النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ ٣٠ - بابُ قول الله عز وجل : ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم﴾ كتاب الصلاة استقبال القبلة))، وإلا ففيه قَلَق . والله أعلم. الحديث الثاني : ٣٩٧ - حدَّثْنَا مُسَدَّدٌ: ثنا يَحْبَى، عَنْ سَيّف ، قال: سَمِعْتُ مُجَاهدًا قال: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فقيل لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ دَخَلَ الكَعْبَةَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَقْبَلْتُ والنَِّيُّ ﴿ قَدْ خَرَجَ وَأَجِدُ بِلاَلاَ قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ (١)، فَسَأَلْتُ بِلاَلاً، فَقُلْتُ: أَصَلَّى النَِّيَُّّـ في الكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللََّيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الكَعْبَهِ رَكْمَتَيْنِ. ((سَيْف)): هو ابن أبي سليمان - ويقال : ابن سليمان - المكي مولى بني مَخْزُوم . وقوله : ((قائماً بين البابين)»، هكذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها («بين الناس)) ، ولعله أصح . وإن قيل : إن المراد قيامه في الموضع الذي هو بين البابين بعد فتحهما - الذي فعلَه ابنُ الزبير - اقتضى ذلك أن يكون واقفًا في جوف الكعبة . وقد خرَّج النسائي(٢) هذا الحديث، وفيه: ((أنه وَجَد بلالاً واقفًا على الباب)» . وهذا يدل على أنه لم يكن في الكعبة . وخرَّجه البخاري في ((المغازي)) (٣)، وعنده: ((فوجد بلالاً وراء الباب)). وهذا يدل على أنه لم يكن في وسط البيت . وقوله : ((صلى ركعتين)) ، يخالف ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، أنه قال (١) في نسخة: ((بين الناس)) وسيأتي ذكره. (٢) (٢١٨/٥) . (٣) (٤٢٨٩) . ٣٠٢ حديث : ٣٩٧ - ٣٩٨ كتاب الصلاة نسيتُ أنْ أسأل بلالاً كَمْ صلَّى ؟ وقد خرجه البخاري(١) في موضع آخر . والمقصود من هذا الحديث في هذا الباب: صلاة النبي وَ 18 لما خرج من الكعبة ركعتين في وجه الكعبة ، والمراد بوجه الكعبة : عند باب البيت . ويأتي مزيدُ بيانٍ لذلك فيما بعد - إن شاء اللّه تعالى . ء الحديث الثالث : ٣٩٨ - ثنا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرِ: ثنا عَبِّدُ الرَّزَاقِ: أبنا ابنُ جُرَيِّجٍ، عَنْ عَطَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبْنَ عَبَّاسِ قالَ: لَمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ◌ََّ البَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِبِ كُلِّها، وَلَمْ يُصَلِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنٍ فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ، وَقَالَ: ((هَذِهِ الْقَبْلَةُ). هكذا خَرَّجه البخاري عن إسحاق بن نصر ، عن عبد الرزاق . وقد رواه أصحاب عبد الرزاق كلَّهم ، منهم : الإمام أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، فجعلوه : عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد . وكذا رواه أصحاب ابن جُريج ، عنه ، منهم : محمد بن بكر البُرْسَاني ، وأبو عاصم ، ويحيى بن سعيد وغيرهم . فسقط من إسناد البخاري ذكر : ((أسامة بن زيد)»، وقد نَبَّهَ على ذلك الإسماعيليُّ والبيهقي . لكن رواه هَمَّم، عن عطاء، عن ابن عباس، لم يذكر فيه: ((أسامة)). وهذا مما كان ابن عباس يُرْسله أحيانًا ، ويُسْنده أحيانًا . وكذلك خَرَّجه البخاري في ((الحج))(٢) من حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، إلا أن رواية عبد الرزاق ، عن ابن جريج فيها ذكر ((أسامة))؛ فإسقاطه منها وَهْمٌ . ٥٠٠ (١) (٤٦٨) (٤٤٠٠) . (٢) (١٦٠١) . ٣٠٣ كتاب الصلاة ٣٠ - بابُ قول الله عز وجل : ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم﴾ وقد تعارض ما نقله ابن عمر ، عن بلال ، وما نقله ابن عباس ، عن أسامة في صلاة النبي بَّ في الكعبة. وقد رُوي عن ابن عمر، عن أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، أن النبي وَلّ صَلَّى في الكعبة - أيضًا - ، بخلاف رواية ابن عباس ، عن أُسامة ، وهو في روايةٍ لمسلم في ((صحيحه))(١) على اختلاف وقع في لفظه خارج ((الصحيح))؛ فإنّ مِنْ رواةٍ الحديث مَنْ أَسْنَدَ الصلاة فيها إلى بلال دون صَاحِبَيْهِ اللذين كانا معه في الكعبة . وقد رُوي ذلك عن أُسامة من وجهين آخرين . خرجهما الإمام أحمد في («المسند»(٢). وقد اختلف الناسُ في الجمع بين إثبات صلاة النبي وَّهِ في الكعبة ونَفْها : فمنهم : مَنْ حَمَلَ الصلاة على [الصلاة] (٣) اللغوية، وهي الدُّعاء، وجمعوا بذلك بين حديثي أسامة وبلال ، لا سيما وقد رُوي عن أُسامة إثباتُ الصلاة ونَفْيُهَا . والأكثرون حملوا الصلاة على الصلاة الشرعية ، وهو الأظهر . ثم اختلفوا: فمنهم : مَنْ رجَّح حديثَ الإثبات على حديث النَّفْي ، وقال : مع تعارضٍ النفي والإثباتِ يُقَدم الإثباتُ ؛ لأنَّ المُثْبِت معه زيادةُ علمٍ خَفِيَتْ على النَّافي ، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وغيرهما من العلماء . وذكر الأزرقي في ((كتابه)) ، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، قال : بلغني أن الفضلَ بنَ عباس دخل مع النبيِ وَّ، ثم أرسله النبي ◌َّ في حاجة، فجاء وقد (١) (٤ / ٩٥) . (٢) (٦ / ١٣ - ١٥) . (٣) ذكرها في هامش ((ق)) مع الترجي، فقال: ((لعله: الصلاة)). ٣٠٤ حديث : ٣٩٨ كتاب الصلاة صلى النبيّ وَّ، ولم يره ، فلذلك كان ينكر أنه صَلَّى . وحديث الفضل في إنكاره الصلاةَ، قد خَرَّجه الإمام أحمد (١) من رواية أخيه عبد الله ، عنه . ومنهم : من قال : المُثْبِتُ للصلاة أراد به صلاته في عام الفتح ، والنافي لها أراد صلاته في حجة الوداع ، وهذا قول ابن حبان(٢). وهو ضعيف جدًا؛ لوجهين : أحدهما : أن ابن عباس لم يَنْفِ صلاةَ النبي ◌َّر في الكعبة في وقت دون وقت ، بل كان يُنكر ذلك جملةً ، وكان يكره الصلاة في الكعبة ، ويقول : لا يُسْتَدبَرُ من البيت شيء. والثاني: أن النبي وَّ لم يدخل الكعبة في حجة الوداع بالكلية حتى يقال إنه دخل ولم يُصَلِّ، وابنُ عباس قال : إنه دخل ودعا ولم يُصَلِّ . وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة في الكعبة : فكان ابن عباس يكره الصلاةَ فيها بكل حال : الفرض والنفل ، وهو قول طاوس ، وأصبغ من المالكية ، وابن جرير الطبري . وقالت طائفة : تجوز فيها صلاة الفرض والنفل ، وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي . وقالت طائفة : يُصَلَّى فيها النفل دون الفرض ، وهو قول عطاء ، ومالك ، وأحمد في ظاهر مذهبه . لأن النبي وَّلقوله صلى فيها نفلاً، والنوافل يُخفف فيها في استقبال القبلة دون الفرائض ، بدليل صحة النفل على الراحلة في السفر إلى غير القبلة ، وأما (١) (١/ ٢١٠) . (٢) في ((صحيحه)) (٧/ ٤٨٣ - ٤٨٤ - إحسان) . ٣٠٥ كتاب الصلاة ٣٠ - بابُ قول الله عز وجل : ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم﴾ الفرض فلا يجوز إلا إلى القبلة مع القدرة ، فيشترط له استقبال جميع البيت ، وأن لا يكون مستدبرًا لشيءٍ منه . وقال أحمد : إذا صلى فيها لا يُصَلِّي إلى أيِّ جهة شاء ، بل يَسْتقبل الجهة التي استقبلها النبيَّ وََّ، وهي تجاه الباب إذا دَخَلَ ، ويَجْعل البابَ وراء ظهره. ولم يرخص في الصلاة فيها إلا على هذا الوجه ، وحَمَلَ أصحابُنا ذلك على الاستحباب ، وفيه نظر . وقوله: ((ركع ركعتين في قُبُل القبلة))، قُبُل ـ بضم الباء ، ويجوز إسكانها - ، والمراد به : وجه الكعبة ، كما في حديث ابن عمر المتقدم . وقد تقدم أن المراد به : عند باب البيت . وقد رُوي أنه المقام الذي أَمَّ فيه جبريلُ النبيَّ وَِّ عند فرض الصلاة. خرجه الأزرقي من حديث مسلم بن خالد ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن حكيم بن حَكيم ، عن نافع بن جُبير بن مُطْعم ، عن ابن عباس، أن النبي وَّه قال: ((أمَّني جبريلُ عند باب الكعبة مرتين)). وكذا خَرَّجه ابن وهب في ((مسنده» عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد اللّه بن عمر ، عن عبد الرحمن بن الحارث ، به . وقد خَرَّجه أبو داود والترمذي(١)، وعندهما: ((أَمَّني جبريل عند البيت مرتین)) . وروى ابن جرير (٢) من طريق عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : البيت كلُّهُ قبلة ، وقبلةُ البيتِ البابُ . ورَوى الأزرقي بإسناده عن ابن أبي نجيح ، قال : قال عبد الله بن عمرو بن (١) أبو داود (٣٩٣) والترمذي (١٤٩). (٢) في تفسيره)) (٢٢٥٠) . ٣٠٦ حديث : ٣٩٨ كتاب الصلاة العاص: البيت كله قبلة، وقبلتُه وَجْهُهُ، فإنْ أخطأك وجْهُه فقبلةُ النبيِ وَِّ، وقبلتهُ ما بين الميزاب إلى الركن الشامي الذي يَلي المقام . وكأنه يريد : أنَّ هذه الجهة هي التي كان النبي ◌َِّ يُصلِّي إليها وهو بالمدينة، فإنها قبلةُ أهل المدينة . وروى - أيضًا - بإسناده عن ابن جريج ، عن محمد بن عَبَّاد بن جعفر ، عن ابن السَائب، أن النبي وَّ صَلَّى يوم الفتح في وجهة الكعبة ، حذو الطرفة البيضاء ، ثم رفع يديه ، فقال: ((هذه القبلة)). وخرَّج الإمام أحمد (١) من طريق ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار ، أن ابن عباس كان يخبر، أن الفضل بن عباس أخبره، أنه دخل مع النبي اَل ◌ّ البيت، وأن النبي وَلّ لم يُصلِّ في البيت حين دخل، ولكنه لما خرج فنزل ركع ركعتين عند باب البيت . وخرَّج النسائي(٢) من حديث عطاء، عن أسامة، أنه دخل هو والنبي وَل البيت ، ثم خرج فصلّى ركعتين مستقبل وجهة الكعبة ، فقال: ((هذه القبلة ، هذه القبلة)) . وقوله وَ له: ((هذه القبلة))، قال ابن جرير(٣): مراده: أن الكعبة هي القبلة، وأن قبلة الكعبة البابُ . وقد صرَّح جماعة من العلماء ، منهم : سفيان الثوري بأن الصلاة إلى جهةٍ الباب عند البيت أفضل من الصلاة إلى جهة أخرى ، وأن وقوفَ الإمام عند الباب أفضل . وقال الخطابي(٤): يحتمل أنه أراد أنه قد استقرَّ أمْرُ هذه القبلة فلا يُنسخ كما (١) (١/ ٢١٢) . (٢) (٢١٨/٥) . (٣) في «تفسيره» (١٨٢/٣). (٤) في ((شرح البخاري)) له (١/ ٣٨٠ - ٣٨١). ٣٠٧ كتاب الصلاة ٣٠ - بابُ قول الله عز وجل : ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم﴾ نُسخ بيت المقدس ، ويحتمل أن يكون علَّمهم السَّنة في مقام الإمام واستقبال البيت من جهة الكعبة ، وإن كانت الصلاة من جهاتها جائزة ، ويحتمل أن يكون دَلَّ به على أن حكم مَنْ شاهد البيت وعاينه في استقباله حِسًا خلافُ حكمٍ مَنْ غاب عنه ، فيصلي إليه توخيًا واستدلالاً . وزعم غيرُه : أن مراده : أن القبلة هي الكعبةُ نفسها ، لا المسجد ولا الحرم، وهذا قاله بعض مَنْ يرى أن الواجب علي البعيدِ الاستدلالُ على العَيْن . وقول الخطابي أصح من هذا . والله أعلم . وقد اختلف الناس في مقام إبراهيم الذي صَلَّى النبي ◌َّ- وراءه ركعتين في حجه وعُمرته : هل كان عند باب البيت ؟ أم كان في مكانه الآن ؟ على قولين : أحدهما : أنه كان في مكانه الآن ، وهذا قول ابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وسُفيان بن عيينة ، ولم يَذكر الأزرقيُّ غيرَ هذا القول . وروى شَرِيك، عن إبراهيم بن مُهاجر ، عن مُجاهد ، قال : كان المقام إلى لزق البيت، فقال عمر لرسول اللّه وَّل: لو نَحَّيْته من البيت ليصليَ الناسُ إليه، ففعل ذلك رسول اللّه وَله، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامٍ إِبْرَاهِيمَ وَ مُصَلَّى﴾(١) [البقرة: ١٢٥ وذكر موسى بن عقبة: أن النبي ◌َّ أخره في يوم الفتح إلى مكانه الآن، وكان مُلْصقًا بالبيت . ٠ فعلى هذا: يكون النبي وَل قد صَلَّى وراءه في موضعه الآن في حِجته ، وأما في عُمرة القضية فصَلَّى وراءه عند البيت . والقول الثاني: أنه كان في عَهِد النبي ◌َّ ملصقًا بالبيت، وإنما أخره عُمر إلى مكانه الآن ، هذا قول عروة بن الزبير ، رواه هشام بن عروة ، عن أبيه . (١) أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره)) (٢٤٧/١). وعزاه لأبي بكر بن مردويه مسنداً من حديث شريك ، عن إبراهيم ، به . ٣٠٨ حديث : ٣٩٨ كتاب الصلاة ورُوي عنه ، عن أبيه ، عن عائشة . وروى الإمام أحمد عن عبد الرزاق(١)، عن ابن جريج: سَمِعْتُ عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عُمر أول من وضع المقام في موضعه الآن ، وإنما كان في قُبُل الكعبة . وعن عبد الرزاق(٢)، عن معمر ، عن حُميد الأعرج ، عن مجاهد ، قال: كان المقام إلى جنب البيت ، كانوا يخافون عليه من السِّيول ، وكان الناس يُصلون خلفه ، فقال عمر للمُطَّلب : هل تدري أين كان موضعه الأول ؟ قال : نعم ، فَوَضَعَهُ موضعَه الآن . ورُوي - أيضًا - نحوُهُ عن ابن عيينة ، خلاف قوله الأول. وقال مالك : كان المقام في عهد إبراهيم عليه السلام في مكانه الآن ، وكان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل، فكان كذلك في عهد النبي وَ ل وأبي بكر ، فلما وليَ عمر وحج رَدَّه إلى موضعه الذي هو فيه اليوم ، بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة كانت في خزائن الكعبة ، قِيسَ بها حين أُخِّر - : ذكر ذلك صاحب ((تهذيب المدونة)) . وذكر ابن سعد(٣) أن النبي ◌َّ صلى يوم الفتح ركعتي الطواف خلف المقام، وهو لاصق بالبيت . فعلى هذا؛ يُحتمل أن النبيِ وََّ لما صَلَّى فِي قُبُل الكعبة وقال: ((هذه القبلة)) أشار إلى المقام الذي أمر اللّه باتخاذه مُصَلَّى. وقد ورد هذا في رواية الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، أن النبي وَل ﴿ دخل يوم الفتحِ الكعبةَ وأخرج مقام إبراهيم ، وكان في الكعبة فألزقه إلى (١) هو في ((مصنفه)) (٤٨/٥). (٢) نفسه (٤٧/٥ - ٤٨). (٣) في ((الطبقات)) (٢/ ١ / ٩٨ - ٩٩). ٣٠٩ ٣٠ - بابُ قول الله عز وجل: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم﴾ كتاب الصلاة حائط الكعبة، ثم قال: ((أيها الناس، هذه القبلة)). خَرَّجه ابن مَرْدويه . والكلبي ، متروك لا يُحْتج به . وقد ذهب قومٌ إلى أنه يستحب صلاة ركعتي الطواف في قُبل البيت حيث كان المقام عندهم . فروى عبد الرزاق ، عن جعفر ، عن عطاء بن السائب ، أنه رأى سالم بن عبد اللّه طاف مع هشام بن عبد الملك ، فلما فرغا من طوافهما ذهب هشام ليركع عند المقام ، فأخذ سالم بيده ، وقال : هاهنا ، فانطلق به إلى قُبل البيت ، فترك من كسوته ثلاث شقاق مما يلي الحجر ، ثم استقبل الرابعة، ثم صلى إليها ، ثم قال : إن المقام كان هاهنا ليس بينه وبين البيت إلا مقدار أربع أذرع ، فلما كُثُرَ الناسُ وتضيقوا حملَه عمر فجعله هاهنا في هذا المكان الذي هو فيه . وقد روي : أن الناس كانوا يصلون إلى جانب البيت ، وأن أوَّلَ مَنْ صلَّى خلف المقام عمرُ في خلافته . روى الإمام أحمد في ((كتاب المناسك)) عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن هشام ، عن أبيه، أن النبي ◌َّ وأبا بكر وعمر - بعض خلافته - كانوا يصلون إلى صُفْعِ البيت ، حتى صلى عمر خلف المقام . وعن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، قال: كان رسول اللّه وَّله إذا طاف بالبيت صلى الركعتين إلى صُفْع البيت(١). قال أبو معاوية : يعني : حائط البيت . قال : وفعل ذلك أبو بكر ، ثم فعل ذلك عُمر شطرًا من خلافته، ثم قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فصلى إلى المقام، فصلى الناسُ بعده. (١) أخرجه عبد الرزاق (٤٨/٥) من حديث معمر، عن هشام، بمعناه . ٣١٠ حديث : ٣٩٨ كتاب الصلاة وهذا يُوهم أن النَّبِيَّ وََّ لم يُصلِّ إلى المقام، وهذا باطل يردّه حديثُ ابن عمر وجابر كما تقدم ، وهذا يناقض ما قاله عُروة : إن المقام كان في عهد النبي وَلَر وأبي بكر ملصقًا بالبيت، فكيف يكون كذلك ثم يزعم أن النبي وَّ وأبا بكر صَلَّيَا عند البيت ، ولم يُصَلِيا خلف المقام إلى أن صلى خلفه عُمر ؟ فقد اضطرب قول عروة في هذا واختلف . وقد كان النبي وَّ يَخْطُب إذا خَطَبَ بالمسجد الحرام عند باب الكعبة . . ورُوَي أنه خَطَبَ يوم الفتح على دَرَج باب الكعبة . وفي ((المسند))(١)، عن ابن عباس، أن النبي نَّ خطب وظهرُهُ إلى المُلْتَزَمِ . ولم يكن بمكة منبر في عهد النبي وَلاّ. وقد ذكر الأزرقي في ((كتابه)) عن جَدِّه، عن عبد الرحمن بن حسن ، عن أبيه ، قال : أولُ مَنْ خطب بمكة على منبرٍ معاويةُ بن أبي سفيان ، قَدِمَ به من الشام سنةَ حَجَّ في خلافته ، منبر صغير على ثلاث درجات ، وكانت الخلفاء والولاة قبل ذلك يخطبون يوم الجمعة على أرجلهم قيامًا في وجه الكعبة وفي الحجر . (١) (١ / ٣٥٠ - ٣٥١) . ٣١١ ٣١ - بابُ التوجه نحو القبلة حیث کان كتاب الصلاة ٣١ -باب التَّوَجَّهِ نَحْوَ القَبْلَةِ حَيْثُ كَانَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَِّيُّ ◌َخِ: ((اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَكَبِّرْ). مرادُهُ بهذا الباب : أن القبلة يجب التوجه إلى نحوها حيث كان المصلِّي من أقطار الأرض في حضر أو سفرٍ، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلَ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: ١٥٠] . وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه، هو قول النبي وَ لّ للمسيءٍ في صلاته لما علَّمه الصلاة: ((إذا قمتَ إلى صلاتك فاستقبل القبلة وكَبٍِّ)). وقد خَرَّجه مسلم(١) بهذا اللفظ . وخَرَّج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : ٣٩٩ - حدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ رَجاء: ثنا إسْرائيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاء، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِنَّةَ عَشَرَ - أو سَبْعَةً عَشَرَ - شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِهُ يُحِبُّ أَنْ يَتَوجَّهُ إِلَى الكَعْبَةِ، فأنزلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فتوجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ - وَهُمُ اليَهُودُ -: ﴿مَا وَلَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، فصَلَّى مَعَ النَّبَِّ﴿ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى، فمرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلاةِ الْعَصْرِ (١) (٢ / ١١) . ٣١٢ حديث : ٣٩٩ - ٤٠٠ كتاب الصلاة يُصلُّون نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدس، فَقالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّه صَلَّى مَعَ رَسُول اللَّهِ بِ، وَأَنَّهُ تَوجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ حَتَى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ . قد تقدم هذا الحديث في ((كتاب: الإيمان)) ، فإن البخاري خَرَّجه في ((باب: الصلاة من الإيمان)» (١) عن عمرو بن خالد ، عن زُهير ، عن أبي إسحاق ، بِأَتَّمَّ من هذا السياق ، واستوفينا الكلامَ على فوائده هنالك بما فيه كفاية . الحديث الثاني : ٤٠٠ - حدََّنا مُسْلِمُ بنُ إِبْراهِيمَ: ثنا هشامٌ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرِ، عَنْ مُحَمَّد ابنِ عَّدِ الرَّحْمنِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِّ وَ يُصَلِّي عَلَى رَاحَتْه حَيْثُ تَوَجَّهَتْ [به](٢) ، فَإِذَا أَرَادَ الفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القَبْلَةَ . محمد بن عبد الرحمن ، هو : ابن ثَوْبان . والمراد من هذا الحديث هاهنا: أن النبي وَلّ لم يكن يُصلِّي المكتوبةَ إلا على الأرض مُسْتقبلَ القبلة ، فأما صلاة الفريضة على الأرض فواجبٌ لا يسقط إلا في صلاة شدة الخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . وهل يسقط في الطين أو في المرض ؟ فيه قولان مشهوران للعلماء ، هما روايتان عن أحمد . وفي ذلك أحاديث وآثار يطول ذكرها ، ربما تُذكر في موضع آخر - إن شاء اللّه تعالى. ولو صلَّى قائمًا في مَحْمِل على ظهر دابَّة ، فهل تصح صلاتُه ؟ حَكَى أصحابنا في ذلك روايتين عن أحمد ، والشافعية وجهان ، ومنهم مَنْ فَرَّقَ بين أن تكون الدابَّة واقفةً فتصح ، وسائرةً فلا تصح . (١) برقم (٤٠). (٢) من نسخة عند ((ق)). ٣١٣ ٣١ - بابُ التوجه نحو القبلة حیث کان كتاب الصلاة وحكى بعضُ أصحابنا الخلافَ - أيضًا - في الصلاة في السفينة لمن قَدَرَ على الخروج منها إلى الأرض ، ولم يشق على أصحابه . ولأصحابنا وجهان في صحة الصلاة على العجلة - أيضًا . ومن الشافعية مَنْ حكى الإجماعَ على صحة الصلاة في السفينة قائمًا ، ولكنْ حَكَى في الصلاة في الزورق الجاري وجهين ، ففرق بين السفينة والزورق ، وهو الصغير من السفن . ولا فرق في الصلاة(١) بين النساء والرجال . وخرَّج أبو داود(٢) من رواية النعمان بن المنذر ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : سألت عائشة : هل رخَّص للنساء أَنْ يُصَلِّينَ على الدَوَابّ ؟ قالت : لم يُرخص لهنَّ في شدةٍ ولا رخاءٍ . وأما ما خَرَّجه بَقيّ بن مخلد في ((مسنده)): ثنا أبو كريب : ثنا يونس : ثنا عَنْبَسَةُ بن الأزهر ، عن أبي خِراش ، عن عائشة ، قالت : كنا إذا سافرنا مع رسول اللّه وَله نُؤْمَر إذا جاء وقت الصلاة أن نُصَلي على رواحلنا. فهو حديث لا يثبتُ ، وعَنْبَسَة بن الأزهر : قال أبو حاتم الرازي : يُكتب حديثه ولا يُحتج به . وأبو خِراش : لا يُعْرف . ويونس ، هو : ابن بكير ، مختلفٌ في أمره . وأما استقبال القبلة في صلاة الفريضة ، ففرضٌ مع القدرة لا يَسْقط إلا في حال شدة الخوف - أيضًا - ، ويأتي في موضعه - إن شاء اللّه تعالى. وكذلك يسقط في حق مَنْ كان مربوطًا إلى غير القبلة ، أو مريضًا ليس عنده مَنْ يُديره إلى القبلة فَيُصَلِّي بحسب حاله . (١) في ((هـ)): ((في صلاة الفريضة)). (٢) (١٢٢٨) . ٣١٤ حديث : ٤٠٠ - ٤٠١ كتاب الصلاة وفي إعادته خلافٌ . والصحيح عند أصحاب الشافعي : أن عليهم الإعادة ، والصحيح عند أصحابنا : أنه لا إعادة عليهم ، وعند المالكية : يعيد في الوقت إذا قدر ، ولا يُعيد بعده . وأما حكم الصلاة النافلة على الراحلة ، فيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . الحديث الثالث : ٤٠١ - حدثنا عُثِّمانُ: ثنا جريرٌ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَلَقَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّه: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِوَ﴾ - قال إبراهيم: لاَ أَدْرِي(١) زَادَ أَوْ نَقَصَ -، فَلَمّا سَلَّمَ، قيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ في الصَّلاةِ شَيءٌ؟ قَالَ: ((وَمَا ذَكَ؟)) قالُوا: صَلَيْتَ كَذَا وَكَذَا ، فَثَتِى رِجْلَه (٢) ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ قَالَ: ((إِنَّ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ لَنَّئُكُمْ بِهِ ، وَلَكِنْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كما تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسَيْتُ فذكِّرُونِي، وَإِذا شَكَّ أَحَدِّكُمْ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْثِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّيُسلِّمْ، ثُمَّيَسْجُدْ سَجْدَيْنِ). المقصود من هذا الحديث هاهنا : أن مَنْ سَهَا في صلاته وسلَّم وهو ناسٍ ، ثم ذكر بعد سلامه ، فإنه يسجد للسهو ويستقبل القبلة ، فإنّ سجود السهو من تمام الصلاة ، ولو كان بعد السلام فهو جزء من الصلاة ، فيُشترط له استقبال القبلة كالصلاة . ويؤخذ من ذلك : أنه لا يَسجد للتلاوة ولا للشكر إلا إلى القبلة ، وهذا على قول من اعْتَبر الطهارة لذلك - وهم جمهور المسلمين - ظاهرٌ ، وأما مَنْ لم يَعْتبر الطهارة له - كما سيأتي في موضعه - ، فإنه لا يُوجب استقبالَ القبلة له - (١) كذا في (هـ)) و((اليونينية)). وفي ((ق)): ((لا أدري قال إبراهيم)). (٢) وفي نسخه : ((رجليه)). ٣١٥ ٣١ - بابُ التوجه نحو القبلة حیث کان كتاب الصلاة أيضًا - ، وكذلك صلاة الجنازة . وقد حُكِيَ أنَّ بعض المتقدمين كان يرى أنها دعاء ، فلا يُشترط لها الوضوء ، فقيل له : فَتُفْعَل إلى غير القبلة ؟ فرجع عن قوله . ٣١٦ حديث : ٤٠٢ كتاب الصلاة و ٣٢ -باب مَا جَاءَ في القِبْلَةِ ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي رَكْعَتَي الظُّهْرِ ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ . خَرَّج فيه ثلاثةَ أحاديث : الحديث الأول : قال : ٤٠٢ - حدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْن: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ : وَفَقْتُ رَبِّيٍ فِي ثَلاثِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَى، فَنَزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وآيَّةُ الحِجابِ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِساءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ؛ فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَتَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَِّّ ◌َ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مّنْكُنَّ ﴾ [التحريم: ٥]، فَزَّلَتْ هَذه الآيَةُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أبنا يَحْيَى بْنُ أُّوبَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا - بهذا . هذا الحديث مشهور عن حميد، عن أنس، وقد خَرَّجه البخاري - أيضًا - في ((التفسير))(١) من حديث يحيى بن سعيد ، عن حُميد . (١) برقم (٤٤٨٣) . ٣١٧ كتاب الصلاة ٣٢ - بابُ ما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها ورواه - أيضًا - يزيد بن زُرَيْع وابن عُلَيَّة وابن أبي عدي وحماد بن سلمة وغيرهم ، عن حميد ، عن أنس . وإنما ذَكَرَ البخاري رواية يحيى بن أيوب : حدثني حميد ، قال : سمعت أنسًا ؛ ليبين به أن حميداً سمعه من أنس ؛ فإن حميداً يروي عن أنس كثيراً . ورُوي عن حماد بن سلمة ، أنه قال : أكثر حديث حميد لم يسمعه من أنس ، إنما سمعه من ثابت ، عنه . ورُوي عن شعبة ، أنه لم يسمع من أنس إلا خمسة أحاديث . وروي عنه ، أنه لم يسمع منه إلا بضعة وعشرين حديثًا . وقد سبق القولُ في تسامح يحيى بن أيوب والمصريين والشاميين في لفظة : (ثنا)) - : كما قاله الإسماعيلي . وقال علي بن المديني في هذا الحديث : هو من صحيح الحديث . ولم يخرِّج مسلم هذا الحديث ، إنما خرج(١) من رواية سعيد بن عامر ، عن جُويرية ، عن نافع ، عن ابن عُمر ، عن عُمر ، قال : وافقت ربي في ثلاث : في الحجاب ، وفي أُسَارَى بدر ، وفي مقام إبراهيم . وقد أعلَّه الحافظ أبو الفضل ابن عمار الشهيد(٢) - رحمه الله - بأنه روى عن سعيد بن عامر ، عن جُويرية ، عن رجل ، عن نافع ، أن عُمر قال : وافقت ربي في ثلاث . فدَخَل في إسناده رجلٌ مجهول ، وصار منقطعًا . وروى ابنُ أبي حاتم (٣) من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن ابن جُريج، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : سمعت جابرًا يُحدِّث عن حجة الوداع ، قال : لما طَافَ النبيِ وَّرِ قال له عُمر: هذا مقام إبراهيم؟ قال: ((نعم))، قال : أفلا (١) (١١٦/٧). (٢) في ((علل مسلم)) له (ص ١٣٩) . (٣) في ((التفسير)) - كما في ((التفسير)) لابن كثير (٢٤٣/١ - ٢٤٤). ٣١٨ حديث : ٤٠٢ كتاب الصلاة نتخذه مُصلى؟ فأنزل اللّه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهيم مصلّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وهذا غريب ، وهو يدل على أن هذا القول كان في حجة الوداع ، وأن الآية نزلت بعد ذلك ، وهو بعيد جداً ، وعبد الوهاب ليس بذاك المتقن . وقد خالفه الحفاظ ، فروا في حديث حجة الوداع الطويل ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن النبي ◌َّ أتى إلى المقام، وقرأ ﴿وَاتَّخذُوا و مِن مَّقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مَصلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، ثم صلَّى ركعتين ، والمقام بينه وبين البيت . وروى الوليد بن مسلم ، عن مالك ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن جابر ، قال: لما وقف النبي وَّل يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم ، قال له عمر : يا رسول اللّه، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]؟ قال: ((نَعَم)). قال الوليد : قلت لمالك : هكذا حدثك ؟ قال : نعم . وقد خَرَّجه النسائي(١) بمعناه . والوليد ، كثير الخطأ - : قاله أبو حاتم وأبو داود وغيرهما . وذِكر فتح مكة فيه غريب أو وَهْم ؛ فإن هذا قطعة من حديث جابر في حجة الوداع . وقد رُوي حديث أنس ، عن عُمر من وجه آخر : خَرَّجه أبو داود الطيالسي : ثنا حماد بن سلمة : ثنا علي بن زيد ، عن أنس ، قال : قال عمر : وافقت ربي في أربع - فذكر الخصال الثلاث المذكورة في حديث حميد ، إلا أنه قال في الحجاب : فأنزل اللّه: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا (١) في ((هـ)) ((البخاري)) خطأ. وهو في النسائي (٢٣٦/٥). ٣١٩ كتاب الصلاة ٣٢ - بابُ ما جاء في القبلة ، ومن لم ير الإعادة على من سها ٢٠ فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، قال: ونزلتْ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سَلالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] الآية، فلما نزلتْ قلتُ أنا: تبارك الله أحسنُ الخالقين، فنزل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. وقول عمر : ((وافقتُ ربي في ثلاث))، ليس بصيغة حصرٍ ، فقد وافق في أكثر من هذه الخصال الثلاث والأربع . ومما وافق فيه القرآن قبل نزوله : النهي عن الصلاة على المنافقين . وقوله لليهود : من كان عدوًا لجبريل ، فنزلتِ الآية . وقوله للنبي وَّ لما اعتزل نساءَه وَوَجَدَ عليهنَّ: يا رسولَ اللّه، إن كنتَ طلقتهن ، فإن اللَّهَ معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك(١). قال عمر: وقل ما تكلمتُ - وأحمد اللّه - بكلام إلا رجوتُ أن يكون اللهُ يصدق قولي الذي أقول، فنزلت آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مَنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] الآية. وقد خَرَّج هذا الأخيرَ مسلمٌ (٢) من حديث ابن عباس ، عن عمر . وأما موافقتُه في النهي عن الصلاة على المنافقين ؛ فمخرّجٌ في (الصحيحين))(٣) من حديث ابن عباس ، عن عُمر - أيضًا . وأما موافقتُه في قوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لْجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧]، فرواه : أبو جعفر الرازي ، عن حُصين بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي ليلى ، عن عُمر . ورواه : داود(٤)، عن الشعبي ، عن عمر ، وهما منقطعان . (١) في ((ق)): ((وإنا وأبو بكر وعمر والمؤمنون معك)). (٢) (٤/ ١٨٨ - ١٨٩) . (٣) البخاري (١٣٦٦) (٤٦٧١)، ولم نجده في مسلم، ولم يعزه المزي في ((التحفة)) لمسلم، بل للبخاري فقط . (٤) في ((هـ)): ((أبو داود)). ٣٢٠ حديث : ٤٠٣ كتاب الصلاة وقد روي موافقته في خصال أخر ، وقد عدَّ الحافظ أبو موسى المديني من ذلك اثنتي عشرة خصلة . وتخريج البخاري لهذا الحديث في هذا الباب : يدل على أنه فسر قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥] بالأمر بالصلاة إلى البيت الذي بناه إبراهيم ، وهو الكعبة ، والأكثرون على خلاف ذلك ، كما سبق ذكره . الحديث الثاني : قال : ٤٠٣ - حدَّثَنَا عَبْدُ اللّه بْنُ يُوسُفَ: أبنا مَالكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينارِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن عُمَرَ ، قَالَ : بَيْنَا النّاسُ بِقُباء في صَلَاة الصَّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آت ، فَقالَ : إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ ◌َّ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّْلَةَ قْرَانٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلى الشَّامِ فاسْتَدَارُوا إِلىَ الكَعْبَةِ . قد تقدم في حديث البراء أن هذه القصة كانت في صلاة العصر ، وفي حديث ابن عُمر أنها كانت في صلاة الصبح . وقد قيل : إن أهل قُبَاء لم يبلغهم ذلك إلى الصبح ، ومَنْ دونهم إلى المدينة بلغهم في العصر يوم النسخ . وفي هذا بُعْدٌ ، وقد سبق ذكرُه في الكلام على حديث البراء في ((كتاب: الإيمان)) . ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب: أن مَنْ صَلَّى إلى غير القبلة لُعْذرِ ، مثل أن يظن أن القبلة في جهة فيصلِّي إليها ، ثم تبين له أن جهة القبلة غيرها ، إما في الصلاة أو بعد تمامها ، فإنه لا إعادة عليه ، وإن كان قد صلى إلى غير القبلة سهوًا ، فإنه استند إلى ما يجوز له الاستناد إليه عند اشتباه القبلة ،