النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ ٧- بابٌ إذا خاف الجنب على نفسه المرض کتاب التيمم خاصةً ، وهذا ظاهر مذهب أحمدَ ، وأحد قولي الشافعي . والقول الثاني(١): لا يَجُوز التيممُ إلا إذا خاف التلفَ، إما تَلَفُ النفسِ أو تلف عضو منه ، وحكي روايةً عن أحمدَ ، وفي صحتها عنه نَظَرٌ . والحَنِيفِيَّةُ السمحة أوسعُ من ذلك ، وخوف الموت أو المرضِ هو داخل في معنى المرض الذي أَباح اللَّهُ التيممَ معه ؛ لأنه إنما يُباح التيممُ لمرضٍ يُخشى منه زيادتُه أو التلفُ ، فحيث خُشِيَ ذلك فقد وُجد السببُ المبيح للتيمم . ولو كان في الغزو وهو يجد الماءَ لكنه يَخشى على نفسه من العدو إن اشتغل بالطهارة ، ففيه عن أحمد روايتان : إحداهما : يتيمم ويصلي ، اختارها أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ . صَلى الله والثانية : يؤخِّر الصلاةَ إلى أن يقدر على الوضوء ، كما أَخَّر النبيِّ الصلواتِ يومَ الخَنْدَقِ . ولو احتاجت المرأةُ إلى الوضوء وكان الماءُ عنده فُسَّاقٌ تَخافُ منهم على نفسها ، فقال أحمد: لا يلزمها الوضوءُ. وتَوَقَّف مرةً في ذلك . وأما إذا خاف العطشَ على نفسه ، فإنه يَحبس الماءَ ويتيمم ، وقد سَبَق قول عليٌّ وابن عباسٍ في ذلك ، وحكاية أحمدَ له عن عِدَّةٍ من الصحابة . وقد ذَكَر ابنُ المُنْذِرِ أنه إجماعُ من يُحفظ عنه من أهل العلم ، وسمَّى منهم جماعة كثيرةً . وقد سأل قوم النبيَّ ◌َّ، فقالوا: إنا نَركب البحرَ ونَحمل معنا القليلَ من الماء، فإِن تَوَضَّأْنا به عَطَشْنا، أَفَتَتَوَضَّأُ بماء البحر؟ فقال لهم النبي ◌َّ: (هو الطهور ماؤه، الحلُّ مَيْتُه)(٢). (١) أي من قولي الشافعي . (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (ص ٤٠) وأبو داود (٨٣) وأحمد (٢٣٧/٢ - ٣٦١ - ٣٧٨ - ٣٩٣) وابن ماجه (٣٨٦) (٣٢٤٦) والترمذي (٦٩) والنسائي (١/ ٥٠ - ١٧٦) (٢٠٧/٧). وحكى الترمذي في ((العلل)) (ص ٤١) عن البخاري أنه قال: ((هو حديث صحيح)» ، ولم يوافق = ٨٢ حديث : ٣٤٥ - ٣٤٦ کتاب التيمم وسؤالهم يُشعر بأن من معه ماءٌ يسير لا يَتَوَضَّأُ به وهو يَخشى العطشَ على نفسه، وأَقَرَّهُم بَّ على ذلك، ولم يَرُدَّهم عن اعتقادهم. خرَّج البخاري في هذا الباب حديث عَمَّارٍ من رواية أبي موسى الأشعري، عنه ، فقال : ٣٤٥ - ثنا بِشْرُ بنُ خالد: ثنا محمدٌ -هو: غُنْدَرٌ -، عن شُعْبَةَ، عن سُلَيْمَانَ، عن أبي وائلٍ : قال أَبُو مُوسى لعبد الله بن مسعود: إذا لم تَجد الماءَ لا تُصَلِّي؟ قال عبد الله: لو رَخَّصْتُ لهم في هذا، كان إذا وَجَد أحدُهم البَرْدَ قال هكذا - يعني: تَيَمَّم - وصَلَّى. قال: قلتُ: فأين قولُ عَمَّر [لعُمرَ](١)؟ قال : إني لم أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْل عَمَّارٍ . ٣٤٦ - حدَّنَا عُمَرُ بنُ حَفْصِ : ثنا أبي، عن الأعْمَش ، قال : سمعتُ شَقِيقَ ابنَ سَلَمَةَ قال : كنتُ عند عبد الله وأبي موسى ، فقال له أبو موسى : أرأيتَ يا أبا عبد الرحمنٍ ، إذا أَجْنَبِ الرَّجُلُ فلمْ يجد ماءً كيف يَصنعُ؟ فقال عبدُ اللَّه : لا يُصلِّي حتی یجدَ الماءَ . فقال أبو موسى : فکیف تصنعُ بقول عمَّار حين قال له النبيِّ وَّ: «كان يَكْفِيكَ» ؟ قال: ألمْ تَرَ عُمَرَ لمْ يَقْنَعْ منه بذلكَ؟ فقال أبو مُوسى : دَعْنا من قول عَمَّار، كيف تَصنعُ بهذه الآية؟ فما دَرَى عبدُ اللَّه ما يَقُول . فقال : لو أنَّا رخَّصْنا لهم في هذا لأَوشك إذا بَرَدَ على أحدهمُ الماءُ أنْ يَدَعَه ويَيَمَّم . فقلت لِشَقِيقِ : فإِنَّما كَرِه عبدُ اللَّهِ لهذا؟ قال : نَعَمْ . كان عُمر بنُ الخطابِ وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ يقولان : إن التيممَ إنما يجوز عن = على ذلك ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢١٨/١٦ - ٢١٩) من حيث الصناعة الحديثية، وإن كان قد صححه هو من حيث المعنى. وانظر كتابي: ((لغة المحدِّث)) (ص ٥٢ - ٥٣). (١) سقط من الأصلين . ٨٣ ٧ ۔ بابٌ إذا خاف الجنب على نفسه المرض كتاب التيمم الحدث الأصغر ، وأما عن الجنابة فلا يجوز ، وقالا : لا يصلي الجَنَبُ حتى يَجِد الماءَ ولو عَدِمه شهرًا . وروي ذلك عن طائفة من أصحاب ابنِ مسعود وأتباعهم كالأَسْوَدِ وأبي عَطِيَّةَ والنَّخَعِيِّ . وقد روي عن عُمَرَ وابنِ مسعودٍ أنهما رجعا عن ذلك ، ووافقا بَقِيَّةَ الصحابة، فإن عمرَ وَكَل الأَمْرَ في ذلك إلى عَمَّار، وقال له : نُوَلِّيكَ ما تَوَلَّيْتَ ، وابنُ مسعودٍ رَجَع عن قوله في التيمم - : قاله الضَّحَّاكُ، واتَّبَعَتِ الأُمَّةُ في ذلك قولَ الصحابة دونَ عُمَرَ وابنٍ مسعودٍ . وقد خالفهما عليٍّ وعَمَّارٌ وأبو موسى الأشعريّ وجابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ وابنُ عباسٍ . وقد صَحَّ عن النبي ◌ِّرَ أَمْرُ الجنبِ إذا لم يجد الماءَ بأن يتيمم ويصلي ، في حديث عِمْرانَ بنِ حُصَيْنِ المتقدمِ ، وحديثِ عمَّارٍ ، وروي - أيضًا - من حديث أبي ذر وغيرِه . وشُبهة المانعين: أن اللّه تعالى قال: ﴿وَلا جُنْبًا إِلَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى ـه تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جَنَبَا فَاطَّهَرُوا﴾ [المائدة: ٦] - يعني و به : الغُسْلَ ـ ، ثم ذَكَر التيممَ عند فَقْد الماء بعد ذكره الأحداثَ الناقضةَ للوُضوء ، فدلَّ على أنه إنما رخص في التيمم عند عدم الماء لمن وجدت منه هذه الأحداث ، وبقي الجُنُب مأمورًا بالغسل بكل حال . وهذا مردود ؛ لوجهين : أحدهما : أن آية الوُضوء افتتحت بذكر الوضوء ، ثم بغسل الجنابة ، ثم أمر بعد ذلك بالتيمم عند عدم الماء ، فعاد إلى الحدثين معاً ، وإن قيل : إنه يعود إلى أحدهما ، فعوده إلى غسل الجنابة أولى ؛ لأنه أقربهما ، فأما عَوده إلى أبعدهما وهو - وضوء الصلاة - فممتنع . ٨٤ حدیث : ٣٤٥ - ٣٤٦ كتاب التيمم وأما آية سورة النساء ، فليس فيها سوى ذكر الجنابة ، وليس للوضوء فيها ذكر ، فكيف يعود التيمم إلى غير مذكور فيها ، ولا يعود إلى المذكور ؟ والثاني : أن كلتا الآيتين: أَمَر اللَّهُ بالتيمم من جاء من الغائط ، ولَمَس النساء أو لم يجد الماءَ (١)، ولَمْسُ النِّساء إما أن يراد به الجماعُ خاصة ، كما قاله ابن عباسٍ وغيره ، أو أنه يَدخل فيه الجماعُ وما دونه من الملامسة لشهوة، كما يقوله غيره ، فأما أن يُخَصَّ به ما دون الجماعِ ففيه بُعْدٌ . ولما أورد أبو موسى على ابن مسعود الآية تَحَيَّر ولم يَدْرِ ما يقول ، وهذا يدل على أنه رأى أن الآية يدخل فيها الجنبُ كما قاله أبو موسى . وفي أَمْر النبيِ وَّر الجنبَ العادمَ للماء أن يَتَيَمَّم ويصلي دليل على أنه وَلّه فَهِم دخولَ الجنب في الآية ، وليس بعد هذا شيء . ورَدَّ ابنِ مسعودٍ تيممَ الجنبِ ؛ لأنه ذريعةٌ إلى التيمم عند البرد لم يوافَق عليه ؛ لأن النصوص لا تُرَدُّ بسَدِّ الذرائع ، وأيضًا ، فيقال : إن كان البرد يخشى [معه](٣) التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سَبَق. وقد روى شُعْبَةُ، أن مُخارِقًا حدثهم ، عن طارقٍ ، أن رجلاً أَجْنَبَ فلم يُصلِّ، فأتى النبيَّ ◌َّهِ فِذَكَر ذلك له، فقال له: ((أَصَبْتَ)). وأجنب رجل آخرُ فتيمم وصلى، فأتاه وَلَه، فقال له نحواً مما قال للآخر - يعني: ((أَصَبْتَ)). خرَّجه النسائي(٣)، وهو مُرْسَلٌ . وقد يُحمل هذا على أن الأول سأله قبل نزول آية التيمم ، والآخرَ سأله بعد نزولها . وروى أبو داودَ الطيالسيُّ، عن شُعْبَةَ ، عن الحَكَم ، عن ذَرُّ ، عن ابن (١) كذا السياق بالأصلين ، وفيه إشكال . (٢) زيادة مني للسياق . (٣) (١/ ١٧٢) . ٨٥ ٧ - بابٌ إذا خاف الجنب على نفسه المرض کتاب التيمم أَبْزَى(١)، عن أبيه ، أن عَمَّارًا قال لعمرَ : أما تَذْكُر يا أميرَ المؤمنين أني كنتُ أنا وأنت في سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنا ولم نجد الماءَ ، فأما أنت فلم تُصَلِّ ، وأما أنا فَتَمَعَّكْتُ بالتراب وصليتُ ، فلما قَدِمنا على رسول اللّه نَّهَ ذَكَرنا ذلك له، فقال: ((أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تَدَع الصلاةَ، وأما أنت يا عَمَّار فلم يكن لك أن تتمعك كما تتمعك الدابة، إنما كان يُجزيك)) - وضَرَب رسول اللّه وَ ل بيده إلى الأرض إلى التراب، ثم قال - : ((هكذا))، ونَفَخ فيها ومَسَح وجهَهَ ويديه إلى المَفْصِل ، وليس فيه الذراعان . (١) في الأصلين: ((ابن أبي أبزى))، والصواب ما أثبتناه، وهو: سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى . والحديث في «الصحيحين)) وغيرهما بسياقات متقاربة. وانظر: ((المسند الجامع)) (٤٥٢/١٣). ٨٦ حديث : ٣٤٧ کتاب التيمم ٨ -بابٌ النََّمُمُ ضَرْبَةٌ ٣٤٧ - حدّثنا محمدُ بنُ سَلام: ثنا أبو مُعاوِيَةَ، عن الأَعْمَشِ ، عن شَقيق ، قال : كنتُ جالسًا مع عبد الله وأبي موسى الأَشْعَرِيِّ، فقال له أبو موسى : لو أنّ رَجُلاً أَجْنَبَ فلم يَجِدِ الماءَ شَهْرًا، أَمَا كان يَتَيَمَّم ويُصَلِّي؟ فكيف تَصنعون بهذه الآية في سورة المائدة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيّبًا﴾ [المائدة: ٦]؟ فقال عبدُ اللَّه: لو رُخِّص لهم في هذا لأوشكُوا إذا بَرَد عليهمُ الماءُ أنْ يتيمَّموا بالصَّعِيد(١). قلتُ : وإنَّما كَرِهتم هذا لذا؟ قال: نَعَمْ . فقال أبو موسَى : ألم تسمعْ قولَ عَمَّارٍ لعمرَ بنِ الخطّابِ: بَعَثَنِي رسولُ اللَّهِ ◌َ في حاجةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فلم أَجِدِ الماءَ ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كما تَمَرَّغُ الدابّةُ ، فذكرتُ ذلكَ لِلنَّبِّ ◌َِّ، فقال: ((إنَّما كان يَكْفيكَ أَنْ تَصْنَعَ هكذا)) وضَرَب بكَفِّه ضَرْبَةً على الأرض ، ثمَّ نَفَضَها ، ثُمَّ مَسَح بها ظَهْرَ كَفِّه بشِماله، أو ظَهْرَ شِمالِه بكَفِّه، ثُمَّ مَسَح بهما وجهَهُ . قال عبدُ اللَّهِ : ألم تَرَ عُمَرَ لم يَقْنَع بقوْل عَمَّارٍ ؟ زاد يَعْلى، عن الأعمش ، عن شقيق، قال : كنت مع عبد اللّه وأبي موسى ، فقال أبو مُوسى: ألم تسمع قولَ عمَّار لعمرَ: إنَّ رسول اللّه وَّل بَعَثَنِي أنا وأنت، فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعيد، فأَتينا رسولَ اللَّه ◌َلَ فَأَخبرِناهُ فقال: ((إنَّما كان يَكْفيكَ هكذا)) ، ومَسَح وجهَهُ وكَفَّه واحدةً ؟ محمد بن سلام ، هو : البِيْكَنْدي ، وقد اختلفوا في ضبط ((سلام)): هل هو بالتخفيف أو بالتشديد ؟ والتخفيف أكثر فيه وأشهرُ ، ولأبي محمد عبدِ العظيمِ (١) في نسخة عند ((ق)): ((الصعيد)) بدون الباء. ٨٧ ٨ - بابٌ التيمم ضربة کتاب التيمم المُنْذِرِيِّ في ذلك جزء مُفْرَد . [ثم ظهر لي أن التشديد فيه أصحُّ، فإن الذين رجَّحوا فيه التخفيف اعتمدوا على حكاية رُويت عن محمد بن سلام ، أنه قال : أنا محمد بن سلام بتخفيف اللام، وقد أفردتُ لذلك جُزْءًا، وذكرتُ فيه أن هذه الحكاية لا تَصِحّ ، وفي إسنادها متهَم بالكذب](١). وقد خرَّج مسلم(٢) هذا الحديث عن يحيى بنِ يَحيى وأبي بكرِ بنِ أبي شَيْبَةَ وابنٍ نُمَيْرٍ كلهم ، عن أبي معاويةَ بهذا الإسناد والمتن ، إلا أن لفظه: فقال: ((إنما كان يَكفيك أن تقول بيديك هكذا))، ثم ضَرَب بيديه الأرضَ ضربة واحدةً ، ثم مَسَح الشمالَ على اليمين ، وظاهرَ كفيه ووجهه . وخرَّجه - أيضًا(٣)- من طريق عبدِ الواحدِ بنِ زيادٍ ، عن الأَعْمَشِ ، ولفظ حديثه: فقال رسول اللّه وَله: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا))، وضرب بيديه إلى الأرض ، فَنَفَض يديه فمَسَح وجهَه وكفيه . وخرَّج القاضي إسماعيلُ المالكي حديثَ أبي معاويةَ ، عن ابن نُمَيْرِ ، عنه، ولفظه: فقال رسول اللّه وَ له: ((إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ، ثم تَنْفُضَهما، ثم تَمسحَ يمينك على شمالك وشمالك على يمينك ، ثم تمسح وجهك» . وخرَّج حديثَ عبدِ الواحدِ بنِ زيادٍ ، عن محمد بن أبي بكرِ المُقَدَّميِّ ، عنه، ولفظ حديثه: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا))، وضرب بكفيه إلى الأرض مرة واحدة ، ثم مسح إحداهما بالأخرى ، ومَسَحَ وجهه . وأما رواية يَعْلَى ، عن الأَعْمَشِ التي عَلَّقها البخاري ، فخرَّجها الإمام أحمد (١) ليست في ((ك)). (٢) (١/ ١٩٢) . (٣) (١٩٣/١). ٨٨ حديث : ٣٤٧ کتاب التيمم في ((المسند)»(١) عن يَعْلَى - وهو: ابن عَُيْدِ الطَّنَافِسِيُّ - كذلك. وروى الإمام أحمدُ - أيضًا (٢)- عن عَفَّنَ: ثنا عبدُ الواحدِ، عن الأَعْمَشِ بهذا الحديث ، وفيه : وضرب بكفيه إلى الأرض ، ثم مَسَح كفيه جميعًا ، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة . قال عفان(٣): وأَنكره يَحيى بنُ سعيدٍ، فسألت حَفْصَ بنَ غياث ، فقال: كان کے الأَعْمَشُ يحدثنا به عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ ، وذكر : أبا وائلٍ . وقال الإمام أحمد في رواية الأَثْرَمِ : إن كان ما روى أبو معاويةَ حقًّا : روى عن الأَعْمَشِ ، عن شَقِيقِ القصة. فقال - أيضًا - : ضربة للوجه والكفين ، وتابعه عبد الواحد . قال أبو عبد اللّه - يعني: أحمد - : فهذان جميعًا قد اتفقا عليه ، يقولان : ضربة للوجه والكفين . وإنما أَنكر يَحيى بنُ سَعِيدٍ هذه اللفظةَ، وتَوَقَّف فيها الإمام أحمدُ لأن شعبةَ وحَفْصَ بنَ غِياثٍ وابنَ عُيَيْنَةَ وغيرَهم رَوَوْه : عن الأعمش ، ولم يَذكروا الضربة الواحدة ، ولا صفةَ التيممٍ في حديثه(٤) عن شَقِيقٍ ، عن أبي موسى ، كما ساق ذلك البخاريُّ في الباب الماضي . ثم ذَكَر أحمدُ أن أبا معاويةَ وعبدَ الواحد قد اتفقا على هذه اللفظة ، فزالت نكارةُ التَّفَرُّدِ ، وقد تَبَيَّنَ أن يَعْلَى تابعهما - أيضًا. وقد كان الأعمشُ يروي هذا الحديثَ عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ ، عن ابنِ أَبْزَى، عن عَمَّار على اختلاف عليه في إسناده، وذَكَر فيه : صفةَ التيمم بضربة واحدة ، (١) (٤ / ٢٦٥) . (٢) (٤ / ٢٦٥) . (٣) هذا ذكره أحمد عقب الحديث . (٤) في الأصلين : ((في حديث)) وما أثبته أشبه . ٨٩ ٨ - بابٌ التيمم ضربة كتاب التيمم ولكنه ذَكَر أنه زاد على مَسْح الكفين بعضَ الذراعين ، وقد ذَكَرنا ذلك فيما تقدم في ((باب: التيمم للوجه والكفين))، وذَكَرنا أن سلمةَ بنَ كُهَيْلِ شكَّ في الزيادة على الكفين ، وأنه رواه عنه سُفْيانُ وشعبةُ والأعمشُ مع اختلافٍ عليهم في بعض الإسناد والمتن ، فربما عُلِّل ذِكْرُ الضربة الواحدة بأنه كان عند الأعمشِ ، عن سلمةَ بنِ كهيلٍ ، وحَمَل عليه حديثَ أبي وائل ، كما قد يُفهم ذلك من قول حَفْصِ بنِ غِياثٍ الذي ذكره عنه عفان ، إلا أن الأئمة اعتمدوا على رواية أبي معاويةَ وعبد الواحد ويَعْلَى، عن الأعمش ، عن شَقِيقٍ وَحْده للضربة الواحدة ، وأبو معاويةَ مقدَّم في حديث الأعمش ، يُرجع إليه فيه عند اختلاف أصحابه . وقد رُويت الضربة الواحدة عن عَمَّارٍ من طريق قتادةَ ، عن عَزْرَةً ، عن ابن أَبْزَى، عن أبيه، عن عَمَّارٍ - أيضًا - ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُه - أيضًا. وحديث شعبةً ، عن الحَكَم، عن ذَرِّ ، عن ابن أَبْزَى المُتَّفَقُ على تخريجه في ((الصحيحين))(١) كما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عليه - أيضًا . وقد اتفَق الأئمةُ على صحة حديث عَمَّارِ، وتَلَقِّيه بالقُبُول . قال إسحاقُ بنُ هانئٍ(٢): سُئل أحمدُ عن التيمم ؟ قال : ضربة واحدة للوجه والكفين ، قيل له: ليس في قلبك شيء من حديث عمَّار؟ قال : لا. وفي حديث أبي معاويةً الذي خرَّجه البخاري ها هنا شيئان أُنكرا على أبي معاوية : أحدهما : ذكْرُهُ مَسْحَ الوجه بعد مَسْحِ الكفين ، فإنه قال: ((ثم مَسَح وجهه)) ، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاويةَ ، وليست هي في رواية مسلم كما ذكرناه . (١) البخاري (٣٣٩) ومسلم (١٩٣/١). (٢) فى ((مسائله)) (١٢/١). ٩٠ حدیث : ٣٤٧ کتاب التيمم وكذلك خرَّجه النسائي(١) عن أبي كُرَيْبٍ ، عن أبي معاويةَ ، ولَفْظ حديثه: ((إنما كان يكفيك أن تقول هكذا)) وضَرَب بيديه على الأرض ضَرْبَةً فمَسَح كفيه ، ثم نَفَضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله ، على كفيه ووجهه . وخرَّجه أبو داودَ (٢) عن محمدِ بنِ سليمانَ الأنْبارِيِّ ، عن أبي معاويةَ ، ولفظه : ((إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا)) فضرب بيده على الأرض فنَفَضها ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ، ثم مسح وجهه . فاختلف على أبي معاوية في ذِكْر مَسْحِ الوجه ، وعطفه : هل هو بالواو، أو بلفظ : ((ثم)» ؟ وقد قال الإمام أحمد في رواية أحمدَ بنِ عَبْدَةَ : روايةُ أبي معاويةَ ، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غَلَطٌ . والثاني : أنه ذَكَر أن أبا موسى هو القائل لابن مسعودٍ : إنما كرهتم هذا لهذا ، فقال ابن مسعودٍ : نَعَمْ . وقد صرح بهذا في رواية أبي داود ، عن الأنباري المشار إليها ، وإنما روى أصحابُ الأعمش ، منهم : حَفْصُ بنُ غِياثٍ ، ويَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ، وعبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ أن السائل هو الأعمش ، والمسئول هو شَقِيقٌ أبو وائل . وقد ذَكَرنا فيما تقدم مَسْحَ الوجه واليدين في التيمم ، وهل الممسوح الكفان خاصة ، أم الكفان والذراعان إلى المرفقين ، أم إلى المناكب والآباط ؟ والكلام هنا في عدد الضَّربِ الممسوح به : فمن قال : إنه يَمسح الوجه والكفين ، قال أكثرهم : يَمسح ذلك بضربة واحدة اتباعًا لحديث عَمَّارِ ، وهذا هو المروي عن علي وعمّار وابن عباسٍ ، (١) (١ / ٠ ١٧) . (٢) (٣٢١) . ٩١ ٨ - بابٌ التيمم ضربة كتاب التيمم وعن الشعبي وعَطاءٍ ويحيى بنِ أبي كَثِيرٍ وقَتَادَةَ وعِكْرِمَةَ ومَكْحُولِ والأوزاعي ، وهو قول أحمدَ وإسحاقَ وأبي خَيْثَمَةَ وابنِ أبِي شَيْبَةَ وداودَ ، وهو قول عامة أهل الحديث - : قاله الخطابي وغيرُه . وقال ابنُ المُنْذِر: بهذا نقول؛ للثابت عن النبي وَّة أنه قال: ((التيمم ضربةٌ للوجه والكفين)) . وحَكَى عن طائفة منهم أنه يَمسح وجهه بضربة ، وكفيه إلى الرسغين بضربة أخرى . قال ابنُ المُنْذِر : يُروى هذا عن علي ، وحكاه غيره عن عَطاء والنَّخَعِي والأوزاعي في رواية عنهما ، والشافعي في القديم . ونقل حَرْبٌ ، عن إسحاقَ : أن هذا هو المستحب ، ويجزئ ضربةٌ واحدة . وروى حَرْبٌ بإسناده ، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّادِ ، عن نافع ، عن ابنِ عمرَ ، قال : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة للكفين(١). وبإسناده : عن عَطاءٍ والأوزاعي مثله . وأما من قال: إن التيمم يَبْلِغ إلى المِرْفَقَين ، فأكثرهم قالوا: يتيمم بضربتين : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، هذا هو الصحيح عن ابن عُمَرَ وعن جابر بنِ عبد الله (٢)، وهو قول أكثر العلماء القائلين بذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم . واختلفوا : هل ذلك على الوجوب ، أم على الاستحباب ؟ فقالت طائفة : هو على الوجوب ، لا يُجْزِئُ دونه ، وهو قول أبي حنيفةَ ، والشافعي في ظاهر مذهبه ، وروايةٌ عن مالك . وقالت طائفة : بل هو على الاستحباب ، ويُجزئ ضربتان : إحداهما للوجه (١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٢٠٧/١). (٢) ((السنن الكبرى)) (٢٠٧/١) . ٩٢ حديث : ٣٤٧ كتاب التيمم والأخرى للكفين ، وهو رواية عن مالك ، واختاره القاضي أبو يَعْلَى من أصحابنا ، غير أن المجزئ عنده ضربة واحدةٌ للوجه والكفين ، وحكاه بعضهم روايةً عن أحمد . وأنكر الخَلاَّلُ والأكثرون ثبوتَها عنه . وقال الخلال : إنما أجاز ذلك أحمدُ لمن تأول الأحاديثَ بفعله ، إلا أن الأحاديث في ذلك عنده ضعاف جدًا في الضربتين . وأجاز إسحاقُ أن يتيمم بضربتين : ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ، إذا كان يرى الاقتصارَ على الكفين جائزًا ، فإن اعتقد أنه لا يُجزئ فقد أخطأ . وهذا يدل على أن الخلاف في الإجزاء عنده غيرُ سائغ . وقال طائفة من الخُراسانيين من أصحاب الشافعي : الواجب عنده إيصالُ التراب إلى الوجه واليدين إلى المِرْفَقَيْن ، سواءٌ حَصَل ذلك بضربة أو ضربتين، ولا يجب عنده تعددُ الضرب . وخالفهم غيرُهم من أصحاب الشافعي في ذلك . وروى داودُ بنُ أبي هِنْدٍ ، عن الشعبي ، قال : التيمم ضربة للوجه واليدين إلى المرفقين . خرَّجِه حَرْبٌ الكِرْماني . وروى ابن إسحاقَ ، عن نافع ، قال : رأيتُ ابنَ عمرَ يَضرب بيده في الأرض ، فيَمسح بها وجهه ، ثم يضرب يده فيمسح بها ذراعيه(١) . وعن ابن عَوْنِ ، قال : قلت للحَسَن : أرني كيف التيممُ ؟ فضَرَب بيديه على الأرض ، ثم نفضهما ، ثم مسح بهما وجهه ، ثم ضرب بكفيه الأرض، ثم مسح بهما على ذراعيه . وعن داودَ ، عن الشَّعْبِيِّ ، قال : التيمم ضربةٌ للوجه والذراعين . (١) ((السنن الكبرى)) (٢٠٦/١). ٩٣ ٨ - بابٌ التيمم ضربة كتاب التيمم خرَّج ذلك كلَّه القاضي إسماعيلُ المالكي . وكذلك وَصَفْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ التيممَ . وظاهر هذا يدل على أن الكفين لا يُمسحان بانفرادهما ، بل يكفي ما أصابهما عند ضربهما بالأرض ؛ فإنه لا بد أن يتطاير الغبارُ على ظاهرهما وباطنهما . وقد قال عِكْرِمَةُ في المتيمِّم : يَضرب بكفيه على الأرض فيحركُها ثم يَمسح بو جهه وکفیه . وهذا يرجع إلى أنه لا يجب الترتيبُ كما سيأتي ذِكْرُهُ - إن شاء اللّه تعالى. وحكي عن ابن سيرِينَ ، أنه تيمم بثلاث ضربات : ضربة للوجه ، وضربة للكفين ، وضربة للذراعين إلى المرفقين . وحُكي عن ابن أبي لَيْلَى والحَسَنِ بنِ حَيٌّ ، أنه يتيمِّمُ بضربتين ، يمسح بكل ضربة وجهه ويديه إلى المرفقين . قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): ما عَلِمْتُ أحدًا من أهل العلم قال ذلك غيرَهما . والشافعية وجه ضعيفٌ ، أنه يُستحب ضربةٌ للوجه وضربتان لليدين ، لكل يد ضربةٌ. ولهم وجه ضعيف - أيضاً - ، أنه يُشْرَع تَكْرار المَسْحِ في التيمم کالوضوء . . وقال حَرْبٌ : ثنا محمودُ بنُ خالدِ : ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ ، قال : قلت لأبي عمرٍو الأَوْزاعي: صِفِ التيممَ ؟ فوَضَع كفيه على الأرض وضعًا رفيقًا، ثم رفعهما ، ثم أَمَرَّ إحداهما على الأخرى مسحًا رفيقًا ، ثم أَمَرَّ بهما على وجهه ، ثم على كفيه . قال: وثنا المُسَيَّبُ بنُ واضح : ثنا أبو إسحاقَ ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ ، قال : سألتُ الشَّعْبِيَّ عن التيمم ؟ فضرب بيديه الأرض ، ثم ضرب (١) ((التمهيد)) (٢٨٣/١٩). ٠٫٠ ٩٤ حديث : ٣٤٧ کتاب التيمم إحداهما بالأخرى ، ثم مَسَح وجهه وكفيه . وظاهر هذا يقتضي أنه يمسح أولاً إحدى كفيه بالأخرى ، ثم يمسح وجهه، ثم يمسح كفيه . وفي بعض ألفاظ حديث عمارِ المذكورة في هذا الباب ما قد يُشعر بهذا القولِ ، ولا يَبقى حينئذ إشكالٌ في رواية أبي معاويةَ ، عن الأعمش ؛ لأنه يكون قد مسح كفيه مرةً قَبل وجهه ومرة بعده ، وهذا غريب جداً ، وعند التأمل لا يدل حديث عمار على ذلك ؛ فإن لفظ رواية البخاري أنه مسح بالضربة ظهر كفَّيه بشماله أو ظهر شماله بكفه ، وهذا إنما يدل على أنه مَسَح ظهرَ كفِّه ببطن الأخرى . وفي رواية مسلم(١): ((مَسَح الشمال على اليمين وظاهرَ كفيه))، فهذه تدل على أنه مسح كفيه إحداهما بالأخرى ظاهرهما وباطنها . وفي رواية أبي داودَ والنسائي(٢): ((أنه مسح بشماله على يمينه وبيمينه على شماله))، وهذا يدل على أنه مسح كلَّ واحدة بالأخرى . ء والمنصوص عن أحمدَ ، وهو مذهبُ الشافعي وغيره ، أنه يجب الترتيبُ في التيمم كما يجب في الوضوء ، فيمسح وجهَه أوَّلاً ، ثم يمسح كفيه . ومن أصحابنا المتأخرين من قال : لا يجب الترتيبُ في التيمم خاصة ؛ لأنهم قالوا في صفة التيمم: إنه يمسح وجهَه بباطن أصابعه وظاهرَ كفيه براحتيه ، ويدلُك كلَّ راحةٍ بالأخرى ، ويُخَلِّلُ الأصابع . قالوا : فيقع مَسْحُ باطنِ أصابعه مع مسح وجهه ، وهذا يُخِلُّ بالترتيب . وهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم يُنقل عن الإمام أحمد ، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخِرَفي وأبي بكرٍ وغيرِهما . (١) (١ / ١٩٣) . (٢) أبو داود (٣٢١) والنسائي (١/ ١٧٠ - ١٧١). ٩٥ ٨ - بابٌ التيمم ضربة کتاب التيمم قال المَرُّوذِيُّ : قلت لأبي عبد اللّه : أرني كيف التيممُ ؟ فضرب بيده باطنَ كفيه ، ثم مسح وجهه وكفيه بعضها على بعض ضربةً واحدة . وقال : هكذا . وهذا يدل على أنه مَسَح وجهَه بيديه ، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع ، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع ومن كلام مَن قال مِن السَّلَف : إن التيمم ضربةٌ للوجه والكفين . وما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بَنَوْه على أن التراب المستعملَ لا يصح التيممُ به كالماء المستعمل . وهذا ضعيف ؛ لأن التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان : أحدهما : أنه يجوز التيممُ به بخلاف الماء ؛ لأن الماء المستعملَ قد رفع حدثًا ، وهذا لم يرفع الحدثَ على ظاهر المذهب . وعلى الوجه الثاني : أنه لا يتيمم بالتراب المستعمل ، فالمستعمل هو ما عَلَق بالوجه أو تنَاثر منه ، فأما ما بقي علي اليد الممسوح بها فهو بمنزلة ما يَبقى في الإناء بعد الاستعمال منه ، وليس هو بمستعمَل ، ويجوز التيممُ به ، صَرَّح به طائفةٌ من أصحابنا والشافعية . ونقل حَرْبٌ ، عن إسحاقَ ، أنه وَصَف لهم التيممَ ، فضرب بيديه ، ثم نفخهما ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيده الثانية ولم ينفخها ، ثم مسح ظهور الكفين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى ، ولم يَذكر أنه مسح بطونَ كفيه اكتفاءً بمرور التراب عليهما بالضرب بهما على الأرض ، وهذا في التيمم بالضربتين ظاهرٌ ، ولا يتأتى مثلُه في الضربة الواحدة ؛ لأنه يُخِلُّ بالترتيب . وقد صَرَّح العراقيون من أصحاب الشافعي : بأنه يُسْقِطِ فَرْضَ الراحتين وما بين الأصابع حين يضرب اليدين على التراب ، ثم أَوْرَدُوا على ذلك أنه لو سَقَط ٩٦ حديث : ٣٤٧ كتاب التيمم فرضُهما بذلك لصار التراب الذي عليهما مستعملاً ، فكيف يجوز مَسْحُ الذراعين به ولا يجوز نقلُ الماء الذي غَسَل به إحدى اليدين إلى الأخرى ، إلا على وجه ضعيف لهم ؟ وأجابوا عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن اليدين كعضوٍ واحد ، ولا يصير التراب والماء مستعملاً إلا بانفصاله ، ولم يَنفصل الترابُ ، بخلاف الماء فإنه ينفصل فيصير مستعملاً . والثاني : أن هذا يُحتاج إليه في التيمم لضرورة ، حيث لم يمكن أن يُيَمِّمَ الذراعَ بكفها ، فافتقر إلى الكف الأخرى فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه ، وعلى قول هؤلاء لا يجب بعد ذلك مسحُ إحدى الراحتين بالأخرى ، بل [هو ] مستحب . ومن أصحابهم(١) من حكى في وجوبه وجهين . وقال البَغَوِيّ منهم : إن قَصَد بإمرار الراحتين على الذراعين مَسْح الراحتين حَصَل له ؛ وإلا فلا . وهذا يَدُلُّ على أنه لا يَحْصُل بضربهما بالأرض . ومن أعيان أصحابنا المتأخرين من حكى قولاً لم يُسَمِّ قائله ، ورجحه في التيمم بضربة واحدة : إنه يَمسح بباطن يديه وجهَه ، ثم يمسح بهما ظاهرَ كفيه خاصة . قال : لأن باطنهما يُصيبه الترابُ حين يَضْرِب بهما الأرض وحين يمسح بهما الوجهَ وظهر الكفين ، فلو مسح إحداهما بالأخرى لتكرر مسحُهما ثلاثَ مرات ، وتكرارُ مَسْحِ التيممٍ غيرُ مشروعٍ بخلاف الوضوء ، وهو - أيضًا - ينافي أن يكون التيممُ بضربة واحدة . وهذا الذي قاله فيه نَظَرٌ ؛ فإن تكرار المسح بتراب ضربة واحدة لا تَتَعَدّدُ به الضرباتُ كتكرار مسحِ الرأسِ بماء واحد ؛ فإنه لا يكون تكرارًا ، وقد سَبَق ذلك في الوضوء ، وإنما لم يُشْرَعِ تَكرار التيممٍ إذا وقع الأولُ موقعَه ، وما أصاب (١) في ((ك)): ((أصحابه)). ٩٧ ٨ - بابٌ التيمم ضربة كتاب التيمم باطنَ الكفين من التراب قَبْلَ مسحِ الوجه غيرُ مُعْتَدٍّ به عند من يُوجب الترتيبَ ، فلا يكون ذلك تكرارًا - أيضًا . وقد تقدم أن حديثَ عَمَّارٍ يدل على أن النبي ◌َِّ مَسَح بعد الضرب ظاهرَ كفيه وباطنَهما . وإنما يجب الترتيبُ في التيمم عن الحدث الأصغر . فأما الترتيب في التيمم عن الجنابة ففيه وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي : أحدهما : أنه واجب - أيضًا - ؛ لأن صِفَةَ التيمم عن الجنابة والحدث لا تختلف بخلاف الغُسل والوضوء ، وأيضًا ؛ فإن البدن كلَّه في غسل الجنابة كالعضو الواحد ، وفي التيمم عضوان متغايران ، فيَلْزَمُ الترتيبُ بينهما كأعضاء الوضوء . والثاني : لا يجب ؛ لأن التيمم عن الجنابة يَلْتَحِق بالغُسل ولا ترتيبَ فيه، وعلى هذا الوجه فلا إشكالَ في توجيه رواية أبي معاويةَ ، عن الأعمشِ التي خرَّجها البخاري بتقديم الكفين على الوجه ؛ لأن النبي وقّ إنما علَّم عمَّارًا ما كان يكفيه من التيمم عن الجنابة . وقد حكى بعضُهم عن الأعمش : أنه كان يذهب إلي تقديم مَسْحِ الكفين على الوجه في التيمم مطلقًا ، فإن صَحَّ هذا عنه دَلَّ على أن ما روى عنه أبو معاويةَ محفوظٌ عن الأعمش ، وأن أبا معاويةَ حفظه عنه ولم يَهم فيه ، كما قاله الإمام أحمدُ . واللّه أعلم . ويحتمل أن الأعمش فسَّر هذا التفسيرَ من عنده كما فسره شعبةُ - أيضًا - من عنده كذلك بتقديم دَلْكِ اليدين على الوجه ، وقد ذكرناه فيما تقدم من طريق النسائي ، أو أن يكون ذلك من تفسير بعض الرواة عن شعبةَ والأعمش؛ فإن كثيرًا منهم لم يكن يُفَرِّقُ بين مدلول العطف بـ ((ثم)) وبالواو . والله تعالى أعلم. ٩٨ حديث : ٣٤٨ کتاب التيمم ٩ - بَابٌ ٣٤٨ - حدَّثنا عَبْدَانُ: أبنا عبدُ اللَّه: ثنا عَوْفٌ، عن أبي رَجاءِ: ثنا عِمْرَانُ بنُ حُصَّيْنِ الخُزَاعِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ رأى رجُلاً مُعْتَزِلاً لم يُصَلِّ في القَوْم ، فقال: ((يا فُلانُ، ما مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّي في القَوْمِ؟)) قال: أَصابَتْنِي جَنَابَةٌ، ولا ماءَ . قال : ((عَلَيْكَ بِالصَّعيد ؛ فإنَّهُ يَكْفِيكَ)) . قد سَبَق هذا الحديثُ بطوله من رواية يحيى القَطَّانِ ، عن عَوْفٍ ، واختصره هنا من رواية ابنِ المباركِ، عن عوف، وخَتَم به ((كتابَ التيمم)) ؛ فإن فيه دلالةٌ على تّيَمُّم الجُنُبِ إذا لم يجد الماءَ ، وعلى أن من كان في مكان يَقطع أو يَغْلِب على الظن أنه لا ماءَ فيه ، أو مع رُفقة يعلم أنه لا ماءَ معهم ؛ فإنه لا يجب عليه طلبُ الماء ، بل له أن يتيمم ويصلي من غير طَلَبٍ ، وقد استوفينا شرحَ ذلك كلّه مع شرح جميع الحديثِ فيما سَبَق . والله أعلم . [وقد روى هذا الحديث البخاريُّ (١) عن إسماعيلَ بنِ مسلمٍ، عن أبي رجاءٍ (٢)، عن عِمْرانَ - فذكر الحديثَ، وفيه: أن النبي ◌َِّ أَمَر هذا الرجلَ أن يتيمم ، فتيمم ، قال : ثم وَجَد الماءَ فلم يأمره بالإعادة . وإسماعيل بن مسلم ، ضعيفُ الحديث](٣). (١) كذا بالأصلين، وهو خطأ قطعًا، فإسماعيل بن مسلم لم يرو له البخاري أصلاً ، فلا أدري ما صوابه . وانظر التعليق بعده . (٢) كذا الإسناد، وإسماعيل بن مسلم لا يروي عن أبي رجاء، وأظن أن بينهما ((الحسن))، وهو البصري ، فقد أخرج عبد الرزاق (٥٨٩/١) طرفًا من هذه القصة من طريق ابن عيينة ، عن إسماعيل ، عن الحسن ، عن أبي رجاء . والله أعلم . (٣) هذه الفقرة ألحقت بهامش ((ك)) وفي آخرها: ((صح))، وهي في ((ق) في صلب الكتاب ، فأخشى أن يكون ذلك من تعليق غير ابن رجب ، أقحمه بعضهم . والله أعلم . ٨ كِتَابُ الصَّلاَةِ الـ