناسخ له لم يبلغهم إلا في
أثناء الصلاة .
فإن قيل : إن النسخ لا يثبت في حقهم إلا بعد بلوغهم ، فلم يثبت في
حقهم إلا في أثناء صلاتهم ، فلذلك بَنَوْا على ما مضى منها .
وإن قيل : يثبت في حقهم قبل ذلك ، فقد تمسكوا بنصٌّ لا يجوز لهم تركه
ولا الاجتهاد في خلافه ، ولا يلزمهم البحث عن استمراره ، فلا ينسبون إلى
تفريط ، بخلاف المجتهد المخطئ ..
ويمكن أن يجاب عن ذلك : بأن أهل قباء قد صحَّ أنهم(١) بلغهم ذلك في
(١) في ((هـ)): ((أنه)).

٣٢٢
حديث : ٤٠٤
كتاب الصلاة
صلاة الصبح ، وقد ثبت بحديث البراء أن القبلة حولت في العصر ، وبينهما زمان
طويل ، في مثله تنتشر الحوادث المهمة الواقعة ، ولا سيما مثل هذه الحادثة
المتعلقة بالصلاة ، فإذا لم ينسبوا بذلك إلى نوع تفريط ، فالمجتهد في طلب
القبلة بما يسوغ له الاعتماد عليه أولى أن لا ينسب إلى تفريط وتقصير ، إذا
استفرغ جهده في الاستدلال والطلب ، فإن ذلك يقع في الأسفارِ كثيراً ، فالأمر
بالإعادة يَشْقُّ ، بخلاف الأمر بإعادة صلاة واحدة .
هذا حكم من خفيت عليه القبلة واجتهد في طلبها وأخطأ .
فإن تعذر الاجتهاد الظلمة ونحوها أو فُقدَتِ الأماراتُ أو تعارضت ، وصلى
بحسب حاله ، ففي الإعادة وجهان لأصحابنا ، أصحهما : لا يعيد ، وهو مذهب
الثوري وأبي حنيفة وغيرهما ، لأنه شرط عجز عنه فسقط كالطهارة والسترة ،
وكذا الجاهل بأدلة القبلة ، إذا لم يجد من يسأله .
ومن أصحابنا من قال : لا إعادة عليه ، وجهًا واحدًا .
وهذا كله في السفر .
فأما في الحَضَر فلو أخطأ فيه القبلةَ أعاد عند الثوري ، وأحمدَ في ظاهر
مذهبه .
الحديث الثالث :
٤٠٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: ثَنَا يَحْنَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْد اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ◌َِّ الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ في
الصَّلاَةِ ؟ قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْه، فَسَجَدَ
سَجْدَتَیْنِ .
قد بين البخاري في أول الباب وجه الاستدلال بحديث سجود السهو على أن
السهوَ عن استقبال القبلة لا يبطلُ الصلاة، وهو أنَّ النبيَّ وَّهِ سلَّم من ركعتين

٣٢٣
كتاب الصلاة ٣٢ - باب ما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها
في الظهر وأقبلَ على الناس بوجهه ثم أتمَّ ما بقي ، وهذا إشارة منه إلى حديث
أبي هريرة في قصة ذي اليدين .
وقد خرجه البخاري(١) في ((أبواب سجود السهو)) ، لكن ليس عنده أنه أقبل
على الناس بوجهه ، وإنما فيه : أنه قام إلى خشبة في مقدم المسجد ، فوضع يده
عليها .
وفي ((صحيح مسلم))(٢) أنه أتى جِذْعًا في قبلة المسجد فاستندَ إليها .
وهذا يدل على أنه ولى ظهره إلى القبلة واستقبلَ الناس بوجهه ، إلا أن
يكون استند إليها وَظَهْرُهُ إلى الناسِ ووجهُهُ إلى القبلة.
وإنما يُعْرف لفظُ : ((ثمَّ أقبل على الناس بوجهه)) في حديث ابن مسعود الذي
خرجه البخاري هَاهُنا .
وقد خرَّجه النسائي(٣) من طريق شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن
علقمة، عن عبد اللّه، ولفظه: إن رسول اللّه وَلّه صَلَى صَلاَةَ الظُّهْرِ، ثمَّ
أقبلَ عليهم بوجهه ، فقالوا : أَحَدَثَ في الصلاة حَدَثٌ؟ قال: ((وما ذاك؟))
فأخبروه بصنيعه ، فثنى رجليه(٤)، واستقبل القبلة ، فسجد سجدتين ، ثم سلم .
ولكن هنا لم يكن قد بقي عليه غير سجدتي السهو ، على تقدير أن يكون زاد
في الصلاة ؛ فإن إبراهيم شكَّ: هل كان زاد فيها أو نقص ، كذا في ((صحيح
مسلم)) (٥) التصريح بأن هذا الشك من إبراهيم .
وفي صحيح مسلم - أيضًا(٦) - ، عن عمران بن حصين ، قال : سلَّم
(١) (١٢٢٦) .
(٢) (٨٦/٢) من حديث أبي هريرة.
(٣) (٢٩/٣) .
(٤) في ((هـ) والنسائي: ((رجله)).
(٥) (٨٦/٢)، وكذا عند البخاري فيما تقدم برقم (٤٠١).
(٦) (٢/ ٨٧ - ٨٨) .

٣٢٤
حديث : ٤٠٤
كتاب الصلاة
رسول اللّه وَّ ل في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة ، فقام رجل
بسيط اليدين ، فقال : أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ يا رسول اللّه ؟ فخرج مُغْضَبًا ، فصلى
الركعة التي كان ترك ، ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو ، ثم سلم .
ودخوله الحجرة يلزم منه الانحراف عن القبلة بالكلية ؛ لأن الحجرة كانت
عن يساره .
ومقصود البخاري : أن استدبارَ القبلة والانحراف عنها في الصلاة سهوًا عن
غير تعمد لا تبطل به الصلاة ، كما دلَّ عليه حديث سجود السهو ، وقد نص عليه
أحمد وغيره ، فيستدل بذلك على أن من صلى إلى غير القبلة عن غير تعمد أنه لا
تبطل صلاته بذلك ، ولا إعادةَ عليه . والله أعلم .
ورواية النسائي(١) لحديث ابن مسعود يُستدلُّ بها على أن من نسي سجود
السهو حتى سلم ثم ذكر فإنه يسجد ، وإن كان قد صرف وجهه عن قبلته ، وهو
قول الجمهور ، خلافًا للحسن وابن سيرين في قولهما : لا يسجد حينئذ.
وقصة ذي اليدين يُستدلُّ بها على أن كلام الناسي لا يُبطل ؛ كما هو قول
الشافعي ، وأحمد في إحدى الروايات عنه .
وعلى أن العمل الكثير في الصلاة نسيانًا يُعفى عنه ، وهو روايةٌ عن أحمد ،
وقولٌ للشافعي .
واستدلَّ به بعضهم : على أن من سلم من نقصان فإنه يَبْنَي على ما مضى من
صلاته ، وإن طالَ الفصل ، وهو قول الأوزاعي وغيره .
وسيأتي ذكر ذلك مفصلاً في موضعه - إن شاء الله تعالى.
(١) (٢٩/٣) .

٣٢٥
٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد
كتاب الصلاة
و
٣٣ -باب
حَكِّ البُزَاق بالْيَدِ منَ المسْجد
لما ذكر البخاري - رحمه الله - أبوابَ استقبال القبلة في الصلاة أتبعها بما
تصان منه قبلةُ المصلي التي يصلى إليها ، من البصاق ونحوه .
وخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث :
الحديث الأول :
٤٠٥ - حَدَّثَنَا قُنَةُ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّالنَّبِيَّ
﴿ رَأَى نُخَمَةً فِي الْقِيْلَةِ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُبِي ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ
بَيَدَه، فَقَالَ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِ رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
القِبْلَةِ -، فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)) ، ثُمَّ أَخَذَ
طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: ((أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَ)) .
وخرجه البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) (١) من طريق زهير ، عن حميد.
ولم يخرجه مسلم ؛ لما تقدم من قول حماد بن سلمة : أكثر ما رواه حميد،
عن أنس لم يسمعه منه ، إنما سمعه من ثابت .
وقد قال ذلك في هذا الحديث بخصوصه ، فذكر علي بن المديني ، قال :
سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان حماد بن سلمة يقول: حديث حميد عن أنس،
أن النبي 90َّ بزق في ثوبه، ثم دلك بعضه ببعض، إنما رواه حميد، عن ثابت،
عن أبي [حمزة] (٢). قال يحيى: ولم يَقُلْ شيئًا ؛ هذا قد رواه قتادة عن أنس .
(١) (٤١٧) .
(٢) في الأصل ((هـ)) مشتبهة، فقد تقرأ ((بعرة)) أو ((نضرة))، ولعل الصواب ما أثبته ، وأبو حمزة
هو أنس بن مالك ، ويؤيده ما سبق وما يأتي . والله أعلم

٣٢٦
حديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
فجعل يحيى القطانُ روايةَ قتادة عن أنس لهذا الحديث شاهدةً لرواية حميد
عن أنس ، وإن لم يصرحْ بسماعه منه ، واكتفى بذلك .
وتبعه البخاريُّ على ذلك ، وقد خرج حديثَ قتادة عن أنس فيما بعد .
وقد أشار البخاريّ في ((كتاب: الوضوء)) في ((باب : البصاق والمخاط
يصيب الثوب)) أن سعيد بن أبي مريم روى هذا الحديث ، عن يحيى بن أيوب ،
عن حميد : سمعت أنسًا ، فذكره ، فصرح فيه بالسماع .
وقد تقدم القول في قول يحيى بن أيوب: ((ثنا)).
وهذا الحديث دالٌّ على كراهة أن يبصق المصلي في قبلته التي يصلي إليها ،
سواء كان في مسجد ، أو لا ، فإن كان في مسجد تأكدت الكراهة بأن البزاق في
المسجد خطيئة ، كما يأتي الحديث بذلك في بابه ، فإن كان في قبلة المسجد كان
أشد كراهة .
وقد أمر النبي وَلّ ببناء المساجد(١) في الدور: أن تُنَظَّفَ وتُطَّيَّبَ ، وسنذكره
في موضع آخر - إن شاء الله .
وقد فُسِّر قول اللّه عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن ترفع﴾ [النور: ٣٦] :
بِيُنْيَانِهَا (٢) وَتَطْهِيرِهَا وَتَنْزِيهِهَا عَمَّا لا يليق بها.
وفي الحديث : نَهيُ المصلي أن يبزق وهو في الصلاة قِبَل قبلته بكل حال،
وليس فيه التصريح بالنهي عن أن يبزق عن يمينه ، وورد التصريح به في أحاديث
أخر ، وهو يفهم من أمره بأن يبزق عن يساره أو تحت قدمه أو في طرف ردائه .
وذكر اليسار وتحت القدم بلفظه ، والبصاق في طرف ردائه بينه بفعله ، فكان
دليلاً على طهارة البزاق ، وهو رد على من قال بنجاسته ، كما سبق ذكره في
((أبواب: الوضوء))، ودليلاً على أن تلويث طرف الثوب بالبزاق لحاجة إليه ليس
(١) في الأصل ((هـ)): ((المسجد)).
(٢) في الأصل ((هـ)) مشتبهة.

٣٢٧
٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد
كتاب الصلاة
مما ينبغي استقذاره والتنزه منه ؛ فلهذا بينه بالفعل مع القول .
وفي هذا الحديث : أنه حكَّه بيده ، فيحتمل أنه أراد أنه باشر ذلك بنفسه ،
ولم يوله غيره من أصحابه ، وبهذا فسره الإسماعيلي ، ويحتمل أنه أراد أنه باشرَ
حکه بيده من غیر حائل حکه به .
وتبويب البخاري يدلّ على هذا ؛ ولهذا بوب بعده : ((باب : حك المخاط
بالحصى من المسجد)» .
وقد روى عائذ بن حبيب، عن حميد، عن أنس، أنَّ النبي وَلِّ رأى نخامة
في قبلة المسجد ، فغضب حتى احمرَّ وجهه ، فجاءته امرأة من الأنصار،
فحكَّتْهَا، وجعلت مكانها خَلُوقًا، فقال رسول اللّه وَلِّ: ((ما أحسن هذا)).
خرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في ((صحيحه))(١).
وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - ذكر عائذ بن حبيب ،
فأحسن الثناء عليه. قلت له: روى عن حميد عن أنس - فذكر له هذا الحديث - ؟
فقال : قد روى الناس هذا على غير هذا الوجه .
يشير إلى رواية حميد التي خرجها البخاري ؛ فإنها مخالفة لرواية عائذ في
حكِّه بيده ، وليس فيها ذكر الخَلُوقِ ، لكنها زيادة لم تنفِها رواية البخاريِّ ولم
تثبتها .
وصرح بعض أصحابنا بوجوب حك النخامة عن حائط المسجد ، وباستحباب
تخليق موضعها .
وإنما يكره البصاق إلى القبلة في الصلاة أو في المسجد ، فأما من بصق إلى
القبلة في غير مسجد فلا يكره له ذلك . وقد سبق ذكره في ((باب : استقبال القبلة
بالغائط والبول)).
وقوله آل : «إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه، أو إن ربه بينه وبين
(١) النسائي (٢/ ٥٢) وابن ماجه (٧٦٢) وابن خزيمة (١٢٩٦).

٣٢٨
حديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
القبلة)) يدلُّ على قرب اللّه تعالى من المصلي في حال صلاته ، وقد تكاثرت
C
النصوص بذلك، قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [العلق: ١٩].
وفي ((صحيح مسلم))(١)، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر، قال: ((أقربُ ما
يكونُ العبدُ من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاءَ)).
وخرَّج الإمام أحمدُ والترمذيُّ وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) (٢) من
حديث الحارث الأشعري، عن النبي ◌َّة، قال: «إن الله أمر یحیی بن ز کریا
بخمسٍ كلماتٍ ، أن يعمل بهن ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ)) - فذكر
الحديث - ، وفيه : ((وَآمُرُكُمْ بالصلاة ؛ فإن اللّه يَنصبُ وجهه لوجه عبده ما لم
يلتفتْ ، فإذا صليتمْ فلا تلتفتوا)) .
وصححه الترمذي .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٣) من
حديث أبي ذر، عن النبي ◌َ ◌ّه، قال: ((لا يزال اللهُ مُقبلاً على العبد وهو في
صلاته ما لم يلتفتْ، فإذا التفتَ انصرفَ عنه)) .
وروى عبد الرزاق(٤)، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة
يقول: إذا صلى أحدكم فلا يلتفتْ؛ فإنه يناجي ربه ، إن ربّه أمامه، وإنه يناجيه.
قال عطاء : وبلغنا أن الربَّ عز وجل يقول : ((يا بن آدم ، إلى من تلتفت ، أنا
خيرٌ لك ممن تلتفتُ إليه)) .
وقد رواه إبراهيم بن يزيد وعمر بن قيس ، عن عطاء ، عن أبي هريرة -
(١) (٢ /٤٩ - ٠ ٥ ) .
(٢) أحمد (٤/ ١٣٠ - ٢٠٢) والترمذي (٢٨٦٣) (٢٨٦٤) وابن خزيمة (٩٣٠) (١٨٩٥) وابن
حبان (٦٢٣٣) .
(٣) أحمد (١٧٢/٥) وأبو داود (٩٠٩) والنسائي (٨/٣) وابن خزيمة (٤٨٢).
(٤) في ((مصنفه)) (٢٥٧/٢) .

٣٢٩
٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد
كتاب الصلاة
مرفوعًا كُلَّه .
ورواية ابن جريج أصح - : قاله العقيلي (١) وغيره .
وكأن مقصود النبي صَلّ بذكر هذا : أن يستشعر المصلي في صلاته
قرب اللّه منه، وأنه بمرأى منه ومسمعٍ ، وأنه مناجٍ له ، وأنه يسمعُ كلامه ويرد
عليه جواب مناجاته له .
كما في ((صحيح مسلم)) (٢)، عن أبي هريرة، عن النبي رَله: ((إنَّ العبدَ إذا
قال : الحمد لله رب العالمين ، قال الله: حمدني عبدي)) - وذكر ردَّه عليه في
آيات الفاتحة إلى آخرها .
فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه ،
وخشوعه له ، وتأدبه في وقوفه بين يديه ، فلا يلتفتُ إلى غيره بقلبه ولا ببدنه ،
ولا يعبثُ وهو واقف بين يديه ، ولا يبصقُ أمامه ، فيصير في عبادته في مقام
الإحسان ، يعبد اللّه كأنه يراه، كما فسر النبي وَّ الإحسانَ بذلك في سؤال
جبريل عليه السلام له ، وقد سبق حديثه في ((كتاب: الإيمان))(٣).
وخرَّج النسائي(٤) من حديث ابن عمر، قال: أخذ النبي ◌َّ ببعض جسدي،
فقال: ((أعبد اللهَ كأنَّك تراهُ)).
وقد كان ابن عُمر قَبلَ هذه الوصية(٥) وامتثلها ، فكان يستحضرُ في جميع
(١) في ((الضعفاء)) له (١ / ٧١) .
(٢) (٩/٢).
(٣) برقم (٥٠) .
(٤) في ((الكبرى)) (تحفة الأشراف ٤٨١/٥) وكذا أحمد (١٣٢/٢) وأبو نعيم في «الحلية))
(١١٥/٦) .
وإسناده ضعيف .
راجع: ما كتبته تعليقًا على ((جامع العلوم والحكم)) (٤١٣/٢).
. (٥) كذا السياق بالأصلين .

٣٣٠
حديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
أعماله وعباداته قربَ اللّه منه واطلاعَه عليه .
وكان عروة بن الزبير قد لقيه مرة في الطواف بالبيت فخطب إليه ابنته سودة ،
فسكت ابن عمر ولم يرد عليه شيئًا ، ثم لقيه بعد ذلك بعدما تقدم(١) المدينة ،
فاعتذر له عن سكوته عنه ، بأنَّا كنا في الطواف نتخايل اللّه بين أعيننا.
وقد أخبر اللّه تعالى بقربه ممن دعاه، وإجابته له، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقد رُوي في سبب نزولها : أن أعرابيًا قال : يا رسول اللّه ، أقريبٌ ربنا
فنتاجيه ، أم بعيدٌ فنناديه ؟ فأنزل اللّه عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي
﴾ [البقرة: ١٨٦].
قریب
خرجه ابن جرير وابن أبي حاتم(٢).
وروى عبد الرزاق (٣)، عن جعفر بن سليمان ، عن عوف ، عن الحسن ،
قال: سأل أصحاب رسول اللّه وَ ه [رسولَ اللّه وَلّو](٤): أين ربُّنا؟ فأنزل اللّه
عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾ [البقرة: ١٨٦].
وروى عبد بن حميد بإسناده ، عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير ، قال : نزلت
هذه الآية: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: كيف لنا به أن نلقاهُ
و
حتى ندعوه؟ فأنزل اللّه عز وجل على نبيه وَالِهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي
قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فقالوا : صدق ربِّنا ، هو
بكل مكان .
(١) كذا، والأشبه : ((قَدِمَ)).
(٢) ابن جرير (٣/ ٤٨٠ - ٤٨١ - شاكر) وابن أبي حاتم في ((التفسير)) - كما في ((التفسير)) لابن
کثیر (٣١٣/١) .
(٣) ابن جرير (٤٨١/٣ - شاكر).
(٤) سقط من الأصلين ، واستدركته من ((التفسير)) لابن جرير.
١

٣٣١
٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد
كتاب الصلاة
وقد خرَّج البخاريُّ في ((الدعوات))(١) حديث أبي موسى ، أنهم رفعوا
أصواتهم بالتكبير، فقال لهم النبي وَّ: ((إِنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم
تدعون سميعا قريبًا)) .
وفي رواية(٢): «إنه أقرب إلیکم من أعناق رواحلكُمْ))
ولم يكن أصحاب النبي وَ لا يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح
المراد بها ، يستفيدون بذلك معرفة عظمة اللّه وجلاله ، واطلاعه على عباده
وإحاطتِه بهم ، وقربِه من عابديه ، وإجابته لدعائهم ، فيزدادون به خشية للَّه
وتعظيمًا وإجلالاً ومهابةً ومراقبةً واستحياءً ، ويعبدونه كأنهم يرونه.
ثم حدث بعدهم من قلَّ ورعه، وساء فهمه وقصدهِ، وضعفتْ عظمة اللّه
وهيبته في صدره ، وأراد أن يُري الناسَ امتيازَه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر،
فزعم أن هذه النصوص تدل على أن اللّه بذاته في كل مكان ، كما يحكى ذلك
عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ، تعالى الله عما يقولون علوا
كبيراً ، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة - رضي الله عنهم - ،
وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وقد حذر النبي وَلّ أمته
منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه(٣).
وتعلقوا - أيضًا - بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في
كتاب اللّه، مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ فَعَكُمْ أَيْنَ مَا كَنْتَمْ﴾ [الحديد: ٤] وقوله :
﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعَهَم﴾ [المجادلة: ٧] الآية ، فقال من قال من
علماء السلف حينئذٍ : إنما أراد أنه معهم بعلمه ، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله
أولئك ، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن .
(١) (٦٣٨٤) (٦٤٠٩)، وكذا في ((الجهاد)» (٢٩٩٢) و((المغازي)) (٤٢٠٥).
(٢) عند مسلم (٧٤/٨) وأحمد (٤٠٢/٤).
(٣) البخاري (٤٥٤٧) ومسلم (٥٦/٨) .

٣٣٢
حديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
وممن قال : إن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان ، وروي عنه أنه رواه عن
عكرمة ، عن ابن عباس .
وقاله الضحاك ، قال : اللّه فوق عرشه ، وعلمه بكل مكان .
وروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري وأحمد وإسحاق
وغيرهم من أئمة السلف .
وروى الإمام أحمد : ثنا عبد اللّه بن نافع، قال : قال مالك : اللّه في
السماء ، وعلمه بكل مكان .
وروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود - أيضًا .
وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]،
قال : علمه بالناس .
وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل
قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنَّ المراد علمه .
وكل هذا قصدوا به رد قول من قال : إنه تعالى بذاته في كل مكان .
وزعم بعض من تَحَذْلَقَ أنَّ ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ ؛ لأن علم اللّه صفة لا
تفارق ذاته ، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام ؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنَّه بهم ،
وإنما أرادوا أن علم اللّه متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته ، لا صفة
ذاته، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ
عِلْمَا﴾ [طه: ٩٨] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمَا﴾ [غافر: ٧] وقوله :
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ
و م
السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتَمْ﴾ [الحديد: ٤].
وقال حرب : سألت إسحاق عن قوله : ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ
رابعهم﴾ [المجادلة: ٧] ؟ قال : حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد ،
٠

٣٣٣
٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد
كتاب الصلاة
وهو بَائِنٌ من خلقه .
وروى عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب مرَّ بقاصِّ (١) ،
وقد رفعوا أيديهم ، فقال : ويلكم ! إن ربكم أقربُ ممَّا ترفعون ، وهو أقرب إلى
أحدکم من حبل الوريد .
وخرجه أبو نعيم ، وعنده : أن المارَّ والقائل بذلك هو ابن عمر .
وخطب عمر بن عبد العزيز ، فذكر في خطبته : إن اللّه أقرب إلى عباده من
حبل الوريد . وكان مجاهد حاضرًا يسمع ، فأعجبه حسن كلام عمر .
وهذا كله يدل على أن قرب اللّه من خلقه شامل لهم ، وقربه من أهل طاعته
فيه مزيد خصوصية ، كما أن معيَّتَهُ مع عباده عامَّة حتى ممن عصاه ؛ قال تعالى:
يَسْتَخْفُونَ (٢) مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَىْ
مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، ومعيَّتَهُ مع أهل طاعته خاصة لهم ، فهو سبحانه مع
الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون . وقال لموسى وهارون : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا
٥٠٠
أَسْمَعَ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال موسى: ﴿إِنَّ مَعِي رَبِي سيهدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦٢]
وقال في حقِّ محمد وصاحبه ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
[التوبة: ٤٠] .
ولهذا قال النبي رَّهِ لأبي بكر في الغار: ((ما ظنُّك باثنينِ اللهُ ثالثهما))(٣).
فهذه معية خاصة غير قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾
[المجادلة: ٧] الآية ، فالمعيّة العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته
وبطشه وانتقامه . والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه
وصيانته ، فكذلك القرب .
(١) لعل الأشبه : ((بناسٍ)).
(٢) في الأصلين: ((ويستخفون))، والواو ليست في التلاوة.
(٣) سيأتي برقم (٣٦٥٣).

٣٣٤
حديث : ٤٠٥
كتاب الصلاة
وليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم ، كما ظنه من ظنه من أهل
الضلال ، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين ، كما أن الموصوف به
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا ، فإنه من نوع قرب الرب
من داعيه وسائليه ومستغفريه .
وقد سئل عنه حماد بن زيد ، فقال : هو في مكانه يقرب من خلقه كما
يشاء(١).
ومراده أن نزوله ليس هو [انتقال](٢) من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين.
وقال حنبل : سألت أبا عبد اللّه : ينزل اللّه إلى سماء الدنيا ؟ قال : نعم.
قلت : نزوله بعلمه أو بماذا ؟ قال : اسكت عن هذا ، مالكَ ولِهَذَا ؟ أَمْضِ
الحديثَ على ما رُوي بلا كيف ولا حَدِّ ، إلا بما جاءت به الآثار ، وجاء به
الكتاب، قال اللّه: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] ، ينزل كيف شاء ،
بعلمه وقدرته وعظمته ، أحاط بكل شيء علماً ، لا يبلغ قَدْرَه واصف ، ولا ينأى
عنه هربُ هاربٍ ، عزَّ وجل .
ومراده : أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين ، بل هو نزول يليق بقدرته
وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء ، والمخلوقون لا يحيطون به علمًا ، وإنما
ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه ، أو أخبر به عنه رسوله .
فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرارِ هذه النصوص كما جاءت من غير
زيادة ولا نقص ، وما أشكل فهمه منها ، وقصر العقل عن إدراكه وُكِل إلى
عالمه .
١
٠٠ .>>...
(١) في (( هـ)): ((كيف يشاء)).
(٢) من (( هـ)).

٣٣٥
٣٣ - باب حك البزاق باليد من المسجد
كتاب الصلاة
الحديث الثاني :
٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: أَبْنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّه ◌َ﴿ رَأَى بُصَافًا فِي جِدَارِ القِيْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «إِذَا
كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْصُقْ قَبَلَ وَجْهه؛ فَإِنَّ اللَّهَ قبَلَ وَجْهه إذَا صَلَّى)).
الحديث الثالث :
٤٠٧ - ثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ: ثَنَا (١) مَالِكٌّ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ،
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ رَأَى فِي جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطًا - أَوْ بُصَاقًا، أو نُخَامَةً -
نَحكَّهُ .
قد ذكرنا في الكلام على حديث أنس(٢) ما يكون شرحًا لهذين الحديثين ، فلا
حاجة إلى إعادته .
(١) في ((اليونينية)): ((أخبرنا)).
(٢) يعني : الذي قبله .

٣٣٦
٣٤ - باب حك المخاط بالحصى من المسجد
كتاب الصلاة
٣٤ ۔بابُ
حَكِّ المُخَاطِ بِالْحَصَى(١) مِنَ الْمَسْجِدِ
وَقَالَ ابْنُ عَّاسِ : إِنْ وَطِئْتَ عَلَى قَذَرِ رَطْبِ فَاغْسِلُهُ، وَإِنْ كَانَ يَابِسَا فَلاَ .
روى وكيع في ((كتابه))(٢) عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن يحيى بن
وثَّاب ، قال : قلت لابن عباس : أتوضأ ثم أمشي إلى المسجد حافيًا ؟ قال :
صلِّ ، لا بأس به ، إلا أن يصيبك نَتَنُ رَطْبٌ فتغسله .
قال(٣): وثنا أصحابنا ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد اللّه ، قال :
لقد رأيتُنَا وما نتوضأ من موطىء إلا أن يكون رطبًا فنغسل أثَرَه .
ومعنى هذا : أن من كان حافيًا فوطىء على نجاسة يابسة لم تَعْلَقْ برجله فإنه
يصلي ولا يغسل رجليه ، وإن أصابه نجاسة رطبة غسلها .
وروي هذا المعنى عن كثير من التابعين ، منهم : الحسن والشعبي وعطاء
والنخعي ، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد ، ولا نعلم عن
أحد من العلماء خلاف ذلك(٤).
وأما إن كان ماشيًا في نعل أو خفِّ فأصاب أسفلَه نجاسةٌ ، فقد سبق ذكر
الاختلاف في وجوب غسله والاكتفاء بمسحه ودلكه بالتراب .
ولعل البخاري إنما أدخل هذه المسألة في هذا الباب ؛ ليستدل بها على طهارة
المخاط والنخامة والبصاق ؛ فإنه لو كان نجسًا لوجب غسله من حائط المسجد ،
ولم يكتفِ بمسحه بالحصى .
(١) في نسخة: ((بالحصباء)).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٨/١) من حديث الأعمش ، عن يحيى بن وثاب ، به .
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٩/١) من حديث شريك وهشيم وابن إدريس ، عن الأعمش ، به .
(٤) انظر: ((المصنف)) لعبد الرزاق (٢٨/١ - ٣٥) وابن أبي شيبة (٥٨/١ - ٥٩).

٣٣٧
٣٤ - باب حك المخاط بالحصى من المسجد
كتاب الصلاة
قال البخاري - رحمه الله - :
٤٠٨، ٤٠٩ - ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ : أَبَنَا ابْنُ شِهَاب،
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّأَبَا هُرَيْرَةَ وَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌ِ﴾
رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا ، فَقَالَ:(إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلاَ
يَتَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهَهُ ، وَلَاَ عَنْ يَمِينِه، وَلَيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِه الْيُسْرَى)).
والظاهر : أن مراد البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أنه يجوز حكّ
النخامة بحصاة من المسجد ؛ فإن الظاهر يدل على أنه تناول من المسجد حصاة
وحك بها ما في قبلته .
وقد يكون ذكره لقول ابن عباس في اليابس أنه لا يغسله من رجله ، ثم
يدخل ويصلي به ؛ ليبين به : أن ما يصيب تراب المسجد وحصاه من اليابسات
المستقذرة لا تجب صيانتها عنه، كما أن النبي وَ *و حكَّ النخامة اليابسة بحصاة
من حصى المسجد ، فكذلك ما يصيبُ الأرجلَ من اليابسات المستقذرة لا تصان
المساجد عنه ، بل يدخل الحافي ، ويصلي بها في المساجد ، وكذلك المُتَنَعِّلُ
يصلي في نعليه - كما تقدم - ، وقد يكون فيهما طين أو غير ذلك من الأعيان
المستقذرة ، ولا تستحبَّ صيانة المساجد عن ذلك .

٣٣٨
حديث : ٤١٠ - ٤١٢
كتاب الصلاة
٣٥ ۔باب
لاَ يَبْصُقْ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلاَةِ
خرج فيه حديثين :
الأول :
٤١٠، ٤١١ - حديث : أبي هريرة وأبي سعيد الذي خرجه في الباب
الماضي ، خرجه من طريق عقيل ، عن الزهري ، ولفظه مثل لفظه ، إلا أنه
قال :
((فِي حَائِطِ المَسْجد)) .
والثاني :
قال :
٤١٢ - ثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: ثَنَا شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنْسًا، قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ : ((لاَ يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ
تَحْتَ رِجْله))(١).
وليس في لفظ الحديثين تخصيص ذلك بالصلاة ، كما بوب عليه ، ولكن هو
في رواية أخرى لحديث أنس ذكرها في الباب الآتي(٣).
وقد يفهم(٣) من تبويب البخاري اختصاص كراهة البصاق عن اليمين بحالٍ
الصلاة ، وهو قول المالكية ، كما سنذكره فيما بعد - إن شاء اللّه.
والأكثرونَ على خلاف ذلك .
(١) في ((ق)): ((رجله اليسرى))، وليس ذكر ((اليسرى)) في ((هـ)) ولا في (( اليونينة)).
(٢) (٤١٣) .
(٣) في ((ق)): ((تقدم)).

٣٣٩
٣٥ - باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة
كتاب الصلاة
قال معاذ : ما بصقت عن يميني منذ أسلمت .
خرجه ابن سعد(١).
وروي كراهته عن ابن مسعود وابن سيرين .
قال أحمد في رواية مهنّاً : يكره أن يبزق الرجل عن يمينه في الصلاة ، وفي
غير الصلاة ؛ لأنَّ عن يمينه ملكَ الحسنات .
يشير إلى حديث أبي هريرة، عن النبي وَّ: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا
يبزقْ عن يمينه ؛ فإنَّ عن يمينه ملكًا)) .
وقد خرجه البخاري فيما بعد(٢).
وخرج أبو داود(٣) هذه اللفظة من حديث أبي سعيد ، عن النبي
صلىالله
وَمِيدُ،
وخرج الطبراني(٤) بإسنادٍ ضعيف ، عن أبي أمامة ، قال : قام النبي
فاستفتح الصلاة، فرأى نُخامة في القبلة ، فخلع نعلَه ، ثم مشى إليها فَحَتَّها ،
يفعل ذلك ثلاث مرات ، فلما قضى صلاته أقبل على الناس ، فقال: ((إن أحدكم
إذا قام في صلاته فإنه يقوم بين يدي الله عز وجل مستقبلَ ربِّه تبارك وتعالى ،
وملكُه عن يمينه ، وقرينُهُ عن يساره ، فلا يَتْفِلَنَّ أحدكم بين يديه ، ولا عن يمينه ،
ولكن عن يساره ، وتحت قدمه اليسرى ، ثم لَيَعْرُكْ فليشدد عركه ، فإنما يَعْرُكُ
أذني الشيطان)) .
وروى وكيع في ((كتابه))(٥) عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قال:
المصلي لا يبزق في القبلة ، ولا عن يمينه ؛ فإنَّ عن يمينه كاتب الحسنات،
(١) (٣/ ٢ / ١٢٢) .
(٢) (٤١٦) .
(٣) (٤٨٠) .
(٤) (٨/ ٢٣٤ - ٢٣٥) .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٢/١) من حديث الأعمش ، عن أبي وائل ، به .

٣٤٠
حديث : ٤١٠ - ٤١٢
كتاب الصلاة
ولكن عن شماله ، أو خلفَ ظهره .
وقد قال كثير من السلف في قول اللّه عز وجل: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقَيَانِ عَنِ
الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] : إن الذي عن اليمين كاتبُ الحسنات ،
والذي عن الشمال كاتبُ السيئات ، منهم : الحسن ، والأحنف بن قيس ،
ومجاهد ، وابن جريج ، والإمام أحمد .
وزاد ابن جريج ، قال : إن قعد فأحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله،
وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه ، وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند
رجليه .
وعلى هذا ، فقد يخلو اليمين عن الملك إذا مشى أو رقد .
وحديث أبي أمامة فيه أن الذي على الشمال هو القرين .
يريد به : الشيطان الموكل(١) بالعبد، كما في ((صحيح مسلم)) (٢) عن ابن
مسعود ، عن النبي ◌َّل ، قال: «ما منکم من أحد إلا وقد و گِّل به قرینه من
الجنِّ وقرينُه من الملائكة)). قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : ((وإياي،
ولكنَّ اللّه أعانني عليه ، فلا يأمُرُني إلا بخير)) .
وقد ورد في حديث خرجه الطبراني(٣) من حديث أبي مالك الأشعري -
مرفوعًا -: ((إنَّ القرين هو كاتب السيئات)).
وإسناده شاميٌّ ضعيف .
(١) في ((ق)): ((المتوكل)).
(٢) (١٣٩/٨) .
(٣) في ((الكبير)) (٢٩٦/٣) وفي ((مسند الشاميين)) (١٦٧٣).
ولفظه : ((إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إيَّها ، فما وجد في
صحيفته من حسنة مَحَى بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان)) - الحديث .