النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة خرجه الإمام أحمد والترمذي ، وابن حبانَ في ((صحيحه))(١). والملاط : التراب الذي يختلط بالماء ، فيصير كالطين ، فلونه لون الزعفران في بهجته وإشراقه . وريحه كريح المسك ، وطعمه كطعم الخبز ، يؤكل . يدل على ذلك: ما في ((صحيح مسلم)) (٢) عن أبي سعيد ، قال : قال رسول اللّهِ وَّله لابن صائد: ((ما تُربةُ الجنَّة؟)) قال: دَرْمَكَةٌ بيضاءُ مسْكٌ يا أبا القاسم، قال : ((صَدَقْتَ)) . وفي ((المسند))(٣) عن جابر، قال: قال رسول اللّه وَّ لليهود: ((إني سائلهم عن تربة الجنة ، وهي درمكةٌ بيضاءُ)، فسألهم، فقالوا : هي خُبْزَةٌ يا أبا القاسم، فقال رسول اللّه وَالاول: ((الخبز من الدرمك)). وهذا يدل على أن لونَها بيضاء ، وقد يكون منها ما هو أبيضُ ومنها ما هو أصفرُ كالزعفران . والله أعلم . الحديث الثاني : ٣٥٠ - حدّثنا عبدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ: أنا مالِكٌ، عن صالحِ بنِ كَيْسَانَ، عن عُرْوَةً ابنِ الزّبَيْرِ، عن عائشةَ ، قالت: فَرَض اللَّهُ الصَّلاةَ حينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ في الْحَضَرِ والسَّفَرِ ، فأُقِرَّتْ صلاةُ السَّفَرِ وزِيدَ فِي صَلاةِ الحَضَرِ . تريد عائشةُ - رضي اللّه عنها - : أنَّ اللّه تعالى لما فَرَض على رسوله الصلواتِ الخمسَ ليلةَ الإسراء ، ثم نَزَل إلى الأرض وصلى به جبريلُ عليه السلام عند البيت ، لم تكن صلاتُه حينئذ إلا ركعتين ركعتين في الحضر والسفر ، ثم (١) أحمد (٤٤٥/٢) والترمذي (٢٥٢٦) وابن حبان (٧٣٨٧) وكذا الدارمي (٣٣٣/٢). (٢) (١٩١/٨ - ١٩٢) . (٣) (٣٦١/٣) . ١٢٢ حديث : ٣٥٠ كتاب الصلاة أُقَرَّتْ صلاةُ السفر على تلك الحال ، وزيد في صلاة الحضر ركعتين ركعتين ، ومرادها : الصلاة الرباعية خاصة . ويَدُلُّ عليه : ما خرَّجه البخاري(١) في ((الهجرة)) من حديث مَعْمَرٍ ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ ، عن عائشةَ ، قالت : فُرِضَت الصلاةُ ركعتين ، ثم هاجر النبيِ نَّهِ فُرضتْ أربعًا، وتركت صلاةُ السفر على الأول)). كذا خرجه من رواية يَزِيدَ بنِ زُرَيْعٍ ، عن مَعْمَرٍ ، وقال : تابعه عبدُ الرَّزَّاقِ ، عن مَعْمَرٍ . وخرَّجه البيهقي (٢) من رواية عبد الرزاق عن معمر، ولفظه: ((فُرضت الصلاةُ على النبي ◌َّهِ بمكةَ ركعتين ركعتين ، فلما خَرَج إلى المدينة فرضت أربعًا، وأُقَرَّتْ صلاةُ السفر ركعتين)). وقال : هذا التقييد تَفَرَّد به مَعْمَرٌ عن الزهري ، وسائرُ الثقاتِ أَطلقوه - يعني: لم يَذْكروا الأربعَ (٣). انتهى. وفي تقييدها الزيادةَ بالأربع دليلٌ على أنه إنما زِيد في الحضر الرباعيةُ خاصة. وقد وَرَدَ ذلك صريحًا عنها في رواية أخرى خرَّجها الإمام أحمدُ (٤) من طريق ابن إسحاقَ ، قال : حدثني صالحُ بنُ كَيْسانَ ، عن عُرْوَةَ ، عن عائشةَ، قالت : كان أولَ ما افتُرض على رسول اللّه وَّهِ من الصلاة ركعتان ركعتان، إلا المغربَ فإنها كانت ثلاثًا ، ثم أَتَمَّ اللَّهُ الظهر والعصر والعشاءَ الآخرةَ أربعًا في الحَضَر ، فَأَقَرَّ الصلاةَ على فَرضها الأولِ في السفر . (١) برقم (٣٩٣٥) . (٢) (٣٦٢/١ - ٣٦٣) (١٣٦/٣). (٣) قلت : كأني أفهم من التقييد تقييد جعل الصلاة ركعتين بمكة وجعلها أربعًا بالمدينة . والله أعلم. وسيأتي قريبًا ما يدل على أن النبيَّ ◌َّهِ صلَّى في مكة أربعًا. (٤) (٦ / ٢٧٢) . ١٢٣ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة وخرَّج الإمام أحمد(١) - أيضًا - عن عبد الوَهَّاب بنِ عَطاءِ ، عن داودَ بنِ أبي. هِنْدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عائشةَ ، قالت : فُرضت الصلاةُ ركعتين ركعتين ، إلا المغربَ فُرضت ثلاثًا؛ لأنها وَتْرٌ. قالت: وكان رسول اللّه اَ ل إذا سافر صلى الصلاةَ [الأولى] (٢) إلا المغربَ، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغربَ ؛ فإنها وتر ، والصبحَ ؛ لأنه يُطَوِّل فيها القراءةَ . وفي رواية أخرى له(٣) بهذا الإسناد : كان أول ما افتُرض على رسول اللّه وَلّ ركعتان ركعتان، إلا المغربَ؛ فإنها كانت ثلاثًا، ثم أَتَمَّ اللَّهُ الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا في الحضر ، فأقرَّ الصلاةَ على فَرْضها الأول في السفر . وخرَّجِه ابنُ خُزَيْمَةَ في ((صحيحه)) (٤) من طريق مَحْبُوبِ بنِ الحَسَنِ ، عن داودَ ، عن الشَّعْبِيِّ ، عن مسروقٍ ، عن عائشةَ ، ولفظه : فُرض صلاةُ السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما أقام رسولُ اللّه ◌َلَه بالمدينة زِيد في صلاة الحضر ، وتُركت صلاةُ الفجر ، لطول القراءة ، وصلاةُ المغرب ؛ لأنها وِتَر النهار . وخرَّجه البيهقي(٥) من وجه آخرَ عن داودَ كذلك . ء وهذه الرواية إسنادها متصل ، وهي تدلّ على أن إتمام الظهر والعصر والعشاء أربعًا تَأَخَّرَ إلى ما بعد الهجرة إلى المدينة . وكذلك روى أبو داودَ الطَّيالسيُّ : ثنا حبيبُ بنُ يزيدَ الأَنماطيُّ : ثنا عمرُو ابنُ هرمٍ، عن جابرِ بنِ زَيْدِ ، قال: قالت عائشة: كان رسول اللّه وَله يصلي (١) (٦ / ٢٦٥) . (٢) ساقط من الأصلين واستدركناه من ((المسند))، وفي هامش ((ق)): ((لعله: ركعتين)). (٣) (٢٤١/٦) . (٤) (٤ ٩٤ ) . (٥) (١/ ٣٦٣). ١٢٤ حديث : ٣٥٠ كتاب الصلاة بمكة ركعتين - تعني : الفرائضَ - ، فلما قَدِمِ المدينةَ وفُرضت عليه الصلاةُ أربعًا وثلاثًا صلى وترك الركعتين اللتين كان يصليهما بمكةَ تمامًا للمسافر(١). وخرَّج الطبراني(٢) هذا المعنى - أيضًا - بإسناد ضعيف عن سَلْمانَ الفارسيِّ رضي اللّه عنه . وخرَّج الإسماعيليُّ في ((مسند عمرَ) من رواية إسماعيلَ بنِ عَيَّاشِ ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي مريمَ وأَرْطَاةَ بنِ الْمُنْذِرِ، عن حَكِيمٍ بِنِ عُمَيْرٍ(٣)، أن عمرَ بنَ الخطابِ كتب إلى أمراء الأجناد : أَمَّا بَعْدُ ، فإنما كانت الصلاة أولَ الإسلام ركعتين ، فقال الناس: إنا قد أُمْرِنا أنْ نُسَبِّحَ أَدْبَارَ السجودِ ونصلي بعد كل صلاة ركعتين، فلما رأى النبي وَلَّ تطوعَهم صَلاَّها أربعًا، وأَمَرَه اللَّهُ بذلك ، فكان يُسَلِّمُ بين كل ركعتين ، فخَشِينا أنْ ينصرفَ الصبيُّ والجاهلُ يرى أنه قد أَتَمَّ الصلاةَ ، فرأيتُ أن يُخْفِيَ الإمامُ التسليمةَ الأولى ويُعْلِنَ بالثانية ، فافْعَلُوا ذلك . هذا إسناد ضعيف منقطع ، ومَتْنٌ مُنْكر . وقد عارض هذا كلَّه: ما رُوي أن جبريلَ أَمَّ النبيَّ وَّ عند البيت أولَ ما فُرضت الصلاةُ ، وصلى به أَرْبَعًا . فخرَّج الدار قطني(٤) من طريق جَرِيرِ بنِ حازمٍ ، عن قَتَادَةً ، عن أَنَسٍ ، أن جبريلَ أتى(٥) رسولَ اللّه بِّهِ بمكةَ حين زالت الشمسُ، فَأَمَرَه أن يُؤَذِّن للناس (١) اضطرب فيه حبيب بن يزيد هذا، وساق ابن عدي في ((الكامل)) (٨٠٧/٢ - ٨٠٨) أوجه اضطرابه فيه . (٢) في ((الأوسط)) (٥٤٠٩). (٣) في الأصلين: ((حكيم بن عمر)) خطأ، وهو أبو الأحوص الشامي، ترجمته في ((تهذيب الكمال)» (١٩٩/٧)، وروايته عن عمر وعثمان مرسلة. (٤) (١ / ٢٦٠) . (٥) في الأصلين: ((أمَ)، والمثبت من ((السنن)) للدارقطني، وهو أشبه بالسياق. ١٢٥ ١ - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء كتاب الصلاة بالصلاة حين فُرضت عليهم، فقام جبريلُ أمامَ النبيِ نَّهِ، وقام الناسُ خلفَ رسول اللّهِ وَله. قال: فصلى أربع ركعاتٍ لا يَجهر فيها بقراءة، يأْتُمُّ الناسُ برسولِ اللّهِ وَّه، ويأتمّ رسولُ اللّهِ وَه بجبريل عليه السلامُ، ثم أَمْهَل حتى إذا دَخَل وقتُ العصر صلى بهم أربع ركعات لا يَجهر فيها بالقراءة ، يأتم المسلمون برسول اللّهِ وَلّه، ويأتم رسولُ اللّهِ وَلَه بجبريلَ، ثم أَمْهَل حتى إذا وَجَبَتِ الشمسُ صلى بهم ثلاثَ رَكَعاتٍ ، يَجْهَر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة ، ثم أَمْهَلَه حتى إذا ذهب ثلثُ الليل صلى بهم أربع ركعات ، يَجْهَر في الأوليين ولا يَجهر في الأُخريين بالقراءة، ثم أَمْهَل حتى إذا طَلَع الفجرُ صلى بهم ركعتين يَجهر فيهما بالقراءة . ثم خرَّجه من طريق سعيدِ بنِ أبي عَرُوبَةَ ، عن قتادةَ ، عن الْحَسَنِ ، عن النبي ◌َّلو - بنحوه مرسلاً. وهذا المرسل أصح ، وروايات جَرِيرِ بنِ حازمٍ عن قتادةَ خاصةً فيها منكراتٌ كثيرة ، لا يُتَابَع عليها ، ذَكَر ذلك أئمةُ الحفاظِ ، منهم : أحمدُ ، وابنُ مَعِينٍ وغيرُهما. ومراسيل الحَسَنِ . فيها ضعفٌ عند الأكثرين، وفيه نَكارةٌ في مَتْنه في ذِكْر التأذينِ للصلاة ؛ والأذان لم يكن بمكةَ ، إنما شُرِعٍ بالمدينة . وخرَّجه البيهقي(١) من طريق شَيْبَانَ، عن قَتَادَ، قال: حدَّث الحَسَنُ - فَذَكَرَهَ مُرْسَلاً، وذَكَر أنه نُودي لهم : ((الصلاةُ جامعةٌ)). وخرَّجه أبو داودَ في ((مراسيله))(٢) من رواية سعيدٍ عن قتادةَ عن الحَسَنِ . وروى البيهقي (٣) بإسناده ، من حديث يحيى بن سعيد ، عن أبي بكرٍ بن محمدٍ ، عن أبي مسعودٍ، قال: أتَى جبريلُ النبيَّ وَّارِ، قال: قم فصلِّ ؛ (١) (١/ ٣٦٢) . (٢) (١٢). (٣) (٣٦١/١ - ٣٦٢) . ١٢٦ حديث : ٣٥٠ كتاب الصلاة وذلك دُلُوكَ الشمسِ ، فقام فصلى الظهرَ أربعًا - وذَكَر عددَ الصلواتِ كلها تامةً في اليومين . ثم قال : أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عمرو بنِ حَزْمٍ لم يسمعه من أبي مسعود الأنصاري ، إنما هو بلاغ بَلَغَه . وقد نقل إسحاقُ بنُ منصورٍ ، عن إسحاقَ بنِ راهويه ، قال : كل صلاة صلى النبيُّ وَّهِ بمكةُ كانت ركعتين ركعتين، إلا المغربَ ثلاثًا، ثم هاجر إلى المدينة ، ثم ضم إلى كل ركعتين ركعتين ، إلا الفجرَ والمغربَ ، تَرَكَهما على حالهما . قال: وصلى جبريل بالنبي ◌َّ بمكة عند المقام مرتين. وممن قال : إن الصلوات الخمسَ فُرضت ركعتين ركعتين : الشَّعْبِيَّ ، والحَسَنُ في رواية ، وابنُ إسحاقَ . وقالت طائفة : فُرضت الصلاةُ أولَ ما فُرضت أربعًا ، إلا المغربَ والصبحَ ، كذلك قال نافعُ بنُ جُبُيْرِ بنِ مُطْعَمٍ ، والحَسَنُ في روايةٍ ، وابنُ جُرَيْجٍ ، وهو اختيار إبراهيم الحَرْبِيِّ، ورجَّحه ابنُ عبدِ البَرِّ ، وتمسكوا بما لا حُجَّةَ لهم فيه ، ولا يعارِض حديث عائشة . وفي حديث عائشةَ فوائدُ كثيرةٌ تتعلق بقَصْر الصلاة في السفر ، تُذْكَر في أبواب قَصر المسافرِ - إن شاء اللّه تعالى . ١٢٧ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة ٢ - بَابُ وُجُوبِ الصَّلاَةِ فِي الِّابِ وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعرافـ ومَنْ صَلَّى مُلْتَحِفَا فِي ثَوْبٍ واحِد ويُذْكَرُ عن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ، أَنَّ النِّّ ◌َ قال: ((يَزُرَّهُ ولو بِشَوْكَةٍ)) . وفي إسناده نَظَرٌ . ومَن صَلَّى في الثَّوْبِ الذي يُجامِعُ فيه إذا لم يَرَ فيه أَذَّى وأَمَرَ النَِّيَُّ﴿ أَنْ لا يَطُوفَ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ . أما قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فإنها نزلتْ بسبب طواف المشركين بالبيت عُراةً ، وقد صح هذا عن ابن عباسٍ(١)، وأجمع عليه المفسرون من السَّلَف بَعْدَه . وقد ذَكَر اللَّهُ هذه الآيةَ عَقِبَ ذِكْرِهِ قصةَ آدَمَ عليه السلامُ ، وما جَرَى له ولزوجه مع الشيطان حتى أَخْرجهما من الجنة ، ونَزَع عنهما لباسَهما حتى بَدَتْ عَوراتهما ، فقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْسَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]. ثم قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ (١) أخرجه مسلم: (٢٤٣/٨ - ٢٤٤) والنسائي (٢٣٣/٥ - ٢٣٤) والطبري (١٢/ ٣٩٠) عن ابن عباس قال: ((كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء : الرجال بالنهار والنساء بالليل» واللفظ لابن جرير ولفظ مسلم والنسائي: ((كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُريانة وتقول)). ١٢٨ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. والمراد بالفاحشة هنا : نَزْعُ ثيابِهم عند الطواف بالبيت ، وطوافُهم عراةً كما كان عادةَ أهلِ الجاهليةِ . ثم قال بعد ذلك : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . والمراد بذلك : أن يستروا عوراتهم عند المساجد ، فدخل في ذلك الطوافُ والصلاة والاعتكاف وغيرُ ذلك . وقال طائفةٌ من العلماء : إن الآية تدل على أخذ الزينة عند المساجد ، وذلك قدرٌ زائد على سَتْر العورة ، وإن كان ستر العورةِ داخلاً فيه وهو سببُ نزول الآيات ، فإن كَشْفَ العورة فاحشةٌ من الفواحش ، وسترُها من الزينة ، ولكنه يَشمل مع ذلك لبْسَ ما يُتَجَمَّل به ويُتَزَيَّن به عند مناجاة اللّه وذكْره ودعائه والطواف ببيته؛ ولهذا قال تعالى عقب ذلك: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعَبَادِهِ وَالطَّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [الأعراف: ٣٢] . وروى موسى بنُ عُقْبَةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِ وَّ، قال: ((إذا صلى أحدُكُم فلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْه، فإنَّ اللَّهَ أحقُّ مَن تُزُيِّنَ له)) . خرَّجه الطبراني وغيرُ(١) . وقد روى جماعةٌ هذا الحديث عن ابنِ عمرَ، عن النبيِ وَلَهـــ أو عن عمرَ - بالشك في ذلك . خرَّجِه البَزَّار وغيرُه(٢). وخرّجه أبو داودَ (٣). كذلك بالشك، ولم يَذكر فيه: «فإن اللّه أحق من (١) في ((الأوسط)) (٩٣٦٨) والبيهقي في ((سننه)) (٢٣٥/٢ - ٢٣٦). (٢) (٥٩٠ - كشف الأستار) والبهيقي (٢٣٦/٢). (٣) (٦٣٥) . ١٢٩ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة تزين له)) . وروي ذِكْرُ التزين من قول ابنِ عمرَ ، فروي عن أُّوبَ ، عن نافعٍ ، قال: رآني ابنُ عمرَ أُصلي في ثوب واحد ، قال: ألم أَكْسُكَ ثوبين ؟ قلتُ: نَعَمْ ، قال : فلو أرسلتُك في حاجة كنتَ تذهب هكذا ؟ قلتُ : لا . قال : فاللَّهُ أَحَقُّ أن تَزَیَّن له . أخرجه الحاكمُ وغيرُه(١) . والمحفوظ في هذا الحديث : رواية من رواه بالشك في رَفعه - : قاله الدار قطني . وممن أَمَر بالصلاة في ثوبين : عمرُ (٢)، وابنُ مسعود (٣)، وقال ابنُ مسعود: إذْ وَسَّعَ اللّه فهو أزكى (٤). واستدل من قال : إن المأمور به من الزينة أكثرُ من سَتْر العورةِ التي يجب سترُها عن الأبصار بأن النبي وَُّلّ نهى أن يصلي الرجلُ في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء ، وبأن من صلى عاريًا خاليًا لا تصح صلاتُه ، وبأن المرأة الحرةَ لا تصح صلاتُها بدونِ خِمار ، مع أنه يُباح لها وضعُ خمارِها عند محارمها ، فدل على أن الواجب في الصلاة أمر زائدٌ على ستر العورةِ التي يجب سترُها عن النظر . وأما الصلاة في ثوب واحد مُلْتَحِفًا به، ففيه عدةُ أحاديثَ عن النبيِ وَِّ؛ وقد خرَّج البخاري بعضَها ، وستأتي في موضعها - إن شاء اللَّهُ . (١) ((المستدرك)) (٢٥٣/١) مختصرًا، والبيهقي (٢٣٦/٢) والطحاوي في ((شرح المعاني (٣٧٧/١) وعبد الرزاق (٣٥٨/١) . (٢) أخرجه البيهقي (٢٣٦/٢) والطحاوي (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨). (٣) أخرجه البيهقي (٢٣٨/٢) وعبد الرزاق (٣٥٦/١) وابن أبي شيبة (٢٧٧/١). (٤) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في («المسند» (١٤١/٥). ١٣٠ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة وأما حديث سلمةَ بنِ الأكوعِ الذي علَّقه البخاري ، وقال : في إسناده نَظَرُ؛ فهو من رواية موسى بنِ إبراهيمَ ، عن سلمةَ بنِ الأكوعِ ، قال : قلتُ : يا رسولُ اللّه ؛ إني رَجُلٌ أَصِيد ، أفأصلي في القميص الواحد ؟ قال: ((نَعَمْ، زُرَهُ ولو بشَوْكَة» . خرَّجه الإمام أحمدُ ، وأبو داودَ ، والنسائي ، وابنُ حِبانَ في ((صحيحه))، والحاكم وصححه(١). واستدل به طائفة من فقهاء أهل الحديثِ على كراهة الصلاةِ في قميص محلولِ الإزار ، منهم : إسحاقُ بنُ راهويه ، وسليمانُ بنُ داودَ الهاشميّ ، والجوزجاني وغيرُهم . وقال الإمام أحمد فيمن صلى في قميصٍ ليس عليه غيرُهُ : يَزُرُّه ويشدُّه . وقال - أيضًا - : ينبغي أن يَزْرَّ . وقد رَوَى هذا الحديثَ عن موسى بن إبراهيمَ : الدَّرَاوَرْدِيُّ - ومن طريقه خرَّجه أبو داودَ - وعَطَّفُ بنُ خالد - ومن طريقه خرَّجه الإمام أحمدُ والنسائي . وموسى هذا، زَعَم ابنُ القَطَّنِ أنه موسى بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارث التيمي ، وذكر ذلك عن البرقاني ، وأنه نقله عن أبي داود ، فلَزِم من ذلك أمران يضعفان إسناده : أحدهما ضَعْفُ موسى بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ ؛ فإنه متفق عليه . والثاني : انقطاعه ؛ فإن موسى هذا لم يروِ عن سَلَمَةَ ، إنما يروي عن أبيه ، عن سلمة . وذَكَرِ أنَّ الطحاويَّ رواه (٢) عن ابنِ أبي داودَ ، عن ابنِ أبي قُتَيْلَة ، عن الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عن موسى بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ ، عن أبيه ، عن سلمةَ . قال: (١) أحمد (٤٩/٤ - ٥٤) وأبو داود (٦٣٢) والنسائي (٢/ ٧٠) وابن حبان (٢٢٩٤) والحاكم (١ / ٢٥٠) . (٢) في ((شرح المعاني)) (١/ ٣٨٠). وعنده : ((ابن أبي قبيلة))، تصحيف . ١٣١ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة فحديث أبي داودَ علي هذا منقطع . هذا مضمون ما ذَكَرَه ابنُ القَطَّانِ ، وزَعَم أن هذا هو النَّظَرُ الذي أشار إليه البخاري بقوله : في إسناده نَظَرٌ . والصحيح : أن موسى هذا هو موسى بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ربيعةَ الْمَخْزُومِيُّ، نص على ذلك عليّ بنُ الْمَدِينِيِّ - : نقله عنه القاضي إسماعيلُ في كتاب ((أحكام القرآن))، وكذا نقله المُفَضَّلُ الغلابي في (تاريخه)) عن مُصْعَبِ الزَّبَيْرِيِّ، وكذا ذَكَرَه أبو بكرِ الخَلاَّلُ في كتاب ((العلل))، وصرح به - أيضًا - من المتأخرين عبدُ الْحَقِّ الإشْبِيليُّ وغيره ، ولذلك خرَّج هذا الحديثَ ابنُ حِبَّانَ في ((صحيحه))؛ فإنه لا يُخَرِّج فيه لموسى بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ شيئًا ؛ للاتفاق على ضعفه . وقد فَرَّق بين الرجلين يحيى بن مَعِينٍ - أيضًا - ، ففي ((تاريخ الغلابي)) عن يحيى بنِ مَعِينِ : موسى بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ التيمي يُضَعَّفُ ، جاء بأحاديثَ مُنكَراتٍ . ثم بعد ذلك بقليل ، قال : موسى بن إبراهيمَ الْمَدِيني ، يَروي عن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ، عن النبي ◌َّه ــ في الصلاة في القميص الواحد: ((زُرّه ولو بشَوكة)) - ثَبْتُ . وفي ((تاريخ مُضَرَ بنِ محمدٍ))، عن ابنِ مَعِينٍ نحوُ هذا الكلامِ - أيضًا - ، إلا أنه قال في الذي روى حديثَ الصلاة في القميص : ليس به بأسٌ ، ولم يقل : ثبتٌ . وكذلك أبو حاتم الرازي ، صرح بالفرق بين الرجلين . قال ابنُ أبي حاتمٍ في ((كتابه))(١): موسى بن إبراهيمَ [ بنِ عبدِ الرحمنِ ] بنِ عبد اللَّهِ بنِ أبي ربيعةَ المخزوميُّ ، روى عن سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ ، وعن أبيه عن (١) (٤/ ١/ ١٣٣/ ٦٠٣). والزيادة ليست فيه ولا في ((ق))، وهي صحيحة . ١٣٢ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة أَنَسٍ ، روى عنه عَطَّافِ بنِ خالدٍ ، وعبد الرحمنِ بن أبي الموالي ، وعبدِ العزيزِ ابنِ محمدٍ ، سمعتُ أبي يقول ذلك ، وسمعتُهُ يقول : موسى بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيُّ خلافُ هذا ، ذاك شيخ ضعيفُ الحديث . انتهى . وتضعيفه التيميَّ دون هذا يدل على أن هذا ليس بضعيف . [وكذا فرَّق بينهما علىُّ بِنُ الْمَدِيني ، فيما نقله عنه أبو جعفرِ بنُ أبي شيبةً في ((سؤالاته له))، وقال في التيمي: ضعيف، ضعيف (١)، وقال في الذي يروي عن سلمةَ : كان صالحًا وسطًا(٢). وكذلك فرق بينهما ابنُ حبانَ ، وذَكَر موسى بنَ إبراهيمَ هذا في ((ثقاته))(٣). وكذلك صرح بنسبه أبو حاتم الرازي ، فيما نقله عنه ابنه في كلامه على ((أوهام تاريخ البخاري)) (٤)](٥) . وقد ورد التصريح بنسبة موسى هذا في روايات متعددة : فروى الشافعي(١): أنا عَطَّفُ بنُ خالِدٍ والدَّرَاوَرْدِيُّ ، عن موسى بنِ إبراهيمَ ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ربيعةَ، عن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ ، قال : قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ، إنا نكون في الصيد ، فيصلي أحدنا في القميص الواحد ؟ قال : ((نَعَمْ، ولَيَزَّرَّه، ولو لم يجد إلا أن يَخُلُّهُ بِشَوكة)) . وروى الإمام أحمدُ في ((المسند))(٧): ثنا هاشمُ بنُ القاسم : ثنا عَطَّافٌ ، عن (١) ((سؤلات ابن أبي شيبة)) (٩٦)، ولفظه: ((كان ضعيفًا ضعيفًا ضعيفًا)). (٢) نفسه (١٠٢). (٣) (٤٠٢/٥)، وذكر التيمي في ((المجروحين)) (٢٤١/٢). (٤) (ص ١١١) . (٥) ما بين المعقوفين ساقط من ((ك)). (٦) ((مسنده» (٦٣/١ - ٦٤). (٧) (٤٩/٤) . ١٣٣ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة موسى بن إبراهيمَ بنِ أبي ربيعةَ ، قال : سمعتُ سلمةَ بنَ الأكوعِ - فذَكَر الحديثَ . ورواه الأَثْرَمُ في ((سننه)): ثنا هشامُ بنُ بَهرام: ثنا عَطَّفٌ ، عن موسى بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ربيعةَ المخزوميِّ، أن سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَعِ كان إذا قَدِمَ المدينةَ نَزَل على ابنه إبراهيمَ في داره ، قال : فسمعتُهُ يقول : قلتُ : يا رسولَ اللّه ، إني أكون في الصيد ، وليس عليَّ إلا قميص واحدٌ ، أَفَأُصَلِي فيه ؟ قال : ((نَعَمْ، وزُرَّه وإن لم تجد إلا شوكة)) . وكذلك رواه عليٌّ بنُ الْمَدِيني ، عن الدَّرَاوردي : أخبرني موسى بنُ عبد الرحمنِ ، أنه سمع سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَعِ - فَذَكَرِه . ففي هذه الرواياتُ التصريحُ بنسبته وبسماعه من سلمة(١). وأما رواية ابن أبي قُتَيْلَةَ ، عن الدراوردي فلا يُلتفتُ إليها ؛ فإن الشافعي وعليَّ بنَ المديني وقُتَِّبَةَ بنَ سعيدٍ وغيرَهم رَوَوْه عن الدَّرَاوَرْدِيِّ على الصواب ، ولم يكن ابنُ أبي قُتَيْلَةَ من أهل الحديث ، بل كان يَعِيبهم ويَطعن عليهم ، وقد "ذُكر عند الإمام أحمد أنه قال : أهل الحديث قومُ سُوءٍ ! فقال أحمد : زِنْدِيقٌ ! زنديق ! زنديق(٢). وقد روه أبو أُوَيْسٍ ، عن موسى بنِ إبراهيمَ ، عن أبيه ، عن سَلَمَةَ - أيضًا . ذَكَرَه البخاري في ((تاريخه)»(٣) عن إسماعيلَ بنِ أبي أُوَيْسٍ ، عن أبيه . قال البَيْهَقِيُّ : والأول أصح . يعني : رواية مَن لم يَذكر في إسناده: ((عن أبيه)). (١) انظر: ((تغليق التعليق)) (٢٠٠/٢ - ٢٠١). (٢) ((مناقب الإمام أحمد)) لابن الجوزي (ص ١٨٠). (٣) (١/ ١ / ٢٩٦) . ١٣٤ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة وذكر البخاري في ((تاريخه))(١): موسى بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ربيعةَ ، سمع سَلَمَةَ بنَ الأكوعِ ، روى عنه عَطَّفُ بنُ خالدٍ . وروى عبدُ الرحمنِ بنُ أبي الموالي ، عن موسى بنِ إبراهيمَ بنِ أبي رَبِيعةَ، عن أبيه، عن أَنَسٍ، أنه رأى النبيِّ وَّ صلَّى في ثوب واحد مُلْتَحِفًا به . وهذا الحديث خرَّجه الإمام أحمد (٢)، عن أبي عامرِ العَقَدي ، عن ابنِ أبي الموالي . فهذا هو النَّظَرُ الذي أشار البخاري إلى إسناده في «صحيحه)) ، وهو الاختلاف في إسناد الحديث على موسى بنِ إبراهيم . وفي كونه علةً مؤثِّرة نَظَرٌ ؛ فإن لفظ الحديثين مختلف جدًا ، فهما حديثان مختلفان إسنادًا ومتنًا . نَعَمْ ؛ لرواية ابنِ أبي الموالي ، عن موسى ، عن أبيه ، عن أنسٍ علةٌ مؤثرة ، وهي أن عبدَ اللَّهِ بنَ عِكْرِمَةَ رواه عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي ربيعة - وهو: والد موسي -، عن جابرٍ، عن النبي ◌َّل، وقد خرَّج حديثُه الإمام أحمدُ (٣) . ولعل هذه الروايةَ أَشْبَهُ ؛ فإن متن هذا الحديثِ معروفٌ عن جابرِ بنِ عبد اللَّهِ ، لا عن أَنَسٍ . لكن نَقَل ابنُ أبي حاتمٍ ، عن أبيه في كلامٍ جاء على ((أوهام تاريخ البخاري))(٤): أن رواية موسى عن أبيه عن أنسٍ ، وروايةَ إبراهيمَ والد موسى عن (١) (٤ / ١ / ٢٧٩) . (٢) («المسند» (١٢٧/٣ - ١٢٨). (٣) (٣٧٥/٣) . (٤) (ص ١١١) . ١٣٥ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة جابرٍ من غير رواية ابنه موسى . وهذا يدل على أن الإسنادین محفوظان. وأما حديث الصلاة في القميص وزَرِّ بالشوكة ، فلا يُعرف إلا بهذا الإسناد عن سَلَمَةَ ، فلا يُعَلَّل بحديث غيره . والله أعلم . وأما قوله : ((مَن صلى في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم يَرَ فيه أدّى)) ، فهذا فيه غيرُ حديث ، لكنها ليست على شرطه : فروى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ ، عن سُوَيْدِ بنِ قَيْسٍ ، عن معاويةَ بنِ حُدَّيْجٍ ، عن معاويةَ بنِ أبي سُفْيانَ، أنه سأل أختَه أمَّ حَبِيبَةَ زوجَ النبيِّ بَّ: هل كان النبيِّ وَّ يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه ؟ قالت : نَعَمْ، إذا لم يَرَ فيه أذَّی خرَّجه الإمام أحمدُ ، وأبو داودَ ، والنسائي ، وابنُ ماجه (١). وخرَّج الإمام أحمدُ (٢) من رواية ضَمْرَةَ بنِ حَبِيبٍ ، أن محمدَ بنَ أبي سفيانَ الثقفيَّ حدَّثُه، أنه سمع أمَّ حَبِيبَةَ تقول: رأيتُ رسولَ اللَّهِ وَله يصلي ، وعليَّ وعليه ثوب واحد ، فيه كان ما كان . وروى الأوزاعي ، عن يَعِيشَ بنِ الوليدِ ، عن معاويةَ بنِ أبي سفيانَ ، قال : دخلتُ على أمِّ حَبِيبةَ ورسولُ اللّهِ وَ له يصلي في ثوبٍ واحدٍ، فقلتُ: ألا أُراه يصلي كما أرى ؟ قالت : نَعَمْ ، وهو الثوب الذي كان فيه ما كان . خرَّجِه أبو يَعْلَى الْمَوْصليُّ (٣). ويعيشُ ثقةٌ ، إلا أني لا أظنه أدرك معاويةً . (١) أحمد (٣٢٥/٦ - ٤٢٧) وأبو داود (٣٦٦) والنسائي (١٥٥/١) وابن ماجه (٥٤٠). وقد تقدم . (٢) (٤٢٦/٦). (٣) (٣٦٤/١٣) . ١٣٦ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة وخرَّج الإمام أحمدُ وابنُ ماجه(١) من حديث عبد الملِكِ بنِ عُمَيْرٍ ، عن جابرٍ ابنِ سَمُرَةً ، قال: سأل رجل النبي وَّلّ: أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي ؟ قال : ((نَعَمْ، إلا أن تَرَى شيئًا فَتَغسله)) . وقال أبو حاتم الرازيُّ (٢) والدار قطنيُّ: الصواب وَقْفُهُ على جابرِ بنِ سَمُرَةَ . وقال عبدُ اللّه ابنُ الإمام أحمدَ (٣): هذا الحديث لا يُرفع عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ . يشير إلى أنَّ مَن رَفَعَه فقد وُهِم . وخرَّج ابنُ ماجه (٤) من رواية الحَسَنِ بنِ يحيى الخُشَنِيِّ: ثنا زَيْدُ بِنُ واقدٍ ، عن بُسْرِ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عن أبي إدريسَ الخَوْلاني، عن أبي الدَّرْدَاءِ ، قال : خرج علينا رسولُ اللّهِ وَ لَه ورأسه يَقْطُرُ ماءً، فصلى بنا في ثوب واحد متوشحًا به ، قد خالف بين طرفيه ، فلما انصرف قال له عمرُ بنُ الخطابِ : يا رسولَ اللّه ، تصلي بنا في ثوب واحد ؟ قال : ((نعم، أصلي فيه ، وفيه)) - أي : قد جامعتُ فيه . والخشني هذا ، قال ابنُ مَعِينٍ فيه : ليس بشيءٍ . وأما أَمْرُ النبي ◌َِّ أن لا يَطُوف بالبيت عريانٌ؛ فهو حديث صحيح ، وقد خرَّجه البخاري في موضعٍ آخرَ من حديث أبي هريرةَ ، وسيأتي قريبًا - إن شاء اللّه . وهو من أحسن ما يُستدل به على النهي عن الصلاة عريانًا ؛ لأن الطواف (٤) أحمد (٨٩/٥ - ٩٧) وابن ماجه (٥٤٢). (٢) ((العلل)) لابنه (٥٥١). (٣) هذا ذكره عبد الله عقب الحديث في الموضع الأول حكاية عن أبيه ، وليس من قوله هو . وهو كذلك في ((أطراف المسند)) لابن حجر (١/ ٧٠٠). (٤) (٥٤١) . ١٣٧ ٢ - باب وجوب الصلاة في الثياب كتاب الصلاة يشبّه بالصلاة ، فالمشبه به أولى . وقد روي عن ابن عباس - مرفوعًا، وموقوفًا -: ((الطواف بالبيت صلاة))(١). خرج البخاري في هذا الباب حديث أم عطية : فقال : ٣٥١ - ثنا موسى بن إسماعيلَ : ثنا يَزِيدُ بنُ إبراهيمَ، عن محمد ، عن أمِّ عَطيَّةً، قالت : أُمِرْنا أَنْ نُخْرِجَ الْخُيَّضَ يومَ العيدين(٢) وذَواتِ الْخُدُورِ ، يَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ ودَعْوَتَهم ، ويعتزل الحيَّضُ عن المُصَلَّى(٣). قالت امرأةٌ: يا رسولَ اللَّه، إحدانا ليس لها جلبابٌ؟ قال: ((لتُلبسها صاحبتُها من جلبابها)) . وقال عبدُ اللَّهِ بنُ رَجاءٍ: ثنا عِمْرانُ: ثنا محمدُ بنُ سِيرِينَ: حَدَّثْنَا (٤) أُمُّ عَطِيّةَ: سمعتُ النبي ◌ََّ [ بهذا ](٥). وإنما ذَكَر روايةَ عِمْرانَ عن ابنِ سِيرِينَ وإن لم تكن على شَرطه ؛ لأن فيها (١) أخرجه الترمذي (٩٦٠) والدارمي (٤٤/٢) وابن خزيمة (٢٧٣٩) والبيهقي (٨٥/٥) والحاكم (٤٥٩/١) (٢٦٧/٢ - من حديث ابن جبير، عن ابن عباس) وابن الجارود (٤٦١) وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٢٨/٨) وابن حبان (٣٨٣٦) والطبران في ((الكبير)) (٣٤/١١) جميعهم من حديث طاوس ، عن ابن عباس مرفوعًا به . وأخرجه النسائي في ((الكبرى)) كما في (تحفة الأشراف)) (٣/٥) والبيهقي (٨٥/٥) والشافعي في (مسنده)) (٣٤٨/١) موقوفًا على ابن عباس. ورجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي ((التلخيص الحبير)» (١٣٨/١). (٢) في نسخة: ((العيد)). (٣) في نسخة: ((مصلاًّهنَّ) وفي أخرى: ((مصلاهم))، وهما في اليونينية ، وليس فيها : ((المصلى)) . (٤) في الأصلين: ((ثنا)». (٥) زيادة من ((اليونينية)). ١٣٨ حديث : ٣٥١ كتاب الصلاة التصريحَ بسماع ابنِ سِيرِينَ له من أمِّ عَطِيَّةَ، وسماعٍ أمِّ عطيةَ له من النبيِ وَّ؛ فإن مِن الرواة مَن رواه عن ابن سيرينَ ، عن أخته ، عن أم عطيةَ ، والصحيح : رواية ابن سيرينَ ، عن أم عطيةَ - : قاله الدارقطني وغيرُه ؛ فلذلك أشار البخاري إلى رواية عمرانَ المصرِّحةِ بذلك . و((الجِلْباب)): قال ابنُ مسعود ومجاهدٌ وغيرُهما: هو الرِّداءُ، ومعنى ذلك: أنه للمرأة كالرداء للرجل ، يَستر أعلاها ، إلا أنه يُقْنِّعُها فوقَ رأسها ، كما يَضَعُ الرجلُ رداءَه على مَنْكِبَيْه . وقد فسَّرِ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ قولَ اللّه عز وجل: ﴿يُدْنِنَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] بأنها تُدنيه من فوقِ رأسِها، فلا تُظْهِر إلا عَيْنَها ، وهذا كان بعد نزول الحجاب ، وقد كُنَّ قبل الحجاب يَظهرن بغير جلبابٍ ، ويُرى من المرأة وجهُها وكَفَّاها ، وكان ذلك ما ظهر منها من الزينة في قوله عز وجل : ﴿وَلا يَبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. ثم أُمِرَتْ بسَتْر وجهها وكفيها ، وكان الأَمْرُ بذلك مختصًا بالحرائر دون "الإماءِ، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَىْ أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، يعني : حتى تُعرف الحرةُ فلا يَتَعَرَّضُ لها الفُسَّاقُ ، فصارت المرأة الحرةُ لا تَخرج بين الناس إلا بالجلباب، فلهذا سُئل النبي وَ * لما أَمَر النساءَ بالخروج في العيدين ، وقيل له : المرأة منا ليس لها جلباب ؟ فقال : ((لتُلبسْها صاحبتُها من جلبابها))(١) - يعني : تُغِيرُها جلبابًا تَخرج فيه . وإذا عُلم هذا المعنى ، ففي إدخال هذا الحديثِ في ((باب : اللباس في الصلاة)) نَظَرٌ ؟ فإن الجلباب إنما أُمِر به للخروج بين الناس ؛ لا للصلاة ، ويدل عليه : أن الأمر بالخروج دخل فيه الحُيَّضُ وغيرُهن ، وقد تكون فاقدةُ الجلباب حائضًا ، فعلم أن الأَمْرَ بإعارة الجلباب إنما هو للخروج بين الرجال ، وليس من (١) أخرجه (٣٢٤)، ومسلم (٢٠/٣ -٢١) . ١٣٩ ٢ - باب وجوب الصلاة فى الثياب كتاب الصلاة باب أخذ الزينة للصلاة ؛ فإن المرأة (١) تصلي في بيتها بغير جلباب بغير خلاف ، وإنما تؤمر بالخمار، كما روي عن عائشة عن النبي وَلّ، أنه قال: ((لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةَ حائضٍ بغَيْرِ خِمارِ)) . خرَّجه الإمام أحمدُ ، وأبو داودَ ، وابنُ ماجه ، والترمذي (٢)، وحسَّنه . وفي إسناده اختلافٌ ، وقد روي موقوفًا على عائشةَ ومرسلاً ؛ ولذلك لم يخرِّجه البخاري ومسلم ؛ وخرَّجْه ابنُ خُزَيْمَةَ ، وابنُ حِبَّان في ((صحيحيهما))(٣). وفي روايةٍ لها : ((لا يقبل اللَّهُ صلاةَ امرأة قد حاضت إلا بخمار)) . وقال الترمذي : العملُ على هذا عند أهلِ العلمِ ، أن المرأة إذا أَدْرَكَتْ فصَلَّتْ وشيْءٌ من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتُها . وقال ابنُ المُنْذِرِ : أَجْمَعَ أهلُ العلمِ أن على المرأة الحرة البالغ أن تُخَمِّر رأسَها إذا صَلَّت ، وأنها إذا صلت وجميعُ رأسِها مكشوفٌ أنَّ عليها إعادةَ الصلاة. قال : وأَجْمَعُوا أن لها أن تصلي وهي مكشوفةُ الوجه . واختلفوا فيما عليها أن تغطي في الصلاة : فقالت طائفة: عليها أن تغطي ما سوى وجهها وكَفَّيْها ، وهو قول الأوزاعي، والشافعي ، وأبي ثَوْرٍ . وقال أحمدُ : إذا صلَّت تغطي كلَّ شيء منها ، ولا يُرى منها شيء ، ولا ظُفُرُها(٤). وقال أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ : كل شيء من المرأة عورة ، حتى ظفرُها . (١) في ((ق)): ((الحرة)). (٢) أحمد (٦/ ١٥٠ - ٢١٨ - ٢٥٩) وأبو داود (٦٤١) وابن ماجه (٦٥٥) والترمذي (٣٧٧). (٣) ابن خزيمة (١/ ٣٨٠) وابن حبان (١٧١١) (١٧١٢). (٤) ((مسائل أبي داود)) (ص ٤٠)، وقارن بما بعده . ١٤٠ حديث : ٣٥١ كتاب الصلاة قلتُ : قد تقدم أنْ كَشْفَ وجهِها في الصلاة جائز بالإجماع ، والخلاف في الكفين ، وفيه عن أحمدَ روايتان . وقال الحَسَنُ : إذا بَلَغَتِ المحيضَ فَصَلَّتْ ولم تُوارِ أُذُنَيْهَا فلا صلاةَ لها . وعند أبي حنيفةَ : لا يَجِبُ عليها سَتْرُ اليدين ولا القدمين . وأما الوجه ، فقد ذَكَر ابنُ المنذرِ وغيرُهُ الإجماعَ على جواز كشفِه في الصلاة، وهذا يدل على أن أخذ المرأة الجلبابَ في صلاة العيدين ليس هو لأَجل الصلاة ، بل هو للخروج بين الرجال ، ولو كانت المرأة حائضًا لا تصلي فإنها لا تخرج بدون جلباب .