النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية
كتاب الصلاة
ثوبًا سُبُلاَنِيًّا فِلَبِسَه، ولم يَغسلْه ، وصلَّى فيه .
وروى أبو بكرِ الخَلاَّلُ بإسناده ، عن ابنِ سِيرِينَ ، قال : ذُكر عند عمرَ
الثيابُ اليمانيةُ ، أنها تُصْبَغ بالبول؟ فقال : نهانا اللَّهُ عن التَّعَمُّقِ والتَّكَلُّف .
وروى الإمام أحمدُ (١)، عن هُشَيْمٍ، عن يونسَ، عن الحَسَنِ ، أن عمرَ بنَ
الخطابِ أراد أن يَنهى عن حُلَل الحِبَرَةِ ؛ لأنها تُصبغ بالبول، فقال له أُبِيُّ: ليس
ذاك لكَ، قد لَبِهِن النبيِِّ، ولَبِسْنَاهُنَّ في عَهده .
وروى ابنُ أبي عاصمٍ في ((كتاب اللباس)) من طريق محمد بن عُبَيْد اللَّه
العَرْزَمي - وفيه ضعف - عن عبدِ الملِكِ بنِ عُمَّيْرٍ ، عن قَبِيصَةَ بنِ جابرٍ ، قال :
خَطَب عمرُ الناسَ ، فقال: إنه بَلَغنِي أن هذه البرود اليمانيةَ التي تَلْبَسُونها تُصبغ
بالبول ؛ بول العجائز العُثْق ، فلو نَهَيْنا الناسَ عنها ؟ فقام عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ،
فقال: يا أميرَ المؤمنين، أَتَنْطَلِقُ إلى شَيْءٍ لَبِسَهَ رسولُ اللَّهِ وَ له وأصحابُه
فَتُحَرِّمُه ؟! إنها تُغْسَل بالماء ، فكَفَّ عمرُ عن ذلك .
وقد روي عن الحَسَن ، أنه كان إذا سُئل عن البرود إذا صُبغتْ بالبول ، فهل
تَرَى بلْسها بأسًا؟ حَدَّث بحديث عمرَ مع أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ كما تقدم .
وقال حَنْبَلٌ : كان أبو عبدِ اللَّهِ - يعني: أحمدَ - يَصبغ له يهوديٌّ جُبَّةٌ
فيَلْبَسُها، ولا يُحْدث فيها حَدَثًا من غَسل ولا غيرِهِ . فقلتُ له ، فقال : ولمَ
تَسأل عما لا تَعْلَم ؟! لم يَزَلَ الناسُ منذ أَدركناهم لا يُنكرون ذلك .
قال حَنْبَلٌ : وسُئل أبو عبدِ اللَّه عن يهودٍ يَصبغون بالبول ؟ فقال : المسلم
والكافر في هذا سواء ، ولا تَسألْ عن هذا ولا تَبحثْ عنه ، وقال : إذا علمتَ
أنه لا محالةَ يُصبغ من البول وصَحَّ عندك فلا تُصَلِّ فيه حتى تَغسله.
وقال يعقوبُ بنُ بختان : سُئل أحمدُ عن الثوب يَصبغه اليهودي ؟ قال :
(١) (٥/ ١٤٣) .

١٦٢
٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية
كتاب الصلاة
ويَستطيع غيرَ هذا ؟ ! - كأنه لم يَرَ به بأساً .
وقال المَرُّوَذِيُّ : سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسأل عن الثوب يَعْمَلُه اليهودي
والنصراني ، تصلي فيه ؟ قال : نَعَمْ ، القَصَّر يَقْصُر الثيابَ ، ونحن نصلي
فيها .
وكل هذا يدل على أن ما صنعه الكفار من الثياب فإنه يجوز الصلاةُ فيه من
غير غَسل ، ما لم تُحَقَّق فيه نجاسةٌ ، ولا يُكتفى في ذلك بمجرد القول فيه حتى
يَصِحَّ، وأنه لا ينبغي البحثُ عن ذلك والسؤالُ عنه .
وحكى ابنُ المنذر هذا القولَ عن مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ،
فلم يَحْكِ عن أَحَدٍ فيه خِلافًا ، وهو قول الثوري وإسحاق - : نقله عنه حَرْبٍ .
ومن أصحابنا من قال : لا نعلم في هذا خلافًا . ومنهم من نفى الخلافَ فيه
في المذهب . ومن الأصحاب من حكى فيه خلافًا عن أحمدَ .
ونقل أبو داودَ (١) أن أحمد سئل عن الثوب النسيج يُصَلَّى فيه قبل أن يُغْسَل ؟
قال : نَعَمْ ، إلا أن يَنْسِجَه مشرك أو مَجُوسِيٌّ .
وقال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ هانئ (٢): قرأتُ على أبي عبدِ اللَّهِ - يعني:
أحمد - : ابنُ أَبِي عَدِيِّ ، عن ابنِ عَوْنِ ، قال : كان محمدُ بنُ سِيرِينَ يَختار إذا
أَخَذ الثوب من النَّسَّاجِ [ أن لا] (٣) يَلْبَسَه حتى يَغْسِلَه. قال أبو عبدِ اللَّهِ : إليه
أَذْهَب . أو قال: أَحَبُّ إلي أن لا يصلي فيه حتى يَغسله(٤).
وحَمَل أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جَعْفَرِ هذه الروايةَ على أن الثوب نَسَجَه مُشْرِكٌ
وَثَنِيٌّ أو مجوسي ، كما رواه أبو داودَ ، فإن كان كتابيًا صلى فيه بغير غَسل ، على
(١) في ((مسائله)) (ص ٤١).
(٢) في ((مسائله)) (١/ ٥٧).
(٣) في الأصل: ((فلا))، وما أثبته من ((المسائل)) المطبوع، وهو أشبه.
(٤) وفي ((المسائل)) زيادة، وهي: ((ثم قال أبو عبد الله: حديث غريب)).
١

١٦٣
٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية
كتاب الصلاة
ما رواه المرُّوذِيُّ . قال : وإن صلى فيما نَسَجَه وثني أو مجوسي من غير غَسل
فلا يَتَبيَّنُ لي الإعادةُ ؛ لأن الأصلَ طهارتُه .
وقال ابنُ أبي موسى : اختلف قولُ أحمدَ في الثوب يَنْسِجُه يهودي أو
نصراني : هل يصلي فيه مسلم قبل أن يَغسله أم لا ؟ على روايتين ، فأما الثوب
الذي ينسجه مجوسي فلا يصلى فيه حتى يُغسل قولاً واحداً .
وهذا كله فيما ينسجه الكفار من الثياب ، ولم يَلْبَسُوه ، فأما ما لَبِسوه من
ثيابهم ، فاختلف العلماء في الصلاة فيه قبل غسله :
فمنهم : من رخَّص في ذلك . قال الحَسَن : لا بأسَ بالصلاة في رداء
اليهودي والنصراني وهو قول الثوري ، وأبي حنيفةً ، وروايةٌ عن أحمدَ . قال
الثوري : وغَسلها أَحَبُّ إليَّ .
ومنهم : من كَرِه ذلك ، من غير تحريم ، وهو قول الشافعي ، وروايةٌ عن
أحمد .
وكَرِهِ أبو حنيفةَ وأصحابُه ما وَلِيَ عَوراتِهم ، كالإزار والسَّراوِيلِ . وقال
الشافعي : أنا لذلك أشدُّ كراهةً .
وقالت طائفة : لا يُصلى في شيْءٍ من ثيابهم حتى يُغسل ، وهو قول
إسحاقَ ، وحكي روايةً عن أحمدَ ، وهو قول مالك - أيضًا - ، وقال : إذا
صلى فيه يُعِيد ما دام في الوقت .
وفَرَّقَتْ طائفة بين من تُباح ذبيحتُهُ ومَن لا تباح :
قال أحمدُ - في رواية حَتْبَلٍ - في الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني : إذا
لم يَجِد غيرَهَ غَسَلَه وصلى فيه، وثوب المجوسي لا يُصلى فيه، فإن غَسَلَه وبالغ
في غَسْلِه فأرجو ؛ هؤلاء لا يَجْتَنِبُون البولَ ، واليهود والنصارى كأنهم أقربُ إلى
الطهارة من المجوس .

١٦٤
حديث : ٣٦٣
كتاب الصلاة
وفرَّقَت طائفةٌ بين ما يلي عَوراتِهم وما لا يلي العورات :
قال أحمدُ - في رواية حَنْبَلٍ - : لا بأسَ بالصلاة في ثوب اليهودي
والنصراني ، إلا ما يَلِي جلدَه ، فأما إذا كان فوقَ ثيابِه فلا بأسَ به .
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ : سمعتُ أبي قال : كل ثوب يَلْبَسه يهودي أو
نصراني أو مجوسي إذا كان مثلَ الإزار والسراويل فلا يُعْجِبُنِي أن يصلى فيه؛
وذلك أنهم لا يَتَتَزَّهُون من البول .
ونقل بكرُ بنُ محمد ، عن أبيه ، عن أحمدَ ، فيمن صلى في سراويل
يهوديٍّ أو نصراني أو مجوسي : أَحَبُّ إلي أن يُعِيدَ صلاتَه كلَّها .
ونقل حَرْبٌ ، عن أحمدَ ، قال : لا يصلَّى في شيءٍ من ثياب أهل الكتاب
التي تلي جلْدَه : القميصِ والسراويلِ وغيرِ ذلك .
قال ابنُ أبي موسى : لا تُستعمل ثيابُ المجوسي حتى تُغْسَل ، ولا ما سَفُلَ
من ثياب أهلِ الكتابِ كالسراويلِ ، وما لَصَق بأبدانهم حتى يُغسل .
والمسألة : تَرجع إلى قاعدة تَعارُضِ الأصل والظاهر ، فالأصل الطهارة ،
والظاهر أنه لا يَسْلَم من النجاسة ، وقد يقوى ذلك الظاهر في حقٍّ من لا تُباح
ذباتُحه ؛ فإن ذبائحهم مَيْنَةٌ ، وما ولي عوراتِهم ؛ فإن سلامتَه من النجاسة بعيدٌ
جدًا ، خصوصًا في حق من يَتَدَيَّن بالنجاسة .
خرَّج البخاري في هذا الباب :
٣٦٣ - حديثَ: الأَعْمَئِ، عن مُسْلِمٍ، عن مَسْرُوقٍ ، عن مُغِيرَةَ بنِ شُعْبَةَ،
قال: كنتُ مع النبيِ وَ فِي سَفَرٍ، فقال: ((يا مُغِيرَةٌ، خُذِ الإداوَةَ»، فَأَخَذْتُها ،
فانطلقَ رسولُ اللَّهِ وَهِ حتى تَوَارَى عَنِّي ، فقَضَى حَاجَتَه وعليه جُبَّةٌ شاميَّةٌ، فذَهَبَ
لُيُخْرِجَ يدَه من كُمِّها فضاقتْ، فَأَخْرَجِ يدَه من أَسْفَلِها، فَصَبَيْتُ عليه فتَوَضَّأَ وُضُوءَه
الصَّلاةِ، وَمَسَح على خُقَّهِ، ثُمَّ صَلَّى.

١٦٥
٧ - باب الصلاة في الجبة الشامية
كتاب الصلاة
وقد سَبَقَ هذا الحديثُ في ((كتاب الطهارة)) (١) من وجوه أُخَرَ عن المُغِيرَةِ ،
وخرَّجه في ((كتاب اللباس)) (٢) من طريق الشعبي ، عن عُرْوَةَ بنِ المغيرة ، عن
أبيه ، وفي حديثه : ((وعليه جُبَّةٌ من صُوف)).
وفيه من الفقه : جوازُ الصلاة فيما يُجْلَب من بلاد المشركين من ثيابهم .
وجوازُ الصلاة في الصوف ، وجواز الوضوءِ فيما هو ضَيِّقُ الكُمَّيْنِ وإن لم يَتَمَكَّنْ
من إخراج يديه منه عند الوضوء ، إذا أُخرج يديه من أسفلِه .
وخرَّج الإمام أحمدُ ، وأبو داودَ (٣)، من حديث عليٍّ بنِ زَيْدِ بنِ جُدْعَانَ ،
عن أَنَسٍ ، أن ملِكَ الرومِ أَهْدَى للنبي ◌ِِّ مُسْتَقَةٌ مِن سُنْدُسٍ ، فَلَبِسها.
وعليُّ بنُ زيدٍ ، مختَلَف في أَمْره ، وليس بالحافظ جداً .
قال الأَصْمَعِيُّ: المَسائِقُ : فِراءٌ طُوالُ الأَكْمامِ، واحدتها: مُسْتَقَةٌ .
والمستقة : بفتح القاف(٤). وتُضَمُّ - أيضًا .
قال الخطابي(٥): يُشْبه أن تكون هذه المستقة مُكَفَّفَةٌ بالسُّنْدُس؛ لأن نَفْسَ
الفروِ لا يكون سندسًا .
قلتُ : بل الظاهر أن غشاءَ الفَرْوِ كان حريرًا ، ويدل عليه : ما رواه سالمُ بنُ
نُوحٍ ، عن عمرَ بنِ عامرٍ ، عن قتادةَ ، عن أنسٍ : أن أُكَيْدِرَ دُومَةَ أَهدى إلى
رسول الله وَُّ جُبَّةَ سُنْدُسٍ، فَبِها رسولُ اللّهِ وَه، فعَجِب الناسُ منها، ثم
أهداها إلى عمرَ، فقال: يا رسولَ الله، تَكْرَهُها وأَلْبَسُها؟ قال: ((يا عمرَ، إنما أُرسلتُ
بها إليك لتَبعث بها وَجْهًا فتصيبَ بها مالاً)). وذلك قبل أن يُنهى عن الحرير .
(١) برقم (١٨٢) و (٢٠٣) .
(٢) برقم (٥٧٩٩) .
(٣) أحمد (٢٢٩/٣ - ٢٥١) وأبو داود (٤٠٧٤) .
(٤) لعل الصواب: ((التاء)).
(٥) في ((المعالم)) بهامش أبي داود ، وقول الأصمعي فيه - أيضًا .

١٦٦
حديث : ٣٦٣
كتاب الصلاة
وخرَّجه البَزَّارُ وغيرُه، وخرَّجه مسلم مختصرً(١).
وهذا - والله أعلم - هو فَرُّوُجِ الحرير الذي قال عُقْبَةُ بنُ عامرٍ : أُهْدِيَ
لرسول اللّه وَ لَّ فَرَّوج حريرٍ فَلَبِسه، ثم صلى فيه، ثم انصرف فَنَزَعه نزعًا
شديدًا، كالكاره له ، ثم قال : ((لا ينبغي هذا للمتقين)).
وقد خرَّجه البخاري في موضعٍ آخرَ (٧).
ـزار
وخرَّج مسلم (٣) من حديث أبي الزُّبِيْرِ ، عن جابرٍ ، قال: لَبِس النبي ؛
وَسَتَـ
يومًا قَبَاءً من ديباجٍ أُهْدِي له، ثم أَوْشَكَ أنْ نَزَعه، ثم أَرْسَلَ به إلى عمرَ - وذَكَرَ
بقيةَ الحدیثِ .
(١) (١٣٩/٦) .
(٢) برقم (٣٧٥) (٥٨٠١).
(٣) (١٤١/٦) .

١٦٧
٨ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها
كتاب الصلاة
٨ - بَابُ
كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا
٣٦٤ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ: ثَنَا رَوْحٌ: نَا زَكَرِيًّا بْنُ إِسْحَاقَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ
دِينَارِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِبَ﴿ كَانَ يَنْقِلُ مَعَهُمُ
الحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: ياَ بْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ
فَجَعَلْتَهُ (١) عَلَى مَنْكَبِّكَ دُونَ الحِجَارَةِ. قَالَ: فَحَلَّهُ، فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكَبَيْهِ، فَسَقَطَ
مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا .
هذا الإسناد مصرح فيه بالسماع من أوله إلى آخره ، وقد قيل : إنه من
مراسيل الصحابة ؛ فإن جابرًا لم يحضر هذه القصة ، وإنما سمعها من غيره ، إمَّا
من النبي ◌َّ أو من بعض أكابر أصحابه، فإن كان سمع ذلك من النبي بَلّ فهو
متصل .
وقد اختلفوا في قول الصحابي: ((إن النبي وَ لَ* فعل كذا))، هل يُحْمل
على الاتصال ، أم لا ؟
والتحقيق : أنه إن حكى قصةً أدركها بِسِنِّه ، ويمكن أن يكون شهدها حُملت
على الاتصال ، وإن حكى ما لم يدرك زَمَنَهُ فهو مرسل لذلك . والله أعلم(٢).
(١) في نسخة : ((فجعلت)).
(٢) قلت : هذا الإطلاق فيه نظر ؛ فإن إمكانية الإدراك بمجردها لا تكفي لإثبات السماع ، كما هو
مذهب المتقدمين ، ورجحه ابن رجب نفسه في ((شرح علل الترمذي))، وهذه المسألة أخصُّ
من تلك ، وهي من دقائق هذا الباب ، وقد توسع فيها المؤلف في الكتاب المذكور ، وكذا
العراقي في ((التقييد والإيضاح)) وابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح)) . وانظر كتابي :
((حسم النزاع في مسألة السماع)).
نعم ، الحكم بالاتصال متجه من حيث إن الصحابة كلهم عدول ، وفرقٌ بين تحقَّقِ الاتصال،
وتحقُّقِ حكْمِه . والله أعلم .

١٦٨
حديث : ٣٦٤
كتاب الصلاة
وبناء الكعبة حين نقل النبي وَ ل مع قريش الحجارة لم يدركه جابر، فإنَّ
ذلك كان قبلَ البعثة بمدة، وقد قيل: إن عمرَ النبي وَّ كان حينئذ خمسَ عشرةَ
سنة .
قال معمر، عن الزهري : كان ذلك حين بلغ النبي وَّ الحُلُّمَ (١).
وأما سقوطه مغشيًا عليه، فقيل: كان من شدة حيائه وَّله من تعرِّيه؛ فإنه
كان مجبولاً على أجملِ الأخلاق وأكملها منذ نشأ ، ومن أعظمها شدةُ الحياءِ .
وقيل : بل كان لأمرٍ شاهده وراءه ، أو لنداء سمعه نَهى عن التَّعري .
وقد خرج البخاري هذا الحديث في ((باب: بنيان الكعبة)) من ((كتاب : بدء
الخلق))(٢) من طريق ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، وفيه : قال . فَخَرَّ إلى
الأرض، وَطَمَحَتْ عيناهُ إلى السماء ، ثم أفاقَ ، فقال: ((إزاري، إزاري)) ،
فشدَّ عليه إزارهَ .
وقد روى الأزرقيّ في ((كتاب: أخبار مكة)). ثنا جَدِّي : ثنا مسلم بن
خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن أبيه ، قال : جلس رجال من قريش في
المسجد الحرام ، فيهم حويطب بن عبد العزَّى ومخرمة بن نوفل ، فتذاكروا بنيانَ
قريشِ الكعبةَ - فذكر حديثًا طويلاً في ذلك - ، وفيه : فنقلوا الحجارة ،
ورسول اللّه وَّر يومئذٍ غلامٌ لم ينزلْ عليه الوحي، ينقلُ معهم الحجارةَ على
رقبته ، فبينا هو ينقلها إذ انكشفتْ نَمِرةٌ كانت عليه ، فنودي : يا محمدُ ،
عَوْرَتَكَ، وذلك أول ما نودي - والله أعلم -، فما رئيت لرسول اللّه وَل عورةٌ
بعد ذلك، ولُبِجَ برسول اللّه وَّل من الفزع حين نودي، فأخذه العباس بن
عبد المطلب فضمه إليه ، وقال : لو جعلت بعض نَمِرَتِكَ على عاتِقِكَ تقيك
الحجارةَ، فقال: ((ما أصابني هذا إلا من التعري)) فشد رسول اللّه وَل إزاره،
(١) في هامش الأصل: ((ق)): ((وقيل: كان ابن خمس وثلاثين وهذا بعيد جدًا)).
(٢) برقم (٣٨٢٩) .

١٦٩
٨ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها
كتاب الصلاة
وجعل ينقل معهم - وذكر بقية الحديث .
وقال - أيضًا - : ثنا جَدِّي وإبراهيم بن محمد الشافعي ، قالا : ثنا مسلم ابن
خالد ، عن ابن خثيم ، قال: كان رسول اللّهِ وَّ غلامًا حيث هدمت الكعبةُ ،
فكان ينقل الحجارة ، فوضع على ظهره إزاره يتقي به فَلُبِجَ به ، فأخذه العباس
فضمه إليه، فقال رسول اللّه وَخل: ((إني نهيت أن أتعرَّى)).
يقال : لُبِجَ بفلان ، ولُبِطَ به ، إذا صرع ، وهو معنى ما في حديث جابر :
((فسقط مغشيًا عليه)) .
وروى الإمام أحمد(١): ثنا عبد الرزاق : أبنا معمر ، عن ابن خُثيم ، عن أبي
الطفيل ، وذكر بناء الكعبة في الجاهلية ، قال : فهدمَتْهَا قريشٌ ، وجعلوا يبنونها
بحجارة الوادي ، تحملها قريش على رقابها ، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا .
فبينا النبي وَّ يحمل حجارة من أجيادٍ وعليه نَمِرَةٌ ، فضاقت عليه النَّمِرةُ ، فذهب
يضع النَّمِرةَ على عاتِقِه فترى(٢) عورته من صِغَرِ النَّمِرَةِ ، فنودي : يا محمد ،
خَمِّرْ عورتَك ، فلم يُرَ عريانًا بعد ذلك .
وروى ابن سعد(٣) بإسنادٍ ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : أول شيءٍ رأى
النبيُّ ◌َلّ من النبوة أن قيل له: اسْتَتِرْ، وهو غلام، فما رئيت عورتُه من يومئذٍ.
ويروى بإسناد أجودَ منه ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن
أبيه، أن النبيِ رَلهول قال: ((نُهيتُ أن أمشيَ عريانًا))، [قلت: اكتمها الناسَ
مخافةَ أن يقولوا : مجنون](٤).
وبعض رواته لم يذكر في إسناده: ((العباس)).
(١) (٥ / ٤٥٤ - ٤٥٥) .
(٢) في الأصل ((ق)): ((فبدا)) وفي هامشه: ((لعله: فبدت))، والمثبت من ((المسند)).
(٣) (١/ ١/ ١٠٢) وكذا ابن عدى (٢٤٨٧/٧).
(٤) مكانها بياض بالأصل، واستدركتها من ((مسند البزار)» (١٢٩٥) (١٢٩٦) حيث أخرجه من
طريق سماك ، به . وانظر : تعليق محققه .

١٧٠
حديث : ٣٦٤
كتاب الصلاة
وخرج البزار(١) من حديث مسلم الملائي - وفيه ضعف - ، عن مجاهد ،
عن ابن عباس، قال: كان رسول اللّه وَ ل يغتسل من وراء الحجرات، وما رُئي
عورتُه قط .
وقال : لا نعلم روي من وجه متصل بإسناد أحسن من هذا .
وفي ((صحيح مسلم))(٢) عن المِسْور بن مخرمة ، قال : أقبلت بحجر أحمله
ثقيلٍ ، وعليَّ إزارٌ ، فانحلَّ إزاري ومعي الحجرُ ، فلم أستطع أن أضعه حتى
بلغتُ به إلى موضعه، فقال رسول اللّه وَّه: ((ارجع إلى ثوبكَ فخذه، ولا
تمشوا عراة)» .
وفي ((مسند الإمام أحمد))(٣) بإسناد جيد، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ،
أنه مَرَّ وصاحب له بأيمن وفِتْيَةٌ من قريش قد خلعوا أُزُرَهُمْ، فَجَعَلُوهَا مخَارِيقَ
يجْتَلِدُونَ بها وهم عُراة . قال : فلما مررنا بهم قالوا : إن هؤلاء لقِسِّيسُون ،
فدعوهم ، ثم إن رسول اللّه وَله خرج عليهم، فلما أبصروه تبدَّدُوا ، فرجع
رسول اللّه ◌َ ﴿ه مُغْضَبًا حتى دخل، وكنت أنا وراء الحجرة، فأسمعه يقول:
((سبحان اللّه، لا من اللّه استَحْيَوْا، ولا من رسوله اسْتَتَرُوا))، وأمُّ أيمَن عنده
تقول : استغفر لهم يا رسول اللّه، فَبِلأيٍ ما استغفر لهم.
وقوله : فَبِلأْىٍ : أي بشدة ، ومنه الَّلَأْوَاءُ، والمعنى : أنه استغفر لهم بعد
شدة امتناعه من ذلك .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي(4) - وحسنه - من
(١) (٢٤٥٩ - كشف الأستار).
(٢) (١/ ١٨٤) .
(٣) (٤/ ١٩١).
(٤) أحمد (٣/٥) وأبو داود (٤٠١٧) والنسائي في ((عشرة النساء)) (٨٦) والترمذي (٢٧٩٤) وابن
ماجه (١٩٢٠) .

١٧١
٨ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها
كتاب الصلاة
حديث بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده ، قال : قلت : يا رسول اللّه ،
عوراتُنا ما نأتي منهن وما نذرُ ؟ قال : ((احفظ عورتك إلا من زوجَتَكَ ، أو ما
ملكتْ يمينُكَ) ، فقالَ : الرجلُ يكون مع الرجلِ ؟ قال : ((إن استطعت أن لا
يراها أحدٌ فافعلْ))، قلت: فالرجل يكون خاليًا ؟ قال : ((فالله أحقُّ أن يُستحيا
منه)) .
وقد ذكره البخاري في موضع آخر من ((كتابه)) هذا تعليقًا مختصرًا ، فقال:
وقال بهزٌ ، عن أبيه ، عن جدِّ(١) [ ... ](٢).
وقد أجمع العلماء على وجوب ستر العورة بين الناس عن أبصار الناظرين،
واختلفوا في وجوب سترها في الخلوة لغير حاجة ، على قولين ، هما وجهان
لأصحابنا وأصحاب الشافعي ، ويجوز كشْفُها للحاجة إليه بقدْرها بغير خلاف ،
وقد سبق في ((كتاب : الغسل)) ذكر بعض ذلك .
(١) تقدم في ((كتاب: الغسل))، (باب: ٢٠ - من اغتسل عريانًا وحده)).
(٢) بياض بمقدار كلمتين أو ثلاث .

١٧٢
حديث : ٣٦٥
كتاب الصلاة
٩ - بَابُ
الصَّلاَةِ فِي القَمِيصِ وَالسََّاوِلِ والنَّانِ والقَبَاءِ
خرَّج فيه حديثين :
الحديث الأول :
٣٦٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: فَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أُوبَ، عَنْ مُحَمَّد،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّ ◌َ فَسَلَهُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الَّوْبِ الوَاحِدِ،
فَقَالَ: ((أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟)) ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءِ ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ،
فِي إِذَارٍ وَقَبَاءِ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاء ، في
تُبَّانِ وقَبَّاءٍ، في تَبَّانِ وَقَمِيصٍ. قَالَ: وَأَحْسِهُ قَالَ: فِي تَبَّنِ وَرِدَاءٍ.
قد تقدم حديث أبي هريرة هذا من وجه آخر عنه ، وذكرنا أن قوله : ((أو
لكلكم ثوبان؟))، ((أو كلكم يجد ثوبين؟ )) إشارة إلى أنه لو لم تُشْرَعِ الصلاةُ في
ثوب واحد لشق على كثير منهم ؛ فإنه كان فقيرًا لا يجد ثوبين .
وفيه إشارة - أيضًا - إلى أن الصلاة في الثوب الواحد إنما شرعت لقلة الثياب
حينئذٍ ، فلما كثرت الثياب ، ووسع اللّه على المسلمين ، بفتح البلاد عليهم
وانتقال ملك فارس والروم إليهم أمر عمر - رضي اللّه عنه - حينئذ بالصلاة في
ثوبين ثوبين ؛ لزوال المعنى الذي كان لأجله شرعت الصلاة في ثوب واحد .
وكلُّ ما يلبس على البدن فهو ثوب ، سواء كان شاملاً له أو لبعضه ، وسواء
كان مخيطًا أو غير مخيط ، فالإزار ثوب ، والرداء ثوب ، والقميص ثوب ،
والقَبَاء ثوب ، والسراويل ثوب، والتَّبَّانُ ثوب، فلهذا قال عمر : إذا وسع اللّه

١٧٣
٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء
كتاب الصلاة
عليكم فأوسعوا ، جمع رجل عليه ثيابه ، صلى رجل في إزار ورداء - والإِزَارُ :
ما يشدُّه على وسطه ، والرداء : ما يلقيه على منكبيه - في إزار وقميص ، في
إزار وقباء ، في سراويل ورداء ، في سراويل وقميص ، في سراويل وقباء ، في
تبان وقباء ، في تبان وقميص . وشك الراوي : هل قال : في تبان ورداء ؟
والتُّبَّان والرداء : بمنزلة السراويل والرداء .
فكل من هذه الأنواع التي ذكرها عمر - رضي اللّه عنه - صلاة في ثوبين
ثوبين .
وقد روى الجُريري ، عن أبي نَضْرةَ، قال : قال أبي بن كعب : الصلاة في
الثوب الواحد سنة، كنا نفعله مع النبي بَّهُ ولا يُعَابُ علينا - فقال ابن مسعود:
إنما كان ذاك إذْ كان في الثياب قلة ، فأما إِذْ وسع اللّه فالصلاةُ في الثوبين
أزكى .
خرَّجه عبد اللّه ابن الإمام أحمد في ((المسند))(١)، وفيه انقطاع.
وخرجه الدارقطني في ((علله)) من رواية داود بن أبي هند ، عن
أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، فصار متصلاً . وذكر أنه روي عن داود ، عن
أبي نضرة ، عن جابر .
وروى وكيع في ((كتابه))(٢) عن مبارك بن فَضَالة ، عن الحسن ، قال :
اختلف عبد اللّه بن مسعود وأبي بن كعب في الصلاة في الثوب الواحد ، فقال
أبيٌّ : في ثوب ، وقال ابن مسعودٍ : في ثوبين ، فبلغ ذلك عمر ، فقال : القول
ما قال أبيُّ ، ولم يَأْلُ ابن مسعودٍ عن الخير .
وهذا منقطع - أيضًا .
(١) (٥/ ١٤١) .
(٢) وعبد الرزاق (٣٥٦/١) والبيهقى (٢٣٨/٢).

١٧٤
حديث : ٣٦٥
كتاب الصلاة
وروى ابن وهب ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن سعيد ، قال : قال
[ ... ] (١): كَّا نصلي في ثوب واحد، حتى جاء اللّه بالثياب ، فقال : صلوا
في ثوبين ، فقال أُبيَّ بن كَعْبٍ : ليس هذا في شيءٍ ، قد كنا نصلي على عهد
رسول اللّه وَّي في الثوب الواحد، ولنا ثوبان، قيل لعمر بن الخطاب: ألا
تقضي بين هذين - وهو جالس - ؟ قل : أنا مع أُبيِّ .
وظاهر كلام أبي بن كعب أن الصلاة في ثوب واحد أفضل ، وكذلك كان
يفعله جابر بن عبد اللّه(٢) وغيره.
ويحتمل : أنهم أرادوا بذلك بيان الجواز لئلا يتوهم متوهم أنه لا تجوز
الصلاة في ثوب واحد ، ويدل على هذا الاحتمال : أن عمر قد صحَّ عنه الأمر
بالصلاة في ثوبين - كما خرجه عنه البخاري - ، فعلم أنه أراد تارة بيان الجائز ،
وتارة بيان الأفضل .
وأكثر العلماء على استحباب الصلاة في ثوبين ، وقد تقدم عن ابن عمر
وغيره ، وهو قول أكثر الفقهاء ، منهم : مالك ، والثوري ، والشافعي ،
وأحمد .
ويتأكد استحبابه عند مالك وأحمد في حق الإمام أكثر من غيره ، وظاهرُ كلام
أحمد : كراهته للإمام دون المنفرد ، وكره مالك ذلك لأئمة المساجد إلا من يؤم
في سفر أو في بيته ، فإن ذلك من زينة الصلاة المأمور بها ، والإمام هو المنظور
إليه ، فيتأكدُ استحباب الزينةِ في حقِّه .
ويدلُّ على هذا: أن صلاة النبي بَُّه في الثوب الواحد، إنما كان تارة في
(١) بياض بالأصل ((ق))، وكتب في الحاشية: ((لعله ابن مسعود) قلت: لم يذكر المزي أن
سعيدًا - وهو : ابن المسيب - له رواية عن ابن مسعود ، وإن كانت القصة مشهورة عن ابن
مسعود . والله أعلم .
(٢) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٣٧/٢).

١٧٥
٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء
کتاب الصلاة
١
بيته كما في حديث عمر بن أبي سلمة (١)، وتارة في السفر كما في حديث جابر (٢).
وقد روي عن طائفة من السلف تفضيل بعض أنواع الثوبين(٣) على بعض:
فقال أبو مالك : الصلاة في الإزار والقَبَاء أحبُّ إلي من الصلاة في القميص
والإزار .
وعن النخعي ، قال : الصلاة في التَّبَّانِ والرداء أحب إلي من الصلاة في
القميص والرداء .
والظاهر: أنَّه فَضَّل التُّبَّانَّ والسراويلَ على الإزار ؛ لأنه يُوَاري العورةَ عن
الأرضِ ، فقد روي عنه: أنه كره أن يُفْضِيَ بفَرْجِه إلى الأرض في الصلاة .
وأما إن صلى في ثوب واحد ، فقال الشافعي وأصحابنا : أفضل ذلك
القميص ، ثم الرداء ، ثم الإزار ، ثم السراويل .
ومن أصحاب الشافعي [ من ] قال : السراويل أولى من الإزار ؛ لأنه أستر ،
وهذا مقتضى كلام النخعي كما سبق .
واستدل من رجح الإزار : بأنه يتجافى عنه ولا يصف الأعضاء بخلاف
السراويل .
وسئل الإمام أحمد : السراويل أحب إليك أم الميازِرُ ؟ فقال : السراويل
محدث ، ولكنه أستر . وقال أيضًا - : الأُزُر كانت لباس القوم ، والسراويل
أستر .
قال : والحديث : ((من لم يجد الإزارَ فَلْيلَسِ السَّراويلَ)) (٤)، وهذا دليل أن
(١) تقدم (٣٥٥)، (٣٥٦).
(٢) تقدم (٣٦١) .
(٣) كذا، والأشبه: ((الثياب)).
(٤) أخرجه البخاري (١٨٤١) (١٨٤٣) ومسلم (٣/٤) وغيرهما من حديث ابن عباس. ومن
حديث جابر عند مسلم (٣/٤) .

١٧٦
حديث : ٣٦٥
كتاب الصلاة
القوم قد لبسوا السَّرَاوِيلاَتِ .
وقد سبق حديث سلمة بن الأكوع في الصلاة في القميص ، وأنه يَزُرَّهُ ولو
بشوكة .
وفي ((سنن أبي داود))(١) عن جابر ، أنه أمَّ في قميصٍ لَيْس عليه رداء ، فلما
انصرف قال: رأيت رسول اللّه وَ ال يصلّي في قميص.
وروى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا إسرائيل ، عن عبد الأعلى : ثنا
شيخ ، قال : أمَّنا الحسن - أو الحسين - بن علي - رضي الله عنهم - في
قميص خفيف ، ليس عليه إزار ولا رداء ، فلما صلى قال : هذه السنة - أو من
السنة - ، وإنما فعلته لتنظروا أن عندنا الثياب .
وإذا صلى في قميص فإنه ينبغي أن يَزَرَّهُ ، وقد تقدم قول من كره الصلاة في
قميص غير مزرور استدلالاً بحديث سلمة بن الأكوع ، فإن لم يزر القميص فإنّ
كان تحته إزار أو سراويل صحَّتْ صلاته لاستتارِ عورته .
وقد رُوي ، عن نافع ، أن ابن عمر كان لا يصلي إلا وهو مُتَّزَر ، وربما اتَّزر
تحتَ قميصه وفوقَه في السفر .
وإنْ لم يكن عليه إزار ولا سراويل ، فإن كان له لحية كبيرة تسترُ جَيْبَه بحيث
لا يُرَى منه عورته صحَّتْ صلاته - : نصَّ عليه أَحْمَدُ في رواية الأثرمٍ، وهو قول
داود الطائي ، وأصحَّ الوجهين للشافعية .
وإن لم يكن كذلك ، بل كان يَرَى عَوْرَةَ نفسِهِ من جيبهِ لم تصحّ صلاتُهُ، عند
الشافعي وأحمد ، وتصحَّ عند مالك وأَبِي حَنِيفَةَ وأبي ثورٍ ، كما لو رِئِيت عَوْرته
من أسفلِ ذَيْلِه .
وقد رخَّصَ في الصلاة في قميص غير مُزَرَّرٍ : سالم بن عبد الله بن عمر
وغيره من السلف .
(١) (٦٣٣) .

١٧٧
كتاب الصلاة
٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء
وقال مالك : هو أستر من الذي يصلي متوشحًا بثوب .
وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي : سألت أحمد عمن صلى ولم يزرَّ عليه ،
ولم يَحْتَزِمْ ؟ فقال : جائز ، فقلت له : إنه لو نظر إلى فرجه رآه ، فقال : لا
يمكن أن يَرَى ذاك .
وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : يَزُرُّ عليه ، فإن لم
يفعل وكان إذا ركع لا يستترُ فرجُه عن النّظرِ أعاد الصلاة .
وقال أبو خيثمة : نأمره أن يَزُرَّ عليه ، ولا أرى عليه إعادةً ؛ لحديث النبي
وَلَه حين قال للنساء: ((لا ترفعنْ رُءُوسكن قَبْلَ الرِّجَال)) من ضيق الأُزْرِ (١)،
وحديث عمرو بن سلمة: ((غَطُّوا عَنَّا استَ قارِئُكُمْ))(٢).
قال الجوزجاني : والقول في ذلك على ما قال أبو خيثمة لِمَا احتج به ، ثم
قال: ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود : ثنا زهير بن محمد ، عن عبد الله بن
محمد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد، أنه سمع رسول اللّه وَ له يقول:
(يا معشرَ النساء، إذا سجد الرجال فاخْفِضْنَ أَبْصَارَكُنَّ، لاَ تَرَيْنَ عَوْرَات الرِّجَال))
مِن ضِيقِ الأُزُرِ .
وروى الطبراني(٣) بإسناد ضعيف ، عن ابن عباس ، قال : دخلت على
رسول اللّه وَله وهو يصلّي مُحْتَبِيًّا، محلل الأَزْرَارِ.
الحديث الثاني :
٣٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِوَهُ، فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟
فَقَالَ: ((لاَ يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلاَ السَّرَاوِيلَ، وَلاَ البُرْنُسَ، وَلاَ ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانُ أَوْ
(١) تقدم (٣٦٢) .
(٢) أخرجه البخاري (٤٣٠٢) وأبو داود (٥٨٥).
(٣) في ((الكبير)" (١١/ ١٥٢).

١٧٨
حديث : ٣٦٦
كتاب الصلاة
وَرْسٌ(١)، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلَسِ الخُفَيْنِ ، وَلَيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ
الگَعْبَیْنِ)) .
وَعَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَِّيِّ ◌َ - مِثْلَهُ.
القائل: ((عن نافع)) هو ابن أبي ذئب ، وقد سبق الحديث عنه بالوجهين -
أيضًا - في آخر ((كتاب العلم))(٢).
والمقصود من تخريج هذا الحديث في هذا الباب : أنه يدل على أن لبس
ما ذكر فيه من اللباس كان متعارفًا بينهم، وقد عَدَّ النبيِ نَّهِ ونَهى المُحْرِمَ عَنْ
لبسه ، فَفِيه ◌ِقْرَارٌ لغيرِ المحرم على لِباسِه ، وقد سبق من كلام الإمام أحمد :
استدلاله به على لباس السراويلٍ .
وإذا أقرَّ النبي ◌َّ أَمَّه على لبس هذه الثياب في غير الإحرام ، فهو إقرار لهم
على الصلاة فيها ، ولو كان ينهى عن الصلاة في شيء منها لَبَيَّنَ لهمْ ذلك .
وقد ورد النهي عن الصلاة في السراويل في حديث رواه الحسين بن وَرْدَان ،
عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : نهى رسول اللّه وَّر أن نصلي في السراويل.
خرجه الطبراني والعقيلي(٣)، وقال: لا يُتَابع حسين عليه، ولا يُعْرف إلا
به .
ولو صحَّ لحُمَل على الاقتصار على السراويل في الصلاة مع تَجْرِيدِ
المِنْكَبَيْنِ ، يدلُّ على ذلك : ما رواه أبو المنيب عبيد الله بن عبد اللّه العتكي،
عن عبد اللّه بن بريدة، عن أبيه، قال: نهى رسول اللّه وَّل أن يُصلى في
لحافٍ لا يَتَوَشَّحُ به ، والآخر أن تصلي في سراويلَ ليس عليك رِدَاءٌ .
(١) في ((اليونينية)): ((ولا ورس)).
(٢) برقم (١٣٤) .
(٣) الطبراني في ((الأوسط)) (٧٨٣٧) والعقيلي (٢٥١/١).

١٧٩
٩ - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء
كتاب الصلاة
خرجه أبو داود(١).
وخرجه الطبراني والعقيلي(٢)، ولفظه: نهى أن يصلي الرجل في السراويل
الواحد ، لَيْسَ عليه شيء غيره .
وخرجه ابن عدي(٣)، ولفظه: نهى رسول اللّه وَّل عن مَلْبَسَيْنِ: أحدُهُمَا:
المصلي في ثوبٍ واحد لا يَتَوَشَّحُ به ، وأما الآخر : أنْ يصلي في سراويلَ لَيْسَ
عليه رِدَاءٌ .
وأبو المنيب ، وثقه ابن معين وغيره . وقال البخاري : عنده مناكير . وقال
ابن عدي : عندي أنه لا بأس به . وقال العقيلي في هذا الحديث - : لا يُتابع
عليه ، ولا يُعرفُ إلا به .
وقد رُوي عن عمر ، أنه كتب إلى بعض جنوده : إذا رجعتم من غَزَاتِكُمْ
هَذِه فَأَلْقُوا السَّراويلَ والأَقْبِيَةَ، والْبَسُوا الأُرُرَ والأَرْدِيَةَ .
وهو محمول على أن لباسَ العرب المعهود بينهم أفضلُ من لباس العجمِ ،
فخشيَ على من رجع من بلاد العجمِ أن يستمروا على لباسِ العجم ، فربما هُجر
لباسُ العرب بالكلية . ولهذا روي عنه أنه قال : إياكم وزيَّ الأعاجم ، ويدل على
هذا : أنه قد رخَّصَ في الصلاة في السراويلِ والأقبية ، كما خرجه البخاريّ
عنه .
(١) (٦٣٦) .
(٢) الطبراني في ((الأوسط)) (١٩٣٩) والعقيلي (١٢٢/٣).
(٣) (٤/ ١٦٣٦ - ١٦٣٧) .

١٨٠
حديث : ٣٦٧ - ٣٦٨
كتاب الصلاة
١٠ - بَبُ
مَا يُسْتَرُ مِنَ العَوْرَةِ
خرج فيه ثلاثة أحاديث :
الحديث الأول :
٣٦٧ - من رواية: الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةً، عَنْ
أَبِ سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِوَ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّعَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ
الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيءٌ.
الحديث الثاني :
٣٦٨ - من رواية: أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ : نَهَى النَّبِيُّ
وَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنِ اللَّمَاسِ وَالنِّبَاذِ، وأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَخْتِيَ الرَّجُلُ فِي
نَوْب واحد .
قد تضمن الحديثان - معًا - النهيَ عن لُبستين ، وسواء في ذلك حالُ الصلاة
وغيرها .
وقد روى سفيان الثوري، عن أبي الزناد - حديث أبي هريرةَ ، وقال فيه:
نهى رسول اللّه وَله عن لُبْسَتَيْنِ في الصلاة - وذكر الحديث - إحداهما: اشتمال
الصماء ، ولم يذكر تفسيرها .
وقد خرجه في ((كتاب: اللباس))(١) من رواية الزهري ، عن عامر بن
سعد، عن أبي سعيد بسياقٍ مُطَوَّل، وفيه: أن النبي ◌َّ نهى عن لُبستين:
اشتمالِ الصَّمَّاء، والصَّمَّاءُ : أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحدُ شقَّيْهِ
(١) (٥٨٢٠) وكذا في ((البيوع)) (٢١٤٤).