النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
١ - بَابٌ
کتاب التيمم
ضَعْفَنَا وعَجْزَنَا فأَحَلَّها لنا».
وفي الترمذي(١) عن أبي هريرةَ، عن النبي ◌ََّ، قال: ((لم تَحِلَّ الغنائمُ
لأحدٍ سُودِ الرُّهُوسِ قَبَلكم، كانت تَنْزِل نارٌ فتأكُلها)) .
وفي كتاب ((السيرة)) لسليمانَ التَّيْمِيِّ: أن مَن قَبْلنا من الأمم كانوا إِذا أصابوا
شيئًا من عَدوهم جَمَعُوه فأحرقوه وقتلُوا كل نفسٍ من إنسان أو دابَّةَ .
وفي صحة هذا نَظَرٌ ، والظاهر أن ذوات الأرواحِ لم تكن مُحَرَّمَةً عليهم، إنما
كان يحرمُ عليهم ما تأكله النارُ .
وقد ذَهَب طائفة من العلماء ، منهم : الإمام أحمد إلى أن الغالَّ من الغنيمة
يُحْرَقِ رَحْلُه كلُّه إلا ما له حُرْمَةٌ من حيوان أو مصحف .
وورد في ذلك أحاديث تُذْكر في موضع آخرَ - إن شاء اللّه تعالى .
وقد قال طائفة من العلماء : إن المُحَرَّم على مَن كان قبلنا هو المنقولات
دون ذواتِ الأرواحِ ، واستدلوا بأن إبراهيم عليه السلام كانت له هاجرُ أمةً ،
والإماء إنما يُكْتَسِبْنَ من المغانمِ ، ذكر هذا ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه .
وفي هذا نَظَرٌ ؛ فإن هاجر وَهَبَها الجَبَّارُ لِسَارَةَ ، فوهبتْها لإبراهيمَ ، ويَجوز
أن يكون في شَرِع مَن قَبَلنا جوازُ تَمَلُّكِ ما تَمَلَكَّه الكفارُ باختيارهم دون ما يُغْنَم
منهم .
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الكافر إذا أَهدى إلى آحاد المسلمين هدية فله
أن يَتَمَلَّكَها منه، ويَخْتَصَّ بها دون غيره من المسلمين .
وقال القاضي إسماعيلُ المالكي : إنما اختُصت هذه الأمةُ بإباحة المنقولات
من الغنائم ، فأما الأرض فإِنها فَيْءٌ ، وكانت مُباحةً لمن قَبْلنا، فإن اللّه تعالى
أَوْرَثَ بني إسرائيلَ فرعونَ .
(١) (٣٠٨٥) .

١
٢٢
حديث : ٣٣٥
کتاب التيمم
وهذا بناءً على أن الأرض المأخوذة من الكفار تكون فَيْئًا، سواءٌ أُخذَتْ بقتال
أو غيره ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ، ومالك ، وأحمدَ في المشهور عنه .
ومن الناس من يقول : إنما حَرم على من كان قبلنا الغنائم المأخوذةُ بقتال
دون الفَيْءِ المأخوذِ بغير قتال . قالوا : وهاجرُ كانت فيئًا لا غنيمةً ؛ لأن الجَبَّار
الكافر وَهَبَها لسارَةَ باختياره .
وقد قال طائفة من العلماء : إن ما وَهَبَه الحَرْبِيُّ لمُسْلِمٍ يكون فيئًا .
وزَعَم بعضهم : أن المُحَرَّم على من كان قبلنا كان من خُمْس الغنيمة خاصة،
كانت النار تأكله ، ويقسم أربعة أخماسه بين الغانمين ، وهذا بعيد جدًا .
واستدلوا: بما خرَّجه البَزَّارُ(١) من رواية سالم أبي حَمَّدٍ، عن السُّدِّي، عن
عِكْرِمَةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبي ◌ِّر، قال: «أُعطيتُ خَمسًا لم يُعطها أَحَدٌ
قَبَلي)) - فذَكَر الحديثَ ، وقال فيه : ((وكانتِ الأنبياءُ يَعْزِلُون الخُمُسَ فَتَجِيءُ النارُ
فتأكلُهُ، وأُمِرْتُ أنا أنْ أَقْسِمَه في فقراء أُمتي)) .
وسالمٌ هذا : قال فيه أبو حاتمِ الرَّازِي : مجهول .
وأما الشفاعة التي اختُصَّ بها النبي ◌َّ من بين الأنبياء ، فليست هي الشفاعةَ
في خروج العصاة من النار ؛ فإن هذه الشفاعة يُشارك فيها الأنبياء والمؤمنون -
أيضًا - ، كما تواترت بذلك النصوصُ ، وإنما الشفاعة التي يختص بها من دونٍ
الأنبياءِ أربعةُ أنواع :
أحدها : شفاعته للخَلق في فَصْل القضاء بينهم .
والثاني : شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة .
والثالث : شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار ، فقد قيل : إن هذه يختص
هو بها .
(١) تقدم في أول الباب .

٢٣
١ - بَابٌ
کتاب التيمم
والرابع : كثرة من يَشفع له من أُمته ؛ فإنه وَفَّرَ شفاعته وادخرها إلى يوم
القيامة .
وقد وَرَدَ التصريحُ بأن هذه الشفاعةَ هي المرادةُ في هذا الحديث ، ففي
الحديث الذي خرَّجه الإمام أحمدُ (١) من حديث عمرو بنِ شُعَيْبٍ ، عن أبيه ، عن
جده، عن النبي ◌َّه، قال: ((أُعْطيتُ الليلةَ خَمسًا ما أُعْطِيَهُنَّ نَبِيٌّ كان قَبلي)) -
فذكر الحديثَ ، إلى أن قال : ((والخامسة هي ما هي : قيل لي سَلْ ؛ فإن كل نبي
قد سأل ، فَأَخَّرْتُ مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شَهد أن لا إله إلا اللّهُ)).
وخرَّج - أيضًا (٢) - من حديث أبي موسى، عن النبي وَّهِ، قال: ((أُعطيتُ
خَمسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ كان قَبَلي)» - فَذَكَره، وقال في آخره : ((وأُعطيتُ الشفاعةَ،
وإنه ليس من نبي إلا قد سأل شفاعتَه ، وإني أَخَّرْتُ شفاعتي ، جَعَلْتُها لمن مات من
أُمتي لا يشركُ باللّه شيئًا)».
وفيه - أيضًا (٣) - من حديث ابن عباس، عن النبي وَّ، قال: ((لم يكن نبيٌ
إلا له دعوةٌ يُنْجَزُها في الدنيا ، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةٌ لأُمتي يومَ القيامة ، وأنا
سيدُ وَلَدَ آدَمَ ولا فَخْرَ ، وأول من تَنْشَقُّ عنه الأرضُ ولا فخر ، وبيدي لواءُ الحَمْد
وآدمُ ومَن دُونه تحت لوائي)) .
وخرَّج الترمذي وابنُ ماجه(٤) من حديث أبي سعيد، عن النبي ◌ِّ، قال:
((أَنَا سِيدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنَه الأرضُ يَومَ القيامةِ، وَأَنَا أَوَّلَ
شَافِعٍ وأَوَّلْ مُشَفَّعٍ وَلاَ فَخْرَ، وَلِواءُ الحَمدِ بِيدِي يَومَ القيامَةِ وَلاَ فَخْرَ) .
(١) (٢٢٢/٢) .
(٢) (٤/ ٤١٦) .
(٣) (١/ ٢٨١) .
(٤) الترمذي (٣١٤٨) (٣٦١٥) وابن ماجه (٤٣٠٨).

٢٤
حديث : ٣٣٥
کتاب التيمم
وفي ((الصحيحين))(١) عن أبي هريرة، عن النبي نَّه قال: ((لكلِّ نَبِيِّ دعوةٌ
يَدعُو بها ، فَأُريدُ أن أَخْتَبِىَّ دَعْوتِي شفاعةً لأُمَّتِي يَومَ القَيَامَةِ)).
وفي ((صحيح مسلم)) (٢) عن جابرٍ، عن النبي وَّ، قال: ((لكلِّ نبي دعوةٌ قد
دَعا بها في أُمته، وخَبأتُ دعوتي شفاعةً لأُمتي يومَ القيامة)) .
وفيه - أيضًا(٢) - نحوُهُ من حديثِ أَنَسٍ، عن النبيِّر.
وفي حديث عبد الرحمنِ بنِ أبي عَقِيلٍ: سمع النبيِّ وَّ يقول: ((إن اللّه لم
يَبعث نبيًا إلا أعطاه دَعوةً، فمنهم من اتخذها دُنيا فأعطاها ، ومنهم من دَعا بها على
قومه إذا عَصَوْه فهَلَكُوا ، وإن اللّه أَعطاني دعوةً، فاختبأتُها عند ربي شفاعةً لأُمتي يومَ
القيامة)) .
خرَّجِه البَزَّارُ وغيرُه(٣) .
وَل قال: ((إن الله
وفي ((المسند))(٤) عن عُبَادَةَ بنِ الصَّمِتِ ، عن النبي
أيقظني ، فقال : إني لم أَبعث نبيًا ولا رسولاً إلا وقد سألني مسألةً أَعطيتُها إياه ،
فسَلْ يا محمدُ تُعْطَ؟ فقلتُ: مسألتي شفاعةٌ لأمتي يومَ القيامة))، فقال أبو بكرٍ :
يا رسولَ اللّه، وما الشفاعة التي اختبأتَ عندك؟ قال: ((أقول: ياربِّ، شفاعتي
التي اختبأتُ عندك، فيقول الربُّتَبَارَكَ وتَعالى: نَعَمْ ، فَيُخْرِج ربي تبارك وتعالى
بقيةَ ◌ُمتي من النار ، فيبُذُهم في الجنة)) .
والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم - : أن كل نبي أُعطي دعوة عامة
شاملة لأُمته ، فمنهم من دعا على أُمته المكذبين له فهَلَكُوا ، ومنهم من سأل
كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمانُ عليه السلامُ، واختص النبيُّ نَّه بأن ادَّخر
:
(١) البخاري (٦٣٠٤) ومسلم (١٣٢/١).
(٢) (١/ ١٣٢) .
(٣) البزار (٣٤٥٩ - كشف الأستار) والحاكم (٦٧/١ - ٦٨) وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٨٢٤).
(٤) (٣٢٥/٥) .

٢٥
١ - بَابٌ
كتاب التيمم
تلك الدعوةَ العامة الشاملة لأُمته شفاعةً لهم يومَ القيامة .
وقد ذَكَر بعضُهم: شفاعة خامسة خاصة بالنبي ◌َّ، وهي: شفاعته في
تَخفيف عذاب بعضِ المشركين ، كما شَفَع لعَمِّه أبي طالبٍ ، وجَعَل هذا من
الشفاعة المختصِّ بها وَلجهود .
وزاد بعضهم: شفاعة سادسةً خاصة بالنبيِّ بِّ، وهي: شفاعته في سبعين
ألفًا يَدخلون الجنَّة بغيرِ حسابٍ ، وسيأتي ما يدل عليه - إن شاء اللّه تعالى.
وأما بعثته إلى الناس عامة، فهذا مما اختص به وَّ عن الأنبياء.
وفي ((المسند))(١) من حديث أبي ذَرٍّ، عن النبي ◌ِّهِ، قال: ((أُعطيتُ خَمسًا
لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبَلي)) - فذَكَر منها - : ((وبُعثتُ إلى كل أَحْمَرَ وأسودَ)).
وفيه(٢) - أيضًا - من حديث ابن عباسٍ، عن النبي بَّل، قال: ((أعطيت
خمسًا لم يعطهن نبي قبلي ، ولا أقولهنّ فخراً ، بعثت إلى الناس كافة الأحمر
والأسود)) .
وفي ((مسند البزار))(٣) من حديث ابن عباس، عن النبي ◌َّ لّ، قال:
((أعطيت خمسًا لم يعطها نبي)) - فذكر منها - : ((وكان النبي يبعث إلى خاصة
قومه ، وبعثت إلى الجنِّ والإنس)) - وذكر الحديث .
وقال: لفظ: ((الجن والإنس)) لا نعلمه إلا في هذا الحديث ، بهذا
الإسناد .
قلت : وقد سبق أن في إسناده سالمًا أبا حماد ، وأن أبا حاتم قال : هو
مجهول .
(١) (١٤٨/٥) .
(٢) (١/ ٢٥٠ - ٣٠١) .
(٣) (٢٣٦٦ - كشف الأستار).

٢٦
حديث : ٣٣٥
کتاب التيمم
ولكن روي ذكر الجنِّ في حديث آخر ، ذكره ابن أبي حاتم في ((تفسيره))(١)
تعليقًا، وفي إسناده رجل لم يسم ، عن عبادة بن الصامت، أن النبي ◌َّ خرج
عليهم فقال : ((إن جبريل قال لي : اخرج فأخبر بنعمة اللّه التي أنعم بها عليك،
وفضيلته التي فضلت بها ، فبشرني أنه بعثني إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر
الجنَّ ، وآتاني كتابه وأنا أُمِّيَّ ، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في
الأذان ، وأمدني بالملائكة ، وآتاني النصر ، وجعل الرعب أمامي ، وآتاني
الكوثر ، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة ، ووعدني المقام
المحمود والناس مهطعين مقنعي رءوسهم ، وجعلني في أول زمرة تخرج من
الناس ، وأَدْخَل في شفاعتي سبعين ألفًا من أمتي الجنّة بغير حساب ، وآتاني
السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة ، فليس فوقي إلا الملائكة
الذين يحملون العرش ، وأَحَلّ لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا)) .
وفي ((صحيح مسلم)) (٢)، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ، قال: ((فضلت
على الناس بست : أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلّت لي الغنائم،
وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً ، وأرسلت إلى الخلق كافّة ، وختم بي
النبيون)) .
وقوله : ((إلى الخلق كافة)) يدخل فيه الجنّ بلا ريب .
.!
وفي ((صحيح ابن خزيمة))(٣) عن حذيفة، عن النبي وَله، قال: ((فضلت
على الناس بثلاث)) - فذكر الثالثة، قال: ((وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة
البقرة من كنز تحت العرش ، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي)) .
(١) وهو في ((التفسير)) لابن كثير (٣٢٦/٥)، عن ابن أبي حاتم ..
وقال ابن كثير : «هذا حديث غريب جداً» .
(٢) (٦٤/٢) .
(٣) (٢٦٣) (٢٦٤) .

٢٧
١ - بَابٌ
كتاب التيمم
وهذه الخصلة الثالثة لم تُسم في ((صحيح مسلم)) ، بل فيه : ((وذكر خصلة
أخرى)) كما تقدم .
ومن تأمل هذه النصوص علم أن الخصال التي اختص بها عن الأنبياء لا
تنحصر في خمسٍ ، وأنه إنما ذكر مرة ستًا ومرة خمسًا ومرة أربعًا ومرة ثلاثًا
بحسب ما تدعو الحاجة إلى ذكره في كل وقت بحسبه . والله أعلم .

٢٨
حديث : ٣٣٦
کتاب التيمم
٢ - بَابُ
إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ تُرَابًا
خرج فيه :
٣٣٦ - حديث: هشام بن عروةً، عن أبيه ، عن عائشةَ، أنَّها استعارتْ منْ
أَسْمَاء قلادةً، فهلكتْ، فبعثَ رسول اللّهِ وَّهِ رجلاً فوجدَهَا، فأدركتْهُمُ الصلاةُ
وليسَ معهُم ماءٌ ، فصلَّوا، فَشَكَوْا ذلكَ إلى رسول اللّه بَّهِ، فأنزل الله تعالى آيةً
التََّمُّمِ . فقال أُسَيّد بن حُضَيْر لعائشةَ: جزاك الله خيرًا، فواللّه مَا نزلَ بِك أمرٌ
تَكْرَهِينَه إلا جَعَلَ اللّه ذَلكَ لَك وللمسلمين [فيه)](١) خيراً.
قد سبق : أن روايةَ هشامٍ بن عروةَ ، عن أبيه ، عن عائشةً لهذا الحديث
تخالفُ رواية عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ؛ فإن عبد
الرحمن ذكرَ في روايته: أن عقدًا لعائشة انقطعَ، وأن رسول اللّهِ وَلَّ أقامَ على
التماسِه ، وأَنَّه نام حتى أصبح على غير ماءٍ ، فنزلت آيةُ التيممٍ .
وأما عروة ، فذكر في روايته : أن قلادةً لأسماءَ استعارتها عائشة فهلكت -
يعني: أنهم فقدوها -، فأرسلَ رسول اللّه وَّ فِي طَلبها فأدركتهم الصلاةُ وليس
معهم ماءٌ، فصلَّوا فشكوا ذلك إلى النبي ◌َّهِ، فنزلت آية التيمم.
وفي حديث ابن القاسمِ ، عن أبيه: أنهم بعثوا البعيرَ ، فوجدوا العقْدَ تَحْتَه.
وفي حديث ابن عروة ، عن أبيه : أن الذين أرسلهم في طلبها وجدوها (٢).
فزعم بعض الناس أن عائشة كان لها عقد انقطع وقلادة فقدت ، فأرسل في
طلب القلادة وأقاموا على التماس العقد ، وفي هذا نظرٌ . واللّه أعلم .
(١) زيادة من ((اليونينية)).
(٢) في ((ك)): ((أن النبيَّ أرسلهم في طلبها فوجدوها)) .

٢٩
٢ - بَابُ إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا
کتاب التيمم
ورجَّحت طائفة رواية مالك ، عن ابن القاسم ، عن أبيه على رواية هشام ،
عن أبيه ، ومنهم : القاضي إسماعيل المالكي ، وقال : بلغني عن يحيى القطان
أنه كان ينكر أشياء حدث بها هشام في آخِرِ عمرِه لما سَاءَ حفظُه .
وقد استدل البخاري بهذا الحديث الذي رواه هشام ، عن أبيه على أن من لم
يجد ماءً ولا ترابًا أنه يصلي على حسب حاله ؛ فإنهم صلَّوا بغير وضوء ، ولم
يكن شرع التيمم قبل ذلك، وشَكَوْا ذلك إلى النبي مَّ ولم يأمرهم بإعادة
الصلاة .
وزعم بعضهم: أن رواية القاسم، عن عائشة، أن النبي بِّ نام حتى
أصبح على غير ماء يدل على أنه لم يصلِّ هو ولا من معه ، وهذا في غاية
الضعف .
وقد قررنا فيما تقدم : أن آية سورة النساء التي فيها ذكر التيمم كان نزولها
سابقًا لهذه القصة ، وأن توقفهم في التيمم إنما كان لظنِّهم أن من فَوَّت الماءَ
لطلب مال له لا رُخْصَةَ له في التيمم ، فنزلت الآية التي في سورة المائدة مبينة
لجواز التيمم في مثل ذلك .
والظاهر : أن الجميع صَلَّوا بالتيمم ، ولكن حصل لهم شكٌّ في ذلك ،
فزال ذلك عنهم بنزول آية المائدة . والله أعلم .
واختلف العلماء في حكم من لم يجد ماءً ولا ترابًا على أربعة أقوال :
أحدها : أنه يصلي بحسَب حاله ، ولا قضاءَ عليه ، وهو قول مالك
وأحمد في رواية عنهما ، وأبي ثور والمزني وغيرهم ، وحكي قولاً قديمًا
للشافعي .
وعليه بَوَّب البخاري ، واستدل بحديث عائشة الذي خرَّجه هَاهُنا ؛ فإنهم
شكوا ذلك إلى النبي وَّ﴿ه ، ولم يذكر أنه أمرهم بقضاء صلاتهم ، ولأن الطهارة

٣٠
حديث : ٣٣٦
کتاب التيمم
شرطٌ ، فإذا عجز عنها سقطت عنه ، كاستقبال القبلة وستر العورة .
والثاني : يصلي ويعيد ، وهو قول مالك في رواية ، والشافعي ، وأحمد في
رواية عنه نقلها عنه أكثر أصحابه .
والثالث : لا يصلي ويعيد صلاته ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي
حنيفة ، وهو قول قديم للشافعي .
واستدلوا: بقوله وَيقول: ((لا يقبل اللّه صلاة بغير طهور)) (١).
ويُجاب عنه: بأن ذلك مع القدرة، كما في قوله وَّ: ((لا يقبل اللّه صلاة
أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))(٢)، ولا خلاف أنه لو عدم الماء وصلى بالتيمم
قُبلت صلاته .
والرابع : أنه لا يصلي ولا إعادةَ عليه ، وهو رواية عن مالك ، وقول بعض
الظاهرية ، وحكاه بعضهم روايةً عن أبي ثور .
وهو أردأُ الأقوال وأضعفها، ويردُّه قول اللّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقولُ النبي ◌َّ: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
٠٥ /٥٩٥
استطعتم))(٣).
وليس هذا كالحائض ؛ فإن الحائض ليست من أهل الطهارة ، ولا يصح منها
لو فعلتها ، وهذا من أهلها وهو عاجز عنها .
وأما قول أُسيد بن حضير لعائشة - رضي الله عنها -: ((جزاك الله خيرًا
فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل اللّه ذلك لك وللمسلمين خيرًا)).
(١) أخرجه مسلم (١/ ١٤٠) والترمذي (١) وابن ماجه (٢٧٢) من حديث ابن عمر .
(٢) أخرجه البخاري (١٣٥) (٦٩٥٤) ومسلم (١/ ١٤٠) وأحمد (٣٠٨/٢ - ٣١٨) وأبو داود
(٦٠) والترمذي (٧٦) من حديث أبي هريرة .
(٣) أخرجه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٠٢/٤) (٩١/٧) وأحمد (٤٤٧/٢ - ٤٥٦ - ٥٠٨)
والنسائي (١١٠/٥ - ١١١) وابن ماجه (٢) وابن خزيمة (٢٥٠٨) .

٣١
٢ - بَابُ إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا
كتاب التيمم
فيه إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك ، وقد تقدم أن بعض أهل
السِّير ذكر أن هذه القصة كانت هي وقصة الإفك في سفرة واحدة ، وهذا يُشكل
عليه قول أسيد بن حضير هذا ؛ فإن الفَرَج الذي حصل من قضية الإفك إنما وقع
بعد قدومهم المدينة بمدة ، وظاهر سياق حديث عائشة يدل على أن أُسيد بن
حضير قال ذلك عقيب نزول آية التيمم .
وقد زعم بعضهم : أن هذا قاله أسيد بن حضير بعد نزول الآيات في قصة
الإفك ، وبعد نزول آية التيمم ، وهو مخالفٌ لظاهر هذه الرواية(١). والله أعلم.
وقد استحب الثوري وأحمد : حَمْلَ التراب للمسافر كما يستحب له حمل
الماء للطهارة ، ومن المتأخرين من أنكره ، وقال : هو بدعة .
(١) فى ((ق)): ((الروايات)).

٣٢
٣ - بَابُ التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء
كتاب التيمم
٣ - بَابُ
التّيَّمَّم في الحَضَرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ وَخَافَ فَوْتَ الصَّلاةِ
وَبَهِ قَالَ عَطَاءٌ .
وَقَالَ الحَسَنُ فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ: تَيَمَّمَ (١).
وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بالجُرُفِ، فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ ، فَصَلَّى،
ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ، فَلَمْ يُعِدْ .
هذه الآثار الثلاثةُ التي علَّقها البخاري تشتمل على ثلاثة مسائل :
المسألة الأولى :
أن من عَدِم الماء في الحضر فله أن يتيمم ويصلي ، وقد حكاه عن عطاء،
وهو قول جمهور العلماء .
وقد سبقت الإشارة إلى الاختلاف في هذه المسألة ، وأن السفر هل هو شرط
لجواز التيمم أم كان ذكره في القرآن لأن السفر مظنة عدم الماء غالبًا ؟ والأكثرون
على الثاني ، فلو لم يجد الماء في الحضر تيمم وصلَّى .
واختلفوا : هل يعيد إذا وجد الماء أم لا(٢) ؟ فقال الليث وأبو حنيفة
والشافعي : يعيد ، وهو وجه لأصحابنا .
ومنهم من فرق بين أن تقصر مدة عدم الماء في الحضر فيعيد ، وبين أن
تطول فلا يعيد ، والصحيح من المذهب : أنه لا يعيد ، وهو قول مالك والثوري
وإسحاق والمزني وغيرهم .
وذهبت طائفة إلى أنه لا يصلي حتى يجد الماء أو يسافر ، وهو رواية عن
(١) في ((ك)): ((يتيمم))، وهما وجهان في نسخ البخاري .
(٢) في ((ق)): ((يسأل)).

٣٣
٣ - بَابُ التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء
کتاب التيمم
أبي حنيفة، ورواية عن أحمد اختارها الخلاَّل والخرَقي ، وحُكي عن زُفَر
وداود .
ومن أصحابنا من قال : إن كان يَرجو حصولَ الماء قريبًا لم يصِلِّ حتى
يجده ، وإن فاتَ الوقت .
المسألة الثانية :
أن المريض إذا كان يجد الماء ، ولكن ليس عنده من يناوله إياه ، فإنه يتيمم
ويصلي ، حكاه(١) عن الحسن ، وهو - أيضًا - قول الأوزاعي والشافعي وأحمد
وأكثر العلماء .
وعن الشافعي : يعيد ، وحكي رواية عن أحمد ، وظاهر كلامه أنه لا يعيد،
وهو المشهور عند أصحابنا .
ولأصحابنا وجهُ : أنه إن رَجَا أن يجد من يناوله الماء بعد الوقت قريبًا لم
يصلِّ بالتيمم ، وأخَّر حتى يجيء مَنْ يناوله .
والصحيح : الأول ، وأنه يصلي بالتيمم في الوقت ، ولا يؤخر الصلاة إلى
أن يقدر على الوضوء بعده ، كما لا يؤخر المسافر الصلاة إذا رَجَا الوصول إلى
الماء بعد الوقت عقيبه .
[وخرج ابن أبي حاتم (٢) من رواية قيس ، عن خُصيف ، عن مجاهدٍ ، في
قوله تعالى: ﴿وَإِن كَنْتَم مَّرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]، قال: نزلت في رجل من
الأنصار ، كان مريضًا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ، ولم يكن له خادم فيناوله ،
فأتى رسول اللّه وَ ل﴿ فذكر ذلك له، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية](٣).
(١) يعني : البخاري في صدر الباب .
(٢) أورده الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (٢٧٥/٢) وعزاه لابن أبي حاتم من طريق مالك بن
إسماعيل ، عن قيس ، به . وقال : هذا مرسل.
(٣) ساقط من ((ك)).

٣٤
٣ - بَابُ التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء
كتاب التيمم
المسألة الثالثة :
أنه يجوز التيمم بقُرب المِصر إذا لم يجد الماء ، وإن كان يَصِلُ إلى المصر
في الوقت ، هذا هو المروي عن ابن عمر - رضي اللّه عنه - ، وقد احتج به
الإمام أحمد ، وقال : كان ابن عُمر يتيمم قبل أن يدخل المدينة ، وهو يرى
بيوت المدينة .
وهذا الأثر مشهور عن ابن عُمر من رواية نافعٍ عنه ، وقد رفعه بعضهم،
خرجه الدارقطني والبيهقي مرفوعًا (١). قال البيهقي : وهو غير محفوظ .
ولفظ المرفوع: أن ابن عُمر قال: رأيت النبي ◌َّ تيمم بموضعٍ يقال له:
مِرْبَدِ النَّعَم ، وهو يرى بيوت المدينة .
وخرج الأثرم(٢) من طريق أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه أقبل من
أرضه التي بالجُرُّف ، حتى إذا كان بمربد النَّعم حضرت الصلاةُ صلاةُ العصرِ،
فتيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة .
وقد روى الشافعي(٣)، عن ابن عُبينة، عن ابن عجلان، عن نافعٍ ، أن ابن
عمر أقبل من الجرف حتى كان بالمربد تيمم وصلَّى العصر ، ثم دخل المدينةَ
والشمس مرتفعة فلم يُعد الصلاة .
((الجُرُف)) - بضم الجيم والراء - : موضع بينه وبين المدينة ثلاثة أميال .
و((المربد)) : مكان بقرب المدينة.
ورواه سفيان الثوري ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أنه تيمم على رأس
ميل أو ميلين من المدينة ، فصلى العصر ، ثم قدم والشمس مرتفعة ، فلم
يُعد .
(١) الدار قطني (١٨٥/١ - ١٨٦) والبيهقي (٢٢٤/١).
(٢) أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٢/ ٣٤) من حديث أيوب ، عن نافعٍ ، به .
(٣) ((مسنده)) (٤٥/١).

٣٥
٣ - بَابُ التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء
کتاب التيمم
خرّجه حرب الکرماني(١).
ورواه - أيضًا - مالك (٢)، عن نافع ، قال: أقبلت مع ابن عمر من الجُرُّف
حتى إذا بلغ المربد تيمم ، ثم صلَّى .
ورواه العُمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه تيمم وصلَّى ثم دخل المدينة
في وقتٍ ، فلم يُعد .
ورواه أبو معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أقبلنا من الغابة ، حتى
إذا كنا بمربد النعم جاءت الصلاة ، فتيمم ، وصلى العصر ، ثم دخل المدينة .
وهذا المرويُّ عن ابن عمر يؤخذ منه عدة مسائلَ :
منها : أنه تجوز الصلاة بالتيمم في أول الوقت للمسافر ، وإن علم أنه يَصِل
إلى الماء قبل خروج الوقت ، وهذا قول أكثر العلماء ، ومنهم من حكاه إجماعًا،
واستدل أحمد لذلك بحديث ابن عُمر هذا . وحُكي عن الشافعي قولُ : أنه لا
يجوز .
ومنها : أن المسافر سفرًا قصيرًا له أن يتيمم فيه كالسفر الطويل ، وهو قول
جمهور العلماء - أيضًا - ، وحكي فيه خلاف شاذٍّ في مذهب الشافعي ، ومن
أصحابه من لم يثبته عنه ، وقال : إنما حكاه الشافعي عن غيره ، وهو وجه
ضعيف لأصحابنا - أيضًا .
وقد تقدم : أن عدمَ الماء في الحضر يبيح التيمم عند الأكثرين ، لكن منهم
من أوجب الإعادةَ فيه ، فمن قال : يُعيد إذا تيمم في الحضر ، وقال : لا يَتَيَمَّم
إلا في سفرٍ طويل جعل حكم السفر القصير حكم الحضر في الإعادة إذا صلى فيه
بالتيمم .
(١) أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٦٤/٢) من حديث سفيان، عن يحيى، عن نافع ، عن
ابن عمر بلفظه. والدارقطني (١٨٦/١) وعبد الرزاق (٢٢٩/١).
(٢) ((الموطأ)) (ص ٥٩).

٣٦
٣ - بَابُ التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء
كتاب التيمم
وحكى ابن عبد البر ، عن محمد بن مسلمة المالكي ، أنه حمل ما فعله ابن
عمر على أنه خاف فَوْتَ الوقتِ ، وهذا يدل على أنه يرى أن الحاضر إذا كان
عادِمًا للماء لم يتيمم ، إلا أن يخاف فوتَ الوقت .
وسئل ابن المبارك : عن الراعي تكون الماشية منه على الميلين والثلاثة ؟
فذكر عن سعيد بن المسيب ، قال : يتيمم ويصلَّي .
[وقال أبو داود: قلت لأحمد: [الرجل](١) يخرج على الميلين والثلاثة
والأكثر ، فتحضره الصلاة ، أيتيمم ؟ قال : إذا خاف يتيمم . قيل له : فيعيد ؟
قال : لا](٢).
قال حرب : قلت لإسحاق - يعني : ابن راهويه - : فرجل من المدينة على
فرسخ ، وليس في سفر ، فحضرت الصلاة ، وليس له ماء ، أيتيمم ويصلي ؟
قال : نعم . قلت : يعيد ؟ قال : لا ، وأنا أرى في الحضرِ التيممَ.
قال : وسألته عن رجل في الصيد ، وليس هو في سفرٍ ، فحضرت الصلاة،
ولم يكن معه ماء ، فتيمم وصلى ؟ قال : إن كان في معصية يُعيد، وإن كان
للکسب علی عیاله لا يُعيد .
وروى حرب بإسناده عن الزهري ، في رجل ينتجع الكلأَ فلا يجد الماء ؟
قال : لا نرى أن يقيم بالأرض ليس فيها ماء . قال الوليد بن مسلم ذكرته لبعض
المشيخة ، فقال : سمعت أن معاذ بن جبل ذُكر ذلك له ، فقال : لو لم يكن
لهم ذلك لم يكن لنا أن نتركهم وذلك .
والمنصوص عن أحمد في الحطَّاب ونحوه : لا يُرخص لهم في ترك حمل
ماء الوضوء ، وأنه إذا لم يكن معهم ماء فلا يتيممون ، وحمله القاضي على أن
السفر القصير لا تيممَ فيه .
(١) ليست بالأصل، واستدركته من المسائل لأبي داود (ص ١٨).
(٢) ليسْ في ((ق)).

٣٧
٣ - بَابُ التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء
كتاب التيمم
وأجاز طائفة من أصحابنا لمن عدم الماء في الحضر في التيمم في آخر
الوقت ، وأنهم لا يُكَلَّفون طلب الماء مع فَوْتِ الوقتِ مع بُعد الماء في الحضر ،
وأوجب القاضي في ((خلافه)) طلب الماء على الحاضر، وإن أدركه بَعْدَ الوقتِ .
وقال صاحب ((المغني)) : من فارق موضع الماء إلى مكان قريب لحرث
ونحوه ، فحضرت الصلاة ، ولا ماء معه ، وإن رجع إليه فاته غَرَضُهُ ؛ فإنه يتيمم
ويصلي ، ولا إعادة عليه ، إلا أن يكون مكان الماء ومكان الحاجة من عمل
واحد ، ففي الإعادة وجهان .
وقد سبق ذكر هذه المسألة في ((باب : التماس الماء إذا حانت الصلاة)) في
((كتاب : الوضوء))(١).
ومنها : أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فإنه لا إعادةَ عليه ،
هذا قول جمهور العلماء ، وحكي عن طائفة من السلف وجوب الإعادة .
ولو وجده بعد الوقت ، فأجمعوا على أَنْ لا إعادة عليه - : حكاه ابن المنذر
وغيره .
وفي ((المسند)) و((سنن أبي داود)) والنسائي(٢) من رواية عطاء بن يسار ، عن
أبي سعيد ، قال : خرج رجلانِ في سفرٍ ، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء،
فتيمما صعيدًا طيبًا وصلَّيا ، ثم وجدا الماء في الوقت ، فأعاد أحدُهما الصلاة
والوضوء ولم يُعد الآخر، ثم أَتيا رسولَ اللّهِ وَّر، فذكر ذلك له، فقال للذي
لم يُعد: ((أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك))، وقال للذي توضأ وأعاد: ((لك
الأجر مرتین)) .
(١) هذه المسألة اختلفت النسختان في تقديم بعض الفقرات وتأخيرها ، فمن قوله : ((والمنصوص
عن أحمد)) وقع في ((ق) بعد قول إسحاق بن راهويه : ((وأنا أرى في الحضر التيمم)) حتى إذا
ما بلغ هذا الموضع ذكر باقي سؤال حرب له ، وهذا اضطراب ظاهر ، ولذا اعتمدنا ترتيب
النسخة ((ك))، فهو مستقيم .
(٢) أبو داود (٣٣٨) والنسائي (٢١٣/١) ولم نجده في ((المسند)).

٣٨
حديث : ٣٣٧
كتاب التيمم
وقال أبو داود : ذِكرُ أبي سعيد في إسناده وَهْم ليس بمحفوظ ، بل هو
مرسل .
واستحب الأوزاعي الإعادة بالوضوء في الوقت من غير إيجاب .
ونقله حرب ، عن أحمد(١).
وقال القاضي أبو يعلَى : يجوز ولا يستحب ، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد؛
فإنه قال في رواية صالح : إن أعاد لم يضره .
وقال الخلاَّل : العملُ من قول أبي عبد اللّه على أنه لا يعيد .
وقال الحسن : إن شاءَ أعاد ، وإن شاء لم يُعد .
وصرَّح أصحاب الشافعي بأن الإعادة غير مستحبة .
وهذا الحديث قد يستدل به على استحباب الإعادة ؛ لقوله : ((لك الأجر
مرتين)) . وقد يقالُ: إِصابة السنة أفضل من ذلك .
وقد ذكرنا في ((كتاب: العلم)) في شرح حديث : ((ثلاثة يؤتون أجرهم
مرتين)) أنه ليس كل من له أجره مرتين يكون أفضل من غيره .
ومنها : أنه لا يجب طلب الماء لمن عدمه في غير موضعه الذي هو فيه ،
وقد أخذ بذلك إسحاق ، واستنبطه من فعل ابن عُمر هذا .
قال البخاري - رحمه الله - :
٣٣٧ - ثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيْرِ: ثنا اللَّيْثُ، عن جَعْفَرَ بنِ رَبيعَةَ، عن الأَعْرَجِ ، قَالَ :
سَمِعْتُ عُمَيَرًا مَوْلِى ابنٍ عَبَّاسٍ قال: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللّه بنُ يَسَارِ مَوْلِى مَيْمُونَةَ
زَوْجِ النَِّّ ◌ِ﴿، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْ بِنِ الحَارِثِ بْنِ الصَِّةِ الأَنْصَارِي ، فقال
أَبو الجُهَيْمِ: أَقْبَلَ النَِّيَُّ مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ، فَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ
(١) في ((ق)): ((وهو عن أحمد)).

٣٩
٣ - بَابُ التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء
كتاب التيمم
عَلَيْهِ النَّبِيُّ:﴿ السَّلامَ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيّهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ
السَّلاَمَ .
هذا الحديث ذكره مسلم في ((صحيحه))(١) تعليقًا عن الليث بهذا الإسناد ،
وكذا رواه ابن إسحاق ، عن الأعرج .
ورواه إبراهيم بن أبي يحيى (٢)، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية،
عن الأعرج ، عن ابن الصِّمة ، وزاد : أنه مسح وجهه وذراعيه ، وأسقط من
إسناده : ((عُمِيرًا)» .
ورواه أبو صالح كاتب الليث بن سعد(٣)، عنه، وقال في حديثه - أيضًا - :
«فمسح بوجهه وذراعيه)» .
وأبو صالح تغيّر بأخرة ، وقد اختلف عليه في لفظه ، ورواية يحيى بن بكير
أصحّ .
قال الخطابي(٤): حديث أبي الجُهيم في مسح الذراعين لا يصح .
يعني : [لا يصح](٥) رواية من روى فيه مسح الذراعين .
وقد استدل البخاري بهذا الحديث على [جواز] (٦) التيمم في الحضر إذا لم
يجد الماء، ولكن التيمم هنا لم يكن لما تجب له الطهارة ، بل لما يستحب له ،
وقد تقدم ذكر هذا (٢) في ((كتاب: الوضوء)) في غير موضعٍ منه ، وذكرنا أن عُمر
كان يتيمم في الحضر لذكر اللّه عز وجل ، وهو من رواية علي بن زيد ، عن
(١) (١ / ٩٤ ١) .
(٢) أخرجها البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٠٥/١).
(٣) أخرجها البيهقي في ((سننه)) (٢٠٥/١).
(٤) في ((شرح البخاري)) (٣٤٥/١).
(٥) سقط من ((ك)).
(٦) من ((ك)).
(٧) في ((ك)): ((هذا الحديث)).

٤٠
حديث : ٣٣٧
كتاب التيمم
يوسف بن مهران ، عن ابن عباس ، قال : رأيت عمر بال ثم أتى الحائط فتمسح
به ، ثم قال : هذا للذكر والتسبيح حتى [تلقى] (١) الماء .
خرَّجه ابن جرير الطبري ..
وهذا يدل على أنه إنما تيمم بمكان ليس فيه ماء ، وذكرنا فيما تقدم أن من
السلف من كان يتيمم لرواية الحديث ونحو ذلك ، [وعن أبي العالية أنه تيمم لردِّ
السلام](٢).
وفي ((المسند)) (٣) عن ابن عباس، أن رسول اللّه ◌َخلال كان يخرج فيهريق
الماء ، فيتيمم بالتُراب ، فأقول : يا رسول اللّه ، الماء منك قريب ، فيقول :
(ما يُدْرِينِي، لَعَلِّي لا أَبْلُغُهُ».
وذكرنا - أيضًا - أن طائفة من أعيان الشافعية كأبي المعالي الجويني وصاحبه
أبي حامدٍ صرَّحوا بأن من تيمم في الحضر ، ثم قرأ القرآنَ وذكر اللّه كان جائزًا،
استدلالاً بهذا الحديث .
وردَّ ذلك بعضُ متأخريهم ، وقال: لم يكن تيمم النبي وَّ بالمدينة ،
إنما كان ظاهرها حيثُ لا يوجد الماء ، ولكن كان بقرب المدينة ، فإن في
[هذا](٤) الحديث أن النبي وَلّ كان قد أقبل من نحو بئر جملٍ، وهي خارج
المدينة .
وقد روي هذا الحديث عن ابن عمر، عن النبي وَلا بنحو حديث
أبي الجُهيم .
خرجه أبو داود من حديث ابن عمرُ، أن النبي ◌َّ قضى حاجته ثم أقبل في
(١) في ((ك)): يأتي.
(٢) سقط من (ك)).
(٣) (٢٨٨/١).
(٤) من ((ك)).