النص المفهرس

صفحات 1-20

فتحُ النََّارى
فِي ◌َشْرِجُ صَحِيحُ التَكَلِىُ
للإمام الحافظ الفَقِيُّه زينٌ الّين أبي "الفرج عبد الرّحمن
ابِّ شَهَابُ الدّينّ البغدادي ثم الّمشقيِّ
الشِهِيْرٌ يابْ رَحَبْ الحنبليّ
٧٣٦ - ٧٩٥ هـ
تحقيق
أبي معاذ
طَارق بنْ عَوض الَّبن محمّد
المَجَلّدُ الثانيْ
دارابن الجوزي

بِشِـ

Y
فتح الباري
شرح صحيح البخاري
للإمام الحافظ
ابن رجب الحنبلي

جميع الحقوق محفوظة لِدارابن الجوزي
الطبعة الأولى
رَجَبْ - ١٤١٧ هـ -٦
كارابر
دارابن الجوزي
لِلنشْر وَالتّوزيْع
المملكة العَربيّة السّعُوديَّة
الدمام- شارعابنخلدون -ت: ٨٤٢٨١٤٦
حربٌ: ٢٩٨٢ - الهز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠
الإِحَسَاءٌ: الهمُوفٌ - شارع الجامعة - ت: ٥٨٢٣١٢٢
جَدّة - ت: ٦٨٠٥٤٩٣ - ٦٥١٦٥٤٩٢
الرّيَاضُ - ت : ٤٢٦٦٣٣٩

٨
كِتَابُ النَّيْمُ

٧
١ - بَابٌ
کتاب التيمم
◌ِالِّرَ الرَّحْمَةُ
٧
ويـة
کتاب التيمم
١ - بابٌ(١)
قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَّا فَامْسَحُوا
بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [الماء
[المائدة: ٦]
خرَّج فیه حدیثین :
الحديثُ الأول :
قال :
٣٣٤ - ثنا عبدُ اللَّه بنُ يُوسُفَ: أبنا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ القاسِمِ، عن
أبيه، عن عائشةَ زوج النِِّّ ◌َِّ، قالت: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ وَلِ فِي بعضِ أَسْفَارِهِ
حتى إذا كُنَّا بِالبَيْداء - أو بِذات الجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌلِي، فَأَقام رسولُ اللَّهِوَلِ على
التماسه ، وأقام النَّاسُ معه وليسُوا على ماء، فأتى النَّاسُ إلى أبي بَكْر ، فقالوا : ألا
تَرَى مَا صَنَعَتْ عائشةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِّهِ والناسِ، وليسوا على ماء ، وليس
معهم ماءٌ. فجاءَ أَبُو بكر وَرَسُولُ اللَّهِوَّهِ واضعُ رأسَه على فَخذي قد نام، فقال:
حَبَسْتِ رسولَ اللَّهِوَّهِ وَالنَّاسَ، وليسوا على ماء، وليس معهم ماءٌ. قالت عائشةُ:
(١) لفظ ((باب)) من ((ق)) فقط، وليس هو في ((اليونينية)).

٨
١ - بَابٌ
كتاب التيمم
فَعاتَبَتِي أبو بكر ، وقال مَا شَاء اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وجَعَلَ يَطْعَنُني بيده في خاصرَتَي ، فلا
يَمْتَعُني من التَّحْرُّكِ إِلا مَكانُ رسولِ اللهِوَ عَلَى فَخِذِي، فَتَامَ حَتَّى (١) أَصْبِحَ عَلَى
غيرِ ماء ، فأنزلَ اللَّهُ آيَةَ التيمم ، فَتَيَمَّمُوا، فقال أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ : ما هي بأوَّلِ
بَرَكَتِكم يا آلَ أبي بكرٍ ، قالت: فَعَثْنَا الْبَعِيرَ الذِي كُنْتُ عَلَيهِ فَأَصَبْنَا العِقْدَ تحته .
[قيل: إن الرواية هنا: ((فقام حتى أصبح)). ورواه في ((التفسير)) (٢) بلفظ:
((فنام حتى أصبح)) وهو لفظ مسلم(٣)، وكذا في ((الموطٍ)) (٤)] (٥).
هذا السياقُ سياقُ عبدِ الرحمن بن القاسم لهذا الحديثِ عن أبيه، عن عائشةً.
وقد رواه هشامُ بنُ عُرْوَةً ، عن أبيه ، عن عائشةَ فَخالَف في بعضِ أَلْفَاظِهِ ومعانيه
مما لا يَضُرُّ . وقد خرَّجه البخاري في موضعٍ آخر (٦) وفي بعض ألفاظِه اختلافٌ
عَلَى عروةَ - أيضًا .
ومما خالفَ فيه : أنه ذَكَر أن عائشةَ استعارت قلادةً من أسماءَ فسقطت ،
وأنَّ النبيَّ نَّ أَرْسلَ رَجُلَيْنَ فِي طَلَبَها وليس مَعَهما ماءٌ فنزلتْ آيَةُ التيمم .
وفي روايةٍ : أَنَّهُمَا صَلًَّا بغيرِ وضوءٍ(٧).
وهذا يمكنُ الجمعُ بينه وبين حديثِ القاسمِ ، عن عائشةَ بأن القلادةَ لَمَّا
(١) في ((اليونينية)): ((فقام حين)). وهي نسخة عند ((ق)).
(٢) (٤٦٠٧) لكن بمثل لفظه هنا، وإنما هذا اللفظ عنده في ((المناقب)) (٣٦٧٢)، وكذا عزاه ابن
حجر (٤٣٣/١) ((للمناقب)).
(٣) (١/ ١٩٢).
(٤) (ص ٥٨) .
(٥) هذه الفقرة كتبت على هامش ((ق)) بدون علامة التصحيح، وفي ((ك)) وقعت في أثناء الحديث
قبل قوله: ((قالت عائشة: فعاتبني ... )) فالظاهر أنه ليس كلام ابن رجب وأنه أقحم في
(ك)) ويدل على ذلك ، أنها متعلقة بما سيأتي بعد هذا الموضع . والله أعلم .
(٦) برقم (٣٣٦) (٥١٦٤).
(٧) انظر: (٣٧٧٣). و((المسند)» للحميدي (٨٨/١).

٩
١ - بَابٌ
کتاب التيمم
سَقطتْ ظَنُّوا أنها سقطت في المنزلِ الماضِي ، فَأرسلوا في طلبها وأقاموا في
منزلهم وباتُوا فيه ، وفَقَد الجميعُ الماءَ حتى تَعذَّر عليهم الوضوءُ .
وفي حديثُ هشامٍ : أنَّ ذلك كان لَّيْلَة الأَبْواءِ . وفي روايةٍ عنه : أن ذلك
المكانَ كان يقال له : الصلصل .
[وروى ابنُ إسحاقَ : حدثني يحيى بن عَبَّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزَّبَيْرِ ، عن
أبيه، عن عائشةَ، قالت: أَقْبَلْنا مع رسولِ اللّه وَّ في بعضِ أَسْفَاره، حتى
إذا كُنَّا بِتُرْبَانَ - بلدٌ بينه وبين المدينة بَرِيدٌ وأميالٌ ، وهو بلدٌ لا ماءَ به - وذلك من
السَّحَرَ، انْسَلَّتْ قلادةٌ لي من عُنُقِي فَوقَعتْ - وذكر بقيةَ الحديث .
خرَّجِه الإمام أحمد (١)(٢).
وقد روي هذا الحديث من حديث عَمَّارِ بنِ ياسرٍ - أيضًا - أن النبي وَالْ عَرَّس
بأولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عِقْدٌ لها من جَزْعِ ظَفَارِ ، فحُبس الناسُ
ابتغاءَ عقْدها ذلك حتى أضاء الفجرُ ، وليس مع الناس ماءٌ ، فَتَغَيّظ عليها أبو بكرٍ،
وقال: حَبَسْتِ الناسَ وليسَ معهم ماء، فأنزل الله على رسوله وَّهِ رُخْصَةَ التطهر
بالصَّعِيد الطَّيِّب، فتيمم المسلمون مع رسول اللّه بَ لهــ وذَكَر الحديثَ.
خرَّجه الإمام أحمدُ وأبو داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه (٣)، وفي
إسناده اختلاف
والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت آيةَ المائدة؛ فإن البخاري خرَّج هذا
الحديث في ((التفسير))(٤) من ((كتابه)) هذا من حديث ابن وَهْبٍ، [عن عمرٍو](٥)،
(١) (٦/ ٢٧٢) .
(٢) ليس في (ك)).
(٣) أحمد (٤/ ٣٢٠ - ٣٢١) وأبو داود (٣٢٠) والنسائي (١٦٧/١) وابن ماجه (٥٦٥) (٥٧١).
(٤) برقم (٤٦٠٨).
(٥) سقط من الأصلين . وهو ابن الحارث الأنصاري أبو أمية .

١٠
١ - بَابٌ
کتاب التيمم
عن عبد الرحمن بن القاسم، وقال في حديثه: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ - هذه الآية [المائدة: ٦] .
وهذا السفر الذي سَقَط فيه قلادةُ عائشةَ أو عِقْدُها كان لغزوةِ المُرَيْسِيعِ إلى
بني المُصْطَلِقِ من خُزَاعَةَ سَنَةً ستٍّ ، وقيل : سنة خمس ، وهو الذي ذكره ابن
سَعْدِ عن جماعة من العلماء ، قالوا : وفي هذه الغزوة كان حديثُ الإفْكِ.
وقد ذَكَر الشافعي : أن قصة التيمم كانت في غزوة بني المُصْطَلِقِ ، وقال:
أخبرني بذلك عدد من قريش من أهل العلم بالمغازي وغيرهم .
فإن قيل : فقد ذَكَرَ غيرُ واحد ، منهم : ابنُ عبدِ البَرِّ : أنه يُحتمل أن
يكون الذي نزل بسبب قصة عائشة الآية التي في سورة النساء ؛ فإنها نَزَلَت قبل
سورة المائدة بيقين ، وسورة المائدة من أواخر ما نَزَل من القرآن ، حتى قيل:
إنها نزلت كلُّها أو غالبها في حَجَّة الوداع ، وآية النساء نزولها متقدِّم .
وفي ((صحيح مسلم) (١) من حديث سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ أنها نزلت فيه لمَّا
ضَرَبَه رجل قد سَكِرٍ بِلَحْي بعيرٍ ، فَفَزَرَ أَنْفَه .
وفي ((سنن أبي داود)) والنسائي وابن ماجه ، عن عليٌّ ، أن رجلاً صلى
وقد شرب الخمر ، فخَلَّط في قراءته ، فنزلتْ آيَةُ النساء .
فقد تَبَيَّن بهذا : أن الآية التي في سورة النساء نزلت قبل تحريم الخمر ،
والخمر حُرِّمت بعد غزوة أُحُدٍ ، ويقال : إنها حرمت في محاصرة بني النضير بعد
أُحُد بيسير ، وآية النساء فيها ذِكْر التيمم ، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة لما
توقفوا حينئذ في التيمم ، ولا انتظروا نزولَ آية أخرى فيه .
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢٦٥/٩) .
(٢) (١٢٦/٥ - ١٤٦) .
(٣) أبو داود (٣٦٧١) والنسائي في ((الكبرى)) ولم نجده في ابن ماجه ، ولم يعزه المزي إليه (٧)
٤٠٢ / ١٠١٧٥) .

١١
١ - بَابُ
كتاب التيمم
قيل : هذا لا يصح ؛ لوُجوه :
أحدها : أن سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما ينشأ من شرب الخمر
من المفاسد في الصلاة وغيرها ، وهذا غيرُ السبب الذي اتَّفَقَت الرواياتُ عليه في
قصة عائشةَ ، فدلَّ على أنَّ قصة عائشة نَزَل بسببها آيةٌ غيرُ آية النساء ، وليس
سوى آية المائدة .
والثاني : أن آية النساء لم تُحَرِّم الخمر مطلقًا بل عند حضور الصلاة ، وهذا
كان قبل أُحد ، وقصةُ عائشة كانت بعد غزوة أُحد بغير خلاف ، وليس في قصتها
ما يناسب النهيَ عن قربان الصلاةِ مع السُّكْر حتى تُصَدَّر به الآيَةُ .
وأما تصدير الآية بذِكْر الوضوء فلم يكن لأصلٍ مشروعيته ؛ فإن الوضوء كان
شُرع قبل ذلك بكثير ، كما سَبَق تقريرُه في أول ((كتاب الوضوء» ، وإنما كان
تمهيداً للانتقال عنه إلى التيمم عند العجز عنه ، ولهذا قالت عائشةُ : فَنَزَلَتْ آيَةُ
التيمم ، ولم تقل : آية الوضوء .
والثالث : أنه قد وَرَد التصريحُ بذلك في ((صحيح البخاري)) كما ذَكَرناه.
وأما توقفهم في التيمم حتى نزلت آيةُ المائدة مع سَبْق نزول التيمم في سورة
النساء ، فاالظاهر - والله أعلم - أنهم توقفوا في جوازِ التيمم في مثل هذه
الواقعة ، لأن فَقْدَهم للماء إنما كان بسبب إقامتهم لطلب عِقْدٍ أو قلادة ،
وإرسالهم في طلبها مَن لا ماء معه مع إمكان سَيرهم جميعًا إلى مكان فيه ماء،
فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرًا في طلب الماء ، فلا يُباح معه التيمم ، فنزلتْ آية
المائدة مُبَيِّنَةً جوازَ التيمم في مثلِ هذه الحالِ ، وأن هذه الصورة داخلةٌ في عموم
آية النساء .
ولا يُستبعَد هذا ، فقد كان طائفةٌ من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحةُ
رُخَصِ السَّفَرِ من الفِطرِ والقَصْرِ إلا في سفرِ طاعةٍ دون الأسفارِ المُبَاحةِ ، ومنهم

١٢
١ - بَابٌ
كتاب التيمم
من خَصَّ ذلك بالسفر الواجبِ كالحج والجهاد ، فلذلك تَوَقَّفوا في جواز
التيمم للاحتباس عن الماء لطلبٍ شيْء من الدنيا حتى بيَّن لهم جوازه ودخوله في
عموم قوله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءَ﴾، ويدلُّ (٢) ذلك على جواز التيمم في سفر
التجارة وما أَشْبَهه من الأسفار المباحة ، وهذا مما يَستأنس به من يقول : إن
الرُّخَصَ لا تُستباح في سفر المعصية .
وأما دَعْوى نزول سورة المائدة كلها في حَجََّ الوداع فلا تَصِحُّ ؛ فإن فيها
آيات نزلت قبل ذلك بكثير، وقد صح أن المِقْدَادَ قال للنبي وَِّ يوم بَدْرِ : لا
نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربَّك فقاتلا إنا هاهنا
قاعدون(٣)، فدَّل هذا على أن هذه الآيةَ نزلت قبلَ غزوة بدر . والله أعلم.
وقد ذَكَر اللَّهُ تعالى التيمم في الآيتين بلفظ واحدٍ ، فقال فيهما : ﴿ وَإِن كُنتُم
مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
ھ
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًّا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
١
فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُم مَّرْضَىْ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ذَكَر شيئين مبيحين للتيمم :
أحدهما : المرض ، والمراد به عند جمهور العلماء : ما كان استعمالُ الماء
معه يُخشى منه الضررُ .
والثاني : السفرُ ، واختلفوا : هل هو شرط للتيمم مع [ عدمٍ ] الماءِ ، أم
وقعَ ذكرُهُ لكونه مَظِنَّةَ عَدَمِ الماءِ غالبًا ، فإن عَدَمَ الماءِ في الحَضَر قليلٌ أو نادرٌ ،
كما قال الجمهورُ في ذكر السفر في آية الرَّهْنِ ، أَنَّه إنما ذُكِرِ السَّفَرُ لأنه مَظنَّةُ عدم
الكاتبَ ، وليس بشَرْط للرَّهْن .
والجمهور : على أَنَّ السفر ليس بشرط للرهن ولا للتيمم مع عدم الماء ،
(١) في ((ك)) : رخص
(٢) في ((ق)) : ونزل .
(٣) البخاري (٣٩٥٢) .

١٣
١ - بَابٌ
کتاب التيمم
وَأَنَّه يجوزُ الرهن في الحضر ، والتيمم مع عدم الماء في الحضر .
وقالت الظاهريةُ : السفر شرطٌ في الرَّهْن والتيمم .
وعن أحمد روايةٌ باشتراطِ السفرِ للتيمم خاصة، وحُكي روايةً عن أبي حنيفةَ،
وعن طائفة من أصحاب مالكٍ .
وعلى هذا : فلا فَرْقَ بين السفر الطويل والقصير على الأصح عندهم .
وقوله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَنْكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النّسَاءَ﴾.
قد قيل : إن ((أو)) هنا بمعنى الواو ، كما يقول الكوفيون ومَن وافقهم ؛ فإنه
لما ذَكَر السببين المبيحين للتيمم ، وهما التضررُ باستعماله بالمرضِ ومظنةُ فَقْدِهِ
بالسفر ذَكَر ما يُستباح منه الصلاة بالتيمم وهو الحدثُ ، فإن التيمم يُبِيحُ الصلاةَ
من الحدث الموجودِ ولا يرفعُه عند كثيرٍ من العُلماءِ ، وهو مذهبُ الشافعي ،
وظاهرُ مذهبِ أحمدَ وأصحابهِ ، ولهذا قالوا : يجب عليه أن ينوي ما يستبيحُه من
العبادات وما يَستبيح فعلَ العبادات منه من الأحداث .
وقالت طائفة : بل التيمم يَرفع الحدث رَفْعًا مؤقتًا بعدم القُدرة على استعمال
الماء ، ورُبما استدل بعضُهم بهذه الآية ، وقالوا : إنما أَمَرَ اللَّهُ بالتيمم مع وجود
الحَدَث ، ولو كان التيمم واجبًا لكل صلاة أو لوقت كل صلاة - كما يقولُه من
يقول : إن التيمم لا يَرفع الحدثَ ، على اختلافٍ بينهم في ذلك - لمَا كان لذِكْر
الحدث مَعْنَّی .
والأظهر - والله أعلم -: أن ((أو)) هاهنا ليست بمعنى الواو ، بل هي على
بابها ، وأُرِيدَ بها : التقسيم والتنويع ، وأن التيمم يُباح في هذه الحالات
الثلاث ، واثنتان منهما مَظنَّتان ، وهما : المرض والسفر ، فالمرض مظِنَّة
التضررِ باستعمال الماء ، والسفر مظنة عدم الماء ، فإن وُجدت الحقيقةُ في هاتين
المظنتين جاز التيمم ، وإلا فلا .

١٤
١ - بَابٌ
كتاب التيمم
ثم ذَكَر قسمًا ثالثًا، وهو وجود الحقيقة نفسها ، فذَكَر أن من كان مُحْدِثًا ولم
يجدْ ماءً فَلْيَتَيَمَّم ، وهذا يَشمل المسافرَ وغيرَه ، ففي هذا دليلٌ على أن التيمم
يَجُوز لمن لم يجد الماء ، مسافرًا كان أو غيرَ مسافر . والله أعلم .
وقد ذكر سبحانه حَدَثَين :
أحدهما : الحدث الأصغر ، وهو المجيء من الغائط ، وهو كنايةٌ عن قضاء
الحاجة والتَّخَلِي ، ويلتحق به كل ما كان في معناه ، كخروج الريح أو النجاسات
من البَدَن عند من يَرَى ذلك .
والثاني : ملامسة النساء ، واختلفوا : هل المرادُ بها الجماع خاصةً ،
فيكونُ حينئذٍ قد أَمَر بالتيمم من الحدث الأصغر والأكبر ، وفي ذلك رد على من
خالف في التيمم للجنابة كما سيأتي ذِكْرُه - إن شاء الله تعالى - ، أو المرادُ
بالملامسة مقدِّماتُ الجماعِ من القُبْلَةِ والمباشَرَةِ لشهوةٍ، أو مطلقُ التقاءِ البَشْرَتّيْن،
وعلى هذين القولين فلم يَذْكر في الآية غيرَ التيمم من الحدث الأصغر .
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ متعلّقٌ بِمَن أَحدث، سواءٌ كان على سفرٍ
أو لم يكُن ، كما سَبَقْ تقريرُه ، دونَ المريضِ ؛ لأن المريضَ لا يُشترط لتيممه
فقدُ الماءِ ، هذا هو الذي عَمِل به الأمةُ سلفًا وخلفًا .
وحُكِيَ عن عَطَاءٍ والحَسَنِ : أن فَقْدَ الماءِ شرطٌ للتيمم مع المرضِ - أيضًا -
فلا يُباحُ للمريض أن يتيمم مع وجودِ الماءِ وإن خَشِيَ التَلفَ .
وهذا بعيدُ الصحةِ عنهما ؛ فإنه لو لم يَجُزِ التيممُ إلا لفقدِ الماءِ لكان ذِكْرُ
المرضِ لاَ فائدةَ لَهُ .
وقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أصل التيمم في اللغة القصدُ، ثم صار عَلَمَا على هذه
الطهارة المخصوصة .
وقوله : ﴿صَعِيداً﴾ اختلفوا في المراد بالصعيد، فمنهم: من فَسَّرَه
ء

١٥
١ - بَابٌ
كتاب التيمم
بما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها ، ومنهم : من فسره بالتراب
خاصة .
وقوله: ﴿طَيًّا﴾ فَسَّرَه مَن قال: الصعيد : ما تصاعد على وجه الأرض؛
بالطاهر . ومَن فَسره بالتراب ، قال : المراد بالصعيد الترابُ المُنْبت ، كقوله
تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] وهذا مذهب
الشافعيِّ وأحمدَ في المشهور عنه .
وقال ابن عباسٍ : الصعيد الطيب تراب الحَرْث .
وقوله : ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مَنْهَ﴾ كقوله في الوضوء :
﴿ وامسحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ .
وقد ذَكَرْنا فيما سَبَق في ((أبواب الوضوء)) أن كثيرًا من العلماء أوجبوا استيعابَ
مسحِ الرأسِ بالماءِ ، وخالف فيه آخرون ، وأكثرهُم وافقوا هَاهُنَا ، وقالوا :
يجبُ استيعابُ الوجه والكفين بالتيمم ، ومنهم من قال : يُجْزِئ أكثرُهما ، ومنهم
من قال : يجزئ مسحُ بعضِهما كالرأس - أيضًا .
وقول النبي رَّ لَعَمَّر: ((إنما يكفيك أن تَضرب بيديك الأرضَ، ثم تمسح
بهما وجهك وكَفَّيْكَ)) يَرُدُّ ذلك ويبين أن المأمورَ به مسْحُ جَميعِهِما .
وسيأتي الكلامُ على حَدِّ اليدين المأمور بمسحهما في التيمم - إن شاء الله
تعالى .
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ يَستدلُّ به مَنْ قال: لا تيمم إلا بترابٍ لَهُ غبارٌ يَعْلَقُ
باليد ، فإن قوله: ﴿مِّنْهُ﴾ يقتضي أن يكونَ الممسوحُ به الوجهُ واليدانِ بَعْضَ
الصَّعيدِ ، ولا يمكنُ ذلك إلا فيما له غبارٌ يَعْلَقُ باليد حتى يَقَعَ المسحُ به، ومن
خالف في ذلك جَعَل ((مِن)) هَاهُنَا لأبعد الغاية ، لا للتبعيض ، وهو بعيد يأباه
سياق الكلام . والله تعالى أعلم .

١٦
حديث : ٣٣٥
كتاب التيمم
الحديث الثاني :
٣٣٥ - من طريق: هُشَيْم: أبنا سَيَّارٌ: ثنا يَزِيدُ الفَقيرُ: أبنا جابرُ بنُ عبد اللَّه ،
أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصرْتُ بالرُّعْب مَسيرَةَ
شَهْر، وجُعَلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ من أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ
فَلْيُصَلّ (١)، وأُحِلَّتْ ليَ الغنائمُ ولم تَحِلَّ لأحَدِ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكان
النبيُّ ◌ُبْعَثُ إِلى قَوْمِه خاصَّةً وبُعِثْتُ إِلى النَّاسِ عامَّةً».
هُشَيْمٌ : مُدَلِّس، وقد صرَّح هنا بالسماع مِن سَيَّار، وهو : أَبُو الحَكَم،
وصرَّح سيارٌ بالسماع مِنْ يزيدَ الفقير ، وصرح يزيدُ بالسماع من جابرٍ ، فهذا إسنادٌ
جليلٌ متصلٌ .
وهذه الخمس اختص بها النبي ◌َخلاله عن الأنبياء ، وليس في الحديث أنه لم
يختص بغيرها ؛ فإن هذه اللفظةَ لا تقتضي الحَصر ، وقد دَلَّت النصوصَ
الصحيحة الكثيرة على أنه وُّ﴾ خُصَّ عن الأنبياء بخصال كثيرة غيرِ هذه الخمس ،
وسنُشير إلى بعض ذلك - إن شاء اللّه تعالى.
فأما ((الرُّعْبُ»: فهو ما يَقْذِفُه اللَّهُ في قلوبِ أَعْدائه المشركين من الرعب ،
كما قال تعالى: ﴿سَلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهُ﴾
[آل عمران: ١٥١] وقال في قصة يوم بدر: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِي مَعَكُمْ
فَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأَلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعَبِ﴾ [الأنفال: ١٢].
وفي «مسند الإمامِ أحمد))(٢) من حديث عمرو بنِ شُعَيْبٍ ، عن أبيه ، عن
جَدِّ، عن النبيِ نَّ، أنه قال عامَ غزوةٍ تَّبُوكَ: ((لقد أُعْطيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا ما
أُعْطِيهُنَّ أَحَدٌ كان قَبْلِي : أمّا أنا فَأُرسلتُ إلى الناس كِلِّهم عامَّةً وكان مَن قَبَلي إنما
(١) في ((ك)): ((فعنده مسجده، فليصلِّ) وهي زيادة مقحمة ، ليست في رواية البخاري ، وإنما هي
في رواية أخرى ستأتي - إن شاء الله تعالى .
٢٠) (٢٢٢/٢) .

١٧
١ - بَابٌ
كتاب التيمم
يُرْسَلَ إلى قومه، ونُصرتُ على العَدَوِّ بالرُّعْبِ ، ولو كان بيني وبينهم مَسِيرَةُ شَهْرِ
المُلئ منه رُعْبًا )) - وذَكَر بقيَّةَ الحديث .
وقوله : ((أُعطيت الليلة خمسًا))، لم يُرِد أنه لم يُعْطَها قَبَلَ تلك الليلةِ ، فإن
عَامَّتها كان موجودًا قبل ذلك ؛ كنصره بالرُّعب ، وتَيَمَّمِهِ بالترابِ ؛ فإن التيمم
شُرع قبل غزوةٍ تَبوك بغيرِ إشكالٍ ، ولعلَّه أَراد أنه أُعلم بأن هذه الخمسَ الخصالِ
اختُصَّ بها عن سائر الأنبياءِ في تلك الليلةِ . والله أعلم .
ورُوِّينا بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن السَّائِبِ بنِ يزيدَ، عن النبي ◌َّ ، قال:
((فُضِّلْتُ على الناس بخمس)) - ذَكَر منها - ((ونُصرتُ بالرعب شهراً من أمامي
وشهراً من خلفي))(١).
وأما جَعْلُ الأرض له مسجدًا وطهوراً : فقد ورد مفسَّرًا في حديث عمرو بنِ
شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّ، عن النبيِ بَّ، قال: ((وجُعلتْ لي الأرض
مَسَاجِدَ وطَهُورًا، أينما أدركتني الصلاةُ تَمَسَّحْتُ وصَلَّيتُ ، وكان مَن قبلي
يُعَظِّمون ذلك؛ إنما كانوا يُصَلون في بيعهم وكنائسهم)) - وذَكَر بقية الحديث .
خرَّجه الإمام أحمد(٢).
وفي ((مسند البَزَّار))(٣) من حديث ابن عباس، عن النبي بَّر، قال :
((أُعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أَحَدٌ قَبلي من الأنبياء: جُعلتْ لي الأرضُ طَهُورًا
ومسجدًا، ولم يكن نبيَّ من الأنبياء يُصَلي حتى يَبْلُغَ مِحْرَابَه)) - وذكر الحديث.
وقد تَبَيَّن بِهَذا أَن مَعْنَى اختصاصِه عن الأنبياء بأن الأرض كلها جعلت مسجدًا
له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان مَن قبلهم ،
بل يُصَلُّونَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُم الصَلاةُ من الأرض وهذا لاَ يُنَافي أن يُنْهى عن الصلاةِ
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٧/ ١٥٥).
(٢) (٢٢٢/٢) .
(٣) (٢٣٦٦ - كشف الأستار) . وسيأتي تضعيف المؤلف له قريبًا .

١٨
حديث : ٣٣٥
کتاب التيمم
في مواضعَ مخصوصةٍ مِنَ الأرضِ لمعنّى يختص بها ، كما نُهىَ عن الصلاة في
أَعْطَانِ الإِبلِ، وفي المَقْرَةَ والحَمَّامِ، وسيأتي ذلك مُستوفَّى في مواضعَ أُخَرَ .
إِن شَاءَ اللّه تعالى .
وفي ذِكْرِهِ التيممَ بالأرضِ من خصائصِهِ مَا يُشعِرُ أنَّ الطهارةَ بالماءِ ليست مما
اختُصَّ بِهِ عَنِ الأنبياءِ ، وقد سَبَقَ في ((كتابِ : الوضوءِ» ذِكْرُ ذَلِكَ .
واستدلَّ بقوله بَّهِ: ((جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)) مَن يقولُ: إن
التيمَم يجوزُ بجميع أجزاءِ الأرضِ مِن الترابِ والرَّمْلِ والنُّورَةِ والزِّرْنِيخ والجصِّ
وغَيْرِ ذلكَ، كما هو قولُ مالكِ وأبي حنيفةَ وغيرِهما .
واستدل من قال : لا يجوز التيممُ بغير التراب من أجزاء الأرضِ - كما يقوله
الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه - بما في ((صحيح مسلم))(١) عن حُذَيْفَةَ ، عن
النبيِ وَّه، قال: ((فُضِّلْنا على الناس بثلاث: جُعلتْ صُفُوفُنا كصفوف
الملائكة ، وجعلت لنا الأرضُ كُلُّها مسجدًا، وجعلت تُرْبَتُها لنا طَهُورًا إذا لم
نَجد الماءَ))، وذَكَر خَصْلَةَ أخرى .
فَخَصَّ الطَّهُور بتربة الأرضِ بعد أن ذَكَر أن الأرضَ كلَّها مَسْجِدٌ ، وهذا يَدُل
على اختصاص الطَّهُورية بتربة الأرضِ خَاصَّةً ؛ فإنه لو كانت الطَّهوريةُ عامَّةً
كعموم المساجدِ لم يَحْتَج إلى ذلك .
وقد خرَّج مسلمٌ (١) حديث جابرِ الذي خرَّجه البخاري هاهنا ، وعنده :
((وجُعلت لي الأرضُ طيِّبَةً طَهُورًاً ومسجدًا)).
وهذا يدل على اختصاص الطَّهُورية بالأرض الطَّيِّبة ، والطيبة : هي الأرض
القابلة للإنبات ، كما في قوله تعالى: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾
[الأعراف: ٥٨] .
(١) (٢ / ٦٣) .

١٩
١ - بَابٌ
کتاب التيمم
ورُوِّينا من حديث حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ ، عن ثابتٍ وحُمَّيْدٍ ، عن أَنَسٍ ، قال:
قال رسول اللّه وَلَهُ: ((جُعلتْ لي كلُّ أرضٍ طَيِّبَةٍ مسجدًا وطَهُورًا))(١).
ولكن قد دَلَّت نصوص أُخَرُ على عموم كون الأرضِ مسجدًا ، فتَبقى
طهوريتها مختصة بالأرض المنبتة .
وفي ((مسند الإمام أحمد))(٢) من حديث عبدِ اللَّهِ بنِ محمدِ بنِ عَقِيلٍ ، عن
محمدِ بنِ عليٌّ، عن أبيه علي بن أبي طالبٍ، عن النبيِ وَّر، قال: «أُعطيتُ
أربعًا لم يُعْطَهنَّ أحد من أنبياء الله: أُعطيتُ مفاتيحَ الأرض، وسُمِّيتُ أحمدَ ،
وجُعل التُرابُ ليَ طَهُورًا، وجُعلتْ أُمتي خَيْرَ الأمم)) .
وقد ظن بعضهم : أن هذا من باب المطلق والمقيد ، وهو غلط ، وإنما هو
من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذِّكر ، وهو لا يقتضي التخصيص عند
الجمهور ، خلافًا لما حكي عن أبي ثور ، إلا أنْ يكون له مفهوم فيُبنى على
تخصيص العموم بالمفهوم ، والتُراب والتربة لَقَبٌ ، واللقب مختلف في ثبوت
المفهوم له ، والأکثرون یأبون ذلك .
لكن أقوى ما استدل به : حديث حُذَيْفَةَ الذي خرَّجه مسلم (٣)، فإنه جَعَل
الأرض كلَّها مسجدًا وخَصَّ الطَّهُورية بالتربة ، وأخرج ذلك في مقام الامتنان
وبيان الاختصاص ، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذِكْرُ
التربة لا معنى له ، بل كان زيادةً في اللفظ ونقصًا في المعنى ، وهذا لا يَلِيقُ بمن
أُوتِيَ جوامعَ الكَلِم ◌ِله .
وقد خرَّجِه ابنُ خُزَيْمَةَ في (صحيحه)) (٤)، ولفظه: ((وجُعلت لنا الأرض كلُّها
(١) أخرجه ابن الجارود (١٢٤) وابن المنذر في ((الأوسط)) (٥٠٧) (٧٥٥).
(٢) (١/ ١٥٨) .
(٣) (٦٣/٢) .
(٤) (١ / ١٣٣) .

٢٠
حديث : ٣٣٥
کتاب التیمم
مسجداً، وجُعل ترابُها لنا طَهُورًا إذا لم نجد الماءَ)) .
ومعنى قوله : ((طهورًا)): أي مُطهرًا، كما قال: ((الماءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ
شَيْءٌ» .
وفيه دليل لمن قال : إن التيمم يرفع الحدثَ كالماء رفعًا مؤقتًا ، ودليل على
أن الطَّهُور ليس بمعنى الطاهر كما يقوله بعض الفقهاء ؛ فإن طهارة(١) الأرض مما
لم تَختص به هذه الأمةُ، بل اشتَرَكَت فيه الأمم كلُّها ، وإنما اختُصت هذه الأمةُ
بالتطهر بالتراب ، فالطَهُورُ هو المُطَهِّرُ .
والتحقيق: أن ((طهورًا)) ليس معدولاً عن طاهر، ولأن (طاهرًا)) لازمٌ
و((طهوراً)) متعدٍّ، وإنما الطَّهور اسم لما يُتَطَهُّر به، كالفَطور والسَّحور والوَجور(٢)
والسَّعْوط(٣) ونحو ذلك .
وأما إحلال الغنائم له ولأُمته خاصة ، فقد روي أن مَن كان قَبلنا من الأنبياء
كانوا يُحرقون الغنائم ، وفي حديث عمرو بنِ شُعَيْبٍ ، عن أبيه ، عن جده ، عن
النبيِ نَّه: ((وأُحلَّتْ ليَ الغنائمُ أكلُها، وكان مَن قَبلي يُعَظِّمُون أكلَها، كانوا
يحرقونها))(٤) .
وفي ((الصحيحين))(٥) عن أبي هريرةَ ، قال: ((غَزا نبي من الأنبياء ؛ فجَمَع
الغنائمَ، فجاءت نارٌ لتأكلها فلم تَطْعَمْها ، فقال : إنَّ فِيكُمْ غُلُولاً ، فليُمايعني مِن كل
قبيلة رجلٌ ، فَلُزقتْ يدُ رجلٍ بيده، فقال: فِيكُم الغُلُولُ، فجاءوا برَأْسٍ مثلٍ رأس
بَقَرَةٍ من الذَّهَبِ ، فوَضَعُوها، فجاءت النَّارُ فَأَكَلَتْها، ثم أَحَلَّ اللَّهُ لنا الغنائمَ، رَأَى
(١) في ((ق)): ((فإن هذه طهارة ... )).
(٢) الدواء يصب في الحلق .
(٣) الدواء يصب في الأنف .
(٤) أحمد (٢٢٢/٢) .
(٥) البخاري (٥١٥٧) ومسلم (١٤٥/٥).